الاشراق الثالث - و طايفة اخري نفوا العلة عن فعل الله سبحانه اصلا و رأسا و اثبتوا بالسنتهم الحالية عبثا و جوزوا الترجيح من غير مرجح او جعلوا الارادة هي المرجحة متمسكين بحجج واهية و ادلة ضايعة باطلة و مرد الكل الي امثلة جزئية منها ان الفلك متشابه الاجزاء و تعينت فيه نقطتان للقطبية و دائرة لان يكون منطقة و خط لان يكون محورا دون ساير النقاط و الدوائر و الخطوط مع انه كان جايزا بحسب الذات ان يكون القطبان غير تينك النقطتين و كذا المحور و الدايرة و منها ان لكل فلك حركة خاصة الي جهة معينة مع جواز وقوعها الي كل واحدة منها و كذلك حدودها من السرعة و البطؤ مع تساوي النسبة و منها اختصاص كل كوكب بموضع من الفلك مع تساوي المواضع في الطبيعة فالعقل يجوز وقوعه في موضع آخر و منها اختصاص العالم بمقدار خاص [ص 305] دون ما هو اعظم منه و اصغر مع جوازهما عند العقل و غير ذلك من الخرافات و السر في ذلك وقوفهم و لواذهم بباب الحق من جهة فقرهم لجهة غنائهم في مقام المجادلة و هم اصحاب الصور الشخصية الهائمون في مقامات عشرين فيها ظلمات و رعد و برق فلاحظوا الجزئي و احتجبوا عن الكلي فالهاهم التكاثر حتي زاروا المقابر ألم‌يعلموا ان تلك الامثلة الجزئية لاتثبت الحكم الكلي اذ لقائل ان يقول ربما تكون الحكم و المصالح في هذه الجزئيات خفية لم‌تصل اليها عقولكم مع انا نعارضكم بالامور الجزئية بل الكلية المترتبة علي اكمل صنع و احسن نظام و ابلغ حكمة فما المرجح و ان الامر كما ذكرنا و اين عقولهم الجزئية المغيرة بالنكراء و الشيطنة و فهم اسرار الملكوت و الاستضائة بانوار الجبروت و مجرد تشابه اجزاء الفلك لايستلزم ذلك اذ لو سلمنا ذلك لعله من جهة الامور الخارجية العرضية او الذاتية الثانوية من ترتب العلل و المعلول و الحركة و امثال ذلك مع ان التشابه ممنوع و البساطة المدعاة علي اطلاقها غير مسلمة و وقوع الكيفيات فيها ثابت و اختلاف الوان الكواكب لذلك شاهد واضح و برهان لايح و كلية التسبيع في الكل متحققة واقعة و الاثنينية ظاهرة باهرة و لو كان لي مجال و للقلب اقبال لاطلقت عنان القلم في هذا الميدان و لاديتك ( لأريتك . نسخة ٢٤ خ ) من صنع الخالق الباري ما يدلك علي كمال الاحكام و الاتقان و قد ذكرنا شرذمة منه في بعض اجوبتنا للمسائل و الله الموفق و الهادي الي سواء الطريق و هذا الاجمال مغن عن تطويل المقال و اما اختصاص العالم بالمقدار الخاص ان [ص 306] ارادوا حجم الافلاك و صغرها و كبرها فمن جهة الاسباب الالهية و ادارة الاسباب علي المسببات و حصول المقارنات و الاوضاع و الاضافات حسب ما استجنت في طبايع الارواح العاليات حسب ما استكنت في اسرار الحروف المقطعات حسب ما جرت الافاضة من بحر الجود و انتشرت بفوارة الوجود و قبلتها القوابل بالاعمال فسالت اودية بقدرها حسب ما اراد الحق سبحانه بارادة الحتم و الابرام اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله و ان ارادوا كمية اجزاء العالم و حدودها و اوضاعها و اضافاتها و اقتراناتها فهيهات متي وقف و متي سكن حتي يسئل عن وجه التخصيص و انما الكاتب الابداع بقلم الصنع و الاختراع من دواة الجود و العلم في لوح الكاينات و المبدعات يكتب فيما لايزال فلا جفاف لذلك المداد و لا انقطاع في اللوح من جهة الاستعداد و لا تعب للكاتب لسر الامداد و هذا رزقنا ما له من نفاد و هو رؤف بالعباد كل يوم هو في شأن قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق بهما كيف يشاء كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و مع ذلك كله فقد جف القلم بما هو كائن و اما ما مثلوا لهذا المذهب السخيف بطريقي الهارب و رغيفي الجائع و قدحي العطشان فليس كما توهموه اذ الاغلب يوجد المرجح للمختار في الاختيار من انواع الميولات سيما في هذه الامثلة و لو فرض اعدامه في نظره في عالم الشهادة فاين انت من ( في خ ) عالم الغيب من المرجحات الكونية و المناسبات الوجودية و لو لم‌يشعر لنقصانه في العلم [ص 307] بغواشي حجب الطبيعة و الاعمال فنسي ما مضي عليه في الحال و الاستقبال اتمه له جابر الكسير و معطي الفقير ليتم له ما اختاره و هو عين اختياره قال الله سبحانه له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله ، و قال عليه السلام لو كشف لكم الغطاء لمااخترتم الا الواقع و قال رسول الله صلي الله عليه و آله اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله و الحاصل ان المختار متي كانت نسبة المعلول اليه امكانية من دون داع و مقتض لصدوره يكون صدوره عنه ممتنعا لامتناع رجحان المساوي فالتجويز ليس الا قولا باللسان دون تصديق بالقلب و ذلك الداعي هو الغاية فافهم .

الاشراق الرابع - و طايفة اخري لما نظروا الي فساد تلك الدعوي و لم‌يجدوا بدا من اثبات الغاية قالوا انها هي الذات تبارك و تعالي لانه تام الفاعلية فلو احتاج في فعله الي خارج لكان ناقصا في الفاعلية و كلما يكون فاعلا اولا لايكون لفعله غاية اولي غير ذاته اذ الغايات كساير الاسباب تستند ( وجودها خ‌ل ) اليه فلو كان لفعله غاية غير ذاته فان لم‌تستند وجودها اليه لكان خرق الفرض و ان استند اليه فالكلام عائد فيما هو غاية داعية لصدور تلك الغاية المفروضة حتي ينتهي الي غاية هي عين ذاته فذاته تعالي غاية للجميع كما انه فاعل لها لان واجب الوجود اعظم مبتهج لذاته و ذاته مصدر لجميع الاشياء و كل من ابتهج بشئ ابتهج بجميع ما يصدر عن ذلك الشئ من حيث كونها صادرة عنه فالواجب تعالي يريد الاشياء لا [ص 308] لاجل ذواتها من حيث هي بل من حيث انها صادرة عن ذاته فالغاية له في ايجاد العالم نفس ذاته المقدسة و لست ادري ان هذه الغاية كانت حاصلة له تعالي قبل الاحداث بالقبلية الذاتية ام لا فان حصلت فكان الاحداث تحصيلا للحاصل و الا لكان مستكملا بايجاده و ان كان من حيث الصدور و الايجاد او ليس الا انبساط ذاته و قوله و ذاته مصدر لجميع الاشياء و كل من ابتهج بشئ اه ، فيه ما مر ان الفاعل و المصدر كيف يكون عين الذات مع انهما لايثبتان الا متأخرا عنها و اسئلك هل يتحقق الفاعلية بدون الفعل ام لا ان قلت بلي فصدق المشتق بدون المبدء هذا خلف و ليس هو كالعلم لمكان التخلف مع بقاء الكينونة و ان قلت لا فاقول هل الفعل عين الذات او غيرها فان قلت عينها ناقضت و ان قلت غيرها فقديم او حادث اختر ما تريد و لاتقل هب يكون الفعل حادثا لكن الفاعل قديم لانا نقول المشتق فرع المبدء و الاصل في الاشتقاق هو الفعل فيكون الفاعل حادثا بالطريق الاولي و الا لزاد الفرع علي الاصل و هذا دليل المجادلة و اما دليل الحكمة فهل تجد في رتبة الفعل الا ظهور الذات و هل تجد الا الذات الظاهرة فكيف ترخص نفسك ان تكون الذات هي الحركة لان الظهور هي الحركة و ما هذا الا جزاف ( في خ ) المقال الا انك لاتدرك كيف يكون الفاعل حادثا و قائما بالمبدء لا انك تدرك خلافه و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم فترقب لما نذكر انشاء الله في كيفية اصدار الصادر الاول و ان لوحنا اليه سابقا و اما الابتهاج المدعي فهل هو جديد او قديم فان اخترت الثاني يكون عابثا تعالي ربي [ص 309] و ان اخترت الاول فوقعت فيما فررت منه فلايكون ذات الشئ علة لفعله ( غاية لفعل خ ) لانها متأخرة و الذات متقدمة فيجب ان تكون متأخرة حال كونها متقدمة و التقدم الذكري لايترتب عليه شئ الا الانبعاث للفعل و قد سبق منا كما هو التحقيق ان الغاية هي مقتضي الشئ المعلول و ما يترتب عليه و كيف يكون مقتضي الاثر في رتبة ذات المؤثر اذ الغاية هي ما لاجله فعل فان كانت مترتبة علي ذلك الفعل فكما قلنا و ما الزمنا و ان لم‌يترتب بطل الفعل اصلا لعدم المدخلية فتعدم المعلولية هذا خلف فالغاية ابدا في نفس المعلول و متأخر عنه و القول بانها منقسمة الي ما هو عين الفاعل او ( في خ ) نفس الفاعل كالفرح او في نفس القابل او في شئ آخر قول ماصدر عن معدن الحقيقة و لعدم النظر في الحقيقة و الا فهي ليست الا في نفس المعلول الشئ و من اقتضائه علي المعنيين فهي في الحقيقة معلول من جهة و علة من اخري فالفرح انما حصل بوقوع الشئ علي ما يلائم و كذا النوم و الجلوس فانهما من مقتضيات السرير و من لوازمه الذاتية من حيث الصلوح فجعل الغاية عين الفاعل من حيث هو من الغرائب و اغرب منه بالنسبة الي الله سبحانه و اغرب منه جعلها عين ذاته تعالي سبحانه سبحانه سبحانه عما يقولون بلي يجوز ان يتمشي هذا القول في الموجب علي الظاهر كالاشعة للسراج و الاحراق للنار و لعمري ان الذي ذكرنا في غاية الوضوح و نهاية الظهور اوضحت الامر لتبين الرشد من الغي ،

فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فتأخذه عنا

و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا [ص 310] 

ازالة وهم : لعلك تنظر في بعض الاخبار و تراه بظاهره يخالف هذا الاعتبار كقوله تعالي و اصطنعتك لنفسي و قوله تعالي لولاك لماخلقت الافلاك و لولا علي لماخلقتك و قوله تعالي خلقتك لاجلي و خلقت الخلق لاجلك و قوله عليه السلام نحن صنائع ربنا و الخلق بعد صنائع لنا و امثالها مما يدل بظاهرها علي مراد القائل بانها عين الفاعل لكنك لو تأملت حق التأمل و امعنت النظر وجدت ما ذكرنا لكنك بشرط ان تلاحظ قوله تعالي فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و تلاحظ ايضا قوله عز و جل مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها الحديث ، و قوله عز و جل يا ابن آدم اطعني اجعلك مثلي و قوله عليه السلام في النفس الملكوتية الالهية انها هي ذات الله العليا و قوله عليه السلام اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده مع انا لله و انا اليه راجعون و علي مراد القائل انه سبحانه صنعه لغاية ذاته فان اراد به ابتهاج الذات بحيث لولاها لم‌يحصل او انه من لوازم الذات و مقتضاءاته و كلا الحكمين باطلان اما الاول فللاستكمال و اما الثاني فلبطلان الجعل و الافتقار الي ثالث اذ المرتبط مفتقر الي ثالث فافهم فيكون الله سبحانه غاية له في انوجاده بايجاده تبعا لوجوده فاختصه الله سبحانه بنفسه الظاهرة له به و لا شك في ذلك فان الانيات و لوازم الماهيات من الخطاب و الحضور و الغيبة و غيرها من الحدود و لا غاية لها الا ذات الله و نفسه الظاهر الظاهرة ( الظاهرة خ ) فيها بها و كل ذلك علي حد قوله عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته سبحان ربك رب العزة عما يصفون .

[ص 311] الاشراق الخامس - كلما في الخلق له و كلما له اليه و كلما اليه عنه لاينزل من القدم الي الحدوث شئ و لايصعد منه اليه شئ انقطع الاتصال و انتفي الانفصال فعدم الخبر الا بالذكر و الاثر و هو ذكر الذاكر و وصف المؤثر ،

قد طاشت النقطة في الدائرة و لم‌تزل في ذاتها حائرة

و كلما لغيره في غيره و كلما لم‌يثبت لشئ وقتا او حالا لم‌يثبت له ابدا لانه قد تم بدونه فيكون الآخر ثابتا في خارجه قال مولينا الرضا عليه السلام كلما في المخلوق يمتنع في خالقه فاذا عرفت هذا فاسئلك ان العلة الغائية من مبادي الكون و اسبابه ام لا فان قلت لا كابرت الحس و الوجدان و البرهان و ان قلت بلي قلت هل هي مع الكون او قبله او بعده فان قلت قبله بالذات بحيث لها استغناء عن الكون و الشئ لا ذكر له فيها بوجه من الوجوه فقد ابطلت قولك هذا خلف و ان كان قبله في التعلق و الذكر و التصور كالواحد قبل الاعداد في التقريب و ان قلت انها بعده فقد ابطلت عليته فان قلت معه بحكم المساوقة من دون التحاوي مع الحواية فقد قلت حقا و اثبت العلية فانها قبل المعلول لاتسمي و عنده جائت التسمية فان كانت منبئة عن تجدد وضع في المسمي فقد صح و الا فكذب و لا وجه للمنع في الاول و الاثبات في الثاني [ص 312] و قد قلنا لك ان الاسماء اللفظية بازاء الاسماء المعنوية فان قلت اسمي الذات علة مع قطع النظر عن المعلول كليا خالفت العقل و النقل و ان قلت من حيث صدور المعلول عنه فقد اثبت الاضافة و المقارنة و هي في رتبة دون رتبة الذات لتأخرها و ثبوت الذات فلم‌يبق الا التساوق و المعلول اعم من ان يكون ذكرا او عينا فتكون العلة متأخرة عن الذات و الغائية و ان كانت متقدمة في التصور لكنها متأخرة في الوجود و التحصل فانقطعت نسبتها عن الذات اللهم الا ان تكون الذات ناقصة تممها ( تتممها خ ) و هذا ايضا بالنسبة اليها مستحيل و مرجعها الي بعض الاضافات و الاوضاع فان الطلب متأخر عن ذات الطالب و ان تساوق مع نفسه فتكون الغاية راجعة الي الخلق و الحق سبحانه منزه عن كل ما يستند الي الخلق و يرتبط به بالذات و بالعرض .

تحقيق حق و ترجيح صدق : ان العلة الغائية هي محبته ( محبة خ ) المعرفة اي المعروفية اي العلم الهاتف بالعمل ليتصلوا بذلك باعلي مقامات القرب و يكملوا في مراتب الحب و تسعهم عناية الرب و يصلوا به اعلي درجات الكمال و ينتفعوا من الفيض الابدي و الامر السرمدي و الي اللايزال فالغاية هي اظهار الرحمة و بسط عوائد الكرم و المنة ليستكمل بها الناقصون و يستغني به المعدمون فهي خلق راجع الي خلق و لايستند الي ذات الحق سبحانه شئ فهو اولي للخلق و احسن لهم لا له سبحانه و هو الجود المحض اذ الجود علي ما اشار اليه صاحب الاشارات هو افادة ما ينبغي لا لعوض و لعل من يهب السكين لمن لاينبغي له ليس [ص 313] بجواد و العوض يعم الثناء و المدح و التخلص من المذمة و التوصل الي ان يكون علي الاحسن او علي ما ينبغي فمن جاد ليشرف او ليحمد او ليحسن به ما يفعل فهو مستعيض غير جواد و كلامه الي هنا صحيح اذ الحق سبحانه ماتعلق به شئ بعد الخلق من الاحوال و الصفات الذاتية زائدا علي ما كان قبل الخلق قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام و لم‌يكونها لتشديد سلطان و لا لخوف من زوال و نقصان و لا للاستعانة بها علي ند مكاثر و لا للاحتراز بها من ضد مثاور و لا للازدياد بها في ملكه و لا لمكاثرة شريك في شركته و لا لوحشة كانت منه فاراد ان يستأنس اليها ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها و تدبيرها و لا لراحة واصلة اليه و لا لثقل شئ منها عليه لا يمله طول بقائها فيدعوه الي سرعة افنائها لكنه سبحانه دبرها بلطفه و امسكها بامره و اتقنها بقدرته ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه اليها و لا لاستعانة بشئ منها عليها و لا لانصراف من حال وحشة الي حال استيناس و لا من حال جهل و عمي الي علم و التماس و لا من فقر و حاجة الي غناء و كثرة و لا من ذل و ضعة الي عز و قدرة الخطبة ، و هو لعمري كلام جامع و ان اتي بما يفهمه العوام فان فيه اسرار لايعلمه الا العلماء الاعلام و اما قوله و العالي لايكون طالبا امرا لاجل السافل حتي يكون ذلك منه جاريا مجري الفرض ( الغرض خ ) فان ما هو غرض لقد يتميز عند الاختيار عن نقيضه و يكون عند المختار انه اولي و اوجب حتي انه لو صح ان يقال فيه انه اولي في نفسه و احسن ثم لم‌يكن عند الفاعل لم‌يكن [ص 314] غرضا فاذا الجواد و الملك الحق لا غرض له و العالي لا غرض له في السافل فليس بصحيح فان الغرض لم‌يتعلق بالشئ في ذات الله سبحانه و انما هو في خلقه بفعله و خلقه في ذاته بجميع شؤناته عدم محض و ممتنع صرف ذكرا و عينا فلم‌يكن هناك شئ اولي من شئ لامتناع الاشياء فيها و هي انما كانت في الخلق للخلق بالخلق فصار البعض اولي عند الله و احسن و بعضها اقبح احب شيئا و كره آخر و رضي عن شئ و ابغض الآخر فان انكرت اثبات هذه الاوصاف لله سبحانه كذبت الرسل و الكتب و ان اثبتها في ذاته تعالي كفرت كفر الجاهلية الاولي و لايلزم من فعل الشئ للغير استكمال الفاعل به بل قد يكون ذلك عارا عليه و انما يفعله لمحض الجود و لايلتفت الي شئ نعم اذا كان في الاختيار و الفاعلية في مقام الذات فكما قال لكنه ليس كذلك لان الملك دام في الملك و رجع من الوصف الي الوصف و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود و من العجب انه اراد تخليص نفسه من شوب الاستكمال و توهمه اوقعها في قبح اعظم و قول اشنع و قال ان تمثل النظام الكلي في العلم السابق مع وقته الواجب اللائق يفيض منه ذلك النظام علي ترتيبه في تفاصيله معقولا فيضانه و ذلك هو العناية ( الغاية خ ) فمن لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور ألم‌يعلم ان الكثرات الغير المتناهية العلمية تقدح في الوحدة البسيطة و القول بان الوحدة في الكثرة ان كان كالشجرة في النواة او هي و اغصانها هو قولنا انه كفر و زندقة و الا فسفسطة صريحة .

[ص 315] عود في التحقيق بطور انيق : دع عنك يا اخي هذه الاوهام الباطلة المظلمة الغير المستشرقة باشراقات انوار الائمة الطاهرة عليهم سلام الله ما دامت الدنيا و الآخرة فانها كلها سبل الضلالة و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله و انما اتينا بها هنا ارشادا للمسترشدين و هداية لهم في معرفة تحريف المبطلين و كيفية التخلص عنها بهداية الائمة الطاهرين و الا فالقول واحد لكونه من الرب الواحد و العلم نقطة كثرها الجاهلون و هو كما قال سبحانه كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فالغاية هي المحبة و المعرفة الخلقيتان لا الابتهاج الذاتي الذي توهمه اشباه الانسان و هي خلق جعلها للخلق و غاية هذه الغاية نفسها و لاتنتهي الي الذات سبحانه و تعالي فانها ليست غاية لشئ و الا لم‌يكن لا كالاشياء لوجوب تشابه المتصلين في الملتقي ان الي ربك المنتهي فهو لايتناهي و يحيط بما لايتناهي فالغاية في الايجاد و الاحداث هو ظهور العالي للسافل بالقاء مثاله فيه ليهتدوا به اليها ( اليه خ ) و يريه بعينه فانها رؤية الحق ( حق خ ) فيفني في بقائه و يسكر في صحوه فيبقي في فنائه و يصحو في سكره فيحيي بالحيوة الابدية و يقوي بالقوة السرمدية و يظهر مثالا له في العوالم الكونية و العينية و الشرعية و الوجودية فيخاطب باني سمعك الذي تسمع به و بصرك الذي تبصر به و يدك التي تبطش بها الي ان استهل ( استسهل خ ) للقول بانك مارميت اذ رميت و لكن الله رمي الي ان ينتهي الي القول بان ظاهرك للفناء و باطنك انا فيقال له انه ذات الله العليا و شجرة طوبي اطعني اجعلك [ص 316] مثلي انا اقول للشئ كن فيكون و انت تقول للشئ كن فيكون انا حي لااموت تكن حيا لاتموت و هذه هي الغاية القصوي و المقام الادني و المقصد الاقصي و لما كان العود عين البدء كما بدءكم تعودون فتكون هي الغاية في البدء لكنها غاية الظهور في الظهور بالظاهر في مقام الفاعل و الذات منزه عن ذلك كله سبحان ربك رب العزة ( عما يصفون خ ) و قد اشرنا الي الكل بقولنا في بعض الاشارات انه لما ظهر ما ظهر لما ظهر بما ظهر تثلث ما ظهر اه ، فالغاية للظهور و هي ما ذكرنا و لكنك اعلم ان السافل هو عين الظهور المحتجب بالظهور فالذات ابدا في غيبها و الظهور في عمائها .

سر خفي و علم الهي : اعلم لو كنت تعلم ان العلة الفاعلية و الغائية قد اتحدتا مطلقا في الفعل البدوي لا الآلتي او مطلقا لان الفاعل ليس الا نفس الظهور للذات الظاهرة في الآفاق و الانفس و المظاهر انما اوتي بها لاجل ظهور ذلك الظهور و تشعشع لمعان ذلك النور و تلك هي حد الغيور و اصطنعتك لنفسي و خلقتك لاجلي نحن صنائع ربنا لا ذات الله جل و علا لتنزهها عن ان يكون غاية و ان كان هو غاية كل ذي غاية فالغاية لظهور الظهور لا نفس الظهور و هو اي الثاني ظاهرية الحق سبحانه لما ظهر له به و لما كان كل يعمل علي شاكلته كان كل السوافل و المظاهر علي هيكل الظهور الذي هو هيكل التوحيد قال عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هيكل التوحيد آثاره فتحققت العلة الصورية فاقترنت و اتصلت و لما كان السافل ليس الا العلم و العمل اذ قيمة كل امرء ما يحسنه من العمل فقوام العمل بالعلم و هو مادة المواد [ص 317] و اسطقس الاسطقسات و ليس الا علم العالي بالسافل الذي هو نفس السافل و علم السافل بالعالي الذي هو نفس العالي و انما هو ذلك الظهور الهاتف بالعمل الطالب للمظهر كان ذلك مادة له فهو نور الانوار فهو ( فتحققت خ ) العلة المادية فاقترنت فاجتمعت الاربعة المتناسبة في الاكوار الثلثة و الاكوار الثلثة في الادوار الاربعة فصاح الديك و نعق الغراب و هدرت الحمامة و انتشرت اجنحة الطاووس علي الجبال العشرة فتم الامر بالباء ثم بالميم و ظهر سر ذلك في الم ببيان ان الالف هي عين الباء فافهم .

كشف غطاء : و نزيدك توضيحا لان المقام من مزال الاقدام فكم زلت للاعلام فيه الاقدام فاعلم ان الظهور هو الفاعل اي الظاهر اي الكلمة التامة و ظهورها هي الغاية و هي الدلالة و الودق الغدق المغدق الهاطل من سحاب التجلي الاول و ظهور المقابل في المرءاة الاولي و ذلك هي مادة المرءاة اي نفس الصورة و الزجاجة محلها و تلك الصورة كهيئة الظهور الا انها تختلف بالقوابل نعم ما قال :

و عينك عيناها و جيدك جيدها و لكن عظم الساق منك دقيق

فافهم لئلايشتبه عليك الامر و لو سئلتني عن حقيقة الامر ،

اخاف عليك من غيري و مني و منك و من زمانك و المكان

و التلويح اليه انك بعد ما علمت البيان من الرحمن في حقيقة الانسان يظهر لك سر العلة الفاعلية فاذا تفطنت لمعاني ذلك البيان سطع نور العلة الغائية فانها و ان كانت متأخرة في الظهور لكنها متقدمة في الذكر فاذا اتيت المدينة وجدت العلة المادية فاذا ادخلتها ( دخلتها خ ) من بابها [ص 318] او من ظهرها تنكشف حقيقة العلة الصورية فانتهت الامور الي الواحد الا الي الله تصير الامور انا لله و انا اليه راجعون و الخلق بعد صنائع لنا و خلقت الخلق لاجلك هنالك الولاية لله الحق و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا فافهم راشدا ما القينا عليك من اسرار الحق و الكبريت الاحمر و لاتقل ان العلة الفاعلية هي عين العلة المادية مطلقا او الصورية كذلك فانه كفر و زندقة بل لما اشرنا اليه كما توهمه بعض الجهال من اهل العناد لما سمع ذلك من الاستاد ادام الله ظلاله علي رؤس العباد و السلام .

اللمعة الرابعة - في المحبة و بيان قوله تعالي فاحببت ان اعرف . قال تعالي قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم ، ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين ، قال عليه السلام المحبة حجاب بين المحب و المحبوب و قال عليه السلام قلوب خلت عن ذكر الله فاذاقها الله حب غيره ، و لهذه اللمعة اشراقات :

الاشراق الاول - اعلم ان الالفاظ و العبارات لاتوصل الا الي المفاهيم الذهنية التي هي دلالة اللفظ المتشخصة بالعوارض الغيبية من الصفا و الكدورة و المقابلة و عدمها و تمامها و نقصانها فتتكثر بعدد الالتفاتات الذهنية و ليس المراد الا الواحد و العلم نقطة كثرها الجهال هذا حكم المقابلة الاولية في العوالم اللفظية فما ظنك بالذي قابل المقابل سيما بعد تعبيره باللفظ غير الاول مع القطع بان اكثر المعاني لاتعبر و لا كلما يعبر يقدر المعبر علي التعبير علي وجهه و لا كلما هكذا يصح ان يتلفظ و لا كلما [ص 319] يصح التلفظ يتضح المطلب و هكذا كلما بعد بعد وجه اصابة المراد فمن اقتصر علي العبارات حرم عن الاشارات و التلويحات و ماعرف الا قشور بعض الصفات و احتجب عن مشاهدة الذوات في حلية الصفات و لنعم ما قال ان اغلب الناس قتلاء العبارات و من نظر الي حقيقة المعاني قاطعا التفاته عن المباني يقف علي السر الالهي في اللب الانساني فاذا يدرك البيان ببدائع المعاني فبعد ما التفت الي اللفظ تتزايد له المعاني و يتصل بالآمال و الاماني فيعرف التلويحات و الاشارات و يتفطن لدقائق الاوضاع و الاضافات و الاقترانات و كيفية اداء العبارات و الي ما ذكرنا اشار رب البريات و اوحي ربك الي النحل منتحلي العلم لكونه محله علي معني و كان عرشه علي الماء في الحقيقة الاولية و الحقائق بعد الحقائق الي آخر اكوارها في ادوارها ان اتخذي من الجبال الالفاظ لكونها محل المعاني و ظاهرها و محيط بها كالجبل المحيط بالدنيا ق و القرآن المجيد بيوتا اصولا و قوانين و من الشجر المعاني لتشعبها بالجهات عن اصل واحد و مما يعرشون من الارتباطات و الاضافات بين الالفاظ و المعاني بحكم المناسبة الذاتية او بين الالفاظ اي الكلمات بعضها مع بعض من المنطوق الصريح و غيره و دليل الاشارة و دليل الاقتضاء و فحوي الخطاب و لحن الخطاب لاحظا للمعاني راعيا الميزان القويم و القسطاس المستقيم ثم كلي من كل الثمرات بالنظر و التتبع في الكلمات و الاشارات من اهل الحق و الثبات او مطلقا اذ عندك الميزان البات فاسلكي سبل ربك ذللا بالنظر الي الميزان و ربط المناسبات و النظر في الحقائق و التلويحات الكونية الوجودية و اللفظية و الملائمات البرزخية و المقارنات الحرفية و الموافقات العددية و [ص 320] المرابطات التعبيرية و مقامات التأدية من العبارة و اقتضاء المقام يخرج من بطونها اي تلك الاحكام الكلية شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس و هدي و رحمة من امراض جهالتهم الي نور العلم الكلية من الابواب التي تنفتح منها الف باب فاذا فهمت هذه القاعدة الكلية في معرفة الاحكام اللفظية فاستعملها في كل مقام و انظر الي الحقيقة ثم اعمد الي اللفظ ثم في المرابطات سيما في معرفة مطالبنا فانها من الكتاب و السنة و ما اجمعت عليه الامة و لاينفتح ابواب الاحاديث الصعبة المستصعبة الا بهذا المفتاح القوي و الا فكل يدعي وصلا بليلي و كاين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون فنقول هل تجد في ذاتك تجدد و حركة ام لا فان قلت نعم فهل قبل التجدد كنت ام لا فان قلت لا صدقت و ان قلت نعم كذبت فان الذات لاتتوقع شيئا من حيث الكينونة و التحقق غيرها فان تحققت ( توقعت خ ) فلم‌يكن ما فرضناه هو هذا خلف فاذا ليس في الذات الا هي و هي من حيث هي ليست الا هي و كلما يتأخر فهو المتأخر و ( الا خ‌ل ) لايكون الا المتأثر فان المتأخر تأكيد المتقدم في السلسلة الطولية كقولك ضربت ضربا و قعدت جلوسا فانت في كينونتك انت ثم تميل الي شئ بحركة قلبك اليه لكنها في غاية السرعة لانها في اعلي مراتب اللطافة بالنسبة اليك و هو اول ذكرك للشئ و ذلك هو المشية قال عليه السلام اتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول و هي الارادة قال عليه السلام الارادة من الخلق الضمير و ما يبدو له بعد ذلك من الفعل و هو الاختراع قال عليه السلام المشية [ص 321] و الارادة و الاختراع معناها واحد و اسماؤها ثلثة و من حيث ان الميل لايكون الا للملائم ( الي الملائم خ ) و اليه يسمي حبا و محبة فالمحبة هي ذلك الذكر الاول و هي سر الوجود و ظهور الحق المعبود فيعبر عنها حسب الارادات باسماء مختلفة .

الاشراق الثاني - و لما كان هذا الذكر الاول المسمي بالارادة يختلف في الشدة و الضعف و الزيادة و النقصان و له مراتب كثيرة غير محصورة لكن كلياتها تجتمع في تسعة مرتبة اول بالتربيع ( مترتبة اول التربيع خ ) و الجذر المستنطق بكمالي الظهوري و الشعوري في احب الاسماء و اكرمها سميت كل مرتبة باسم يغاير الاخري و ان اجتمعت في اسم المحبة و كل ذلك مظاهر ذلك الذكر و مقاماته حسب المذكورية فالاولي يسمي ميلا و هو انجذاب القلب الي مطلوبه و الثانية تسمي ولعا و هو اذا قوي و دام ذلك الانجذاب و الثالثة تسمي صبابة و هو اذا اخذ القلب في الاسترسال الي من يحب فكأنه انصب كالماء اذا فرغ لايجد بدا من الانصباب و الرابعة تسمي شغفا و هو اذا تفرغ له بالكلية و تمكن ذلك منه و الخامسة تسمي هوي و هو اذا استحكم في الفؤاد و اخذه عن الاشياء و السادسة تسمي غراما و هو اذا استولي حكمه علي الجسد و السابعة تسمي حبا و هو اذا نما و زالت العلل الموجبة للمنع للميل و الثامنة تسمي ودا و هو اذا هاج حتي تفني المحب عن نفسه و التاسعة قيل انها تسمي عشقا و هو ما اذا طفح حتي فني المحب و المحبوب و في هذا المقام يري محبوبه و لايعرفه و الوجه في ذلك ان الشئ له شئون ذاتية و شئون عرضية و [ص 322] شئون اضافية و وضعية و حقيقة صرفة و لطيفة محضة المجردة عن الشئون المنزهة عن الاعتبارات صور الهية و مثل ربوبية خالية عن المواد عارية عن القوة و الاستعداد تجلي لها بها فاشرقت و طالعها فتلألأت و القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و تلك الشئون هي سبحاتها و هياكل تنزلاتها و اذا التفت اليها كانت في عوالم غربتها و هجرتها و عدم الوصول الي مسكنها و موطنها و اذا غفلت عنها فهي في انسها و كمالها و ذلك الذهول المطلوب لايكون الا بالميل الي عاليها كما انها ليست الا هو فاذا مالت الي العالي و نظرت اليه اخذت تنجذب تلك السبحات و تنكشف الافاضات فاولا يذهل عن غيره من الشئون العرضية و بينها تلك المراتب الاولية عن الميل الي الهوي ثم يأخذ في الذهول عن نفسه بمراتبه من الغرام الي الود ثم يذهل عن العالي المنظور اليه و يتصل به اتصالا عيانيا من حيث فقدانه و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فان المحبة حجاب بين المحب و المحبوب لاقتضائه التثليث و هو ينافي الحبيب ففي الاول كان نظرها الي كرة كلية ذات حركات وضعية و لها دورات عرضية و في ثخنها الافلاك و الكرات الكلية و الجزئية مع متمماتها و حواملها و تداويرها و قراناتها و اوضاعها المستندة المتقومة باقطابها و محاورها و في الثاني نظرها الي نفسها من حيث متمماتها الحاوية و المحوية و في الثالث نظرها الي القطب النقطة الحقيقية المقومة للكرة مع قطع النظر عن نفس الكرة و لواحقها الذاتية و العرضية و في الرابع تخرق حجاب النقطة و تنظر من ( في خ ) [ص 323] اول نظرها من سم الابرة حتي تخرق حجاب النهاية و اخذ في اللانهاية فلا غاية و لا نهاية ليس لمحبتي غاية و لا نهاية فلحق الاول بالآخر و الباطن بالظاهر .

الاشراق الثالث - حبك للشئ جهتك اليه و استدارتك عليه فان كانت ذاتية تدور لا الي جهة و لا وضع و لا محور لها فان كانت الاستدارة علي خلاف التوالي كان ذلك عين محبوبك لك فانه قد تجلي لك بك فهو محبك و محبوبك احبك بك و احببته به فنظرت اليه به و نظر اليك بك و هذه و لعمري هي المحبة الصادقة و لا زوال لها و لا اضمحلال بل هي باقية ببقاء المحبوب فيما لم‌يزل و لايزال فلايزال هو متجلي له به و جاذبه عنه و هو فان فيه و منجذب اليه كانجذاب الحديد للمقناطيس بلا كيف و لا اشارة و هذا هو الاستيناس في ظلال المحبوب احب محبه فاحبه بعين محبته له فمحبة المحبوب لمحبه في هذه السلسلة اقدم احب جماله بجلاله فنظر جلاله الي جماله بعين جماله كما نظر الي جلاله بعين جماله و لست ادري عرفت مرادي من هذا البيان المردد المكرر ام لا و هذا عكس ما يزعمون فان جهة العالي و ميله الي السافل لو كان في رتبة العالي لكان السافل عاليا فيجب ان يكون في رتبة السافل لا بحيث يلزم العكس من كون العالي سافلا بل العالي عال و السافل سافل فالظهور للسافل بالسافل من حيث كونه عاليا و هو المحبوب المتقدم محبته ( محبة خ ) لمحبه علي محبه و محبة السافل للعالي بالعالي من حيث كونه سافلا اعرفوا الله بالله و قال من قال و لقد اجاد في المقال :

رأت قمر السماء فذكرتني ليالي وصلها ( وصلها خ ) بالرقمتين

كلانا ناظر قمرا و لكن رأيت بعينها و رأت بعيني [ص 324] 

و اما حب الشئ نفسه عين نفسه و هذا معني محبة الحق للخلق و محبة الخلق للحق يحبهم و يحبونه فتام المحبة من لايري سوي المحبوب و كاملها من يفقد المحبوب بالاشارة لانه دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فاتحد المحب و المحبوب و المحبة الا انه هو هو و نحن نحن و لما كان الايجاد انما كان بالمحبة سرت و جرت المحبة في كل موجود و مكون غائب و مشهود فماتم شئ موجود او معدوم جوهر ام عرض لفظ او معني الا بها فهي شمس عالم الوجود لانها نار الشجرة الغير الشرقية و لا الغربية الماسة زيت تلك الشجرة الصافي الذي يكاد يضيء ( في عالم الشهود خ ) و لو لم‌تمسسه تلك النار في فلك الاسم الودود فبحرارتها استقام كل مزاج و هي منشأ كل سرور و ابتهاج فهي مادة المواد و صورتها الاتصال بالمراد و ببرودتها ظهر ذلك النور بما فيه من القابلية و الاستعداد فكل محبة تستلزم الاتصال و كل اتصال يلزمه الانفصال فبالاتصال يسكن المحب و بالانفصال يتحرك سريعا فلولا الاتصال بطلت المحبة لكونها فرع مشاهدة الجلال و الجمال فلا محب و لا محبوب و لولا الانفصال تمت و انتهت و ليس لمحبتي غاية و لا نهاية فهو دائما يسير الي محبوبه و دائما يتجلي له محبوبه فاذا سكن عنده تجلي له في مقام اعلي فيشتد سيره و يعظم ميله ،

كلما جاء كأس يأس مرير جاء كأس من الرجا معسول

فبالحب سكن السواكن و تحركت المتحركات فالساكن لسرعته لاتري لها [ص 325] حركة خلق ساكن لايدرك بالسكون مع انه عين الحركة و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شئ و تلك الحركة لتلك الحرارة و الداعية المشوقة السارية في كل الذرات من باب الآيات و هي اثر حب الله قد سري في خلقه ليكمل به ميولاتهم اليه مع تباين اطوارهم و قد ضجت اليه الاصوات بفنون اللغات و اجتمعت لديه العقول المتباينة المتخالفات و هو سر توحيده و آية تفريده و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد و هي تلك المحبة السارية في كل اقطار الوجود و بها امتاز العابد من المعبود و لولاها لم‌يكن شئ موجودا و هي سر الايجاد و علة الانوجاد و جهة الاتصال و مادة الانفصال تسرع الاشياء ( بالاشياء خ ) الي مباديها و توصلها الي اصولها و جواهرها و تعرفها مقامها و رتبتها اجمل لك المقال بانها عين الكمال في المبدء و المآل و السلام علي اهل الوصال .

تنبيه : العالي لايزال يحب السافل و يلتفت اليه من حيث هو كذلك و لولاه لا سبيل للسافل اليه و السافل ليس الا عين محبة العالي و محبوبيته له و محبيته فالقول بان العالي لايلتفت الي السافل بظاهره باطل اذ السافل ليس الا التفاته فوجوده نقض لقولهم نعم التفات الانتفاع منتف و كذا الذكر عند الذات هذا في السلسلة الطولية من الازل الي الابد الذي هو نفس ذلك الازل فكل سافل سائر الي جهة العالي و مشتاق اليه و راغب فيما لديه و منقطع اليه و لايريد سواه و لايطلب غيره من حيث هو و كذا العالي بالنسبة اليه الا ان محبة العالي مقدمة فاحبه بما جعله فيه من [ص 326] محبته فاحبه بمحبته له لا العكس و محبة السافل تقتضي الدوران و الاستدارة الابدية علي نفسها لانه يطلب العالي في سيره لفرط شوقه فكلما يصعد اليه يرجع قهقري عند نفسه فيطلب الغير في مقامه و لايمكن الوصول اليه فلذا لم‌يزد ( لم‌يزدد خ ) الا حبا و شوقا و شغفا و غراما و ولعا و لايزال يتجدد له تجلي المحبوب و لاينزل اليه ابدا ،

قذفتهم الي الرسوم فكل دمعه في طلولها مطلول

الطرق الي الله بعدد انفاس الخلائق و ان الله لايتجلي في صورة مرتين لا بذاته حاشا ربي بل بتجليه فهم من فهم و عرف من عرف ان جمال المحبوب له ظهورات حسب مراتب المحبين المشتاقين الولهين الفانين ثم لجماله جمال و لجمال جماله جمال و هكذا و للكل طالب و مشتاق لكن لايطلب جماله الا جماله و لايريد وصاله الا جلاله و لايبصر نوره الا طرفه ،

اعارته طرفا رءاها به فكان البصير بها طرفها

و لو كان لك بصر حديد او القيت السمع و انت شهيد علمت عيانا و شاهدت احساسا انه مااحبه الا نفسه لا كما يقوله اهل الضلال فان كلمات اهل الحق و الباطل متشابهة في ظاهر الحال بل لما ذكرنا و اصلنا لايري فيها ( فيه خ ) نور الا نورك و لايسمع صوت الا صوتك و تلك المحبة هي القطب الذي عليها مدار الاكوار و الادوار في كل الاطوار لا الي جهة كما هو شأن الاستدارة علي القطب و هناك لا فرق بين دوران الاكوار و الادوار فان كل ذلك دورة الهية سرمدية و ذلك القطب كرة يدور علي قطب محبوبه فانقلبت الدايرة كرة و الكرة نقطة و هي دايرة علي نفسها علي التوالي و خلاف التوالي .

[ص 327] الاشراق الخامس ( الرابع . ظ ) - اذ قد علمت ان الوجود قام بالحب و عاد اليه فاعلم ان المحبة محبتان ذاتية و عرضية و الذاتية ذاتيتان احديهما هو اللانهاية السائرة الدائرة علي محبوبها بالاستدارة الحقيقية لا الي جهة و قد تقدم حكمها و ثانيهما مقامات النهاية و كل نهاية سيرها الي جهة فلاتكون ( فلايكون خ ) الدوران الي القطب بل علي المحور فتختلف مراتبها في المحبة حسب ميولاتها التكوينية المحضية و الوصفية فاعلاها المقامات العقلية فانها من حيث كينوناتها لاتسير الا الي جهة تلك المحبة و تميل الي الحدود الغيبية المعنوية و الي المعاني الكلية و لقربها الي المحبة الحقيقية سريعة الوصول انحرق ( لخرق خ ) حجب النهاية الي اللانهاية و لذا لايميل الي ما ينافيها و يضادها و لايشتاق الا الي خدمة المحبوب و ملازمته و امتثال اوامره و نواهيه و ايثار محبوبه الحقيقي علي ما سواه فهو لاينظر الا الي تلك المحبة لكنها في حجاب رقيق يتلألؤ بخفق و هو من زبرجد و اسفلها المقامات الصورية المترتبة الي العشرين و تجمعها الصور النفسية و الجسمية و العرضية من الكيفيات و الكميات و الجهات و الاوضاع و غيرها و اعلاها الاعلي و هي الادني فاقدة المحبة الحقيقية لكمال بعدها عنها و احتجابها بالغواشي حتي تشغله الكثرات و تلهيه الاضافات و الميل في هذه المقامات لاتكون لذاته بل لجهة من الجهات و حيث من الحيثيات و ذاتيتها الي الآخر ربما ينبئ عن ميل الآخر و تؤالفهما في العالم الاول الذر الثالث و تقابلهما و تواجههما و قد لاينبئ لجواز ان يكون في ذلك العالم وجهه علي ظهره هكذا دد او يكون الميل العرضي بدواعي اللطخ و الخلط و قد ينبئ ذلك عن ميل [ص 328] الآخر اليه فالواقف في هذا المقام لم‌يزل في احتجاب و ابدا علي وجه مقصوده حجاب و نقاب فسيره العرضي المعكوس و شمس مدارجه في الافول و الطموس و اوسطها الاوسط و هو الحجاب الاسود لاتدور الا الي الجهة و هي الجهات الحسية و المدارج الرسمية حجاب غليظ و ميلها عكس الميل الكلي فلاتميل الا الي الصور الجسمية و لايشتاق الا اليها و لايهوي الا اياها و تترقب عليها مقتضي محبتها و مودتها و فيها نسيان المحبوب الاول لان كينونتها علي خلافه و ان كان قوامها به و دلالتها عليه فشوقها الغريزي و ميلها الذاتي الي الجهات و ذوات الاوضاع و الحدود و كذا الشوق الوجداني و الشعوري فانهما قد يتخالفان عند احتجاب الواقفين بالحجب الظلمانية و الا فلا اختلاف كاهل الجنة في درجاتهم و مقاماتهم حسب اقتضاء كينوناتهم باعمالهم و دواعي اقبالهم و لايميلون الي ما ليس لهم و لايشتاقون اليه ليكدر عليهم صافي شربهم ( مشربهم خ ) كما في الدنيا ام تحسدون الناس علي ما آتيهم الله من فضله و لاتتمنوا ما فضل الله بعضكم علي بعض و قال عليه السلام لو كشف لكم ( الغطاء خ ) لمااخترتم الا الواقع ، فالمحبة الكينونية هي المتقدمة و لها الحكم و التأثير في حال التخالف لانها ذاتية و الاخري عرضية و اسفلها السفلي و تلك المحبة حجاب اسود غليظ كالليل الدامس كثير الحيات و العقارب فيه اهوال منكرة و مقامات مظلمة و لاتميل الا الي الحدود الكثيفة و هي عن المحبة الحقيقية بعيدة بعيدة و في هذا المقام يحصل الميل الي الصور المقدارية الجميلة و الشمائل المستحسنة كما هو معهود الآن في ابناء [ص 329] هذا الزمان و غيره و اما دعوي مجازية هذه المحبة و امثالها فاعلم ان الحدود من حيث هي حدود لاتكون مجازا اذ حركتها تبعية و سيرها لظهور الحقيقة و حركتها ضدية مجتثة فتدور علي خلاف جهتها فبطلت المجازية نعم المحدود مجاز للمطلق و النور مجاز للمنير و الحركة مجاز للمتحرك لا من حيث هي كذلك فاذا نظرت اليها لا من حيث هي بل من حيث ظهور العالي كان مجازا فاذن انطوت الحدود و اضمحل لها الوجود و الشهود فالواقف في مقام مجاز المجاز حيث لم‌يصل الي الحقيقة ان كان صادقا لم‌يكن نظره الا اليها فحيث لم‌يصل اليها بعد هو في مقام صحوه و رتبة فعله و عالم فرقه ففي عالم الفرق للمحبوب ذكر عند المحب كما في عالم الجمع محو و سكر و اتحاد بل وحدة في مقام الحب الحقيقي الذي هو عين المجازي فاهل المجاز الواقفين في عالم الاغيار و الاكدار حيث فقدتهم العين فاين لهم من الذكر و لما كان ذكر المحبوب اللائق له لايمكن الا بعد الاتصال في مقام هو نحن و نحن هو و يتعذر ذلك لاهل المجاز حيث هم بعد طالبون للجواز ابان لهم المحبوب في مستسرات الغيوب و جعل لهم في عالم البين و الفرق تلك الاذكار لتكون موصلة لهم الي تلك الديار اذ كما عرفت ان المحبة في الرتبة الاولي هي ذكر المحبوب و ذلك الذكر هو ما اسس الشارع من انواع الطلب و اقسام التذكر فاذكروا الله كما هديكم و من المعلوم البين ان المحب ان حرم عن المشاهدة و هو صادق لم‌يزل في ذكر المحبوب و فكره فاذا نسي الذكر فهو كاذب في دعواه و مفتر في مدعاه ،

[ص 330]

تعصي الاله و انت تظهر حبه هذا لعمرك في الفعال بديع

ان كنت فيه صادقا لاطعته ان المحب لمن احب مطيع

فالذي نظر الي الحدود و احتجب عن مشاهدة المعبود و اشتغل بها عن الركوع و السجود و يدعي انه من اهل المجاز فهو كذب و زور و فرية و غرور فاذا اشتغل بذكر المحبوب ذكره المحبوب فاذكروني اذكركم فجذبه اليه و اخرجه عن الحدود فلايري شيئا الا و يري لمحبوبه فيه شهود فان كان من اهل المجاز يبكي و يشتد حزنه و بكائه و غلقه و اضطرابه لفقدان الجلوس مع المحبوب علي سرير القرب في عوالم الغيوب فاذن لايتفاوت له مظهر دون مظهر و اثر دون اثر اذ لا غاية له الا ملاحظة المؤثر المحبوب فكل الايام له يوم واحد و كل الاشياء عنده شئ واحد و هو ظهور المحبوب فلم‌يزل ناظرا في آثاره و آياته و لاحظا في مقاماته و علاماته و ملتزما ذكره و فكره كما كان للاولياء الصديقين و الاحباء الراشدين و اهل العرفان و اليقين مثل ذلك الهندي الذي كان ينظر الي السماء فيبكي و الي الارض فيبكي و الي الشرق فيبكي و الي الغرب فيبكي و الي الجنوب و الي الشمال و لم‌يزل يشتغل بتلك الاحوال و مثل السلمان ( سلمان خ‌ل ) اعجوبة الزمان و هؤلاء لعمري قليلون و هم عظيمون جليلون فمن فرق بين مظهر و مظهر و اثر و اثر و قصر نظره في واحد دون الآخر فهو محدود و محجوب لايريد في قصده حقيقة المحبوب بل هو لايقصد الا ذلك الشئ المطلوب و جعل قوله المجازي شبكة لصيد الجهال و مجازا الي الكفر و [ص 331] الاضلال الم‌تنظر الي ما قاله اهل الاصول التي هي ظاهر الوصول و باطن الحصول ان استعمال الكلي في الفرد حقيقة اذا لم‌تلاحظ فيه الخصوصية بوجه و الا فهو مجاز و مرادهم بالحقيقة هو المجاز و بالمجاز هو ظاهر الجواز و هو الحقيقة الثانية المجتثة .

ارشاد : يا اخواني لاتغتروا باقوال بعض السفهاء المتسمين بالحكماء و هم اجهل الجهلاء حيث رخصوا اهل الدواعي النفسانية الشهوانية في عشق الصبيان و الغلمان المردان و صرف بضاعة العمر في عشقهم الذي هو عين الطغيان بادعاء انه المجاز و المجاز قنطرة الحقيقة فاشتغلوا بها عن الصلوة و الصيام و الاقبال الي الله و الخضوع و الخشوع و التضرع له و الابتهال اليه في السر و الاعلان فلايتوجه الي الصلوة لو وقف لاجل الناس اليها و لايقوم لله بعبادة و نسك فلو وقف للصلوة فهو مشغول بذلك الغلام الامرد بل ربما يخاطبه فاذا ناداه و هو في الصلوة قطعها و لباه و اذا رآه شهق شهقة و نعق نعقة كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة و لست ادري كيف يكون المجاز مخالفا للحقيقة و كيف يكون الطريق منافيا للطريقة و انت لو نظرت المرءاة و قصدتها في نظرك و التفت اليها في قصدك فقد احتجبت عن المقابل و مانظرت اليه و نظرك اذن في المرءاة غلط و عبث و هباء و الاشياء كلها مرايا مستقيمة لكونها مخلوقة علي الفطرة و لاينظر العارف الي الشئونات المختلفة التي هي جهاتها و انياتها بل لا قصد له الا ملاحظة جهة المحبوب فصح عندي و عند العرفاء الكاملين المؤمنين الممتحنين الذين ميزوا الغث عن الثمين و اشتغلوا بائمتهم المهتدين عن كل اهل [ص 332] الظن و التخمين و انت ايضا لو تأملت فيما ذكرنا و اصلنا لك من الاصل الاصيل الذي هو اعظم برهان و دليل ان عشقهم هذا قبيح و هو والله من فعل البطالين و المعطلين لا دخل له في السلوك الي الحق المبين بل هو طريق الي الجهل الكلي بمعونة الشياطين و هو اغلظ الحجب و اكثفها للسالكين و قد وقفنا بحول الله و قوته علي ماهيته و علله و اسباب معانيه و غايته و لذا لما سئل مولينا الصادق عليه السلام عن العشق قال عليه السلام قلوب خلت عن ذكر الله فاذاقها حب غيره و هو في الحقيقة طرد و خذلان نعوذ بالله من غضب الله و من فسره بالتنبيه ليس له وجه وجيه و لم‌يطلع علي السر الحقيقي الذي فيه و ليس هو فضيلة نفسانية بل شبكة شيطانية و ما اعجب ما استدلوا علي هذا الطريق الباطل و المسلك الهائل بوجود هذا العشق في المبادي العالية مثل اهل الفارس و اهل العراق و اهل الشام و الروم و كل قوم فيهم العلوم الدقيقة و الآداب الحسنة و الصنايع اللطيفة و فقدانه في مثل الاكراد و الاعراب و الترك يا سبحان الله ماعرف ان اكثر الناس لايعلمون و لاتجد اكثرهم شاكرين و ان اهل الحق قليلون و قليل ما هم و قليل من عبادي الشكور و السر في ذلك انه مااطلع علي حقيقة الامر و مأخذه و الا لم‌يتفوه به و الاشارة اليه مجملا ان الله سبحانه لما امر اللطيفة الالهية و الحقيقة السرمدية بالادبار لتصحيح الاقبال فنزل الي الجماد و كلما بالفعل كان بالقوة و خفيت المبادي العالية و العوالم الاولية فلما امرها بالاقبال لاتمام الادبار اخذ في الصعود فكل مقام وصل اليه رآه حسنا و حسبه منزلا لنسيانه تلك [ص 333] الفسحات النورية و العوالم الغيبية و كل سافل يظهر في الصعود قبل العالي الي ان وصل في صعوده الي مقام النفس مقام الكثرة و مقام الاختلاف و الصورة و رأي فضاء واسعا و عالما فسيحا اقام فيها و تمكن النفس في مدينة حقيقتها و استولت علي عرش سلطنتها و اطاعتها الحواس و القوي و المشاعر و هي لاتشتهي الا المخالف و برهانه يأتي انشاء الله تعالي فاذا ظهر العقل بعد تمكنها و استقرارها و دعي القوي ان تتوجه الي عالمه فانه احسن و اوسع و اشرف و فيه وجه المحبوب عصت النفس و صعبت علي القوي اطاعته لتمكنها و منعها فارسل الله الرسل معينا له و ظهيرا فكلف يعني امر الناس بالتكلف و المشقة مع ان الطاعات كلها من مقتضيات العقل و راحة للملائكة العقليين و مشقتها لما بينا من سلب ما عادت النفس عليه و لذا طلب الاكثر الراحة و ماتقلدوا بهذه القلادة و اقلهم الذي قبلوا اكثرهم انكروا ما يدعوهم الي مخالفة النفس كثيرا كالولاية و اقلهم الذي قبلوا اقتصروا علي الظواهر و غمضوا عن البواطن و ماقتلوا انفسهم الا قليل قليل قليل ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل و اولئك هم الفاسقون و لست ادري كيف كان اهل الفارس و الروم من المبادي العالية الا من جهة شيوع اشتغالهم بالكثرات و غلبة الفسق و الكفر فيهم و اما علومهم فليست مما يتعلق بالدين و لو فرض ذلك فانما هي صناعات العلم يهتف بالعمل و لا عمل الا ذكر الله و ليس ذكر الله الا كما حدده الله في كتابه و بينه رسله و خلفاءه فمن تعدي ذلك الحد [ص 334] فقد استوجب الحد و استحق الرد و اما الاكراد و الاعراب الذين اشار اليهم اتري ذلك فيمن اشار اليهم ● فهم بعد ما ترقوا عن عالم الحس و هم كأنهم خشب مسندة و ما التفتوا الي ما التفت اولئك الاعلام من تسخير سلطان النفس و ليتهم ( لانهم خ ) ايضا ماوصلوا اياهم و ماترقوا ليسلم الناس من شرهم اعلم ان الشرافة الكينونية هي الصورة الانسانية و هي حدودها التقوي و الحب في الله و الاشتغال بذكر المحبوب كما اراد منه و اذكروه كما هديكم لعلكم تفلحون فاذا نقص شيئا منها نقصت انسانيته و جائت شيطانيته او ان الانبياء قد قصروا في الاداء و مااخبروا اممهم بذلك المقام الاعلي و اما استدلالهم لغاية التربية فاسوء حالا و اعظم عيبا الا ان يقولوا ان الله سبحانه مااراد تربية من ليس له تلك الشمائل المستحسنة مع ان هذه كلها استحسانات شعرية و اما دعوي ان الله سبحانه خلق تلك المحبة في قلوبهم فلاتحسنه لان الله خالق كل شئ كتب الايمان في قلوب المؤمنين بايمانهم و خلق الكفر فيها بكفرهم بل طبع الله عليها بكفرهم و الغاية هي اختيارهم و طلبهم اياها من مفيض الخير و الجود و تقابل اودية قابليات قلوبهم بفوارة النور كالشك و الوهم و الظن و الوسوسة و العناد و الريبة و كل ذلك مخلوق لله قل الله خالق كل شئ و اما القول بانه يجعل الهموم هما واحدا فغريب جدا فان الشخص و ان كان في عالم وقوفه له شئون لكنها ليست ثابتة بحيث تشغله عن كل شئ فالكثرة دليل عدم الثبات فتساقط حال التعارض و يتفق للشخص التخلية و الاقبال الي الله في اغلب الاحوال لكنه في تلك الحالة الميشومة المسماة بالعشق لايري لغير معشوقه تحقق و تأصل ( تحققا و تأصلا . نسخة ٢٤ خ ) لايبرح في ذكره و فكره في الخلوات و اوقات [ص 335] الصلوة بل لايلتفت الي الله ابدا في تلك الحالات و يقطع الرحم و كل شئ يقطعه عن معشوقه و ان كان طاعة الله جل شأنه فيكون العاشق في كل تلك الاحوال مشركا الي ان يخرج منها و هو في محل الشك و الغالب انه يرتحل الي الآخر و بقاءه الي حد التحاء معشوقه نعوذ بالله من غضب الله تعالي يا اخي تنبه عن سنة الغفلة و اعلم ان الله سبحانه لايتوجه اليه من جهة الغفلة عنه و لا سبيل اليه الا بما دلوا و امروا عن الله سبحانه و هم المعصومون المطهرون المنزهون عن الخطاء و الزلل و السهو و دع غيرهم ان كنت آمنت بهم فانهم الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتهم و طريق هدايتهم و الله خليفتي عليك و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .