[ص 383] المبحث السادس في العلة المادية لخلق السموات و الارض و كيفية احداثهما و ايجادهما و تركيبهما و صورتهما و غيرها من احوالهما . اعلم انا قد ذكرنا في المبحث المتقدم ان الله سبحانه و تعالي خلق السموات و الارض من شعاع نور آل‌محمد صلي الله عليهم فنسبتها اليهم نسبة الشعاع الي المنير ثم ان الشعاع علي قسمين شعاع متصل هو نسبة القشور الي الالباب و شعاع منفصل و هو نسبة الآثار الغير القارة الي مؤثراتها كالكلام بالنسبة الي المتكلم و كالانوار المنفصلة من الشمس الواقعة علي الارض و السموات علي قسمين :

سموات هي في عالمهم و من عالمهم و هي علي قسمين :

سموات هي تمام حقيقتهم و متمم كينونتهم باتمام قصبة الياقوت و سر اللاهوت و حجاب الملك و الملكوت و معدن العزة و الجبروت فالسماء الاعظم و العرش الاقدم هو الحقيقة المحمدية (ص) و الكرسي هو الحقيقة العلوية (ع) و فلك البروج و فلك المنازل و فلك زحل و فلك المشتري و فلك المريخ و فلك الشمس و فلك الزهرة و فلك عطارد و فلك القمر و فلك الرأس و فلك الذنب هم الاحدعشر معصوم من ذرية اميرالمؤمنين سلام الله عليه و الارض هي فاطمة الصديقة الحاملة لآثارهم المظهرة لانوارهم و هذه السموات و الارض هي تمام حقيقتهم و كمال ظهور كينونتهم و هي الاصل الذي تدور عليه جميع السموات في جميع العوالم و تنبعث منه جميع الخيرات في جميع المراتب [ص 384] و هذه السموات نشأت من السماء الاولي التي هي العرش لنشو المفصل من المجمل و هو المراد بشعاع المتصل المادة فيها واحدة الا انها مشككة و هي النور من عالم السرور و اصلها صفو الماء الذي به حيوة كل شئ و نور النار المتخذة من الشجرة المباركة الزيتونة التي ليست شرقية و لا غربية قد قبضت كلمة الله التي هي يد الله التي هي امر الله من قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون قد قبضت تلك الكلمة باسم الله القابض جزء من نور النار و جزئين من صفو الماء فمزج بينهما و زوجهما بالقاضي الذي يشير اليهما بالتراضي و هو برودة انفعالهما و يبوسة حفظهما لما يرد عليهما من فاعلهما و مؤثرهما و لما وجب تلاشيها و ذوبانها فلايجوز ان تكون مثل الماء و النار فتكون بين الربع و النصف ثم نفخت علي الجميع بريح الجنوب المثارة من شجر البحر اي الشجرة الكلية الالهية و هي شجرة الخلد اول شجرة نبتت في ارض الامكان الراجح و العجب ان الامكان ثمرة تلك الشجرة و هي نابتة فيه و هو ناشئ منه و هو قوله تعالي كن فيكون فافهم ان كنت تفهم و البحر بحر الفيض الاقدس و النور المقدس مبدأ الافاضة و محل الاستفاضة سر الوجود و حقيقة الركوع و السجود و وجه الله المعبود و الشاهد و المشهود فلما التئمت الاجزاء و استقرت و مال كل منها الي صاحبه و مال صاحبه اليه مع ادامة اشراق شمس الازل و النور الواحد الذي لم‌يزل نضجت فتألفت فتكونت مستديرة علي وجه مبدئها و مقبلة عليه بكلها و هو قول علي بن الحسين سيد الساجدين (ع) اللهم اني اخلصت بانقطاعي اليك و اقبلت بكلي عليك ، [ص 385] و الاقبال بالكل هي الاستدارة فظهرت بالاستدارة الصحيحة و قامت تدور علي مركزها و تحوم حول قطبها و لاتتعدي طورها و لاينقطع سيرها و لايفني دورها و لم‌تزل تترقي الي ما لا نهاية له و هي في كورها قال الله سبحانه و تعالي حكاية عنها و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون فلما تمحضت استدارتها علي الوجه الاعظم و استمرت كرتها علي القطب المعظم حملت الاسرار و تحملت الانوار و بقيت تفيض علي غيرها و يستمد منها سواها ذلك تقدير العزيز الجبار و هذه هي مادة السموات العليا قد ذكرنا لك بالاشارة و لوحنا الي مطالب جليلة في طي العبارة فما اسعدك لو وفقت لفهمها .

و القسم الثاني من سموات عالمهم سلام الله عليهم هي السموات المحيطة بهم المستديرة عليهم استدارة القشور بالالباب و هي تسعة اذا اعددتها و اربعة‌عشر اذا فصلتها كما يأتي اليها الاشارة في مبحثها و هذه التسعة هي سماء القلب و سماء الصدر و سماء العقل و سماء العلم و سماء الواهمة و سماء الوجود و سماء الخيال و سماء الفكر و سماء الحيوة و ارض الجسد و هذه التسعة مستديرة عليهم مادتها تنزل ذواتهم و حقايقهم من عالم الغيب المطلق الي عالم الشهود و التعين و البروز تنزل الماء الي الثلج و الملك الي حجر ( الحجر خ ) الاسود و جبرئيل الي صورة دحية بن خليفة الكلبي و امثالها فان ذلك الماء لما نظر الي نفسه و نظر الي عبوديته خاف مقام ربه فانجمد ببرودة الخوف فكلما كان نظره الي نفسه اعظم كان خوفه اعظم فانجماده اكثر فكلما هو اقرب الي المبدأ قل ( اقل خ ) [ص 386] انجمادا و اكثر ذوبانا و اشد اتساعا و احاطة و اوسع دائرة و اسرع سيرا الا ان تعوقه العوائق الخارجة عن ذاته كما نذكر ان شاء الله تعالي فيما بعد و كلما هو ابعد عن المبدأ اعظم انجمادا و اقل اتساعا و اضيق احاطة و لذا كان فلك الحيوة اضيق الافلاك و السموات و اصغرها و ارض الجسد ( اضيق الجميع خ‌ل ) لكمال البعد و عظم الانجماد الي ان فقدت الحركة فيها و بقيت لاتتحرك اصلا كما هو المعلوم الظاهر فهذه السموات هي اشعتهم المتصلة بعالمهم المتحققة في مقاماتهم و مراتبهم و ان كانت في المراتب المتنزلة الا انها تحسب منهم و اخذت من فاضل طينتهم التي تناسب اصل ذواتهم و حقيقتهم فهذه السموات بقسميه من القسم الاول من الشعاع اي المتصل و قد نعبر عنها بالاثر المتصل و غير ذلك من العبارات .

و اما القسم الثاني من السموات فهي عوالم السوي قد وجدت كلها من اشعتهم المنفصلة و الآثار التي بينهم و بينها بينونة الصفة و قد اشار اميرالمؤمنين عليه السلام الي مادة السموات و الارض المعلومة و كيفية احداثهما بما لا بيان اعظم و اتقن و لا قول احكم و اتقن منه صلي الله عليه و آله و علي اخيه و زوجته و اولاده الطاهرين علي ما في نهج البلاغة في خطبة له (ع) الي ان قال عليه السلام ثم انشأ سبحانه فتق الاجواء و شق الارجاء و سكائك الهواء فاجري فيها ماءا متلاطما تياره متراكما زخاره حمله علي متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة فامرها برده و سلطها علي شده و قرنها الي حده الهواء من تحتها فتيق و الماء من فوقها دقيق ( دفيق خ ) ثم انشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها و ادام مربها و اعصف مجريها و ابعد منشاها فامرها بتصفيق الماء الزخار و اثارة موج [ص 387] البحار فمخضته مخض السقاء و عصفت به عصفها بالفضاء ترد اوله علي آخره و ساجيه علي مائره حتي عب عبابه و رمي بالزبد ركامه فرفعه في هواء منفتق و جو منفتق فسوي منه سبع سموات جعل سفلاهن موجا مكفوفا و علياهن سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها و لا دسار ينظمها ثم زينها بزينة الكواكب و ضياء الثواقب و اجري فيها سراجا مستطيرا و قمرا منيرا في فلك دائر و سقف سائر و رقيم مائر ثم فتق ما بين السموات العلي فعلاهنّ اطوارا من ملائكته منهم سجود لايركعون و ركوع لاينتصبون و صافون لايتزايلون و مسبحون لايسأمون لايغشيهم نوم العيون و لا فترة الابدان و لا غفلة النسيان الخطبة ، فذكر (ع) في هذه الكلمات المباركة جميع احوال العلة المادية لخلق السموات و الارض و اجزائها و شرايطها و اسبابها و عللها و لوازمها و متمماتها و مكملاتها و ساير احوالها و لو تصدينا لشرح ما تضمنه هذه الكلمات المباركة لضاقت الدفاتر فلنقتصر علي بيانها بالاشارة الاجمالية الي نوع البيان فنقول ان مراده (ع) بالماء المتلاطم المنبعث من سكائك الهواء اي تصادم اجزائه بعضها ببعض و شق الارجاء التي هي الاطراف و النهايات و الحدود الحاصلة من فتق الاجواء و قد ذكرنا هذه الكلمات و شرحها فيما كتبنا من شرح الخطبة الطتنجية علي اكمل بيان و اوضح تفصيل و من اراد ذلك فليطلبها هناك و بالجملة فهذا الماء هو شعاع نورهم و بدأ ظهورهم و هو ماء عند ملاحظة التعلق و الارتباط و نار عند ملاحظة النسبة اليهم و عدم الارتباط و لا بأس ان نشير الي كيفية تحقق هذا الماء علي ما تضمنته كلمات [ص 388] اميرالمؤمنين (ع) فنقول اعلم ان الله سبحانه خلق ياقوتة حمراء من جزء من صفو النار و جزئين من صفو الماء بيبوسة ارض القابلية فنظر اليها بنظر ( بعين خ ) الهيبة فماعت و ذابت و صارت ماء رجراجا و بحرا عظيما يتغطمط امواجا فاشرق علي ذلك البحر شمس اسم الله القابض فظهر اسم الله الحي و الرحمن بريح الجنوب فتموج البحر و اضطرب بتصفيق الرياح الشديدة التي هي جهات فعل الله و هي مظاهر اسم الله الاعظم فصعدت الابخرة المختلطة بالاجزاء النارية و الترابية المستجنة في زبد البحر فكانت تلك الابخرة و الادخنة مادة السموات السبع و الافلاك التسع فبقي الزبد علي وجه الماء فجعله سبحانه مادة للارضين السبع فبعد ما دحي الارض و استوت و استقرت في يومين يوم المادة و الصورة استوي الي السماء و هي دخان فسويهن سبع سموات فاول ما ظهر منها فلك الشمس فدارت الافلاك فوقها و تحتها حسب ما فيها من القوي الالهية لكونها مهبط الاسماء الفعلية و الانوار الاربعة القدسية العرشية ثم لما كانت تلك الادخنة متفاوتة في الغلظة و التصفية رتبت السموات علي الترتيب المعروف فملأ ذلك البحر الوجود بمائه و دخانه و زبده فاستدار بعضه علي بعض و تحقق الليل و النهار فظهرت مكنونات خبايا الاسرار .

هذا الذي ذكرنا كلام جار علي الحقيقة بالاجمال و الاشارة الي حقيقة الامر و الواقع اعلم ان النون اي بحر الصاد اول الماء الذي كان عليه عرش الرحمن و الماء منه كل شئ حي و به قوام كل شئ فلما كان متمم ظهور الهاء عن الكاف لا كتتميم الهاء المشبع الذي هو هو للاسماء [ص 389] الحسني و تتميم الاحد للواحد بل كتتميم الصفة لظهور الموصوف و تتميم الفرع لجهات تعريف الاصل ظهر مثالا للظاهر او حاكيا له بذاته فكان حافظا لوجوده في جميع مراتب التربيع و التكعيب فاحكم في قوله تعالي مايكون من نجوي ثلثة الا هو رابعهم الآية ، فظهر حافظا (خ) لنفسه في كل الاطوار و الاكوار و الادوار فصار به كل شئ حي في الاعلان و الاسرار من الاكوان الستة التي عليها المدار اما الكون الاول فنوراني لا غير و اما الكون الثاني فجوهري لا غير و الكون الثالث فهوائي لا غير و الكون الرابع فمائي لا غير و الكون الخامس فناري لا غير و اما الكون السادس فاظلة و ذر ثم سماء مبنية و ارض مدحية و ان اردت ان تعرف حقيقة هذا الماء و سبب نشوه و مادته و صورته فاعلم ان التكوين اقتضي الحرارة لانه الحركة بنفسها من الظاهر بالفعل الي المكون بالفتح و التكون اقتضي البرودة لانه السكون المنتهي اليه الحركة مقام الجمود و الوقوف و لما كان التكوين هو الفعل الاسم الذي استقر في ظله فلايخرج منه الي غيره اقتضي مع الحرارة اليبوسة لثبات الاستقرار و تحقق القرار قال عز و جل و ما منا الا له مقام معلوم و لما كان التكون هو الحامل لاثر التكوين و الماسك له اقتضي ان يكون ذلك الاثر حارا لتحقق المثلثة ( المثلية خ ) و كذا ان يكون رطبا للسيلان الي المكون و الربط الي المكون ليتحقق الحل الاول المستلزم للعقد الذي هو الاتحاد و لما كان التكون لايكون الا بالقبول لاثر التكوين و ذلك لايكون الا بالاقبال الي المقبول و الارتباط به من جهة القابل اقتضي الرطوبة مع البرودة فتمت العناصر الاربعة الاول [ص 390] الحار اليابس و هو النار اي الفاعل الثاني الحار الرطب و هو الهواء و هو اثر الفاعل اي المصدر و هو المفعول المطلق و هو الهاضمة و بطن فرس و حمام مارية الثالث البارد الرطب و هو الماء و هو جهة القابلية المحضة الفتاة الغربية و لبنة العذراء الرابع البارد اليابس و هو الارض و هو جودة حفظ القابل بفعل الفاعل و امساكه اياه و هو الارض المقدسة و الجسد الجديد هذا في اصل الكون عند التكوين الاول في ثاني الازل فلما اقترنت هذه العناصر الاربعة و اتصلت بهذا الترتيب وقع اثر الفاعل علي القابل و استجنت الحرارة الفاعلية في الاجزاء الارضية القابلة و كانت الحرارة الاصلية الاولية دائمة الاشراق علي الارض القابلة فهيجت تلك الحرارة المستجنة في الاجزاء الارضية و اقبلت الي مبدئها باعانة الامدادات الفائضة من الاشراق الدائم و صحبت معها الاجزاء المائية اللطيفة المستجنة فيها الاجزاء الارضية اللطيفة بحكم المشابهة و المناسبة الذاتية فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين لكن الاجزاء الارضية مستهلكة مضمحلة تكاد تضيء و تتلألأ بخفق و الاجزاء المائية اللطيفة التي هي محض القابلية و الاستعداد المقابلة لفوارة النور بسر الامداد مضاعفة فاصابه برد التكون بالتكوين ثانيا فانجمد و انعقد تحت سماء التكوين فثقل و تقاطر و نزل محصول ( فحصول خ ) النسب و الاضافات المستدعية النزول ( للنزول خ ) عن مقام البساطة الحقيقية فكان ماء رجراجا و بحرا مواجا فهذا هو الماء الاول و ان كان المصطلح عليه هو الماء الذي به حيوة الموجودات المقيدة (خ) التي هي النون و الصاد و المزن المذكور آنفا و لو كان لك بصر حديد علمت ان هذا القول [ص 391] يجري في كل ما تلاحظ مخلوقيته من السرمد الي الدهر الي الزمان و بالجملة نحن نحكم حكما كليا فان قدرت ان تجريه في جميع الجزئيات فعلت ملاحظا للصدق اللفظي و الوصف التأثري و الا فعلي مقدار ما استطعت و لما تحقق ذلك البحر المواج و الماء الرجراج و قابلته نار التكون صعدت بها الابخرة و هي اللطايف المستجنة و الارواح المستكنة فتراكمت الابخرة و تطابقت و ظهرت علي هيئة الاستدارة و هيئة الفقر و الفاقة و هيئة الغني و الافاضة و دارت للاتصال بالمبدأ بحكم المناسبة لوجود المثال الملقي في الهوية و هي الافلاك و مادتها و حقيقتها و اصلها و منشأها فلما اختلفت مظاهر ذلك الماء و مراتبها باللطافة و الشرافة و الكثافة و الغلظ و البعد و القرب و بطلت الطفرة جري الفيض الاختراعي و الابتداعي عليها علي ذلك الترتيب فدارت العلويات علي السفليات و احاطت علي الجزئيات فاعطي سبحانه تعميم فضله و سابق كرمه بها كل ذي حقه حقه و ساق بها كل مخلوق رزقه و هذا الحكم يجري في كل دور و كور و عالم من العوالم الف‌الف فيكون الف‌الف سموات و الف‌الف ارضين و مادة تلك السموات علي ما فصلنا لك الا ان تلك المادة في كل عالم بحسبه ففي العقول عقلية و الارواح روحية و النفوس نفسية و المثال مثالية و الاجسام جسمية ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير فافهم فهذه هي العلة المادية و قد عرفت انها ماء قائم واقف قد قطر ذلك الماء من فاضل عرق محمد و اهل بيته الطيبين [ص 392] الطاهرين عند العروج الي اعلي معارج الوصال و الصعود الي اقصي درجات الاتصال فلما وصلوا الي مقام المقابلة الممكنة اشرق عليهم من ذلك النور الدائم و الضوء القائم فاذاب ما انجمد من الكينونة لما نظرت الي نفسها و خضعت و خشعت لربها فاثرت تلك الحرارة الموجبة للذوبان في اجسامهم و اجسادهم و اعني بها الاشباح المنفصلة و الاجسام التعليمية فتقاطرت منها قطرات فكانت مادة للسموات ثم انصبغت تلك القطرات علي ما انصبغ كينونتهم عند التوجه الي ربهم بصبغ سر اسم من اسماء ( الاسماء خ ) العظام و ذكر من اذكار الملك العلام فكانت مادة السماء مخصوصة من السموات و ذلك انهم (ع) لما عرفوا انفسهم فخضعوا لربهم بكمال الخضوع و الاقبال و اعلي مراتب الخضوع السجود فسجدوا و ذلوا فقالوا سبحان الله فانبعث منهم نور ابيض ثم قالوا الحمد لله فانبعث منهم نور اصفر ثم قالوا لا اله الا الله فانبعث ( منهم خ ) نور اخضر ثم قالوا الله اكبر فانبعث منهم نور احمر فتمت بذلك اركان العرش و استقرت بها سكان الفرش ثم ان الله سبحانه خلق السموات السبع حسب ظهور جهة من جهات هذه الاركان اما بالانفراد او بالاقتران فاختلفت موادها بعد اتفاقها بكونها دخانا سيالا كما نشرح ان شاء الله تعالي عند ذكر الالوان و الي هذا المعني يشير ما ورد عن (خ) النبي (ص) في حديث ابن‌سلام انه سأل النبي (ص) فقال اخبرني ما بال سماء الدنيا خضراء قال (ص) يا ابن‌سلام اخضرت من جبل قاف قال صدقت فاخبرني مم خلق قال (ص) من موج مكفوف قال يا ابن‌سلام ماء قائم لا اضطراب [ص 393] لها و كانت في الاصل دخانا قال صدقت يا محمد الي ان قال فاخبرني عن السماء الثانية مم خلقت قال (ص) من الغمام قال صدقت فاخبرني عن السماء الثالثة مم خلقت قال من زبرجد قال فالرابعة قال (ص) من ذهب احمر قال فالخامسة قال (ص) من ياقوتة حمراء قال فالسادسة قال (ص) من فضة بيضاء قال فالسابعة قال من ذهب قال صدقت الحديث ، فقوله (ص) في سماء الدنيا التي هي آخر السموات و اقربها الي الارض و هي مبدأ الصور و علة البرودة و الرطوبة و ينسب اليه المد و الجزر (خ) في البحر فعلمنا يقينا انه كما قال (ص) موج من البحر مكفوف اي ماء قائم واقف لانه جهة الانفعال و مقام الصور و التفصيل و محل العدد و الحساب فباردة لانتسابها الي جهة الماهية ( المائية خ ) و رطبة لسرعة قبولها للتشكل و اليها ينسب النساء و كذلك الوزراء من جهة التفصيل و ظهور الاحكام بالصور المختلفة فطبعها الحيوة و طعمها كذلك قال (ص) الماء سيد الشراب و طعمه طعم الحيوة و لا اضطراب لها كما يوجد في هذا الماء الموجود في الارض لخلوصه عن الغرائب و الاعراض و لكونه مبدأ بالنسبة اليه و المبدأ خلق ساكن لايدرك بالسكون و هذا الماء انما انوجد من صفة تسبيحهم سلام الله عليهم لا من ذاته و قوله (ص) و كان في الاصل دخانا يشير الي بيان عدم تناقض قوله (ص) مع قول الله عز و جل قال ثم استوي الي السماء و هي دخان تنبيها الي ان المادة تنصبغ بصبغ الصورة حين التحديد و تجري عليها احكامها و قوله (ص) في السماء الثانية خلقت من الغمام ، اشار بابي هو و امي بهذا الكلام الموجز [ص 394] الي كل احوال السماء الثانية فاشار بالغمام الي ان اصلها اجزاء بخارية طبعها بارد رطب مختلطة ( مختلط خ ) باليبوسة الهبائية الممتزجة بالهواء فظاهرها الارض السائلة الذائبة الغير المنجمدة و باطنها الهواء الراكد و لما كانت مجاورة للسماء الاولي و هي من الماء خفيت الحرارة فصار طبعها طبعا سيالا ينقلب (خ) مع كل ذي طبيعة لجمعها الطبايع السيالة من الارض السيالة و الهواء الراكد و الماء الجامد و النار الحائلة كالغمام فعلي ما بينا ظهر لك وجه الجمع بين كلمات علماء اهل (خ) هذا الشأن فمنهم من قال انها خلقت من التراب و منهم من قال انها خلقت من الماء و اهل الحروف ذكروا لها مزاجين لظاهرها و باطنها و قال بعضهم ان طبيعتها تتبع ما يفارقها ( يقارنها خ ) مع البروج و الكواكب فهي (خ) مع النارية نارية و مع المائية مائية و هكذا ساير الطبايع بالمقارنات و الاوضاع و هم و ان قالوا ذلك في الكواكب الموجود فيها الا انه لا فرق بين الكواكب و سمائها في المزاج و الطبيعة الا ان في الكواكب اقوي مما في الفلك و السماء و قول النبي (ص) اتي بيانا جامعا لكل هذه المذاهب و شرحا لحقيقة هذه الاقوال و انها كلها صحيحة و ان السماء و لذا كانت السماء الثانية سماء الفكر و هي المربية للكتاب و ارباب القلم و كل من يتطور بالاطوار المختلفة و الشؤن المتباينة فافهم و قوله (ص) في السماء الثالثة انها خلقت من زبرجد ، لان باطنها حار رطب و لونه الصفر و ظاهرها بارد يابس علي ما ذهب اليه بعض اهل الحروف و لونه السواد و اللون الحاصل من هذا الممتزج زبرجدي كما قال و قوله (ص) في الرابعة انها خلقت من ذهب احمر ، يريد بالذهب النار و هو الطبع [ص 395] الذاتي له اولا فانه انما يتكون بنظر الشمس حتي قال بعضهم ان طبعه حار يابس لمشابهة الاثر مع مؤثره و هذه النار هي نار الطبقة الاولي فان الله سبحانه خلق هذه السماء من سبع طبقات من نور النار و صفاء الماء فجعل طبقة من النار و الاخري من الماء الي تمام الطبقات و جعل الطبقة الظاهرة من نور النار و لذا كانت الشمس حارة و هي من نار الطبقة العليا الاولي علي ما نص عليه مولينا الباقر (ع) و قوله (ع) و ان كان في الشمس الا ان سماءها و فلكها من سنخها كما ذكرنا آنفا و لما كان الذهب اصل لونه الصفرة لكونه الحار الرطب المقتضي للصفرة علي التحقيق و ليست الشمس الا من النار قيده (ص) بالحمرة لبيان المراد انه الكبريت الاحمر و الاكسير الذي يطهر الفلزات و هو و ان كان معتدل الطبيعة و المزاج و لكنه لما ظهر بالتأثير و الفعل فاقتضي النارية التي هي طبع الفاعل و الشمس و سمائها و فلكها اصلا للافلاك السبعة و سماواتها فافهم و قوله (ص) فالخامسة من ياقوتة حمراء ، يشير بها الي ظاهر تلك السماء كالرابعة فان لها جهتان بظاهرها نار محرقة طبع الياقوت الاحمر شديدة الحمرة نحس اصفر و بباطنها بارد رطب كما قرر عند اهل العلم فهي بباطنها سعد و بظاهرها نحس و بباطنها درة بيضاء و بظاهرها ياقوتة حمراء و لذا كانت هذه السماء بكوكبها (خ) منسوبة الي اميرالمؤمنين (ع) لانه باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا فظاهرها نار و باطنها ماء فافهم و قوله (ص) فالسماء السادسة (خ) من فضة بيضاء لانه سماء العلماء و القضاة و العلم هو الخشية [ص 396] و هي الخوف الحاصل من البرودة و الرطوبة فظاهر هذه السماء بارد رطب و في باطنها اجزاء حارة لتقوية الروح و الحيوة كالفضة فان في باطنها جزء من الحرارة و لذا اذا ارادوا ان يضعوا اكسير الفضة يأخذون جزئين من الفتاة الغربية و لبنة العذراء و جزء واحدا من الفتي الشرقي و هو شئ يشبه البرقا و جزء من الانفحة و هي القاضي الذي يشير اليهما بالتراضي فينفخون في الجميع بريح الجنوب فينعقد فضة صافية يؤثر فيها فقوله (ص) فضة بيضاء ، يشير به الي حقيقة الامر في هذه السماء لانهم سلام الله عليهم يتكلمون عما هو الواقعي الاولي فافهم قوله (ص) فالسابعة من ذهب ، يشير الي باطن تلك السماء لا ظاهرها فان ظاهرها من الطلق و هو بارد يابس طبع الموت و هو نحس اكبر لابناء الدنيا و اما باطنها فهو من ذهب كما قال (ص) و هو حار رطب و قد صرح بذلك علماء الحروف و دل عليه العقل و الوجدان و الحار الرطب لونه الصفرة كالذهب فانه حار رطب علي الاصح طابق لونه طبعه و لذا شبهه (ص) بالذهب لمراعاة باطن الامر و حقيقة الواقع لان السماء السابعة و كوكبها منسوبتان الي اميرالمؤمنين (ع) و هو عذاب علي الكافرين و موت لهم و حيوة و رحمة للمؤمنين السلام علي نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و لما ظهر طبع الباطن في طبع ظاهره ظهرت الحمرة المائلة الي السواد في كوكب زحل و هو النجم الثاقب و مرادي بالباطن و الظاهر ليس هو الغيب و الشهادة و الجسد [ص 397] و الروح و انما المراد بهما الذاتية الاصلية و العرضية الفرعية كما قال عز و جل باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها و اما خصوصية كل سماء بالمادة المخصوصة المعينة كما اشرنا اليه فلو اردنا شرحها و بيانها لطال بنا الكلام و مجمل الاشارة هو ما ذكرنا من ان السماء السابعة سماء العقل و هو له مراتب العقل المرتفع و العقل المستوي و العقل المنخفض و العقل المتعلق بالروح فالسماء السابعة من جهة حامليتها لمظاهر الروح و آثارها مادتها من الذهب و من جهة حامليتها للعقل المرتفع مادتها من الذهب الاحمر اي الاكسير الشمسي و من جهة عبادته و خضوعه و خشوعه و حامليتها له من هذه الجهة مادتها من الفضة الصافية و من جهة حامليتها لذات العقل و حقيقة ( حقيقته خ ) الغالبة عليه المرة السوداء فمادتها قبضة من تراب بيت المقدس و هو الجسد الجديد و هو الحي الذي لايموت و لايبيد و اما السماء السادسة فمن جهة علي انها حاملة للعلوم المرتسمة في اللوح المحفوظ و هي الصورة فالغالب علي ظاهرها البرودة و الرطوبة و علي باطنها البرودة و اليبوسة و في الباطن الممتزج بالظاهر حرارة لتقوية الروح و تصفية البدن فكانت مادتها من الفضة البيضاء في الظاهر و من المطلق ( الطلق خ ) في الباطن لان حكم الباطن لايظهر في مقام حكم الظاهر بخلاف ساير السموات و اما الخامسة فمن جهة انها حاملة لآثار الطبيعة كانت مادتها من الياقوتة الحمراء في الظاهر دون الباطن و لذا قالوا انه شيخ كبير قاعد علي كرسي من الدم و اما الرابعة فمن جهة حامليتها للانوار [ص 398] الاربعة و الطبايع المعتدلة كانت مادتها . . .

( انقطعت النسخ الموجودة من الشرح الي هنا و صلي الله علي محمد و آله )