و اما المبحث الثاني فاعلم ان ما مركب من الميم و الالف و الحكم للميم و الالف انما اتي بها لحفظ الميم عن الدثور و الفناء فان كل شئ مركب من سلطان الوحدة و سلطان الكثرة و لا بد من غلبة احدهما و تبعية الآخر فان كان الحكم بسلطان الكثرة يقدمونها و يؤخرون حكم الوحدة في الذكر و الا فبطلت الاشياء اذ كل ممكن زوج تركيبي فالميم هو الاصل في تركيب ما [ص 353] و الاحكام انما هي جارية علي احوالها و مقتضياتها و شؤنها و تصرفاتها فالميم هي مجمع اللام و الياء من قوله تعالي و واعدنا موسي ثلثين ليلة و هي قوي اللام و اتممناها بعشر و هي قوي الياء فتم ميقات ربه اربعين ليلة و هي قوي الميم فاللام هي رتبة القابليات الثلثين و الميم هي رتبة المقبولات العشرة فباقترانهما تمام الشئ و كماله و اتصال الاصول بالفروع و الاسباب بالمسببات و المقتضيات بالمقتضيات و ظهور الشئ مشروح العلل و مبين الاسباب فالميم رتبة كمال و مقام جمال و منزل اتصال و نفي انفصال و لما كان مقام علي (ع) مقام الفرق و الاختلاف فرق بين رتبتي القابل و المقبول و اتي باللام ثم الياء و لما كان مقام محمد (ص) مقام المحبة و الاتصال و الاجتماع و يومه الجمعة و كوكبه الزهرة و يجوز له اخذ الازواج بالعقد من غير عدة جمع تلك التفرقة و استنطق بالميم و جعلت في اول اسم محمد (ص) و وسطه و لما كان الاصل في الميم الوصل و الاتصال و الاجمال و الوحدة جعلت ما و وضعت للموصول فكانت ما موصلة ( موصولة خ ) و هو الاصل في هذا الترتيب و التركيب فجري الامر علي حقيقة الواقع و لما كان هذا الاتمام في اتمام الشئ في نفسه لا من حيث ربه فتلحظ فيه الكثرات و تستعمل ايضا في النفي و يقال ما النافية و نفيها لما فيها من سر الانية و ان كانت من جهة الوحدة و عدم الكثرة و لما كان فيه مقامان مقام وحدة و مقام كثرة و نظر الي الاعلي و نظر الي الاسفل فيتعاور النظران و يتعاكسان فيوجب الوله و التحير فتكون ما ايضا للتعجب لما يظهر له من سر عالم الوحدة في عالم الكثرة و لميتخلص له نظر واحد حتي يخرج [ص 354] من التحير فيبقي في التحير و هو اغلب استعمالاتها لما ذكرنا و لما كان هذا الكمال مقام الانية و تمام الشئ يجمعه المقامين ( المقامان خ ) مقام الصفة و الحدوث و مقام النقصان و الكمال و هو و ان كان كمالا عند التعيين و اطوار العبارات و احوالها لكنها عند محض التوحيد نقص بل لايمكن التوحيد معها ابدا فوجب نفيها و زيادتها و عدم النظر اليها و القائها و الغائها فتكون زايدة ايضا كاللام و لا و لما كان الميم اسما للحقيقة المحمدية (ص) كما عرفت و هو في مقام الاجمال و رتبة الامر المفعولي و المفعول المطلق و المصدر تكون ما مصدرية ايضا و لما كان فيه الكثرات و ذكر الانيات تكون ايضا نكرة موصوفة فان النكارة من الكثرة كما ان التعريف من الوحدة و النكارة من التفصيل كما ان التعريف من الاجمال و لما ان كان فيه مقامان مقام الوحدة و الاجمال و هو مقام المقبولات و مقام الكثرة و التفصيل فالاول مقام العلم الذي لايشوبه جهل و الثاني مقام الجهل المركب الذي لايشوبه علم و الثالث مقام الجهل البسيط فيري بالوجه الاعلي انه ناقص و في المقام الاسفل تتعاور عليه الامور و احوالها و اوضاعها فيبقي جاهلا يجد العالم عنده الذي دلاه عليه وجهه الاعلي فيكون مستفهما فتكون ما استفهامية ايضا يطلب بها الفهم و الكشف عن حقايق الاشياء و ذواتها لا صفاتها و احوالها لان هذا الاستفهام خرج عن الذات فلايسأل الا عنها لان الادوات انما تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و لذا لما سأل فرعون موسي و قال له ما رب العالمين و اجابه موسي (ع) و قال رب السموات و الارض و ما بينهما ان [ص 355] كنتم تعقلون استكبر و استنكر فرعون و قال لمن حوله ألاتستمعون الي هذا المدعي فاني اسأله عن الحقيقة و هو يجيبني عن الرسم و الصفة الي ان قال لعنه الله ان رسولكم الذي ارسل اليكم لمجنون حيث مايعرف الجواب و لايجيب علي طبق السؤال و لميعرف الخبيث ان هذه غاية الجواب و السؤال عن الكنه و الحقيقة ينبئ عن الجهل و الجنون و بالجملة ما استفهام و سؤال عن حقيقة الشئ لا صفته لما قلنا من سر الميم قال تعالي في الحديث القدسي اني خمرت طينة آدم بيدي اربعين صباحا فافهم و هكذا ساير تصاريف استعمالات ما تجري علي هذا المنوال الذي شرحت لك فاذا قدمت الالف علي الميم فقلت ام يكون حرف تعريف علي بعض اللغات فنظروا و قاسوا علي ال فان الالف هي حرف الاثبات من عالم الوحدة المطلقة فلاتحمل ظهوراتها كما ينبغي الا اللام لتوغلها في الكثرة و الابهام و اما الميم و ان كانت صالحة من حيث الكثرة الا ان فيها جهة وحدة تمنع عن ذلك الظهور الكلي للابصار الناقصة ألاتري انك اذا نظرت الي الشمس تحت حجاب اسود تري فيه جميع احوال الشمس بظهوراتها في اشعتها من الالوان الاربعة المكتسبة من اركان العرش النور الاحمر و النور الاصفر و النور الاخضر و النور الابيض و لاتظهر تلك الانوار اذا نظرت اليها بغير ذلك الا البلور الذي فيه قوة جامعة و خاصية غريزية و هي ايضا ترجع الي كثرة و تراكم الاجزاء فمن هذه الجهة كانت اللغة الفصيحة في حرف التعريف ال دون ام و ان كان يجوز كما في تلك اللغة حيث جاء الاعرابي و سأل النبي (ص) [ص 356] أمن امبر امصيام في امسفر فاجابه (ص) بانه ليس من امبر امصيام في امسفر و اما اذا اجتمعت اللام و الميم و قدم اللام كان اثبت و اعظم في النفي من لا و لذا كانت لم لنفي الماضي و اذا اجتمعت اللام مع النون و قدمت اللام كان الحاصل اثبت و ادل و اقوي من الجميع لان فيه اجتماع الكثرتين كثرة اللام و كثرة النون و كلاهما كثرات تفصيلية ينشأ منها النفي و السلب و العدم كما قررنا سابقا في محله و هنا اجتماع الكثرات و هي تورث النفي البحت البات بخلاف لم فان اللام فيها و ان كانت حرف نفي و كثرة الا ان الميم ليس كذلك الا بملاحظة حدودها و اوضاعها و لكنها في الوحدة و البساطة و الدلالة علي الاثبات و الوجود لما لميكن مثل الالف كان ادخل في النفي من لا فافهم .
اما المبحث الثالث فاعلم ان في هو بحر الصاد و اول المداد لان الفاء عددها ثمانون و الياء عددها عشرة و المجموع تسعون و ذلك استنطاق ص و القرآن ذي الذكر فذلك بحر وسع العالم جميعه اما بذاته او بصفاته او بشؤناته و احواله و اطواره فكل شئ في سعة احاطته فهو المحيط بكل شئ بالظرفية لان (خ) ذلك البحر الذي هو الوجود المقيد لما ظهر بالمشية الاولية و النفس الرحماني الاولي حكي المشية و عموم شمولها و انبساطها فذكر فيه جميع المكونات و الكائنات فوسع كل من في الارضين و السموات و ذلك اول البيوت التي وضع للناس و اول ظرف ظهر بالاحاطة في كون الوجود المقيد و لما كان في استنطاق ذلك البحر المحيط خص للظرفية و لاتستعمل في غيرها و الاستعمالات الاخر ترجع اليها [ص 357] و قد يكون بمعني اللام مثل الحب في الله و البغض في الله اي لله و هذا ايضا في الحقيقة مرجعه الظرفية و التضمن في سعة محبة الله سبحانه بجهتي كلمته في اليد العليا اليمني و اليد اليسري السفلي و كذا القول في قوله تعالي و لاصلبنكم في جذوع النخل و قد قال بعضهم انها بمعني علي اي علي جذوع النخل و ليس كذلك بل بمعني الظرفية لاشتمالها علي المصلوب اشتمالا احاطيا لا مفر له عنها و حتي يتطابق بالمعاني الباطنية و كذا في قوله تعالي فردوا ايديهم في افواههم فقد قيل انها بمعني الي اي الي افواههم و مرجعه الي الظرفية و الاشتمال و كذلك قوله تعالي فادخلي في عبادي فقد قيل انها بمعني مع اي مع عبادي و ليس كذلك بل المراد فادخلي في زمرة عبادي و سعة احاطتهم و الحاصل ان مرجع هذه الاستعمالات كلها الي الظرفية و لذا كانت في من الحروف الجارة و هذا هو الذي صار علة للاشتقاق اي اشتقاق في من الصاد و الا لكان اللام اولي بالظرفية كما قد تستعمل فيها تجوزا و توسعا لان الظرفية التي هي صفة الماهيات انفعالية قابلية لا فعلية و فاعلية و ما هذا شأنه لايجر و لايكسر و لايخفض مدلوله و معموله فان الجر و الكسر و الخفض للمعمول و خضوع المعمول و انكساره لديه فعل العالي المهيمن و ليس في هذا المقام الا الصاد الذي هو رتبة المداد و مقام الفؤاد و باب المراد و لذا استنطق له في و انما اختيرت في دون الصاد لبيان اظهار حكم الاحاطة و الظرفية و الشمول و السعة فان الفاء تكرار الميم التي هي اول حرف محمد (ص) و اوسطه و الياء هي حرف من اسم علي (ع) في و هما عليهما السلام هما اللذان وسعا [ص 358] جميع احكام الربوبية و العبودية في نشأتي الاسمية و البشرية في رتبتي الاجمال و التفصيل و هو قوله عز و جل ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، فهما بيت لجميع الفيوضات الواردة من المبدأ الفياض لهما و لكل ما سواهما صلي الله عليهما و هما العرش و الكرسي المحيطان علي الكون كله لقد وسعا السموات و الارض و احاطا بهما و ما فيهما و ما بينهما فلا ظرف و لا محيط و لا بيت و لا جامع و لا منبسط سواهما و غيرهما عليهما السلام و لذا قال (ص) انا و علي ابوا هذه الامة و اما الصاد فلاتؤدي هذا المؤدي و لايفهم منه هذا المعني فوجب اختيار في دون غيرها مع ما في صورتها من الاشارة الي الظرفية و سكون الياء و كسر الفاء ينبئ عن سر عظيم في هذه التأدية فان ذلك صورة تعليم النبي (ص) لعلي (ع) جميع ما يرد عليه من العلوم و الاسرار و الافاضات فهو ساكن و واع و حامل و جامع و خازن فيكون ظرفا حاويا للانوار و جامعا للاسرار فكان علي (ع) ظرفا لمستودع اسرار الولاية الظاهرة من الهياكل الاحدعشر ( الذي خ ) هو استنطاق اسم هو في لا اله الا هو و كان محمد (ص) ظرفا لمستودع سر الحاملية و مهبط الانوار القدسية في رتبة القابلية فبها ( فبهما خ ) ظهر ما كان و ما يكون من سر كن فيكون فافهم راشدا و اشرب صافيا فكسر الفاء تعليم و نظر الي الاسفل و هذه الحاملية كانت حين طوافه حول جلال العظمة دون القدرة و شرحه و بيانه في ملازمة الشمس لدايرة منطقة البروج و عدم عرض لها كالكواكب الاخر و لايسعني الآن تفصيل المقال في هذه الاحوال و هذا الاسم اي لفظة في انما وضعها [ص 359] الله سبحانه لتلك الظرفية الحقيقة ( الحقيقية خل ) و لما ظهرت تلك الظرفية في مظاهرها و محالها و مواقعها و اشعتها و آثارها و شئونات اطوارها استعملت فيها حقيقة بعد حقيقة و هي حقيقة عند اهل المجاز و مجاز عند اهل الحقيقة و لذا اختصت في بالذكر و هذا معني الظرفية .
و اما المبحث الرابع فاعلم ان السماء (خ) مشتقة من السمو بمعني العلو فكل عال سماء و منه قوله تعالي انزل من السماء ماءا و قوله تعالي و نزلنا من السماء ماءا مباركا فانبتنا به جنات و حب الحصيد و لا ريب ان السماء التي ينزل منها المطر و الماء لسقي الارض و اهلها هو سماء الدخان و البخار كما روي عنهم (ع) ان السحاب يغرف من بحر بين السماء و الارض ه ، و لا شك ان البحر الذي بين السماء و الارض هو بحر البخار و الدخان و لاجايز ان يكون بحر مثل الابحر المعروفة في الارض مجمع المياه الثقيلة كما ورد النص عنهم (ع) مع ما يلزم في ذلك من الطفرة و عدم الحكمة و عدم اجراء الاشياء علي اسبابها و عللها كما هو الظاهر المعروف المبرهن عليه في محله و يطلق ايضا علي ما فوق السموات السبع ايضا كما في قول البوصيري في مدح النبي (ص) :
كيف ترقي رقيك الانبياء يا سماء (ظ) ماطاولتها سماء
و في قول معاوية ( لعنه الله خ ) يمدح عليا عليه السلام :
خير البرية بعد احمد حيدر الناس ارض و الوصي سماء
و من هذا القبيل قوله تعالي و لقد زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب و هذه الزينة لاتكون الا في محل يظهر الكواكب بنورها و شعاعها و لا ريب ان اول ما يظهر نور الكواكب في كرة البخار و تقع اشعتها فيها كالبيت المزجج الذي يتزين بالشمس بوقوع اشعتها عليه و حدوث الصور و الهيئة ( الهيئات خ ) [ص 360] الشمسية و الحاصل ان كون السماء هي جهة العلو لا شك فيه و لا ريب يعتريه و اطلاق السماء علي الافلاك السبعة من قبيل اطلاق الكلي في اشهر افراده و هذا ايضا لا شك فيه و انما الاشكال في تعيين الموضوع له السماء و الارض هل وضعها من باب الوضع العام و الموضوع له العام او الوضع الخاص و الموضوع له العام الذي احالوه و الذي اعطاني النظر بعد ان اعطيته حقه انه لما ثبت ان الوجود تجمعه سلسلتان طولية و عرضية فالطولية لاتجمعها حقيقة واحدة و كلما في المراتب المتنزلة اشعة و حكايات و ادلة و لا ذكر لها في المرتبة الاعلي منها يقينا فاذا اطلق اللفظ عليها ( عليهما خ ) باطلاق واحد بعد ثبوت المناسبة الذاتية بين الاسم و المسمي يكون كل الاطلاقات من اللفظ و المعني اشباحا و امثلة للرتبة العليا الاولي فلا اشتراك في المعني لعدم الاتحاد في الصقع و لا في اللفظ لعدم تباين المعنيين فان السافل حكاية للعالي و صفة استدلال عليه و الصفة من حيث هي كذلك لايعقل الذهول معها من موصوفها و الشرط في الاشتراك الوضع للثاني بعد الذهول عن معني الاول و ليس الامر هنا كذلك بل انما الوضع للثاني بعلة مناسبة للاول و كونه صفة له و اين هذا من الاشتراك اللفظي و لايصح ان يكون الاطلاق بالنقل و الارتجال لاستلزامهما هجر المعني الاول و هنا ليس كذلك و لا الحقيقة و المجاز في اغلب الاحوال لثبوت علائم الحقيقة في الرتبة الثانية من التبادر و الاطراد و عدم صحة السلب و امثالها من علائم الحقيقة و اماراتها فلايكون مجازا فيكون الاطلاق من باب الحقيقة بعد الحقيقة فانها عبارة عن [ص 361] وضع اسم العالي للسافل من حيث حكايتها و دلالتها للعالي في مقام لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك فالاسم للعالي و ملحوظ الواضع حين الوضع هو العالي فلما وجد الاثر و حكي مثال المؤثر من حيث هو مثال جعل ذلك الاسم له من حيث الصفتية فالوضع خاص هنا لان الملحوظ ليس الا ذلك المعني الواحد الذي هو العالي المؤثر فان الآثار لاتذكر مع المؤثر و الموضوع له الذي هو تلك الصفات الدالة الظاهرة في المرايا المختلفة باختلاف الحدود و القابليات ظهور الكلي في الافراد عام و هذا هو الحقيقة بعد الحقيقة و شرح هذه المسألة و بيانها ذكرناه مفصلا في مباحثاتنا في الاصول و ليس هذا المقام مقام شرح هذا الكلام . فاذا عرفت ذلك فاعلم انه قد ثبت بالادلة القطعية من العقلية و النقلية ان محمدا (ص) و اهل بيته (ع) هم الواقفون في اعلي طبقات سلسلة الموجودات و هم قد سبقوا كل شئ و اول من تحلوا بحلية الكون و الوجود و كلما سواهم خلقوا من شعاع انوارهم و فاضل آثارهم فلاتجمعهم مع ما سواهم حقيقة واحدة فان الشعاع لايجامع المنير في الذات و الحقيقة و الا لميكن شعاعا هذا خلف و هو قول مولينا الصادق (ع) ان الله خلقنا من طينة مكنونة مخزونة عنده و لميجعل في مثل الذي خلقنا منه نصيبا لاحد الحديث ، و لما كان بين الاسم و المسمي مناسبة ذاتية و مرابطة حقيقية حقيقة كان حسن المسمي دليلا علي حسن الاسم و قبح المسمي دليلا علي قبحه بلا شبهة و لما كانوا سلام الله عليهم اصل كل خير و نور [ص 362] و رشد و هداية كما في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه لانهم الوسايط بين الله سبحانه و بين خلقه فلايصل الي احد خير و نور و رشد الا بهم و منهم و لما كان الخير كله يحصل بالقرب الي المبدأ و التوجه التام اليه و ما احد اقرب الي الله عز و جل في جميع الكرات الوجودية منهم (ص) وجب ان لايسبقهم شئ من الاشياء في خير من الخيرات في حال من الحالات لبطلان الطفرة فوجب ان يكون عندهم كل جمال و كمال و جلال و كل خير و نور ظاهر او غايب في كل الكاينات فما سواهم عنهم اخذوا و بهم قاموا و بفاضل كمالهم كملوا و بشعاع جمالهم حسنت صورهم و شمائلهم و جادت تراكيب حدودهم و صور ذواتهم و حقائقهم فاذن وجب ايضا ان يكون العلو الذي هو مدلول لفظ السماء عندهم و فيهم بل هم فتكون السماء ايضا اسمهم و رسمهم و صفتهم و اللفظ الدال عليهم بالوضع الاولي لايشمل غيرهم سلام الله عليهم فاذا نظرت اليهم في مقام الاجمال و الوحدة اطلقت عليهم لفظ المفرد كما في الزيارة انتم السبيل الاعظم و الصراط الاقوم فان هذا الحكم لهم (ع) من حيث الوحدة و البساطة لا من حيث الكثرة و الاختلاف و اذا نظرت اليهم من حيث التفصيل و الاختلاف اطلقت عليهم لفظ الجمع فجاز ان يطلق عليهم السماء و السموات و هذا الاسم لهم (ع) من وضع الله سبحانه لهم من باب الوضع العام و الموضوع له العام الا ان هذا العموم لايتجاوز عن اربعةعشر فردا ابدا و يمتنع اكثر و ازيد منها كما شرحنا و فصلنا فيما كتبنا في النبوة و الولاية فليرجع [ص 363] اليه و هذا الاطلاق فيهم بالاشتراك المعنوي لكن لا (خ) علي سبيل التواطئ و انما ذلك علي جهة التشكيك فانهم سلام الله عليهم مختلفون في العلو فمحمد (ص) هو الاصل في العلو و العمدة فهو علي في مقام جلال القدرة و محمد في جلال العظمة و هكذا تفاوت درجاتهم و تفاضل مقاماتهم في هذا العلو فيختلف الصدق ايضا بذلك الاعتبار و لكن لما كان لهم ظهوران ( ظهورات خ ) في مقاماتهم الذاتية ظهور من حيث هم في مقام الاجمال و ظهور من حيث تفاصيل اجزائهم و حدودهم من قلبهم و صدرهم و ساير قواهم و مشاعرهم التي لها حكم الاحاطة بجميع مراتبهم و اجزائهم و حدودهم فظهرت تلك القوي علي هيئة الاحاطة و احاطت بما دونها فصارت اعلي منها و هي تستمد من تلك القوي بامداد الله سبحانه و تعالي فكانت كل واحد منها سماء تحيط و تشرق علي الاجزاء السافلة التي لا احاطة لها و تربيها و تحفظها عن الابادة و الدثور فتحققت السموات و العاليات و يطلق عليها ايضا هذه اللفظة بالتشكيك في هذه المراتب و المقامات فهم (ع) واحد في مقام الجمع و اربعةعشر في مقام الفرق و لكل منهم حدود و اركان تسعة هي حملة الفيض الالهي الي باقي الاجزاء و الحدود و المراتب و محيطة بها بحسبها من الاحاطة فنقول للمجموع الوحداني سماء و هي السماء الدنيا اي الادني و الاقرب الي الله عز و جل من كل سماء كما قال تعالي ثم دني فتدلي فكان قاب قوسين او ادني و هذه السماء هي التي زينها الله تعالي بالكواكب اي الاسماء الحسني الظاهرة فيهم من جميع الاسماء الا الاسم الواحد الذي تفرد الله به و هو حفظ عن [ص 364] كل شيطان مارد اذ الاسماء تجلب الخير و تدفع الضر و الشر او السماء الدنيا هو محمد (ص) لانه صاحب مقام او ادني و زينها الله سبحانه بالكواكب هم الائمة (ع) الذين هم حدود الولاية و الي هذه الاشارة بقوله تعالي أفلاينظرون الي الابل كيف خلقت و الي السماء كيف رفعت و قد ورد في تفسير السماء ان المراد بها محمد (ص) و هو السماء الدنيا ادني و اقرب من باقي الاربعةعشر ليصح الصدق التشكيكي او المراد بالسماء الدنيا هو اميرالمؤمنين (ع) لانه ادني بالنسبة الي النبي (ص) و اسفل و هو المزين بالكواكب الائمة الاثنيعشر سلام الله عليهم و لذا قلنا ان السماء الدنيا في الظاهر عبارة عن الكرسي لان الاصل في السماء العرش و الكرسي و الباقي تفاصيل احوالهما فلاتعد معهما كما سنذكر ان شاء الله تعالي و الكرسي هو المزين بالكواكب و الكرسي مثال علي (ع) و البروج الاثنيعشر الائمة (ع) او المراد بالسماء الدنيا هي الطاهرة الصديقة الزهراء (ع) و هي الادني من الجميع علي ما قررنا انهم سلام الله عليهم كلهم افضل منها و هي المزينة بالكواكب و هم اولادها سلام الله عليهم و عليها لانها (خ) حاملة لهم و هم انما ظهروا بها (ع) فهي السماء الدنيا و الاحتمالات كلها مرادة الله ( لله خ ) عز و جل في هذه الآية الشريفة فصح ان تقول لكل واحد منهم سماء فتكون السموات سبعة محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و جعفر و موسي عليهم السلام فهم السموات السبع كما يأتي شرحها و بيانها ان شاء الله تعالي و نقول ايضا لكل مرتبة من مراتبهم سماء حتي يتم تركيبهم في تسع سموات سماء القلب و سماء الصدر و سماء العقل [ص 365] و سماء العلم و سماء الوهم و سماء الوجود و سماء الخيال و سماء الفكر و سماء الحيوة فكل واحد منهم سلام الله عليهم مجمع سموات و يقابل كل سماء ارض كما نذكر فيكون مجمع سموات و ارضين و اطلاق لفظ السموات علي هذه السموات ايضا بالاشتراك المعنوي بالتشكيك ثم ان لهم سلام الله عليهم مراتب و مقامات حسب تنزلاتهم و ترقياتهم في القوسين الصعودية و النزولية حسب امتثالهم لقوله عز و جل ادبر فادبر و اقبل فاقبل فكل مرتبة عليا سماء بالنسبة الي ما تحته و هو ارض بالنسبة الي ما فوقه و هكذا تنتهي مراتب السموات الي السموات و الارضين الجسمانيين فعلي هذا تتعدد سمواتهم و ارضوهم بالعدد الذي نشير اليه فيما بعد ان شاء الله تعالي و الصدق في كل هذه الاطلاقات بالاشتراك المعنوي بالتشكيك من باب الوضع العام و الموضوع له العام ثم لما تمت هياكلهم و تحققت كينوناتهم صلي الله عليهم تشعشع نورهم و تلألأ شمس ظهورهم فخلق الله سبحانه من ذلك الشعاع و النور حقايق الانبياء و قسمها الي مائةالف و اربعة و عشرينالف قسمة مختلفة و كل نبي سماء بالنسبة الي وصيه و هو ارض له و لعلومه و اسراره و احكامه و يربيها و ينميها و يصورها بالصور المختلفة و الاحوال المتشتتة حسب مذاق الرعايا و المكلفين فالاطلاق علي السموات الاولية و عليهم من باب الحقيقة بعد الحقيقة و لما كانت الحقيقة الثانية حكاية و مثالا للحقيقة الاولي جرت الاحكام و المراتب فيها علي نهجها فتحققت في هذه الرتبة ايضا سموات و ارضون كما قلنا في الرتبة الاولي حرفا بحرف و الصدق كالصدق [ص 366] و البيان كالبيان الا ان الاطلاق في الحقيقتين حقيقة بعد حقيقة كما قلنا و كذلك القول في انبعاث الاشعة من الطبقة الثانية و صيرورتها مبدأ خلق في الطبقة الثالثة طبقة الانسان الرعية فكانت منشأ سموات و ارضين علي التفصيل المذكور و الاطلاق في الثلثة من باب الحقيقة بعد الحقيقة و في مراتبها بالاشتراك المعنوي بالتشكيك و هكذا المراتب المتنزلة من الشعاع و شعاع الشعاع و شعاع شعاع الشعاع الي تمام المراتب الثمانية التي هي مرتبة الجن و الملك و الحيوان و النبات و الجماد فتحققت في كل مقام سموات و ارضون علي التفصيل فصار الصدق في الاطلاق في جميع السلاسل الاشتراك بالتشكيك و في السلاسل الطولية الحقيقة بعد الحقيقة فالسماء التي وضعها الواضع الحكيم العليم انما هي اسم لواحد و هي النفس التي صنعها الله سبحانه لنفسه كما قال عز من قائل و اصطنعتك لنفسي و كل الاطلاقات سواه شؤن و اطوار لذلك الشئ الواحد و كذلك ساير الاطلاقات و التعبيرات من لفظ الانسان و الحيوان و الاسلام و الايمان و غيرها فافهم موفقا .
المبحث الخامس في مبدأ السموات و الارض و منشأهما و علة تحققهما و كينونتهما . اعلم انا ذكرنا ان محمدا و آله صلي الله عليهم اول المخلوقات و هم المقصودون بالاصالة فيكون كل ما سواهم انما تحقق و تكون و وجد بهم فهم سلام الله عليهم مبدأ كل خير و علة كل رشد و الشرور و المعاصي لما كانت عكوسا و اظلة للنور فلاتتقوم و لاتتحقق الا بهم فهي بهم لا منهم كما ان الخيرات بهم و منهم و مثال ذلك الشمس فانها [ص 367] اذا اشرقت علي الجدار تحدث ظلا و نورا فالنور من الشمس و لها و اليها و ان كان ظهوره بالجدار و الظل ليس من الشمس و لا اليها لانها تشرق علي المرايا و الزجاجة و لاتحدث ظلا فعلم ان احداث الظل انما هو بها لاجل كثافة الجدار لا منها و لا اليها و انما هو بها و كذلك نسبة الشرور اليهم سلام الله عليهم اذ لا قوام لها بدونهم و لولاهم لانتفي الوجود كله بخيره و شره و لكنها ليست منهم و لا اليهم و انما هي قائمة بنورهم ناظرة اليه ساجدة للشمس من دون الله و نورهم قائم بهم فقامت الاشياء كلها بهم كل شئ في مقامه و مرتبته و لنعم ما قال السيد السند السيد محمد القطيفي ايده الله في رثي الحسين عليه السلام الي ان قال :
فقامت به الاشياء عن وجه حكمة كما ينبغي كل علي وفق ذاته
و كذلك السموات هم (ع) منشأها و مبدأها و عنها مصدرها و اليهم مردها كما دلت عليه اخبارهم و شهدت بذلك آثارهم و دل عليه العقل المستنير بنورهم و ولايتهم اما السموات بالمعني الاعم اي العلويات كلها من الانوار المجردة و الحقايق النورانية و الذوات الطيبة من العرش و الكرسي و اللوح و القلم و امثالها فالاخبار في مثل هذا المعني كثيرة منها ما رواه في رياض الجنان عن جابر بن عبدالله الانصاري قال قلت لرسول الله صلي الله عليه و آله اول شئ خلقه الله ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير ثم اقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله ثم جعله اقساما فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش من قسم و خزنة الكرسي [ص 368] من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله ثم جعله اقساما فخلق القلم من قسم و اللوح من قسم و الجنة من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله ثم جعله اجزاء فخلق الملائكة من جزء و الشمس من جزء و القمر و الكواكب من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله ثم جعله اجزاء فخلق العقل من جزء و العلم و الحلم و العصمة و التوفيق من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرت منه مائةالف و اربعة و عشرون الف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي و رسول ثم تنفست ارواح الانبياء فخلق الله منها ارواح الاوصياء الحديث ، و امثال هذا الحديث كثيرة في كتب اصحابنا فمن ارادها فليرجع اليها فيها و اما السموات المرفوعة ( المعروفة خ ) السبع او التسع و الارضون كما هو غالب استعمالاتها كما في حديث العباس بن عبدالمطلب روي انس بن مالك قال صلي بنا رسول الله (ص) في بعض الايام صورة الفجر ثم اقبل علينا بوجهه الكريم فقلت يا رسول الله أرأيت ان تفسر لنا قوله تعالي فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا فقال (ص) اما النبيون فانا و اما الصديقون فاخي علي و اما الشهداء فعمي حمزة و اما الصالحون فابنتي فاطمة و اولادها الحسن و الحسين عليهما السلام ثم قال ما معناه فقال العباس ماذكرتني يا رسول الله ألسنا كلنا من شجرة واحدة فقال صلي الله عليه و آله ان الله تعالي خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين [ص 369] قبل ان يخلق الخلق و قبل ان يخلق السموات و الارض فكنا نسبحه و نقدسه فلما اراد الله خلق الخلق فتق نوري فخلق منه العرش و الكرسي ثم فتق نور علي فخلق منه الملائكة و ان نور علي افضل من الملائكة ثم فتق نور ابنتي فاطمة فخلق منه السموات و الارض و ان نور فاطمة (ع) افضل من السموات و الارض ثم فتق نور ابني الحسن فخلق منه الشمس و القمر و نور الحسن افضل و اشرف من الشمس و القمر ثم فتق نور ابني الحسين فخلق منه الجنة و الحورالعين ، نقلت الحديث بالمعني و في معناه حديث آخر رواه ابنمسعود عن النبي (ص) بتغيير و تبديل و انا اذكر هنا صورة الحديث روي الشيخ فخرالدين طريحي في منتخبه المعقود لمزايا اهل البيت (ع) و مناقبهم و رزاياهم و كذلك روي غيره عن ابنمسعود قال دخلت علي رسول الله (ص) فقلت يا رسول الله (ص) ارني الحق حتي انظر اليه فقال (ص) يا ابنمسعود لج (ظ) المخدع فولجت و رأيت علي بن ابيطالب (ع) و رأيته راكعا و ساجدا و هو يقول عقيب كل صلوة اللهم بحق محمد عبدك و رسولك اغفر للخاطئين من شيعتي و قال ابنمسعود فخرجت اخبر رسول الله فرأيته راكعا و ساجدا و هو يقول عقيب كل صلوة اللهم بحق علي بن ابيطالب عبدك اغفر للعاصين من امتي قال ابنمسعود فاخذني الهلع حتي غشي ( علي خ ) فرفع النبي (ص) رأسه الي فقال يا ابنمسعود أكفرت بعد ايمان قلت معاذ الله و لكني رأيت عليا يسأل الله بك و تسأل الله به و لاادري ايكما افضل فقال (ص) يا ابنمسعود ان الله تعالي خلقني و عليا و فاطمة و الحسن [ص 370] و الحسين عليهم السلام من نور عظمته قبل خلق الخلق بالف عام او بالفي او باربعةعشرالف علي اختلاف النسخ حين لا تسبيح و لا تقديس ففتق نوري فخلق منه السموات و الارض و فتق نور علي فخلق منه العرش و الكرسي و علي اجل من العرش و الكرسي و فتق نور الحسن و خلق منه اللوح و القلم و الحسن اجل من اللوح و القلم و فتق نور الحسين فخلق منه الجنان و الحور و الولدان و الحسين افضل منهم فاظلمت المشارق و المغارب فشكت الملائكة الي الله عز و جل الظلمة قالت اللهم بحق هذه الاشباح التي خلقتهم لما فرجت من هذه الظلمة فخلق الله روحا و قرنها باخري ثم اضائت الروح فخلق منها الزهراء فاضائت منها المشارق و المغارب فمن ذلك سميت الزهراء يا ابنمسعود اذا كان يوم القيمة يقول الله عز و جل لي و لعلي ادخلا الجنة من شئتما و ادخلا النار من شئتما و ذلك قوله تعالي القيا في جهنم كل كفار عنيد و الكافر من جحد نبوتي و العنيد من عاند عليا و شيعته ، انتهي الحديث الشريف و هذا الحديث من قد ( الحديث قد خ ) تكفل لمبدئيتهم لكل الموجودات و قد امرني مولينا الاكرم و سيدنا الاجل الافخم الولي الاولي السيد محمد بن السيد مالالله القطيفي ادام الله بقاه و ايده و ابقاه ان املي كلمات في شرح هذا الحديث الشريف و اشير الي فك رموزه و فتح مقفله و هذا المقام لما كان مناسبا لذكر هذا الحديث المبارك فلا بأس بان نشير الي مجمل بيانه امتثالا لامر ذلك المولي المكرم مع بضاعتي المزجي و قصور باعي عن تناول ذلك المطلب الاقصي الاسني الا ان المأمور معذور .
[ص 371] فاقول ان ابنمسعود اراد منه (ص) محض الحق و مخ الصدق في الدين الذي لايضل المتمسك به و ان يعرفه بالمعرفة العيانية الشهودية التي تلزمه الضرورة و البداهة و لما كان ذروة الامر و سنامه و باب الاشياء و رضي الرحمن الطاعة للامام كما قال الصادق (ع) و الطاعة لاتكون الا بالاخلاص و هو لايحصل الا بعد كمال المعرفة اراد (ص) ان يوقفه علي حقيقة الحكمة التي من اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا و قد ورد في تفسيرها ان الحكمة معرفة الامام (ع) و لما كان معرفة الامام (ع) لاتكمل الا بمعرفة انه مثل النبي (ص) في جميع الفضائل الا ما استثني من حكم النبوة و انه نفسه و ان منه بدأ الاشياء و اليه عودها اراد (ص) ان ينبه ابنمسعود علي هذه الدقيقة الحقيقة اللطيفة الشريفة و لما كان ابنمسعود كان النبي (ص) عنده في مقام عظيم من اعتقاد الجلالة و القرب عند الله و اظهرت النبوة و العصمة و نزول الوحي تلك العظمة و الكبرياء في قلوب المؤمنين به المصدقين له المشاهدين جلائل المعجزات و خوارق العادات منه (ص) و اما اميرالمؤمنين (ع) فلميكن يعتقد فيه ذلك المقام لعدم الظهور التام و البروز العام مع النبي (ص) و هو سر سكون السين في بسم الله الرحمن الرحيم و كان قد رآه في الصغر قد نشأ و كبر بين اظهرهم علي طريقتهم و عادتهم فماكان يعتقد فيه (ع) ما كان يعتقد في النبي (ص) بل كان يراه مثل ساير الرعايا (خ) او افضل منهم اما مساواته له (ص) او قربه منه بحيث لايكون بينهما واسطة صلي الله عليهما فلميخطر بالبال و لاجري بالخيال فاذا كان الامر كذلك فلو ان النبي (ص) يذكر له [ص 372] اولا هذا المعني ماكان يستقر في قلبه و ماكان يحصل له ذلك الاطمينان و الاستقرار الذي يحصل بالمعاينة و المشاهدة كما هو للكملين من العرفاء امره الله تعالي بلسان النبي (ص) ان يلج المخدع و يري عليا صلوات الله عليه و آله في عبادته و دعائه و تضرعه و توسله الي الله سبحانه بالنبي (ص) فدخل و رآه كذلك و هو يسأل الله بالاسم الاجل الاعلي الاعلي الاعلي و هو معني دعائه الله بالنبي (ص) فخرج ليخبر النبي (ص) بما رأي من شأن علي (ع) فاذا النبي (ص) راكع و ساجد يدعو الله بعلي (ع) اي بالاسم الاعظم الاعظم الاعظم فعظم الامر علي ابنمسعود و زعم ان كل واحد يجعل اقرب الخلق الي الله الوسيلة بينه و بينه تعالي في حوائجه و دعائه و استغفاره له و لغيره اما علي (ع) فقد عرفنا ان النبي (ص) اقرب منه الي الله فجعله وسيلة و واسطة و شفيعا و اما النبي (ص) جعل عليا وسيلة و واسطة ينبئ ان يكون هو اقرب الي الله من النبي (ص) و هو في الاول ماكان يعتقد انه يداني مقام النبي (ص) و الآن قد ثبت عنده المثلية بقي يتحير و يتفكر في الافضلية فحار لبه و ضاع عقله من عظيم ما ورد عليه من الامر العظيم حتي غشي عليه فلما اثبت رسول الله (ص) ما اراد و تمكن منه كما اراد بما اراد كيف اراد و بقي ابنمسعود مترددا في الامر الاعظم الذي فيه فساد دينه و دنياه و آخرته و هو توهم الافضلية سأله (ص) و قال أكفرت بعد ايمان اي بعد الايمان باني خاتم النبيين و خير خلق الله اجمعين و لا نبي بعدي و انا اشرف من كل الموجودات لان الله بعثني نذيرا للعالمين علي سبيل العموم كما انزل في [ص 373] كتابه الذي آمنتم به تبارك الذي انزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا تتوهم هذا التوهم فمن هذه الجهة ابدي ابنمسعود ما في باطنه (خ) فقال ماادري ايكما افضل لعظم ما صار في عينه و لو كان مطلعا علي سر الواقع لماكان له هذه الواهمة فان الله سبحانه يدعي باسمائه فافهم فلما استقر في قلب ابنمسعود عظم شأن مولينا اميرالمؤمنين (ع) بما لايوصف قدره اخذه ( اخذ خ ) (ص) في بيان انه و اولاده و زوجته الطاهرة كلهم في الحقيقة واحدة و نور غير متعدد و كلهم مع النبي (ص) في رتبة واحدة الا ان له (ص) فضل النبوة و انهم مبدأ الوجود و الذوات و الصفات و اليهم مردها و معادها فاشار (ص) الي البدو بقوله الشريف ان الله خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين من نور عظمته قبل خلق الخلق بالف عام و اختصاص هذه الخمسة لظهور اعيانهم المقدسة و معرفة ابنمسعود اياهم و الا فكل الاربعةعشر سلام الله عليهم لهم حكم واحد خلقوا من نور عظمته جميعا و اضافة النور الي العظمة بيانية اي نور هو عظمته تعالي فان العظمة الظاهرة في المخلوقين ليست قديمة و انما هي حادثة و لاسبقهم في الوجود حادث بالاجماع من المسلمين في النبي (ص) و الفرقة المحقة في الجميع فهم اسماء الله الظاهرة في المخلوقين في المقام الاعلي و هم مباديها في مقام دون الاول فهم العظمة الظاهرة و القدرة الباهرة المستطيلة علي كل شئ و العلم الذي وسع كل شئ و هكذا جلاله و جماله و بهاؤه و رحمته و نوره و فخره و شرفه و سلطانه و غيرها من امثالها مما هو المفصل في دعاء السحر و دعاء [ص 374] كل يوم من شهر رمضان المبارك و العام اذا اطلق في مثل هذه المقامات يراد منه الرتبة لا المدة الزمانية لان العظمة الغير المتناهية بدوا و عودا لايسعها الزمان و المكان و الحدود و الاوقات ، استخلصهم الله في القدم علي ساير الامم اقامهم في ساير عالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار فاذن هم وجه الله و ليس للوجه زمان و لا مكان فاذا قالوا الف عام يريدون رتبة واحدة و هو نوعية تتضمن انواعا اضافية و اصنافا و افرادا شخصية بحسب ملاحظة نسب اطوارهم فاذا قلت الفين تريد به نسبتهم في الغيب و الشهادة و اذا قلت اربعةعشرالف تريد به تفاصيل اطوارهم السبعة في الرتبة الاجمالية و التفصيلية و اذا قلت ثمانونالف تريد مراتب وجودهم الاربعين في الغيب و الشهود و هكذا ساير تصاريف الاعداد الواردة في هذا الباب فان مدة اقامتهم قبل الخلق اختلفت الآثار و الاخبار فيها و بما ذكرنا ظهر لك وجه الجمع و ارتفع التعارض و اما الالف فانهم لما كانوا مع الله و عند الله كما قال تعالي و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون الآية ، قال مولينا الصادق (ع) نحن الذين عنده و ذلك لانهم وجه الله و عين الله و يد الله و جنب الله و اذن الله و علم الله و قلب الله و نفس الله كما في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و اي اختصاص اعظم من ذلك فاذا كانوا هم معه سبحانه و قد قال تعالي و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون فكانت السنة التي عندنا الفا (خ) عندهم فنحن دائما في مقام الآحاد و هم (ع) دائما في مقام الالوف لان مقامهم بالنسبة الينا مقام النقطة [ص 375] من الكلمة التامة في الكلمة الابداعية التكوينية فافهم فان البيان يطول به الكلام فهم سلام الله عليهم كانوا مخلوقين قبل الخلق و قبل التسبيح و التقديس لانهما اضافتان تابعتان للمسبح و المقدس بالكسر فاذا فقدوا فقد التسبيح و التقديس فلميبق سوي تسبيحهم و تقديسهم سلام الله عليهم فلما اراد الله سبحانه ابداع الكائنات و احداث الموجودات و خلق الارضين و السموات و احداث الاشقياء و السعداء فتق نور محمد (ص) و احدث منه كل الخيرات و جمل الارضين و السموات و ما فيهما و ما بينهما من الذوات و الصفات و المراد بالسموات مطلق العلويات كما قدمنا انها المعني الحقيقي للسموات و الارضين مطلق السفليات من القوابل الطيبة و القوابل الخبيثة علي ما فصلنا (خ) لك في اول المبحث من التقوم الذاتي و العرضي ثم لما ذكر الحكم الاجمالي اخذ في التفصيل كما ان نسبتهم (ع) اليه (ص) نسبة التفصيل الي الاجمال و لذا قال (ص) انا الشجرة و علي اصلها و فاطمة فرعها و الائمة اغصانها كذلك نسبة آثارهم الي آثاره حرفا بحرف لان الاثر يشابه صفة مؤثره فاخذ (ص) في التفصيل فابتدأ بذكر اشرف الموجودات و اكملها و هو العرش و الكرسي فقال (ص) و فتق نور علي (ع) فخلق منه العرش و الكرسي و في حديث العباس ان العرش و الكرسي مخلوقان من نور محمد (ص) و لا تنافي بين الحديثين لانهما حقيقة واحدة يجوز ان تنسب لكل منهما ما تنسب للآخر كما قال اميرالمؤمنين (ع) انا محمد و محمد انا و انا من محمد كالضوء من الضوء و اذا اردت النسبة الحقيقية فاعلم ان العرش حكم الاجمال و الكرسي [ص 376] حكم التفصيل فاذا قرنت بينهما فمرة تلاحظ حكم العرش في الاجمال و يكون حكم الكرسي تابعا له و داخلا معه لان حكم الاقتران و الاتصال حكم البرزخية الكبري التي يحصل لها الطرفين و يحكم بحكمه و مثاله و بيانه تقاطع دائرتي المعدل و منطقة البروج فدايرة المعدل بسيطة لا كثرة فيها ابدا و هي مظهر العقل و دائرة المنطقة متكثرة لا بساطة فيها ابدا و هي مظهر النفس الكلية و المتقاطعان مظهر الروح الرقائقي و هو القران بين العرش و الكرسي فاذا اطلق البرزخ فمرة يراد به الطرف الاعلي و يتبعه الطرف الاسفل و مرة بالعكس فبالعكس فاذا جمع بين العرش و الكرسي يريد الحالة المرتبطة و هو صورة الباء في بسم الله الرحمن الرحيم فاذا نسب الي النبي (ص) فيراد به العرش و اذا نسب الي علي (ع) فيراد به الوجه الاسفل التفصيلي فافهم ثم قال (ص) ثم فتق الله نور الحسن و خلق منه اللوح و القلم و هذا اللوح و القلم باطن الشمس و القمر لا باطن العرش و الكرسي ليقال يلزم ان اثر الحسن (ع) اقوي من ابيه (ع) و لايصح ذلك ابدا و الدليل علي ان اللوح و القلم في هذا المقام تحت العرش و الكرسي ما في الحديث المتقدم في خلق نور النبي (ص) الي ان قال اقامه في مقام القرب ما شاء الله ثم جعله اقساما فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله ثم جعله اقساما فخلق القلم من قسم و اللوح من قسم و الجنة من قسم و هذا صريح في ان اللوح و القلم مؤخران عن العرش و الكرسي فليسا اذن الا باطن الشمس و القمر فان الشمس مثال [ص 377] العرش الذي هو مثال العقل الذي هو القلم و القمر مثال الكرسي الذي هو مثال النفس التي هي مثال اللوح و يؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه حديث العباس ان الله فتق نور الحسن عليه السلام فخلق منه الشمس و القمر فافهم و فتق نور الحسين عليه السلام فخلق منه الجنة و الحور و الولدان فتمت العوالم و الذوات الطيبة من البسايط و المركبات فان المبادي لايخلو مما ذكره (ص) و لما كان لكل شئ ضدا و كل نور يقابله ظلمة فانوجدت المراتب السفلية و الذوات الخبيثة و المركبات الخبيثات و البسايط المسخوطات بالمقابلة فانعكس من العرش و الكرسي الثري و تحت الثري الي الطمطام و ظهر نتنها و خبثها الي جهنم و الثور و الصخرة اي صخرة سجين التي هي كتاب الفجار و طينة المنافقين و من اللوح و القلم في هذا المقام ارض الشهوة و ارض الممات و من الجنة و الحور و الولدان جهنم و الحيات و العقارب و اهلها فاراد استنطاق طبايعهم و اظهار خبثهم و نفاقهم فسألهم ألست بربكم و محمد نبيكم و علي و الائمة و فاطمة الصديقة اوليائكم فقالوا نعم يعني اجابة للنفي يعني انت لست ربنا ( بربنا خ ) الخ ، فاشتدت ظلماتهم و تراكمت بعضها علي بعض حتي وصلت الي اقطار الانوار التي تستأهل لقبول الظلمات و سرت الي الغير المعصومين احكام الخلط و اللطخ من اولئك الظلمة الاشرار حتي استولت تلك الظلمات المشارق و المغارب و خفي امر الحق و ظهر الباطل و خفيت الكلمة العليا و استعلنت ( استعلت خ ) الكلمة السفلي و هو قوله (ص) اظلمت المشارق و المغارب و هي المشارق و المغارب في افلاك الغير المعصومين الذين تتمكن فيهم احكام اللطخ و الخلط و اختلاط الطين بفتح الياء و لما انه يجب [ص 378] رد كل فرع الي اصله و كل صورة الي معناها ليظهر قوله تعالي الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات و الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات فيملأ الارض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا و لما كان كل خير و كل هداية و رشد لا بد و ان يكون يظهر منهم سلام الله عليهم و لذا سمع الله سبحانه شكوي الملائكة و استجاب دعائهم حيث سألوه ازاحة تلك الظلمات بحرمة تلك الاشباح الطاهرة و المثل النورية فخلق الله سبحانه روحا و هي الروح الظاهرة في عالم البشرية و هو مولانا و سيدنا الحسين عليه السلام الذي صار في معرض الشهادة و تبعها ارواح باقي الاربعةعشر سلام الله عليهم و قارنها باخري و هي البشرية الظاهرية لمولاتنا و سيدتنا فاطمة (ع) و اما الذاتية الحقيقية فقد كانت مخلوقة قبل مع تلك الذوات الطيبة كما هو صريح قوله (ص) ان الله خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين فوجب ان يكون هذا الخلق هو خلق ظاهريتهم البشرية للخلق بما يناسب احوالهم ليذهبوا تلك الظلمات و يغسلوا درن السيئات و يوصلوا كل فرع الي اصله و لما كان اصل هذا الامر و قدوته الحسين (ع) و هو الفجر و هو قرآن الفجر الذي يكون مشهودا خصه بالذكر و الا فالكل داخلون في التبعية او الروح الاولي ظاهرية الجميع و الاخري ظاهرية الزهراء و بشريتها و حامليتها حتي تكون امّا لها ثم اضائت الروح اي روح الحسين (ع) بجميع (خ) انحاء الاضائة في تلك الطينة الطيبة فخلق منها اي خلق ظهورها و كونها زاهرة لجميع الخلق حتي عرفوا انها الزهراء (ع) فهي تزهر بتلك الروح النورانية و لذا ورد ما مختصر معناه ان اهل المدينة [ص 379] كان يصل اليهم عند الظهر نور اصفر متشعشعا يضيء علي جدرانهم و بيوتهم و حجراتهم فيأتون النبي (ص) فيأمرهم ان يذهبوا الي بيت فاطمة (ع) فيرونها و قد قعدت في محراب عبادتها و يتلألأ منها نور اصفر يضيء العالم و هكذا وقت المغرب يشاهدون نورا احمر و وقت الصبح كانوا يشاهدون نورا ابيض فلما ولد الحسين (ع) ذهب ذلك الاشراق و لان الحسين (ع) ايضا كان محلا و اصلا لتفرع اغصان الولاية العشرة التسعة عنه مع ما اراد الله ان يضيء به العالم من اظهار امره و دينه و ابراز سره و حقه و هذه الظاهرية البشرية بالتدبير و التصرف هي الروح المقرونة بالروح كما سمعت فان لهم سلام الله عليهم ثلث مقامات : مقام لهم في ذاتهم و حقيقتهم و هذا لهم لايشاركهم غيرهم و لايشاركونه ايضا و لا احد يصل اليهم و يريهم و لايأخذ منهم في ذلك المقام و هو تأويل قوله تعالي و بئر معطلة و قصر مشيد و قد قال الشاعر في هذا المعني :
بئر معطلة و قصر مشرف مثل لآلمحمد مستطرف
فالقصر مجدهم الذي لايرتقي و البئر علمهم الذي لاينزف
و مقام لهم في ظهورهم للخلق في الكينونة الاولي قبل حكم الخلط و اللطخ و تمكن الاعداء من الاحباء و مناسبة الاحباء مع الاعداء و قبل الامتزاج و مقام النور الدائم و الضياء القائم كما يؤل اليه الامر في الرجعة و القيامة بالنسبة اليهم و الي احبائهم سلام الله عليهم و مقام لهم في ظهورهم للخلق في الفطرة الثانية و ظهور الخلط و اللطخ و استيلاء ظلمة اولئك المنافقين في المشارق و المغارب و سريانها [ص 380] في جميع المآرب و المطالب فهذا الظهور يجب ان يكون علي انحاء مختلفة فتارة بالقهر و الغلبة الجبريتين و تارة بالخضوع و الخشوع و الانكسار التام و تارة بالجذب و تارة بالدفع و تارة بالمنع و تارة بالعطاء و تارة بالتقية و تارة بالواقع و تارة باظهار حكم الربوبية و تارة بالظهور بكمال الخضوع و العبودية و تارة بالظهور و تارة بالغيبة و الخفاء و هكذا يتقلبون في الاطوار و الاحوال ليذهبوا تلك الظلمات من غير اجبار و لا اكراه و ينوروا المشارق و المغارب و يخلصوا احبائهم من تلك الاكدار بعد ما تلوثوا بتلك الاغيار و تمكن فيهم الغبار كما يخلص الحكيم الماهر الاكسير الصافي من الاجسام الكثيفة و الاجساد المختلطة بالاوساخ بانواع التقطير و التعفين بانحاء شتي في تربية النار فلو كانت النار في العمل علي طريقة . . . عند اشتداد النار او كان لايتصفي عند خفتها و لطفها فوجب . . . و لما كان كل ظهور و كل طور روحا و نورا لهم بالنسبة الي ذلك المقام و لا بد له من جعل و خلق و ايجاد و لما كان ليس مقصودا بذاته و انما هو مقصود بالعرض فلا بد له من سبب و علة فالسبب هو ظلمة المشارق و المغارب بانكار اولئك الفجار و استيلاء الظلم في هذه الدنيا من الاشرار فشكت الملئكة الانوار الذين هم روابط الفيض بين المبدأ و بين الطيبين من الشيعة لما وجد من استيلاء القوم الجبارين ازاحة تلك الظلمات و ازالة تلك الشكوك (خ) و الشبهات و لما كانت هذه الدنيا ليست علي كمال الاعتدال فماتتحمل اشراق تلك الانوار فاقتضت الحكمة ان يكون ( يكونوا خ ) في الظهور من مولاتنا الزهراء فاسكنها عندها و اظهرها في الدنيا [ص 381] علي حسب ما اراد سبحانه فانار العالم بها و اصلحه و اتمه و اكمله فظهر في الرجعة علي اكمل الاستقامة الي ان اتصل بدار الخلد و دار المقامة و ذلك تقدير العزيز العليم فلك ان تجعل الروح الاولي ظاهرية الحسين (ع) لانه الاصل في هذه الاضافة ( الاضائة خ ) او ظاهرية الجميع بالانتساب سواء كانت الابوة او القرانية و الزوجية لتحقق الجوزهر في فلك القمر بامر مستقر او المحمولية كما قال تعالي فيها يفرق كل امر حكيم اي كل امام حكيم و الروح الاخري هي ظاهرية الزهراء (ع) علي كل حال فزهرتها من تلك الانوار و لذا ورد المصباح في زجاجة ان المصباح هو الحسين (ع) و الزجاجة هي فاطمة (ع) كأنها كوكب دري فيكون المصباح في الزجاجة نور علي نور فافهم و المصباح الذي هو الحسين (ع) ظاهريته (ع) و اما ذاته (ع) فهي موجودة قبل وجود فاطمة لانه اشرف و افضل منها فافهم فلما بين (ص) امر المبدأ و ان العرش و الكرسي و اللوح و القلم و الجنة و الحور و الولدان بنا قامت و ان المنافقين و الاشرار بعكس نورنا و بظلال اشباحنا تقومت و ان الدنيا و ما فيها بجميع اختلافاتها بنا صلحت و باعدائنا فسدت و بنا حييت اراد (ص) ان يبين له ان المعاد ايضا الينا و الحساب علينا و الجنة و النار بيدينا و القيمة و احوالها و اهوالها و الخلائق كلها مرجعهم الي امرنا لانا يد الله و عين الله و وجه الله و كلمة الله و جنب الله فقال (ص) يا ابنمسعود اذا كان يوم القيمة يقول الله عز و جل لي و لعلي ادخلا الجنة من شئتما و ادخلا النار من شئتما لان الجنة لايستحقها احد من فضله تعالي الا باتباعهم و محبتهم و البراءة من [ص 382] اعدائهم و النار لايستحقها احد الا بمخالفتهم اذ لا طاعة لله سوي طاعتهم طاعتهم عين طاعة الله و محبتهم عين محبة الله و هو قوله تعالي القيا يا محمد و يا علي في جهنم كل كفار عنيد و الكافر من جحد نبوتي لانه قد ستر الحق رأسا بانكاره للنبوة و العنيد من عاند عليا و شيعته لانه خارج عن ظلمة الكفر و داخل في ظلمة النفاق فهو معاند للحق و منكر للصدق المطلق فان الولاية لاجل الاظهار و التفصيل كما ان النبوة حكم الابهام و الاجمال و هو قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد و المنذر هو محمد (ص) و الهادي هو اميرالمؤمنين ، فبين (ص) لابنمسعود حقيقة الحق الذي لايضل المتمسك به فاثبت ان الولي منه بدأ الاشياء و اليه عودها و عليه تدور دائرة الكائنات فظهر لك مما بينا و اوضحنا ان مبدأ السموات و الارض و علتها ( علتهما خ ) و الواسطة لايصال فيض الفياض اليها و الحامل لمواقع الفعل و مراتب المشية و الارادة عند التعلق بها و الاسم المربي لذواتها و صفاتها و كينوناتها و ساير آثارها عن ( من خ ) حركاتها و انوارها و استدارتها و مقدار اشعتها هو الولي (ع) اعني الحقيقة المحمدية الظاهرة في الهياكل الاربعةعشر صلي الله عليهم اجمعين لان الله تعالي اقامهم في ساير عالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار فاذا سميتهم العلة الفاعلية بهذا المعني فمااخطأت بل اصبت و اجدت لما اجمع عليه الفرقة المحقة من ان الفاعل و الخالق من صفات الافعال لا من صفات الذات و اما العلة فلايصح اطلاقها علي الله اي علي الذات البحت بوجه من الوجوه و هو قول اميرالمؤمنين علة ما صنع فعله و هو لا علة له كما شرحنا و فصلنا في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل .