[ص 273] تبصرة : و لاجل هذا القول السخيف استظهر رئيس المشككين في المقال و اورد عليهم شبهة حكموا بانها غير مندفعة و لا مرتفعة في حال من الاحوال و هي ان الحوادث و المخلوقات لاتخلو ان وجدت بعد القديم بازمنة متناهية او غير متناهية و الاول يستلزم التحديد المستلزم للتركيب و الثاني ان لايوجد شئ الي الآن و الا يلزم تناهي الزمان هذا خلف فاضطربوا و تزلزلوا في حلها الي ان اقروا بالعجز و ماقدروا ان يهيؤا لها حشوا من الراي و هي تلزمهم بعد القول بان بين الله و بين خلقه زمان فاصل كان الله فيه و لميكن معه شئ ثم خلق الخلق في زمان آخر لكن علي ما اصلناه و شيدناه و ايدنا اندفاع ما قال هين جدا بالمنع من الاتصال اذ ليس بينه و بين خلقه وصل و لا له عليها فضل فاذا بطل الوصل بطل السؤال بالتناهي و عدم التناهي فالله سبحانه قبل الخلق و بعده بعين ذلك القبل و قبله بعين ذلك البعد فهو قبله بما لايتناهي و بعده بما لايتناهي و معه بما لايتناهي و خلقه في نفسه لايتناهي و هو سبحانه قبل ما لايتناهي بما لايتناهي فان التناهي و الابتداء و الاولية و الآخرية كلها من خلقه محدثة بصنعه فهو سبق النهاية و فعله سبق البداية التي هي عين النهاية فلايوصف بها اذ لايجري عليه ما هو اجراه اذن لاتحد الخالق و المخلوق و الصانع و المصنوع و المنشئ و المنشاء تعالي ربنا و تقدس عن ذلك علوا كبيرا .
الاشراق الخامس - الحق الحقيق بالتحقيق و التصديق هو ان الله سبحانه واحد احد في كينونة ذاته المقدسة الشريفة و لا شئ معه فيها و لايستند اليها و لايذكر فيها ثم احدث الكائنات من الممكنات و المكونات في [ص 274] مراتبها و اماكنها و اوقاتها من غير سبق رتبة و مكان و وقت و الا كان قديما ( لكانت قديمة خ ) و القول بتخلل العدم بين الواجب و الممكن سوفسطائي لان العدم الصرف لايحصر بين حاصرين ( لايحجز بين حاجزين خ ) و لايتوسط بين وجودين و لايتصل بالوجود و لايناسب الفقدان المحض الشهود و انما هو عدم و امتناع في الازل و هو لايتغير عما هو عليه فالعدم السابق هو الآن باق مااتاه لاحق و لنيأتيه و الحادث هلاك محض و فناء صرف الا بالمحدث الموجد واقف ببابه سائل بفقره من جنابه لا شيئية له و لا تذوت و لا تحقق في حال من احواله من مبدئه و معاده و امكانه و وجوده و ماهيته و كلما له و به و منه و كل ذلك قائم به تعالي قيام صدور كالكلام للمتكلم فانه في كل حال و ان لا شئ الا باصدار المحدث اياه لست اقول بقدم الاعيان الثابتة و لا بقدم المشية و الارادة و لا بقدم الامكان و لا بقدم العدم و غيرها بل اقول بحدوث كلما سوي الله سبحانه لكنه بفعله في اماكنه و اوقاته و لا كاللوازم الذاتية و لا كالاشراقات الشمسية و السراجية و لا كالتوليدات الاستجنانية و لا كالصور المرآتية و لا كالامواج البحرية و لا كما يقوله ذوق المتألهين و لا كالصوفية المتعسفين بل لانه سبحانه خلقه لا من شئ و لا لشئ و اخترعه اختراعا و ابتدعه ابتداعا لا بفصل وقت و تخلل زمان و توسط عدم ذلك تقدير العزيز الحكيم .
ازالة وهم : و لاتتوهم اني اقول بقدم العالم حاشا ربي ان يكون له مشارك في القدم بل انما بينت معني الحدوث و ان لا معني للحدوث الا هذا و لايتصور الا هكذا الا ان تقول ( نقول خ ) بحدوث الاجسام الزمانية المفصلة [ص 275] و قدم غيرها او قدم تلك المدة و ذلك الوقت او العدم المتصور اذ لميتصور الا شيئا ( الاشياء خ ) فيتصورون قبل الخلق فضاء واسعا و يجعلون القديم في طرف منه و يسمونه العدم ثم يتصورون خلق الخلق في آخر نهايات ذلك الفضاء و لاينبئك مثل خبير و هذه كلها امور وجودية ( موجودة خ ) و البراهين العقلية و النقلية عليها قائمة كما سبقت و تأتي انشاء الله .
تعجب : و بعض منهم ضاق عليهم المنهج لما في القول بالفصل و الوقت الموجود من القبايح تفصوا منها الي القول بالزمان الموهوم و ليت شعري ما هذا هل هو شئ واقعي صدق حق ام كذب و انتزاع وهمي فان المتصور في الذهن حين انتسابه الي الخارج لايخلو عنهما فان كان الاول فمانفعه هذا الوهم و ان كان الثاني فكما نقول و كذا الذي زعم ان علة الحاجة الي العلة هي الحدوث و هو مسبوق بالعدم و العلة متقدمة علي معلولها فانه فاسد لان الحاجة الي العلة ان كانت عدمية فلاتحتاج الي العلة في عدميتها لتحصيل الحاصل مع انه لايتصور ابدا فان كانت وجودية فعلتها اولي بذلك ( فاذا كان الحدوث هو العلة فهل واجب ام لا و الثاني حاجته علة الحاجة فان عدت الاول عدنا الي ان تنتهي الي نفس الحدوث خ ) فكان الحدوث وجوديا فهل هو واجب ام لا فان كان الاول فيتناقض و ان كان الثاني فما علة حاجته الي العلة فان عدتم عدنا حتي يتسلسل او تقول ان العلة هي نفس الحدوث فاذن مايضرك لو قلت بان علة الاحتياج نفس المعلول فان قلت انه عدم فلايكون علة [ص 276] قلت كالحدوث حرفا بحرف و هذا كلام الزامي لا حقيقي و كذا قول من زعم انه ينصر القول بعدم الفصل بين الفاعل و المفعول بان علة الاحتياج هو نفس الامكان فان فيه ان الامكان ان لميكن شيئا سقطت عليته و لايصح فرض العلية و المعلولية في العدمين مع انه لا تمايز في الاعدام و لا اختلاف و لاتجري فيها الاحكام فان كان شيئا كان الكلام في حدوثه و قدمه كما ذكرنا آنفا فان قلت انه شئ و هو اعم قلت قد سبق القول في مساوقيته للوجود بل عينيته ( عليته خ ) معه فلانعيد و حقيقة الامر ان الاثر المعلول لايملك لنفسه شيئا لا ضرا و لا نفعا و لا موتا و لا حيوة و لا فقرا و لا غني لا كمالا و لا نقصانا بل كلما له و به و منه و اليه و عنه من احواله و صفاته و اعتباراته و جهاته و حيثياته كلها من العلة و عنها و بها و الوجه في ذلك من العقل و النقل اما الاول فلان الاثر ليس شيئا الا ظهور المؤثر و هو قبل اشراق المؤثر و تجليه ليس شيئا و لا ذكر له ابدا ليقتضي الاقتضاء او الفقر او السؤال او الطلب فلما ظهر المؤثر بظهوره اختلف ظهوره بالاعمال و الحدود المتأخرة عن الظهور و المساوقة معه في الظهور فلما تم الظهور بقابلية الحدود تم فقره و سؤاله مساوقا له و لذا ترانا نقول ان الله سبحانه امر الخلق ان يسئلوه اذ لو لميكونهم امتنع سؤالهم و طلبهم لفقرهم فسئلوه ان يسئلهم فاجابهم و سئلهم لما اجابوه بان يسئلهم فقال لهم الست بربكم و هذا ظاهر انشاء الله و اما الثاني فالآيات و الاخبار فيه لاتحصي كقوله تعالي ادعوني استجب لكم و قوله عليه السلام اللهم اني ادعوك كما امرتني [ص 277] فاستجب لي كما وعدتني و قوله عليه السلام و انا الفقير المسكين المستكين الذي لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا ، و امثالها كثيرة فالعلة هي علة افتقار المعلول اليها و لا ضير فيه كما هو الواقع فالحق سبحانه هو الذي امكن و افقر و كون و عين و قدر و قضي و امضي فافهم و اشرب عذبا صافيا هنيئا .
عبرة : انظروا يا اولي الابصار الي الذين مااستمسكوا بالعروة الوثقي التي لا انفصام لها كيف تذهب بهم الريح يمينا و شمالا فذهب طائفة الي ان ما سوي الله سبحانه مسبوق بالعدم سبقا زمانيا فبقي الحق سبحانه لميوجد شيئا ثم ابتدء و اوجد العالم بارادة و الا يلزم ان يوجد حوادث لا اول لها و هو يستلزم القول بفعلية الوجود الغير المتناهي المستحيل و الزيادة فيما لايتناهي اذا تجدد حادثا و هو يستلزم التناهي هذا خلف و الجواب اما عن الاول فبالتزامها عند الله سبحانه و تعالي و منعها عند انفسها و عند بعضها مع البعض فانها من الافراد الغير المتناهية و هي في نفسها ( غير . نسخة ٢٤ خ ) متناهية اذ لايستلزم تناهي زيد تناهي افراد الانسان لو فرض انها لاتتناهي و الله سبحانه محيط بما لايتناهي بما لايتناهي المتنظر الي قوله صلي الله عليه و آله جف القلم بما هو كائن و لاينافي هذا الجفاف جريانه و رطبيته بالنسبة الي بعضها مع بعض و معرفته حظ المؤمنين الممتحنين و ظهر لك من ذلك الجواب عن الثاني فان التجدد و الزيادة انما هي في افراد اللاتناهي فان ما سيكون كائن عند الله سبحانه و هو سبحانه احاط بما كان و ما هو كائن و [ص 278] ما سيكون من الازل الي الابد الذي هو نفس ذلك الازل دفعة واحدة و ان تجددت الاشياء و تزايدت بنسبة بعضها مع بعض و هو قوله صلي الله عليه و آله بعد ما قال جف القلم و قال له السائل ففيم العمل قال اعملوا و كل ميسر لما خلق له و قال عليه السلام فان الدعاء من القدر فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم فتسلم . ثم ان هذه الفرقة اذا طولبوا بعلة تخصيص حدوث العالم بالوقت الذي حدث فيه دون غيرها من الاوقات التي يمكن فرضها مما لايتناهي قبله او بعده افترقوا الي قائل بالتخصيص لوجود علة لذلك التخصيص غير الفاعل و هي مصلحة تعود الي العالم فهو علي جهة الاولوية دون الوجوب و الي قائل بالتخصيص علي سبيل الوجوب و امتناع الحدوث في غيره و الي قائل بعدم التخصيص خوفا من العجز عن التعليل و هو غير مقيد بحين بل بفعل الفاعل و لايسئل عن لم و كل هذه طرق الضلالة و سبل الغواية و الجهالة و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله اما الاولي فلان تلك المصلحة اما موجودة او معدومة و الاول يسئل عن حدوثه و قدمه و عن مبدء حدوثه فان تسلسل الجواب تسلسل السؤال و الثاني هل هي من اقتضاء ذلك العدم او للعلم الازلي علي زعمهم بوجودها هناك و الاول ظاهر البطلان لان الاقتضاء وصف وجودي للمقتضي فيتناقض مع العدم الصرف و يستحيل و الثاني اما ان يعلم انه يوجدها في ذلك الوقت فرجع الامر الي الفاعل هذا خلف مع انه ايضا يسئل عن علة التخصيص بذلك الوقت مع تساوي نسبته مع كل شئ او يعلم [ص 279] بحصولها هناك اذا اوجد العالم فان كان لا عن جعل فغلط فان كان عن جعل جاء الخلف و ان كان بترتيب الاسباب و دوران بعضها علي بعض فهو ايضا يرجع الي الفاعل الجاعل لانه جعل الاسباب اسبابا حتي ترتبت عليه المسببات و هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فافهم و تفطن الا ان يقول بان الوقت موجود فيقتضي فهو كما ذكرنا و اما الثانية فتعرف مما قلنا بان علة الوجود ان كانت راجعة الي الفاعل فيلزم الترجيح من غير مرجح لتساوي النسبة بالنسبة الي الفاعل و ان كانت الي العالي فيلزم وجوده حين عدمه و لا وجوده حين وجوده و اما الثالثة فانهم قد استراحوا عن مؤنة النقض و الابرام و الجدال و الالزام بعد ما جوزوا الترجيح من غير مرجح و نفوا الحسن و القبح العقليين و جوزوا التكليف بما لايطاق لميبق الا ان يقال لهم اذا ليس الحق سبحانه حكيما اذ وضع الشئ في موضعه يوجب ان يكون للاشياء اقتضاءات لان الرحمن علي العرش استوي فتلك اما حسنة او قبيحة ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم فافهم و سيأتي الكلام فيه انشاء الله الرحمن و ذهب طائفة اخري بعدم السبق الزماني لكنهم قد التزموا بما هو اقبح من الاولي و قالوا ان واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته و احواله الاولية و ارادوا بها ما لايتوقف وجوده علي غير ذاته تعالي لكونه قادرا و فاعلا و عالما و هذا شرك بالله سبحانه لان صفة الفعل الذي هو اسم الفاعل قد جعلوه عين الذات تعالي و تقدس فتوجه اليهم ما قال مولينا الصادق روحنا له الفداء من عبد الاسم و المسمي فقد اشرك و عبد اثنين .
[ص 280] تحقيق الحق : فالحق ان الله سبحانه خلق الخلق و احدث الحوادث لا من شئ و لا في شئ و انما اخترعها و ابتدعها و لميكن لها اصل من غير تخلل عدم بين الحق سبحانه و بين خلقه و لا اقتران و لا اتصال و قد قال عليه السلام لميكن الله خلوا من ملكه قبل انشائه و قال عليه السلام في هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا اي كان مذكورا في العلم و لميكن مكونا و قد سبق منا ان العلم الذاتي لا معلوم فيه و هذه المذكورية ليست الا في العلم الحادث اي العلم السابق بالاشياء الذي هو قبل الخلق و بعد الخلق و مع الخلق و قد صرح بذلك انه المشية فقال عليه السلام ان علم الله السابق المشية و قد اثبتوا حدوثها ببراهين جدلية و لوحوا باشارات حكمية و قد قال مولينا الصادق عليه السلام كنا بكينونته كائنين غير مكونين ازليين ابديين و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الازلية الثانية و صاحب الازلية الاولية و قال عليه السلام في الدعاء كان قديما قبل القبل في ازل الآزال و اسئلك باسمك العظيم و ملكك القديم و قوله عليه السلام استخلصه الله في القدم علي ساير الامم و قال عليه السلام و لايقال كان بعد ان لميكن فتجري عليه الصفات ( صفات خ ) المحدثات و لايكون بينها و بينه فصل و لا له عليها فضل فيستوي الصانع و المصنوع و يتكافي المبتدع و البديع و امثالها من الاخبار كثيرة جدا مع ان العقل القاطع الضروري يشهد بامتناع الفاصلة و استحالتها و ان يكون الازل غير ذاته سبحانه مع ما يلزم حينئذ من تعطيل الحق سبحانه [ص 281] عن الافاضة و بسط الجود من غير مانع اذ لا مانع للواجب في فعله بعد عدم المصلحة الا الشريك و المصلحة المسببة عن اقتضاءات الاسباب بما رتبها الله سبحانه قبل الخلق معدومة فلميكن المانع الا الضد و هو سبحانه متعال عن ذلك و لعمري ان هذا هو القول بان يد الله مغلولة اذ لا فرق بين من يدعي ذلك في هذه الاوقات او قبلها من الاوقات للخلق و الايجاد اسئلك يا هذا هل كان الله سبحانه قبل ذلك الوقت المدعي تعبانا فاستراح او ناقصا فكمل او منتظرا فانجز او ممنوعا فاهمل سبحانه سبحانه سبحانه عما يقوله الجاهلون رحمته واسعة و قدرته بالغة و جوده عظيم و خيره عميم لايتفاوت له وقت دون وقت او زمان دون زمان او عدم فان نوره يمحق الظلمات و قدرته تطرد العدمات ما لكم لاتعقلون و كأن منشأ اشتباه بعض العلماء منا انما هو لظواهر بعض الاخبار و الآيات الدالة علي سبق العدم و اثبات الاولية لاول العالم مع انها كلها شرح لما ذكرنا و بيان لما اصلنا و استنادنا بعد العقل القاطع الضروري تلك الاخبار المتقدمة فان غيرها يؤل اليها و لا كذلك العكس و الطرح بعد الصحة تكذيب و منعها تكذيب آخر للقاعدة القطعية الالهية و التقية مما لا سبيل لها اليها و هي مثل قوله عليه السلام كان الله و لميكن معه شئ و قال عليه السلام ان قيل كان فعلي تأويل الاولية ( تأويل ازلية الوجود فبطل الزمان الفاصل خ ) و قوله تعالي أولايذكر الانسان انا خلقناه من قبل و لميك شيئا و قوله تعالي هل اتي الآية ، فاثبت مذكوريته في الامكان و لاشيئية في الاكوان و امتناعه و عدمه في [ص 282] الازل فبطل الوقت الفاصل و قد قال مولينا الرضا عليه السلام اما الواحد فلميزل واحدا كائنا لا شئ معه بلا حدود و لا اعراض و لايزال كذلك و قال عليه السلام في تفسير الله اكبر هل ( و خ ) كان ثمة شئ فيكون الله اكبر منه و ليتهم تأملوا في قوله عليه السلام كان قبل القبل بلا قبل و بعد البعد بلا بعد فلو كان بينه و بين خلقه زمان كان قبلا بذلك القبل و لميصدق بلا قبل و لايكون القبل عين البعد و مثل قوله عليه السلام و لا قوي بعد ما كون الاشياء و لا كان ضعيفا قبل ان يكوّن شيئا و قال عليه السلام في هذا الحديث الشريف و لا كان خلوا من الملك قبل انشائه و لايكون منه خلوا بعد ذهابه فاعتبروا يا اولي الابصار انكم خلقتم للبقاء لا للفناء و انما تنتقلون من دار الي دار و الجنة و النار لا نفاد لهما و لا انقطاع ابدا دائما سرمدا لا اله الا هو العلي الكبير و اما الاجماع المدعي فالقدر المسلم هو ان الخلق لميكن ثم كان و ان الله قبل الخلق و بعد الخلق و اما هذا التفسير اي القبلية الزمانية فمما اخترعه بعض جهال المتكلمين و تبعهم في ذلك طائفة من العلماء من غير تعمق في كلمات الائمة الطاهرين الهادين فوقعوا فيما وقعوا من الظن و التخمين و لايغرنك كثرة روايتهم الاخبار فان الرواية من غير الدراية مسقطة عن الاعتبار حديث تدريه خير من الف ترويه اذ رب حامل فقه و ليس بفقيه و رب حامل فقه الي من هو افقه منه فان وفقت لمعرفة ما ذكرنا و وقفت علي حدود ما اصلنا فقد اهتديت فان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون و الا فلاتنكره و ذره في سنبله و رده الي اهله لئلاتكون من قوله تعالي بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم ( تأويله . خل ) .
[ص 283] اللمعة الثانية - في العلل الاربع و القيامات الاربعة . قال الله سبحانه و تعالي اكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سويك رجلا و قوله تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و لهذه اللمعة اشراقات :
الاشراق الاول - لما اقتضت الاشياء مقتضياتها المسببة من هياكلها و هيئاتها القائمة باصولها و عناصرها و اسطقساتها المتأصلة بمؤصلها و موجد ارتباطاتها حصلت ثلثة لاتتم الا بها و لذا تثلث لتثليث مباديها و المقتضي قسمان احدهما فرع و الآخر اصل و دليلهما القوة و الفعل فما اقتضاه من حيث فعليته و كماله فاثر معلول و ما اقتضاه لمظهريته و مجليته ( محليته خ ) فعلة او شبه علة كالسراج للانارة و الشجر للاثمار و الثاني في الحقيقة ليس مقتضيا و انما هو ظهوره و هو غيره فآل الامر الي واحد و لما كان الفعل لايقصد الا لمقتضاه و ترتبه عليه و الا فهو هو و ما يخصه يخصه لميصل منه الي الغير شئ فلايتصور فعله لولاه سيما من الفاعل المختار لا الذي يفعل بالاضطرار ان سلمناه بالفرض و الاعتبار فتقوم ايجاده و احداثه بالاربعة و ان تقوم وجوده بالثلثة و الرابعة به و لما كان المفيد للشئ يكون علة له كانت العلل اربعة في كل ما يصدر عن الفاعل المختار و لايمكن غير ذلك و دعوي امكانه غير مسموعة و التمثيل بالبسيط الصادر عن المختار للمتخلف عن العلتين غريب جدا بعد اتفاقهم بان الممكن كله زوج تركيبي و ليس الا بالمادة و الصورة و [ص 284] كلاهما حادثان ففاعله هو فاعل اجزائه فاين التخلف فثبت بالبرهان المعقول عند كل انسان ان كل ما برز في الوجود و خرج الي الشهود يكون مصاحبا بهذه الاربعة الحدود حد الي الشرق و حد الي الغرب و حد الي الجنوب و حد الي الشمال و المجموع علل و ان كان احدها معلول و هي الفاعلية و المادية و الصورية و الغائية فافهم و لكل ( واحد خ ) منها اجزاء و شرايط و متممات و مكملات علي سبيل منع الخلو فيها كما يأتي بيانه انشاء الله تعالي .
الاشراق الثاني - في العلة الفاعلية . العلة ما بها افادة المعلول و قوامه و تمامه من حيث هو معلول في المراتب الاربعة فهي اعم من الفاعل مطلقا فكل فاعل علة و كل علة مرتبطة بالمعلول و المفعول مستند الي الفاعل فبينهما التساوق و التضايف و ان كان احدهما متقدما بالذات الا ان له في عالم التقدم و العلو له التفات الي المتأخر السافل و العلو المطلق يقتضي بلا اقتضاء عدم المعلول السافل و ان كان ذكرا اذ كل ما تنزه ذيل العالي عن لوث الغير علي اي انحائه اكمل و اعلي بل الكمال علي الاطلاق لايكون الا هذا و المخالف غافل ذاهل او معاند او جاهل فالذات المنزه عن كل شوب الكثرات منزهة عن الفاعلية و العلية في كل الحالات كيف لا و ان الفاعلية مقام الواحدية و لا ريب انها متأخرة عن مقام الاحدية و متفرعة عليه و ثبوتها دونها لايمكن ابدا و دعوي احدية الفاعل لاتصدر الا عن الجاهل الاتري اني اذا سئلتك عن الفاعل أهو من صفات الذات ام لا مايمكنك تختار الاول و الا لماقلت لميفعل كما [ص 285] مر فثبت ان العلة ليست هي الذات البحت الاول فلميدع انه العلة الا من اخذته العلة شفاها الله سبحانه بالرافة و الا بالرحمة الواسعة فالفاعل هو ظهور الذات بالفعل لا الذات فانك لاتسميها فاعلة الا حال الفعل و ظهورها به كالكاتب و النجار فالاسم للظهور لان الاسم هو الظهور و الاسم غير المسمي و عالم اللفظ طبق عالم المعني اذ الذات ليست سهلة المؤنة حتي تختلف باختلاف الآثار بل الاسماء مختلفة باختلاف الاطوار و الذات لمتزل واحدة في الاكوار و الادوار و الاسماء تتزايد و لا وقوف ما اختلف الليل و النهار من اليوم المتحقق من صبح الازل و الليل من الغاسق المدبر المقبل فلا نهاية للاسماء لانه ماتجلي في صورة مرتين لان الطرق الي الله بعدد انفاس الخلائق و الذات ليست الا واحدة بدونها فالفاعل هو ظهور الذات فاذا نسبت الظهور الي الظهور فيكون الاول نفس الثاني اذا لاينتهي الظهور الي الذات قطعا و التسلسل باطل كذلك فلميبق الا ما ذكرناه فظهور الذات لظهورها ليس الا بنفسها و هو لايستند الي الذات ابدا اذ الشئ لايستند الا الي مبدئه و هو ما ظهر له به فيه و ليس للغير في الغير الا الغير فلو كان الشئ بذاته في غيره لميكن اياه و لماكان الغير غيرا ايضا فالمستند هو الجهة التي بها الاستناد و ليس الا ظهور ذات المستند بالفتح للمستند بالكسر لان الشئ انما ينتهي الي نفسه و لا ريب في انتهاء المستند الي المستند فلو كان هو الذات ماصح الانتهاء الي النفس ابدا فافهم هذا السر المكنون لكنه دقيق جدا و هو لعمري اوسع من الارض و السماء لايعلمه الا العالم او [ص 286] من علمه اياه العالم فان قلت الفاعل هو الذات كذبت بل كفرت بل اشركت و ان قلت غيره اعزلت و اطلب الحق بينهما و ،
هذا الذي ترك الاوهام حايرة و سير العالم النحرير زنديقا
لكنك لو طلبت الحق من اهل الحق الذين ائتمنهم الله امر الخلق تجده واضحا و نورا لايحا و برهانا قاطعا و بدرا لامعا و الله ولي التوفيق و بيده ازمة التحقيق .
تبيان : فاذا تأملت حق التأمل و امعنت حق النظر و حددت البصر رأيت ان ليس للذات ظهور سوي الفعل لكون الظهور حركة الي المظهر و المحرك هو الظاهر و هي ليست الا الفعل فلما ظهرت الذات فالظاهر بالظهور هو الفاعل و الظهور هو الفعل و المظهر هو المفعول و المجموع في الظهور الاول متحد و انما هو شئ واحد فكان الظهور عين الظاهر و هو عين المظهر في الفاعل فكان الفاعل هو عين القابل لا كما يزعمون اهل الظن و التخمين من الكلية في كل فاعل و قابل ليجروا حكم الوحدة في كل ذرة بل هذا الذي ذكرناه لتصحيح حدوث الفاعل و بيان مخلوقيته في نفسه فاتحاده بجهة قبول ذاته و فاعلية الحق اياه تعالي ذكره و فعله تعالي له للمقرر الحق ( للمقر المحق خ ) من ان كل حادث له مؤثر و كل مؤثر له تأثير لان الفاعل هو عين المفعول ( مفعوله خ ) القابل لفعله بحكم الوحدة بل لنا ان نتمشي هذا الكلام بعمومه مع ملاحظة الصدق اللفظي بين الموجودات الواقعة في السلسلة الطولية الا ان الافهام لادراكه قاصرة و ربما يفهمون خلاف المراد ( المرام خ ) و يستوجبون بذلك غضب الرحمن مع اني لوحت اليه سابقا و آنفا ايضا يفهمه من امامه التسديد و التأييد .
[ص 287] الاشراق الثالث - يا اخواني اسمعوا ما اتلو عليكم من غرايب الكلام لتعلموا و تشاهدوا ان من التمس غير باب الهدي بابا فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير او تهوي به الريح في مكان سحيق فانهم قالوا الفاعل قسمان مختار و مضطر و كل منهما ثلثة اما الاول فالاول منها الفاعل بالقصد و هو الذي يصدر عنه الفعل مسبوقا بارادته المسبوقة بعلمه المتعلق بغرضه من ذلك الفعل و يكون نسبة اصل قدرته من دون انضمام الدواعي و الصوارف الي فعله و تركه في درجة واحدة و الثاني الفاعل بالعناية و هو الذي يتبع فعله علمه بوجه الخير فيه بحسب نفس الامر و يكون علمه بوجه الخير كافيا لصدوره عنه من غير قصد زايد علي العلم و داعيه خارجة ( خارج خ ) عن ذات الفاعل و الثالث الفاعل بالرضا و هو الذي يكون علمه بذاته الذي هو عين ذاته سببا لوجود افاعيله التي هي عين علومه و معلوماته بوجه اي اضافة عالميته بها نفس اضافته لها من غير تعدد و لا تفاوت لا في الذات و لا في الاعتبار الا بحسب اللفظ و التعبير و مثلوا للثالث بالنفس بالقياس الي تصوراتها و توهماتها و بالنسبة الي قواها الجزئية و تركيبها حتي تنتزع الطبايع من الشخصيات و تستنبط النتايج من المقدمات اذ ليس لتلك القوي ادراك ذواتها لكونها جسمية و التجسم من موانع الادراك و ليس بالاستخدام لانه لايتم الا بادراك جزئي لما يستخدم و ما يستخدم فيه فالنفس يدرك الآلات المنبعثة عنها بنفس ذاتها المدركة و مثلوا للثاني بفاعليتها بالقياس الي [ص 288] ما يحصل منها بمجرد التوهم و التصور كالسقوط من الجدار المرتفع الحاصل منها من تخييل السقوط و القبض الحاصل في جرم اللسان المعصر للرطوبة من تصورها للشئ الحامض و للاول بفاعليتها بالقياس الي ما يحصل منها بسبب البواعث الخارجية كالكتابة و المشي و غيرهما و اما الثاني فالاول منها الفاعل بالطبيعة و هو الذي يصدر عنه فعل بلا علم منه به و لا اختيار و يكون فعله ملائما لطبعه و الثاني الفاعل بالقسر و هو الذي يصدر عنه فعل بلا علم منه به و لا اختيار و يكون فعله علي خلاف مقتضي طبيعته و الثالث الفاعل بالتسخير و هو الذي يصدر عنه فعله بلا اختياره بعد ان يكون من شأنه اختيار ذلك الفعل و عدمه و مثلوا للثالث بفاعلية النفس الصالحة الخيرة لفعل القبايح و للثاني بفاعليتها للحرارة الحمائية و المرض و السمن المفرط و الهزال و للاول لفاعليتها لحفظ المزاج و افادة الحرارة الغريزية في البدن و الصحة و امثال ذلك و هذا ملخص ما قالوا لكنهم اقتصروا علي القشور و جمدوا علي الظواهر مع ما يدعون من كونهم اصحاب الحقائق و المعارف و لميفرقوا بين الاختيار و اثره و لمينظروا الي النبي صلي الله عليه و آله و خبره و لا الي الامام و اثره و لميعرفوا ان الاختيار هو اثبات الميلين اي ثبوتهما المتعارضين المتخالفين في الشئ الواحد فان كانت قدرته قوية يظهر منه آثار الميلين و الا فالغالب غالب و المغلوب يحتاج الي معين خارجي فالحجر ينزل باختياره و يصعد باختياره بلا فرق الا انه في صعوده يحتاج الي معين فيصعد حسب قوة المعين و الفرق بين المعين و القاسر بين و سريان نور الوجود الذي هو عين الادراك و الشعور و الشهود في كل اقاليم [ص 289] الممكنات ظاهر فالاختيار في كل مخلوق متحقق الا انه علي حسب القرب و البعد و الخفاء و الظهور و لما كان الجماد آخر مقامات النزول اختفي فيه ذلك النور فاحتجب عن الغيور و ظهر منه فيه كما قال عليه السلام ان الرعد صوت ملك اكبر من الذباب و اصغر من الزنبور فاين الاضطرار فكيف يمكن ان يكون الممكن مضطرا في التشريع و التكوين و سنشرح لك ذلك باوضح براهين فبطل التقسيم و لايكون الفاعل الا مختارا و لايكون القابل الا كذلك لكونه فاعل فعل الفاعل قال تعالي اذا اردنا شيئا ان نقول له كن فيكون فلاتحرق النار بالاختيار و لايحترق الحطب الا بالاختيار و لاينبعث منها الاحراق الا بالاختيار فلا جبر و لا قسر و لا اضطرار لا في الفاعل و لا في القابل قال الله تعالي يا نار كوني بردا و سلاما علي ابراهيم الا ان تقول انه مجاز لكنه لايناسب اهل المجاز الناظرين الي الحقائق الواقفين بباب الجواز فلاتسمي المعين قاسرا و لا المظهر جابرا و كيف يمكن ان يجري في الشئ خلاف مقتضي طبعه أيمكنك ان تجري الانجماد في الماء مع السيلان و التبريد في النار مع الحرارة فان قدرت علي الجبر فعلت مع انكم لاتجوزون قلب الحقائق و تحكمون باستحالته و عدم تعلق القدرة فان صح الجبر فما بال المنع و العلم و الاختيار لايجب ان يكونا مثل ما في الانسان او البهائم و كل فاعل انما يفعل بعلم منه به و اختيار و اما الفاعل بالطبيعة و الاستخدام لا شك انهما بالاختيار و ذلك الفعل اثر الغالب من تلك الطبيعة كما تقول ان العسل يؤثر الحرارة و كذا القرنفل لكونهما حاران مع تركيبهما [ص 290] و مثال اختيارهما كالجائع الذي لو لايأكل يموت و اختياره للاكل دون الترك مع استجماع الشرايط و فقد الموانع و اما الفاعل بالقسر فهيهات ان يكون له اثر و خبر انما هو شئ يتفوهون به و لايعقلون و اما الفاعل بالعناية الذي يكون محض علمه سبب الايجاد ففيه ان العلم ان كان هو نفس العالم و عينه فلايقتضي شيئا غير ذاته و قد علمت ان العلة مقتضية للمعلول و مرتبطة به و بينهما تناف ظاهر فلو صح فليقولوا ان الذات بذاتها تقتضي الايجاد و لايصح ذلك لاستلزامه النسبة و الارتباط و هو ينافي الذات البحت البات علي انك علمت سابقا ان العلم بالشئ عين ذلك الشئ فلو ادعي ذلك يكون المصادرة ثم ان التقييد بوجه الخير ان كان تعليليا وقعوا فيما فروا منه و ان كان بيانيا نسئل عن الشرور أكان عالما بها ام لا فان قلت لا كفرت و ان قلت بلي فكيف يخلق ما يعلم انه يحصل به القبايح و المفاسد و ليس هناك داع سوي العلم الا ان تقول ان العلم بالخلق كان مسبوقا فوجب فعله فاذن نفيت الاختيار لانه مايقدر ان لايخلق ما علم لا ما علم انه يخلق و قد دل ( العقل . نسخة ٢٤ خ ) القاطع علي بطلانه اذن ما الفرق بينه و بين السراج الذي مايقدر ان يكتم شيئا مما عنده من النور و لايبرزه في الخارج مع ان ما برز هو عين ما كتم الا ان يكون الكل علي جهة واحدة فاذن اين الاختيار و لم سميتموه مختارا و السراج موجبا ان كان الفرق بالعلم و هو فيه بمنزلة النور مع انا قد قلنا لك ان السراج لايضيء الا عن علم بحسبه فان قلت يقدر ان لايوجد بعض معلوماته فالترجيح لا بد من داع خارجي حيث استوي الحكمان في [ص 291] العلم و لميتفاوت في حد ذاته فاذا لا معني للفاعل بالعناية و اما التمثيل بالواقع عن الجدار بمجرد التصور فليس في موقعه لان ذلك انما هو بسبب غلبة سلطان الوهم بحيث يحصر شعوره و التفاته فيه و يقبل عليه لانه نسي كلما عداه كالفريسة للاسد و ليس هذا فعلا بالعناية و اما الفاعل بالرضا فليس مما يتفوه به العقلاء لانه يقتضي اما ان يكون المفعول عين ذات الفاعل او يكون الفعل من غير علم لما برهنا سابقا ان علم الشئ بنفسه لايجوز ان يكون عين العلم بغيره الا ان يكون كل غيره هذا خلف فاذن كان صدور الغير عنه كالفعل بالطبيعة كالسراج و الاشعة و النار و الاحراق مع ان هذا لايعقل فان نظر الشمس الي ذاتها غير نظرها الي شعاعها و التفاتها اليها لوجوب تطابق العلم و المعلوم فاذا ادرك الذات يدركها بما هي عليه و الصفات و الآثار بما هي عليه و ما هي عليه نقيض ما هي عليه او ضده و هو و الفاعل بالرضا يستلزم اجتماع النقيضين او الضدين و هو باطل بلا ريب و مين و مخالف لما عليه الائمة المصطفين فليس الفاعل الا مختارا و لا اختيار الا مع الارادة و لا ارادة الا و المراد معه و تمام القول يأتي في اللمعة الثالثة انشاء الله تعالي .
الاشراق الرابع - قيام الشئ بالآخر يتصور علي اربعة انحاء : الاول القيام الصدوري فالمقوم له هي العلة الفاعلية و هو الذي يكون ظاهره و مظهره و صادر من اثر فعله بل لا شئ الا بظهور فعله الوحداني اما المنبسط علي اعيان القوابل كالدلالة الناشئة عن الكلمة و الصادرة عنها [ص 292] الواقعة علي اراضي قابليات القلوب فتطور باطوارها و ربما يناقضها كالماء النازل من سحاب الكلمة تحت سماء التكلم ( المتكلم خ ) الواقع علي الاودية فسالت اودية بقدرها او الوحدة الحقيقية كقيام نفس الكلمة بالمتكلم و هذا القيام ليس له اتصال كالسراج و الاشعة لضرورة كون المتصلين في سقع ( واحد خ ) و لا انفصال لمكان الصدور و لا التشابه و التجانس و التساوي و العزلة و البينونة و الاقتران و الاجتماع و الافتراق و لا الحلول و الاتحاد كالصورة بالمقابل الثاني القيام التحقيقي ( التحققي خ ) و هو اعم من العلة المادية و يشمل قيام اللوازم بالملزومات و الماهيات بالوجودات و الشرايط بالمشروطات و كلما افتقاره بالركنية و العضدية كالهواء للكلام و المرءاة للصورة و المعني للدلالة و فيه الاقتران و الانتساب و الاتصال لا البينونة و العزلة بل البينونة و العزلة في بعض مواقعها و قيامه في وجوده لا ايجاده قبل انوجاده يقال له القيام العضدي و الركني الثالث القيام الظهوري و هو قيام ظهور الشئ بالآخر لا ذاته و هو اما بسافله في الطولية المحضة او في الطولية العرضية كظهور الحقائق في المعاني و ظهورها في الصور المجردة و ظهورها في المواد الجسمية و ظهورها في الاجسام التعليمية او بشرائطه كظهور نور الشمس بالجدار او بلوازمه الذاتية كظهور الوجود بالماهية ثم ان انواع الظهور مختلفة و القاعدة فيه ان المظهر ان كان اثرا هو عين الظهور و ان كان تنزلا ذاتيا فهو كالمرءاة الحاكية للظهور المنفصل لا المتصل فان نسبته اليها نسبة الماء الي الثلج و انحصر الظهور فيهما و لا ظهور سواهما و اما ظهور [ص 293] المتساويان ( المتساويين . نسخة ٢٤ خ ) فلا قيام مما نحن بصدده الرابع القيام العروضي و هو التحقق ( التحققي خ ) الثانوي لا الاولي و الفرق بينهما اذا ظاهر اذ الاول لتتميم الاول و لا وجود له في نفسه الا بتبعية ما قام به و كينونته تشهد بذلك كاللوازم للملزومات و الماهيات للوجودات و الشرايط بالمشروطات و الهياكل بالاسطقسات بخلاف الثاني فان جزئيات افراده ليست بتلك المثابة و لا تتميم فيها بل و لا تكميل بحسب اللزوم و الحتم و لا التبعية الكينونية لمكان التخلف و ان كان الحكم ثابتا للكل من حيث هو كالالوان و المقادير الغير الذاتية و الاضافات و غيرها من المقولات التسع المعروفة عندهم العرضية الغير الذاتية لانها علي قسمين قسم قيامه تحقيقي ( تحققي خ ) و الآخر عروضي و القاعدة هي ما اشرنا لك و هذه المراتب و القيامات كلها اعراض و مقومها جوهرها فاختلفت الجواهر و انتهت الي مبدء المبادي و نور الانوار و ذات الذوات و الاعراض منسوبة اليها فاستدارت علي نفسها علي خلاف التوالي و هي دارت عليها علي التوالي و الله سبحانه منزه عن ان يكون جوهرا او عرضا .
تحقيق : و لايجب ان يثبت هذه الاربعة في كل شئ حادث الا بنظر دقيق بملاحظة ان كل شئ فيه معني كل شئ فما ثبت له القيام العروضي ثبت له كلها الا ان ظهوره بذاته لا بسافله لايقال ان الظهور هو التجلي و هو فعل المتجلي فيكون بسافله او بشرايطه او بلوازمه لانا نقول ذلك ظهور العالي للسافل لا هو له و الشرايط ان كانت للوجود فغير ما نحن بصدده و ان كانت للظهور فللمشروط صقع اعلي هو ظاهر فيه و لايتأتي ذلك للاعراض لتسافل رتبتها فشرط ظهورها هو عين شرط [ص 294] وجودها فافهم الا ان تجعلها عالما منفردا كعالم الاجسام و هو ظهور ( طور خ ) آخر و ما ثبت له القيام الظهوري فلايثبت له الا القيام الصدوري و التحققي الا ان في بعضها بنفسها و في الآخر بجزئيها و الثاني باوله و الاول بنفسه و ما ثبت له القيام التحققي و العضدي ثبت له الصدوري و اما العروضي فعلي معناه اللغوي في مثل الماهية و الوجود و الصورة و المادة و الفصل و الجنس و ما اشبه ذلك و اما في اللوازم و الشرايط فلا .
الاشراق الخامس - في العلة المادية و الصورية ، و المادة للشئ علي جهة الاطلاق هو اثر كن اي الست بربكم و محمد صلي الله عليه و آله نبيكم و علي اميرالمؤمنين عليه السلام وليكم و الائمة الاحدعشر من ولده و فاطمة سلام الله عليها و عليهم اوليائكم و ائمتكم و الصورة هي فيكون و قولهم بلي في الظاهرية و نعم في بعض المراتب الباطنية و تلك المادة هي الحكم الجاري من الدرة الي الذرة في الكون الجوهري و الكون المائي و الكون الترابي و الكون الهوائي و الكون الناري في اطوارها و احوالها حسب صبغها بالرحمة فالاول الاول و الثاني الثاني و هو قول رسول الله صلي الله عليه و آله انما فضلت علي الخلق لاني كنت اول من اجاب سؤال ربي حين قال الست بربكم فكان السائل هو ( هم . نسخة ٢٤ خ ) المسئولون و هو قولهم عليهم السلام في سؤال الرب تعالي بين النفختين لمن الملك اليوم فاجاب لله الواحد القهار نحن السائلون و نحن المجيبون و المادة واحدة و الاختلاف اما من صبغ الرحمة او عكسها و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب ،
[ص 295]كقطر الماء في الاصداف در و في بطن الافاعي صار سما
و هو قوله صلي الله عليه و آله يا علي مااختلف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي و قال تعالي عم يتسائلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و لا شك ان المادة تختلف باختلاف الصور و هي مدار التمايز فالمادة هي النور و هي الاب و الصورة هي الرحمة و هي الام قال عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخ المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة اي امة الدعوة لا الاجابة خاصة فافهم انشاء الله تعالي او من اختلاف المادة بالرشح و الاصل فالخطاب الشفاهي الاولي الصادر من الحق بغير واسطة في السؤال و الامر قبله محمد صلي الله عليه و آله و كانت منه الشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء اعلي عليين تؤتي اكلها كل حين من الرشحات الفائضة عن ذلك ( تلك خ ) اللجة الاحدية و طمطام يم الوحدانية و القطرات النازلة من تلك الشجرة شجرة البحر اي شجرة المزن فتمت بذلك الامر الاولي و الخطاب السرمدي هياكل التوحيد اربعةعشر هيكلا قد اشار اليها الامام اميرالمؤمنين عليه السلام بقوله نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره ، ثم رشح من ذلك الخطاب خطاب آخر فكان مادة النبيين بصبغ الرحمة الرشحية قال أولست بصاحب سرك قال عليه السلام بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني و هكذا الي نهايات الوجود و غايات اشعته و ان لا غاية لها فالصورة صورتان الصورة الوحدانية هي [ص 296] الصورة الانسانية و الصورة الشيطانية هي الصورة البهيمية و المادة واحدة بالرشح و الاصل و الرشح التكويني و التدويني و الشرع الوجودي و الوجود الشرعي فقد عم الحكم في كل شئ من الاكوان و الاعيان من الطيب و الخبيث و النور و الظلمة و الامر و النهي و التصفية و التنزيه و الثواب و العقاب و كل فروعها و احوالها فالمادة واحدة و الصورة واحدة و الاصل و العكس و الموافقة و المخالفة بها تكثرت الوجوه فافهم فقد اخبرتك بالسر المستسر بسر ( بالسر . نسخة ٢٤ خ ) في حكم المادة و الصورة من جهة الاصل و المبدء من حيث الجملة و بينت لك اصلهما و مبدئهما و اوائل جواهر عللهما بطريق الباطن و التأويل و الظاهر و مابقي الا جزئيات احكامهما نشير اليها فيما بعد انشاء الله تعالي .
تنبيه : قد علمت منا سابقا ان الاسم ليس للشئ من حيث هو لانه هو و الاسم جهة الغير فبطل ما قيل ان وضع الاسامي قد يكون باعتبار الذوات و الماهيات كالانسان و باعتبار العوارض كالكاتب و ربما لميوضع لها بحسب جوهر ذاتها اسم فانه كلام خارج عن التحقيق و ناظر الي ظاهر الامر المعروف بين العوام و قد سبق في الاسماء ما ينبهك علي فساد هذا القول و ان كان هو المتبادر الظاهر اذ لا فرق بين الكاتب و الانسان فيما وضعا له الا بالعموم و الخصوص و ليست التسمية الا بالاضافة و القياس الا انها في الاعلام لايلتفت اليها لشدة ظهورها فخفاءها لظهورها لا عدمها لعدمها و لكن قد يعبر عن ذات الشئ من حيث ظهورها ( ظهوره خ ) بعبارة في المرتبة الثالثة من الاطلاق و المادة من حيث هي ليست الا الاولي [ص 297] فلايمكن التعبير عنها الا بالاضافات الملحوظة في حد ذاتها لان الاسم للصورة و المادة لا اسم لها فالاسماء التي يعبر عنها بها كلها من جهة الاضافات كالمادة و الاصل و العنصر و الاسطقس و الركن و العضد و الحقيقة من المبدء و الموضوع و المحل و الهيولي فمن حيث ( جهة خ ) صلوحها للاشكال و الظهورات سميت هيولي و من جهة انها حاملة للصور سميت موضوعا و من حيث انها متحصصة بالصور سميت مادة و من حيث انها آخر ما ينتهي اليه التحليل سميت اسطقسا و من حيث انها اول ما يبتدء عنه ( عنها خ ) التركيب سميت عنصرا و من حيث انها الجزء الاعظم المقوم للشئ سميت ركنا و من حيث ان الصورة متقومة بها و متحققة بعدها سميت عضدا و من حيث انها مبدء الاشتراك في المختلفين سميت جنسا و من حيث انها مبدء النشو و التخليق سميت ابا و من حيث ان الشئ منها يتكون سميت اصلا و من حيث وحدتها و بساطتها و حصول الكثرات بالصور سميت نورا و من حيث تشعبها بالحدود و الصور سميت شجرة و من حيث ذوبانها و عدم تمايز اجزائها سميت بحرا و من جهة التمايز المعنوي و الحدود الغيبية سميت هباء و من جهة تساوي نسبتها مع كل الصور سميت الحقيقة من المبدء و امثال ذلك مما يعبر عنها من جهة اضافتها و تلك الاضافات كثيرة و منها تنشعب الاسماء الحقيقية و اللفظية تابعة لها و ما ذكرنا انموذج لتتمكن من التصرف في الباقي و معرفتها عظيمة النفع لكونها مفتاح الابواب المغلقة و الاحكام المعضلة في الاخبار و الاصول الكلية و لعمري انها باب ينفتح [ص 298] منه الف باب و لكل باب ينفتح الف باب كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام و اعجب من الكل قوله عليه السلام غير انهم يقرؤن آية في كتاب الله و لايعرفونها و هي قوله تعالي و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لايوقنون .
اللمعة الثالثة - في العلة الغائية و ان الايجاد و الاصدار لايكون الا لغاية و مصلحة و ابطال من زعم بالاتفاق و من نفي الغاية و من قال انها هي الذات او انها محض علمه و امثالها من الكلمات الواهية و الاعتقادات السخيفة . قال الله تعالي افحسبتم انما خلقناكم عبثا و انكم الينا لاترجعون فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و قال سيدتنا و مولاتنا فاطمة الزهراء علي ابيها و بعلها و بنيها و عليها آلاف التحية و الثناء في خطبتها الي ان قالت ابتدع الاشياء لا من شئ كان قبلها و انشأها بلا احتذاء مثال كونها بقدرته و ذرءها بمشيته من غير حاجة منه الي تكوينها و لا فائدة له في تصويرها الا تثبيتا لحكمته و تنبيها علي طاعته و اظهارا لقدرته و تعبدا لبريته و اعزازا لدعوته ثم جعل الثواب علي طاعته و وضع العقاب علي معصيته زيادة لعباده عن نقمته و حياشة لهم الي جنته الخطبة ، و لها اشراقات :
الاشراق الاول - الغاية هي ما لاجله فعل فلايخلو من احد الحالين المتقدمين ( الحالتين المتقدمتين خ ) و الشئ كما ذكرنا بعد ما تحقق لا بد له من اقتضاء يترتب عليه مقتضاه و الا لكان عدما و لايترتب عليه شئ لا العدم الامكاني لمكان الترتب كذلك الا ان انحاء الترتب في القوة و الضعف و الخفاء و [ص 299] الظهور و القلة و الكثرة و تعلق الادراك به و عدمه مختلفة لان الموجود اما عال او سافل او مساو فالاول يقتضي الثاني و الثاني يوصف الاول و الثالث يؤثر المشخص فيه ما لايؤثره غيره فالمجموع له اقتضاء غير الاجزاء و غير الآخر و المؤثر الوجودي لايؤثر الا وجوديا و حصل المطلوب و مابقي في عدم الاقتضاء الا العدم هذا حال الشئ و اما طالب الشئ فلايخلو اما انه شاعر به ام لا و الثاني غير ما نحن فيه و الاول لايخلو اما ان يطلبه للملائمة او للمنافرة او كليهما او لا هذا و لا ذاك فان كان الاول فهي الغاية و ان كان الثاني و الثالث فيستحيلان و ان كانا هي الغاية ( هما الغائية . نسخة ٢٤ خ ) و وجه الاستحالة لزوم اجتماع الضدين او النقيضين حيث لا واسطة جامعة أتري البرودة من حيث هي يطلب الحرارة كذلك و بالعكس و اما ما يترائي منه ذلك بحيث سموه قسرا فهو و ان كان خلاف المفروض لكنه بواسطة جامعة مصلحة كما ذكرنا و نذكر انشاء الله تعالي و ان كان الرابع فهو في حيز الامكان و الطلب لا بد له من مرجح و داعي ( داع خل ) و ذلك لاتكون المنافرة فتكون الملائمة و ان كانت بالعرض ليصح ما يخالف شيء ( شيئا خ ) منها محبتك المبين بقوله عليه السلام و كلتا يديه يمين فتكون المنافرة هنا عين الملايمة و الموافقة لاتقل ان المرجح هو الارادة لانها لاتكون الا بالمراد و لاتتعلق الا بالمناسب الملايم دون المناكر المنافر فان قلت هب انها كذلك الا ان المريد لايلتفت الي جهتها قلت ان نسبة الارادة واحدة و التعلق لا بد له من نسبة تخصصها به دون غيره و تلك ان كانت ذاتية امتنع غيره و [ص 300] ان كانت عرضية فتلك ان كانت من ذات المراد ( المريد خ ) من حيث هي هي عادت الاستحالة و ان كانت من نفس الارادة و ليست فيها فثبت انها من جهة المراد و هو الغاية المطلوبة فثبت بالبرهان الذي لايمنعه الا العميان ان كل ما يصدر من الفاعل المختار لايصدر الا لغاية الا ان الغايات تختلف فالذي يفعله السفيه يتصور له غاية الا انه لا شئ بالنسبة الي العاقل فيراه عبثا و اما الافعال الطبيعية و العادية فمن قال انها اختيارية اثبت لها غاية و المانع مانع و كأنه مكابر .
تقسيم : ثم ان الحركة الارادية المنبعثة عنها الشئ المراد ان كان مبدءها شوق فكري و طابق فهو الصحيح و ان طابق الشوق التخيلي و هو العبث و ان كان محض التخيل كان جزافا و ان كان التخيل مع طبيعة او مزاج كان قصدا ضروريا او طبيعيا و ان كان التخيل مع خلق و عادة و ملكة نفسانية داعية الي ذلك الفعل من غير روية و هو العادة هكذا قيل و لايخلو كل ذلك عن غاية الا ان الغايات علي حسب مراتب الطالبين و الفاعلين فافهم .
الاشراق الثاني - اتفق لبعض القاصرين كلام بمحض الظن و التخمين و زعم ان وجود العالم انما يكون بالاتفاق و ذلك لان مبادي العالم اجزاء صغار صلبة لايتجزي لصلابتها و هي مبثوثة في خلاء غير متناه و هي متشاكلة الطبايع مختلفة الاشكال دائمة الحركة فاتفق ان تصادمت منها جملة و اجتمعت علي هيئة مخصوصة فتكون منها هذا العالم و لكنه زعم ان تكون الحيوان و النبات ليس بالاتفاق و زعم الآخر ان الاجرام الاسطقسية بالاتفاق فما اتفق ان كانت هيئة اجتماعية علي [ص 301] وجه يصلح للبقاء و النسل بقي و ما اتفق ان لميكن كذلك لميبق و لما اشتد انغمارهم في الامور السفلية حجبتهم الكثرة عن مشاهدة الوحدة و ظهور الباري سبحانه في الآيات الآفاقية و الانفسية فاحتجوا علي مطلوبهم بحجج اوهن من بيت العنكبوت و لايسمن و لايغني من جوع منها ان الطبيعة لا روية لها فكيف يفعل لاجل غرض و منها ان الفساد و الموت و التشويهات و الزوايد ليست مقصودة للطبيعة مع ان لها نظاما كاضدادها فعلم ان الجميع غير مقصودة للطبيعة و لما كان نظام الفساد كالذبول ضرورة المادة من دون ان يكون مقصودة للطبيعة فلا جرم نحكم بان نظام النشو و النمو ايضا بسبب ضرورة المادة من غير قصد و داعية كالمطر الذي نعلم جزما بانه كائن لضرورة المادة بتصعيد الشمس و ثقل الماء و نزوله فاتفق ان يقع في مصالح فيظن ان الامطار كانت مقصودة لتلك المصالح و ليس كذلك بل لضرورة المادة و منها ان الطبيعة تفعل افعالا مختلفة كالحرارة التي تحل الشمع و تعقد الملح و تسود وجه القصار و تبيض وجه الثوب و امثال ذلك من الخرافات اماعلموا انه لايكون شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة منها فقد كفر او اشرك فان اقروا بان للعالم صانعا و للكون مدبرا بيده ملكوت كل شئ لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا فماضرهم ان يجعلوه حكيما منزها عن السفه فاعلا للمصلحة هو الذي اعطي الطبايع فعلها و حباها قواها و تأثيرها ( تأثيراتها خ ) و هو المالك لما [ص 302] ملكها و القادر علي ما اقدرها عليه و جعلها ( اسبابا يترتب عليها خ ) مسبباتها لا انه حيث سببها رفع يده عنها بل هي بعد واقفة بباب اذنه فان اذن لها ترتب عليها مقتضاها و الا فلا فالقول بان الطبيعة لا روية لها غلط بل الطبيعة انما اختارت ما اختارت بما اختارت مع كمال الشعور لاجل اغراضها المتباينة و غاياتها المتخالفة فلاتفعل الا ذلك الفعل لغرضها و ميلها و لا له حاجة سواها سواء طابقت نفع الغير كالنار للطبخ مثلا او خالفت كالنار لاحراق بيت المؤمن المسلم و هو معني ان الله تعالي مسبب ( سبب خ ) الاسباب يعني اجابهم ما سئلوه ان يسئلهم بالمقبولات بقوابل الاعمال و دواعي الاحوال و هي بعد بيده لاتفعل الا باذنه و هو قوله عليه السلام للحمي ألميأمرك اميرالمؤمنين (ع) الاتقربي الا عدوا او مذنبا لتكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا الرجل فاذن كيف لاتكون لها روية بل انما تفعلها كما تحب لا كما تحب و ان ضرك و هذا هو حقيقة الجواب و ان لمتصل اليه لدقة مأخذه و صعوبة مسلكه فنقول ان الطبيعة ان عدمت الروية لكنه ماعدمها خالق الطبيعة و البرية فيجريها علي ما يحب بما جعله فيها بامره فاذا اراد منعها مااعطاها لا راد لقضائه و لا مانع لحكمه كما منع النار من الاحراق و الماء من التبريد فالله سبحانه هو الذي يجريها حسب ما يري من المصالح و الاغراض ذلك تقدير العزيز العليم قل من بيده ملكوت كل شئ و هو يجير و لايجار عليه ان كنتم صادقين سيقولون لله قل أفلاتذكرون فكل اقتران و كل اتصال و كل انفصال و كل وضع و كل اضافة و كل طور انما هو لغرض و مصلحة و هي [ص 303] آيات الله تتلي عليكم و كاين من آية في السماء و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون يستنبط منها العارف احكاما الهية و اوضاعا غيبية و منها كان اغلب الهامات الانبياء و وحيهم يصدقني من عرف بعض احوال الكلام و اقترانات الاشياء الا ان الجاهل بالامر لما اخطأه التسديد و التأييد يزعم انه بالاتفاق و لو شئت لاخبرتك ببعض الاستنباطات من الاتفاقيات بحيث حار عقلك و طار لبك و تقطع بانها صنع الحكيم القادر العليم و اما القول بنظام الذبول و الزيادات و التشويهات و الموت الغير المقصودة للطبيعة الي آخره فغلط فاحش فان الجاعل كما جعلها تنمو بالمدد جعلها تذبل اذا نقص فهي حال اعطاء المدد غايتها النمو بفاعلها و خالقها و في حال نقصانه الذبول بل الحق سبحانه ماخلق فردا قائما بذاته فماخلق شيئا الا و مكنه من ضده و ان كان بالذات و بالعرض فخلق النمو و مكنها من الذبول و خلق الحيوة و مكنها من الموت و خلق الصحة و مكنها من الفساد و خلق الطاعة و مكنها من المعصية و الضدان هما غاية الشئ المركب بجهتيهما و واقفان علي باب المدد و الاذن الا ان لكل منهما اجل محدود و وقت معلوم و ما منا الا له مقام معلوم و هذا هو الحكم في السلب و الايجاد و النفي و الاثبات كما مر فتوجه الغاية الي النفي كما تتوجه الي الاثبات لان النفي شئ و هو ماهية الايجاب و قوام وجوده و اما الزيادات و التشويهات فلا ريب انها مقصودة لكنها لايلزم ان تكون مقصودة للاخري و التشويه حسب امداد الطبيعة و احكام آلاتها كما هو المعلوم و اما القول بفعل الطبيعة [ص 304] الواحدة افعالا مختلفة فهو شطط من الكلام و لايليق بالعلماء الاعلام فان ( لان خ ) الطبيعة قد تكون مركبة فتنفعل بجهاتها كالنار و الفاعل للاحراق و التيبيس و الهواء الفاعل الواسط بين الضدين و الماء الواسط بين الضدين و المركب المركب من هذه البسائط و ربما اذا صفت تفعل في كل الطبايع كالمولود الفلسفي و اما الطبيعة من حيث وحدتها لاتفعل الا في واحد و اما هذه الاختلافات فمن جهة القابل دون الفاعل كاشراقك في المرايا قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الكلام عليهم كثير و الاعراض اولي و هذا كله لو اعترفوا بحدوث العالم و اثبتوا الصانع و الا فالكلام معهم قد تقدم في ابطال مذهب الدهرية .