و اما الاسباب الاخر الغير الطبيعية التي تصير سببا لاعراض الروح و لايستريح بذلك البدن و لايتقوي به الحرارة الغريزية و لايكثر جوهر الروح فامور كثيرة نشير الي بعضها هنا لعموم الفائدة منها تحلل جوهر الروح فلايبقي بالانبساط في غير المبدأ و الفرق بينه و بين ما ذكرنا سابقا من الاسباب الطبيعية ان ذلك التحلل انما حصل باليقظة و النوم يطلب بدل ما تحلله اليقظة و هو امر طبيعي و اما هنا فالنوم يطلب بدل تحليل غير طبيعي و علامته تقدم استفراغات و اسباب محللة او عدم الغذاء و وجود الضعف منها فرط الرطوبة في البدن لانها يرطب عصب الحس و الحركة و يلينها و يسد مجري الروح و تغلظ جوهره فلاتتحرك حركة انبساط و نوم السكران و من لمينهضم طعامه و ثقل علي فم المعدة من هذا القبيل و علامته ان يكون النبض لينا موجيا عريضا و لون الوجه و العين و اللسان [ص 291] ابيض و ورم الجفون و منها سوء المزاج بارد ساذج فان البرودة تجمد المنافذ و المسامات الداخلة فتمنع من نفوذ الروح بسهولة و علامته النسيان و نقصان التميز و منها زيادة الدم في العروق و المجاري فتمنع الروح من النفوذ و علامته انتفاخ الاوداج و حمرة الوجنتين و العينين و منها البرد الخارجي فيمنع النفوذ بسد المسامات الي الخارج و علامته ميل لون الوجه الي الخضرة و النبض صلب ممتد و ( متبدد خ ) متفاوت و منها البخار الحار المتصاعد الي الدماغ من عضو كالمعدة و الرية و غيرهما و علامته ان يظهر لصاحبه دوار و طنين و يري خيالات كالذباب و البق و الخطوط السود و الحمر و الصفر امام العين و خفته علي الجوع و زيادته علي الامتلاء ان كان من المعدة و اذا كان من الرية يقدمه وجع ثقيل في نواحي الصدر و ضيق النفس و سعال رطب و منها حدوث الديدان فيضعف الروح و يعين عليه البخار المتصاعد منها الي الدماغ و هذه و امثالها هي الاسباب الغير الطبيعية للنوم و اما الخرخرة الحاصلة في النوم فسببها رطوبات الحنجرة فيخرج النفس مع الصوت لان الحرارة قد قلت عن الظاهر و قويت البرودة فخمدت ( فجمدت خ ) تلك الرطوبات فاذا جذب الروح الهواء و استنشق بآلة الرية فتصادم اجزاء الهواء مع تلك الاجزاء فيحدث الصوت و الفرق بين المسكوت و المسبوت ان حسن ( حس خل ) المسكوت يذهب اليه و المسبوت بخلافه و الفرق بين المسبوت و المغشي عليه ان نبض المسبوت اقوي و الغشي لضعف القلب يقع تدريجا مع تغيير اللون الي الصفرة و برد الاطراف و هذا ملخص ما عند الاطباء في احكام النوم و علله و اسبابه و هذا هو الحكم الجاري في الظاهر علي الانسان خاصة .
[ص 292] و اما في الواقع فالنوم يجري في كل ما خلق الله سبحانه و ركبه من جزئين نور و ظلمة و جهة امداد و استمداد و عال و سافل علي (خ) ما فصلنا فان كل شئ مستمد من جهة وجهه الي مبدئه و تلك الجهة عند التوجه الي الاعلي تظهر للاسفل مقام النوم او ان تعتريه اسباب تمنع ظهور الجهة العليا فيه فيضعف فيه الحس و الحركة و تلك الاسباب طبيعية و غير طبيعية علي حسب حال ذلك الشئ فيجري هذا الحكم في العالم الكبير و العالم الصغير و العالم الوسيط و كل ذرة من ذرات الوجود في عالم الغيب و الشهود في كل موجود و مفقود لان صنع الله سبحانه واحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما امرنا الا واحدة و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة لكن لما كان الناس انجمدت قرائحهم بالنظر الي ما لايعنيهم فبقوا لايرون الا ما شاهدته الحواس فلايمكنهم اجراء الاحكام الكلية في الذوات الكلية و الجزئية و لو اردنا ان نشرح لك كيفية نوم العالم الاكبر و سنته و حيوته و موته لطال بنا الكلام و لخرجنا عن المقام الا انا قد اشرنا الي نوع المسألة عند القول بان النوم عبارة عن رفع العالي نظره عن السافل لكثافات و عوارض تحول بين العالي و بين السافل و تلك العوارض في البدن الانساني البخارات و ما ذكرناه من الاسباب و العالي هو الروح الحيوانية او الانسانية و السافل هو البدن الجسماني فان الروح هو محل نظر الله و فيضه للبدن و العالم الاكبر محل نظر الله و رابطة الفيض بين الله و بين خلقه و الغوث و النقطة الحقيقية هو العالي و السافل كينونات الخلايق و العرش و الكرسي [ص 293] و السموات و الارض و ما حوته هذه الافلاك و الدواير من المتولدات كلها و العوارض هي مقتضيات النفس الامارة بالسوء و مشتهياتها مما يخالف مراد الله سبحانه مع الايمان الذاتي فيخرج و يتصاعد من ارض اعمالهم و قوابل افعالهم من رطوبات ميولاتهم و شهواتهم بحرارة الاوامر و النواهي الواردة عليهم او بحرارة قوة كينونتهم ابخرة هي الظلمة الحادثة الكائنة بتلك الاعمال و تلك المقتضيات فتحجب الذوات السفلية عن مقابلة تلك الانوار لسد المنافذ التي هي جهة الاقبال و التوجه الي الغوث العالي طبقي ( فبقي خ ) الكينونات محجوبة عن نظره و ساقطة عن الحس و الحركة الا ما كان ضروريا مثل النفس اما سقوط الحركة و الحس فلما نشاهد من عدم الميل الي الطاعات و العبادات و عدم التوجه الي بارئ السموات و خالق النسمات و عدم طاقتهم للنهوض و الهرب اذا لدغتهم حيات الشياطين و عقاربها بسم المعصية فان الرجل تريه يحب ان لايعصي فاذا عارضته معصية تغلب عليه الشهوة يقارفها و ان كان مكرها لها فلو كان حيا او مستيقظا لهرب منها كما يفر و يهرب من الاسد المفترس الضاري و لكنه نائم لايستيقظ الا بعد وقوع المعصية فيبقي متأسفا متضجرا كمن لدغته العقرب و هو نائم فيستيقظ و يصيح و يتأوه و كذلك عدم النهوض لطلب العلم و الكمال و المعارف الربانية و الحكم السبحانية و البواطن و الاسرار القرآنية و التلويحات و الاشارات المعصومية و التأمل في الآيات الآفاقية و الانفسية و التدبر في عظمة الخالق و قدرته و طلب ما يريد منه و ترك ما لايعنيه و عدم مشاهدة الانوار القدسية و الاسرار [ص 294] اللاهوتية و صرير اقلام الملائكة المدبرات و اصوات الافلاك الدايرات و المسبحات و تسبيح الجمادات و النباتات و خضوع الاشياء و خشوعها لخالق الارضين و السموات و امثالها من عجايب الصنع و بدايع الخلقة فلو لمتكن الحواس معطلة و الادراكات ساقطة لماحصلت الغفلة مع ظهور الامر و كشف الحجاب و فتح الباب الا ان القوم نائمون و عن الكمالات و عجائب الاشياء و غرائب الامور غافلون و هو قوله تعالي لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد .
و اما النفس الخارج من النائم الذي هو علامة حيوته ففي هذا المقام اقرارهم بالتوحيد و النبوة و الامامة و المعاد علي ظاهر الحال لا علي جهة الحقيقة و الواقع فمن ليس عنده هذا الاقرار فليس بنائم بل هو ميت و هذه الاسباب لامور غير طبيعية لا طبيعية فحدثت منه الامراض ايضا مع النوم الدائم فمنهم من غشي عليه و منهم من مسكوت ( منهم مسكوت خ ) و منهم نائم مسبوت ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكتاب مما يطول
و كذلك الحكم في عدم نضج الثمار و عدم استقامة الاحوال و عدم اعتدال الاشجار و كثافة الاحجار و ظلمة الليل و تغيير النهار و غلاء الاسعار و كساد التجار و استيلاء الفجار و تسلط الاشرار و خمود الاغيار و افشاء الاسرار و خفاء الانوار و وقوع الاكدار و خراب الديار و غيرها من الاحوال الجارية و الاحكام السارية علي خلاف مقتضي الطبيعة الايجادية فاذا بطل النوم و استقر القوم و ذهب الليل و استمر اليوم تعتدل هذه الاحوال و تجري الاشياء علي مقتضي كينوناتها في توجهاتها و يغلب سلطان الوحدة [ص 295] فيرفع التضاد و يبطل التعاند و يبقي الاتحاد فيصدر من كل شئ كل شئ و من كل طبيعة ( كل خ ) طبيعة و لايفترق المجتمع و لايجتمع المفترق لان الاجتماع لايكون الا للملائمة و هي دائمة مستمرة و الافتراق لايكون الا للمنافرة و هي دائمة مستمرة فالعلة باقية و الحكم ثابت و لذا كانت دار الآخرة هي الحيوان و علي ما ذكرنا وضح و ظهر لك ان النوم حدث لانه اعراض لنظر العالي عن السافل كالبول و الغايط و المني و الموت و غيرها فاذا اعرضت الروح النفسانية بوجهها الذي هو الروح البخاري و هو اعرض بوجهه الذي هو الحرارة الغريزية الكائنة في تجاويف القلب عن الفضلات الخارجة عن ثفل (خ) الكيلوس و الكيموس و الهضمين الآخرين فنتنت و خبثت بذلك الاعراض فنجست لاجل ذلك لانها مدبرة عن الطهارة الاصلية التي هي وجه الله الذي يحمله العقل الذي يحمله الروح الرقائقي الذي يحمله النفس القدسية الانسانية التي يحملها النفس الحساسة الفلكية التي يحملها الروح البخاري الذي تحمله الحرارة الغريزية فالمدبر عن الطاهر و الطهارة لايكون الا نجسا و نجاسة و لذا كانت الفضلات المدفوعة التي بلغت حد النضج نجسة علي ما فصلنا في اسرار الصلوة دون المذي و الودي و الوذي و القيح و الصديد الذي يخرج من الانسان و ان كانت خبيثة فاذا كان الامر كذلك فما ظنك بالنوم الذي هو اخو الموت من جهة اعراض الروح الحاملة لوجه الله الذي به المدد و البقاء عن ظاهر الجسد فتبقي اقطار ظاهر البدن مظلمة كثيفة منتنة زايلة عليها ذل الاعراض و انكسار الهوي الي حضيض الادبار فلايصلح مع ذلك للتوجه الي حضرة الجبار [ص 296] القهار القدوس الطاهر فيجب ان يتطهر بالماء الذي يعينه ( يعنيه خ ) نية القربة فيتقوي في التأثير و الفعل و يتلطف في النفوذ و الذوبان و السراية فينفذ في جميع الاقطار و يذهب الظلمة بتطهر تلك الاوساخ و ازالة تلك الاكدار مثل الاكسير اذا بلغ في اللطافة و الصفاء مبلغ الكمال و وصل الي مقام الوصال و الاتصال يطهر قيراط قناطر من الفلزات الناقصة و الاجساد الكدرة المتوسخة كذلك الماء اذا قارنته نية القربة فتوصل به الي تلك الدرجة الفعالية و تفصيل القول في هذا المطلب ذكرنا في اسرار الصلوة في مبحث الطهارة فليرجع اليه .
بقي الكلام في الرؤيا و احوالها و صدقها و كذبها و حقيقتها ، اعلم ان الكلام في هذا المطلب يقع علي اطوار (خ) مختلفة متعددة متفاوتة لان كل شئ في الوجود فيه معني كل شئ و يجري فيه ما يجري علي كل شئ و له مناسبة بكل شئ و يجري الكلام فيه بكل طور الا انا نذكر في هذا المقام من الاطوار الطور الذي ذكره و كتبه شيخنا جعلني الله فداه و نعرض عن باقي الاطوار لما فيها من تطويل الكلام و اظهار ما لاينبغي اظهاره فنقول :
قال اطال الله بقاه : و اما اصل الرؤيا فاعلم ان الروح المدبرة للبدن اذا لحقها ملال باستعمال آلاتها في تدبير الغذاء بتصفيته و دفع غرايبه و وزنه و تقديره اجتمعت في القلب فاستراحت فضعف الارتباط بها و رق حجابها فتتذكر عالمها الاعلي الا انها قد علقت بها ثاء الثقيل و لحقها صفات من الاعمال الحميدة و الذميمة فاذا التفتت الي العالم الاعلي شاهدت ما هنالك مما تفور به فوارة القدر فتنتقش في مرآتها صور ما يظهر من هنالك [ص 297] و تكون صحة ذلك الانتقاش و بطلانه و كماله و نقصه علي حسب استقامة المرآة و عدمها في الكم و الكيف و الوضع و ذلك علي حسب ما اتصفت به من الصفات المستفادة من الاعمال فان كانت حميدة استقامت و كملت و صلح الانتقاش فكان ما تعاين هو الواقع و ان كانت ذميمة فعلي العكس و ان كانت ممزوجة كان ما فيها ممزوجا فافهم الاشارة فهذا اصل الرؤيا ثم اعلم ان لذلك واسطة فان كان هو الشيطان المقيض للرؤيا المسمي بالرها و ذلك باستقلاله كانت الرؤيا باطلة انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله و ان كان الواسطة الملك الموكل به باستقلاله كانت الرؤيا صحيحة و ان كان من بينهما كانت ممزوجة ثم انا قلنا ان الخيال اذا قابل بمرآته التي هي ذاته باب القدر انتقش فيه صور ما يفور من فوارة القدر فينتبه من نومه و يقع ما صورته قبل الوقوع و ربما يكون بعد الاخبار به لان الاخبار مما يحقق الانتقاش المقتضي للوقوع و ربما يكون بمعونة التعبير فهذا منشأها و لما جرت حكمة الله سبحانه بان المرايا تنتزع صور ما قابلها من ذات او صفة لون او مقدار او بعد او وقت او جهة او غير ذلك و ذلك لامر حكيم من صنعه سبحانه وجب ان تنتقش في الخيال صورة كل ما قابلها فيري الشخص ما في خياله فيري صاحب الشبح لان ما في الخيال طريق المتخيل الي ذلك الشئ و صحته و فساده و كماله و نقصه من الاحوال المذكورة سابقا فراجع فهذه حقيقة الرؤيا و اما عالمها فهو عالم البرزخ و المثال الذي هو وراء الاجسام فان كانت صحيحة كان قد شاهد اشباح ما ينزل من عالم [ص 298] الغيب الي الشهادة في عالم البرزخ من هورقليا و ان كانت باطلة كان قد شاهد اظلة ما يعرض له في خياله من اوضاع الابخرة و اوهام النفس التي تتقدر باشباح الشياطين في ارض العادات و الطبع من جابلقا و جابرسا فهذا عالمها فافهم فانه سر دقيق رشيق و اما صدق الرؤيا و كذبها و تفاوت الصدق و الكذب في الليل و النهار و اول الليل و آخره و وقوع ما رأي في التعبير و مدخلية التعبير في وقوع الشئ و معني ما ورد ان الرؤيا علي ما تعبر فاعلم ان الرؤيا قد ورد فيها ان ما يراه الشخص في السماء فهو حق و ما يراه في الارض فهو اضغاث احلام و ورد انها تكون في بعض الليالي صادقة و بعضها كاذبة و ورد ان الرؤيا اول الليل كاذبة و آخر الليل صادقة و ربما فسر الاول بان السماء الظاهرة محروسة بالشهب عن الشياطين قال تعالي الا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين و هو يدل علي ان ما يراه النائم في ذلك السماء سماء هورقليا حق لان الشياطين لاتصل هناك فلاتتصور فيها بصور الباطل و انما تسكنها الملائكة فتتصور فيها بصور ما وكلت به من الاشياء المنتقشة في الخيال فاذا رأي الشخص شيئا فهو حق مطابق للواقع و ان كان ما يريه في الارض فهو من تصور الشياطين و هي لاتتصور الا بما قيضت له من صور الباطل و ذلك لايطابق الواقع و فسر الثاني بان احوال الليالي تختلف في الشهر و في الاسبوع و عند قرانات الكواكب و اختلاف الآفاق و اختلاف اعمال الرائي فتكون في الشهر الليلة الاولي من كل شهر متشابهة و في الاسبوع مثله ليلة كل سبت من كل اسبوع متشابهة و كذلك كل ليلة يحصل [ص 299] فيها قران كواكب مخصوصة لها حكم خاص فاذا وجد ذلك القران بعينه في الليلة الثانية بغير زيادة و لا نقيصة من الكواكب السيارة او غيرها و لا تغيير و لا تبديل كذلك و كان ما كان من ذلك الشخص من الاعمال مثل ما كان في الليلة الاولي و هكذا و كذلك اتفاق اوضاع الآفاق من الغيم و الصحو و الريح و المطر و كثرة الابخرة و قلتها و غير ذلك في ليلتين يوجب تساوي حكمهما و كذلك اتفاق عمله في ليلتين و هذا كله حكم مقتضي تلك الاسباب اذا لميعرض لها موانع تبطل ذلك المقتضي او بعضه او صفته او مدته او مكانه و كما تجري احكام تلك المقتضيات في الاجسام تجري في الخيال و النفس و ما ينطبع فيهما علي نحو يطول شرحه و فسر الثالث بان اول الليل كان البدن ممتليا بابخرة الطعام فاذا تصعدت الي الدماغ تلوي بها فتحدث فيه اشكال من الابخرة علي هيئة بعض الاعيان و الصفات فيراه الشخص في خياله فيتوهم انها صور انطبعت من المعاني الخارجة عنه فاذا استيقظ اخبر بها و ليست شيئا لانها في خياله من الابخرة و انما تكون هذه الابخرة في الخيال علي هيئة بعض الاعيان لان جميع ذرات الوجود من ذات و صفة و اثر يجري كل اسفل منه في كونه بمقتضي طبيعته من الوجود علي هيكل الاعلي لان كل اثر يشابه صفة مؤثره كما مر في محله و اما آخر الليل فلان البدن خال قد خفت عنه الرطوبات من المطعم و المشرب و صفي الدماغ فلاينطبع الا ما كان متحققا خارجا عنه فاذا رأي شخص شيئا في السماء و لميحصل له مانع مما اشرنا من خصوص الاوقات و القرانات و الافعال و الابخرة او في الارض و حصل له مقتضي الحق من خصوص الاوقات و القرانات و الاعمال و الخفة من فضول [ص 300] الطعام و الشراب و كانت رؤياه في الليالي المقتضية لظهور المسعودة من ذاتها لادوار اوضاع الافلاك او بالقرانات او بالاعمال الصالحة مع عدم الموانع المشار اليها كان ذلك حقا فان تمت الاسباب المقتضية بلا مانع فان كانت موجبات وقعت الرؤيا بعينها بلا مهلة لان الرائي رآها خارجة بعينها من باب القضاء و ان تمت المقتضيات الغيبية كذلك خاصة بدون الشهادة خرج تأويلها بلا مهلة و ان كان في بعض تلك الاسباب ضعف و نقص من جهة القابلية التي هي مرآة الشخص التي هي خياله و حصل لها تعبير وقعت كذلك لان التعبير يفتح علي مرآة خيال الرائي باب القدر الذي تنزل منه تلك الاسباب فاذا عبر المعبر انطبع به في خيال الرائي صورتها هنالك علي هيئة التعبير فيكون الطيف المرئي في المنام متلبسا بهيئة التعبير فيقوي به ما كان ضعيفا من تلك المقتضيات و لهذا تراه اذا عبر له المعبر التفت خياله الي ما رأي في المنام فتصور فيه صورة التعبير و انصرف ما في قلبه من معني رؤياه الي المعني الذي يظهر له من المعبر و ان كان كذبا فتتغير الرؤيا بهيئة اخري غير الاولي فيجري الحكم و المطابقة علي الثانية و ان رأي الشخص في منامه شيئا و هو متلبس بخلاف ما اشرنا اليه من شرايط الصدق و مقتضياته كان ما رآه مخالفا للواقع فيكون كذبا و اما كون المؤمن الصالح بعض رؤياه صادقة و بعضها كاذبة و الشقي الطالح بعض رؤياه كاذبة و بعضها صادقة فالعلة فيه زايدا علي ما ذكر هي ان لكل شخص جهتان وجه من جهة وجوده و هو العقل و شأنه الصدق و الحق لان العقل لاينطق عن الهوي و ليس للشيطان فيه [ص 301] نصيب و وجه من جهة ماهيته و هي النفس الامارة بالسوء و شأنها الكذب و الباطل لانها لاتلتفت الا الي الهوي الماهية و هي و قومها يسجدون للشمس من دون الله طلعها كأنها رؤس الشياطين فكان الرجل الصالح اذا كان الوارد عليه في المنام من جهة العقل اي التفاته الي ذلك الشئ و ذكره كان رؤياه صادقة لان الشيطان لايتصور بصور الحق و النور و الا احترق و ان كان بعض رؤياه من جهة التفات العقل و بعضها من جهة التفات النفس كان ما كان من جهة العقل و التفاته صدقا و ما كان من جهة النفس و التفاتها كذبا و هذا حكم الصالح و الطالح و لو ان رجلا لايكون له التفات من جهة النفس ابدا كانت رؤياه صادقة ابدا كما في المعصومين عليهم السلام و لو كان رجلا ( رجل خ ) لايكون له التفات من جهة العقل ابدا لميصدق رؤياه ابدا و ابن هنا علي ما فصلنا سابقا .
هذا ما ذكره استادنا جعلني الله فداه في اصل الرؤيا و صدقها و كذبها و هو كلام جامع لجميع العلوم المتعلقة بالرؤيا و جامع لجميع الاخبار المتعارضة الواردة في هذا المقام و شارح لاصل الحقيقة في الامر و ان كان كلامه اطال الله بقاه يحتاج الي شرح و تفصيل و بيان و لكني تركته خوفا للتطويل و عدم اقبال القلب و توجه الخاطر .
بقي هنا شئ و التنبيه عليه من المهمات و الضروريات لعظم اشتباه الناس في ذلك و هو ان الجن و الشياطين لايمكنهم ان يتصوروا في الرؤيا بصورة واحد من الائمة (ع) او الانبياء و الاوصياء عليهم السلام بل و شيعتهم [ص 302] المخلصين ( و خ ) حقيقة الامر في ذلك قد تصعبت علي الناس من جهة تواتر الاخبار علي المنع و من جهة وقوع التصور كما يري مخالفونا ان ابابكر هو الخليفة بنص النبي (ص) مثلا و يري النبي في الرؤيا ينص علي ذلك مثلا و كذلك حكم رؤيا مولاتنا فاطمة الزهراء (ع) و قد قالت العلماء في ذلك اقوالا (خ) مختلفة و وقعوا في آراء متشتتة الا ان الحق الحقيق بالتصديق الخارج عن معدن الوحي و الرسالة هو الذي نتلو عليك مما عرفنا و سمعنا من شيخنا و استادنا جعلني الله فداه فانه الحق الذي لا ريب فيه و الثابت الذي لا عيب فيه فنذكر بالفاظه الشريفة ● :
قال اطال الله بقاءه : ان الروايات الدالة علي هذا المعني متواترة معني من الفريقين و لاينبغي التوقف في هذا المعني و هو ان الشيطان لايتصور بصورة النبي (ص) و لا بصورة احد من اوصيائه عليه و عليهم السلام و لا بصورة احد من شيعتهم كالانبياء و الرسل و الاوصياء و الشهداء و الصالحين من المؤمنين من الاولين و الآخرين و لكن لهذا المعني شرط و هو الذي خفي علي الاكثر و الاصل في الرؤيا ان النفس تلتفت بوجهها و هو الخيال الي جهة المرئي فتنطبع فيه صورته و الصورة هيئتها علي نسبة هيئة المرآة و كمها و كيفها من الطول و العرض و الاستقامة و الاعوجاج و من الكبر و الصغر و من لونها من بياض و سواد و غير ذلك و الاخبار لها او عنها انما هو باعتبار ما هي عليه في حقيقة ما هي منطبعة فيه لان المواد لاتناط بها الاحكام الا باعتبار صورها لانها هي منشأ الحقيقة [ص 303] الثانية التي يناط بها الحكم الحقيقي و الحقيقة المحكوم عليها من المرئي انما هي ما عند الرائي لانه هو صاحب الصورة التي تكون بها الحقيقة المحكوم عليها فالمحكوم عليه بالاخبار عنه او له ليس خارجا عن الرائي فعلي هذا يظهر لك وجه الشرط المذكور و هو ان تعتقد في المرئي كما هو عليه فلو اعتقد في زيد المؤمن الصالح انه خبيث تصور الشيطان له بصورته لانه لميقابل خياله الا جهة ما توهمه و هو احد مظاهر الشيطان و لميقابل خياله جهة الخير الذي هو حقيقة زيد المؤمن فانه من مظاهر الوجود الذي هو احد مظاهر الله و لو تصور الشيطان في احد مظاهر الله احترق فقد نقل ان ابليس اللعين لما تجلي لموسي ربه بقدر خرق الابرة من نور الستر هرب ابليس الي اسفل السافلين و الا لاحترق فاذا ذكر الانسان زيدا من حيث انه صالح اي مطيع لله و عبد ظهرت عليه آثار ربوبية الله في عبوديته من الطاعة و اعمال الخير فقد ذكر الله و هل يكون للشيطان مدخل في ذكر الله فاذا جري ذكر النبي (ص) علي قلب المؤمن او الامام (ع) او احد من الشيعة من حيث هم شيعة و مطيعون لله فقد ذكر الله و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين يعني ان الغاوين الذين اتبعوا الشيطان له عليهم سلطان و ذلك لو ان رجلا ظن في النبي (ص) او احد الائمة (ع) او شيعتهم او تصور سوءا تصور له الشيطان في صورتهم لان معني قولهم عليهم السلام في صورتهم في الصورة التي عنده التي تصورها من صورتهم التي تخيلها من وهمه و ما يظن فهي في الحقيقة صورة ظنه لما قلنا [ص 304] ان الصورة حالها علي هيئة المرآة و كمها و كيفها و نسبت الصورة اليهم لنسبة المتصور لها اليهم فافهم و اما انهم عليهم السلام يجيئون في اي صورة شاؤا فهو حق لان جميع الصور لهم فيلبسون منها ما شاؤا لكنهم لايلبسون صور الشياطين و الكلاب و الخنازير لان هذه ليست لهم و لا من سنخهم و ان كانت بهم و انما يلبسون احسن الصور و اطيبها و الشيطان لايلبس احسن الصور لانها ليست له و لا من سنخه فاذا ظهر الشيطان في صورة حسنة فهو كظهور بعض الكفار في الصورة الحسنة و ليست في اصل خلقتهم فان الصور الحسنة من الوجود و تنزع منهم فلايدخلون النار بها و انما يدخلون بصورهم الحقيقة كلابا و خنازير فكما ان المؤمن لاتعجبه صورة الكافر الجميلة لانه يراها قبيحة في نظره كذلك لو ظهر له ابليس في صورة حسنة رآه قبيحا لانه ينظر بنور الله فلايظهر له في الرؤيا بصورة اهل الحق لانه لايراه الا بصورة اهل الباطل كما قررنا فاذا ادعي شيطان في اليقظة انه نبي او امام لايظهر بصورة من ادعي رتبته فيعرفه المؤمن البتة فيظهر له القبح في الاعمال و الصفات و لايمكنه ان يظهر الحسن ح في الاعمال و الصفات لانه ان اظهر ذلك بحيث تخفي علي المؤمن وجب علي الله في الحكمة ان يكشف ستره و الا لكان مغريا بالباطل تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا نعم ذلك يخفي علي اوليائه لانهم لايعرفون الفرق بين الحق و الباطل و لايعرفون صفة النبي و الامام فيكتفون بمجرد الدعوي انما سلطانه علي الذين يتولونه و الذين هم به مشركون علي ان الله سبحانه يبين لاوليائه بطلان [ص 305] دعواه لتقوم عليهم الحجة البالغة علي ان الدعوي في اليقظة ترجع التعلق فيها الي نفس المدعي لا الي صورة الرائي كما في الرؤيا و لهذا تراه في امر الطيف بالعكس يقول رأيت في المنام رسول الله (ص) و في اليقظة يقول رأيت رجلا يدعي انه رسول الله (ص) و لا بد ان ينكشف ستره كما ذكرنا و ذلك كما نقل في تفسير قوله تعالي و لقد فتنا سليمان و القينا علي كرسيه جسدا ثم اناب ان صخراً الجني تصور في صورة سليمان (ع) فاتي جاريته فاخذ الخاتم منها و كان سليمان (ع) اذا اراد الجماع نزع الخاتم و اعطاه الجارية حتي يغتسل فلما اخذ الخاتم قعد علي كرسي سليمان (ع) فانقادت له الجن و الانس و اتي سليمان (ع) و قال انا نبي الله سليمان فضربوه و طردوه و قالوا نبي الله علي تخت الملك و بقي يدور في مملكته لايجد من يطعمه قرصا و ذلك الخبيث قاعد و كان يأتي نساء سليمان (ع) في الحيض فقلن يا سبحان الله ماكانت عادة نبي الله يفعل هكذا و كان يضرب ام سليمان و هي تقول كان ابني ابر الخلق لي فكيف يضربني و هكذا من الامور التي كشف الله بها ستره لئلاتكون للناس علي الله حجة و بقي اربعين يوما ثم لما كاد يخفي امره امر الله ملكا فزجره فهرب و رمي الخاتم في البحر فالتقمه حوت صغير و كان سليمان (ع) يدور علي ساحل البحر فرأي صيادا فسأله شيئا فاعطاه سمكة فاخذها سليمان (ع) فشقها فاذا الخاتم فيها الخبر ، فاعتبر بمن تشبه في اليقظة بالانبياء كيف فضحه الله بافعاله ثم لميمهله و قد تقدم الفرق بين الرؤيا و اليقظة في اصل اسناد الاخبار عنه اوْ له و اما امر رؤيا فاطمة (ع) [ص 306] و مختصر معناها انها رأت ان اباها (ص) و بعلها و ابنيها عليهم السلام خرجوا الي حديقة بعض الانصار فذبح لهم عناقا و طبخ و اجتمعوا عليه فاخذ رسول الله صلي الله عليه و آله لقمة فوقع ميتا و اخذ علي لقمة فوقع ميتا و اخذ الحسن لقمة فوقع ميتا و اخذ الحسين لقمة فوقع ميتا فانتبهت محزونة كاتمة امرها فاتي رسول الله (ص) و خرج بهم اجمعين الي الحديقة المعلومة فذبح لهم عناق و طبخ و وضع بين ايديهم و فاطمة (ع) معهم فلما اخذ رسول الله (ص) منه لقمة بكت فاطمة (ع) فقال لها ما يبكيك فاخبرته برؤياها فاغتم لذلك فنزل جبريل (ع) و اتي بذلك الشيطان و قال يا محمد هذا موكل بالرؤيا و اسمه الرها فان شئت ان تذبحه فافعل فاعطي النبي (ص) العهد و الميثاق انه لايتصور في صورته و لا في صورة احد من خلفائه المعصومين (ع) و لا في صورة احد من شيعتهم فاعلم ان الله سبحانه لما كان فعله للاشياء انما هو علي ما هي عليه اقتضت الحكمة ان يكون ذلك علي الاختيار و مقتضي الاختيار و القدر ان يجري الصنع علي الاسباب فاقتضت الحكمة ان يجري حكم ان الشيطان لايتصور في صورهم الذي هو شأن الامضاء و شرح العلل و البيان في قوله تعالي ليبين لكم علي تقدم هذه الرؤيا لتكون سببا لامضاء ان الشيطان لايتصور بصورهم كما في نظايره مثل صمت الحسين عليه السلام و لميتكلم حتي خيف عليه الخرس فلما كبّر جده (ص) في الصلوة كبّر فكبّر رسول [ص 307] الله (ص) فكبّر الحسين (ع) حتي فعل سبعا ليكون ذلك علة و شرحا لاستحباب التكبيرات الست في الافتتاح للصلوة فاذا عرفت الاشياء ظهر لك ان هذه الرواية لاتنافي الروايات لانها وجدت للبيان و الشرح الذي هو سر الامضاء للاشياء فجري الوجود علي النظام التام و الامر المتقن اذ ليس ما جري علي فاطمة (ع) من اغواء الشياطين و انما اجري الله تعالي تلك النجوي بامر الملك الذي هو موكل علي الرها و لهذا روي ان الرها ملك لانه فعل ذلك لفاطمة (ع) بامر الملك فهو امر بطاعة و جري ذلك عليها (ع) طاعة كما روي الفقهاء ان المرأة الاجنبية اذا كان عندها ميت اجنبي و لميكن مماثل الا ذمي انها اذا امرته بالاغتسال ثم يغسل الميت فانه يطهر لامتثال الذمي امر المسلمة في الاغتسال و التغسيل فذلك في الحقيقة فعل المسلمة فكذلك فعل الرها بامر الملك فهو في الحقيقة فعل الملك الذي هو باب لوجود هذه المسألة من الباب الاعظم للوجود فافهم . بقي سؤال و هو ان الشيطان اذا لميتصور بصورهم و ذلك للعلة السابقة اذ الوجود لايكون الا علي اكمل نظام و انما تصور بامر الملك فذلك الشيطان بحكم الآلة كما مر في تغسيل الذمي للميت المسلم بامر المسلمة لزم ان تكون رؤيا فاطمة (ع) صادقة مطابقة للواقع و يلزم من ذلك ان يموتوا اذا اكلوا مع انهم لميموتوا . و الجواب ان رؤياها صادقة لما قلنا من التعليل و لانها قد طابقت الواقع فانهم (ع) اتوا المكان جميعا و اجتمعوا و صار كل ما رأت الا انهم لميموتوا و انما لميموتوا ظاهرا لنقض الرؤيا ظاهرا لانها بصورة [ص 308] صاحب التصور الباطل و انما نقضت ليكون ذلك باخذ العهد عليه صالحا لتأسيس سبب هذه القاعدة و لما كانت الرؤيا صادقة للعلة المذكورة وجب ان يكون الموت باطنا لانه هو الذي رأته عليها السلام في عالم الخيال و لما كان ذلك جاريا علي اهل العصمة (ع) و كان الموت الباطن يطلق علي موت هلاك الدين و علي موت الانقطاع الي الله و الفناء في بقائه تعين ان يكون ذلك الثاني لامتناع الاول عليهم بالدليل القطعي فتكون الرؤيا صادقة مطابقة للواقع فقد اشرت لك الي جميع ما تحتاج اليه من شقوق اجوبة المسألة فيما يحضرني من الاعتراضات .
انتهي كلامه جعلني الله فداه و اطال بقاءه و امد ظلاله علي رؤس عباده و رعاياه فقد استوفي جميع الاحكام و ليس بعد كلامه كلام و علي من يفهم الكلام السلام و هذا الذي ذكرنا كله متعلق بظاهر العبارة في قوله تعالي لاتأخذه سنة و لا نوم .
و اما ما يتعلق بالتأويل و الباطن و ظاهر الظاهر و باطن الباطن و البواطن الاخر فلايسعنا الكلام في اغلبها لان الكلام فيها غير مأذون فيه سيما في هذه الايام التي قد مد الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فاجابوه و لبوه من كل جانب و مكان و اما الذي يجوز الكلام فيه فان اشبعنا فيه القول يطول و يوجب الملال و ان اختصرنا لايكاد ينتفع به الا من صلحت سريرته و صفت طويته من المؤمنين الممتحنين و كيف كان فلا بد من الاشارة في طي تلويح العبارة ليعرفها اهلها و يصح لنا الامتثال بقوله تعالي ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها و قوله تعالي و لاتؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياما و ارزقوهم فيها و اكسوهم و قولوا لهم قولا معروفا .
[ص 309] فنقول اعلم ان الله سبحانه لما كان واحدا احدا ازليا لميتصل بشئ و لميقترن بشئ و لمينفصل عن شئ و لمينفصل عنه شئ و لميتكون منه شئ و لميذكر فيه شئ لميجر عليه السلب و الايجاب و النفي و الاثبات كيف و هو خالقها و مجريها و لايجري عليه ما هو اجراه و لما وصف نفسه بالقيومية و ان الاشياء كلها قائمة به و منقادة لامره و نهيه و سائلة المدد منه بالوقوف ببابه و اللواذ بجنابه و لما كان القيوم الظاهر بالقيومية المعطي لكل شئ حقه و السائق لكل مخلوق رزقه لا بد له من النسبة و التعلق و الاقتران لان كل اثر متقوم باسم خاص بذلك الاثر لايناسب الاسم (خ) الآخر فاقترنت الاسماء بآثارها و اقترنت المسميات الظاهرة الاسم بالاسم من حيث كونها مدلولة عليها و مرتبطة بها و هذه القرانات و الاضافات و النسب تنافي مقام الوحدة المطلقة و الازلية الحقيقية و لما كان التنافي و التناقض منتفيان في امر الله سبحانه و حكمه وجب ان يكون الظاهر بالاسم و الصفة و القران و الاقتران غير الذات البحت تبارك و تعالي لان الاشياء لا ذكر لها عندها فاين الاقتران (خ) و ذلك الغير هو مقام اسماء الافعال المندرجة كلها تحت هيمنة الاسم الاعظم الله فالقيوم اسم لذلك الاسم و اثر لذلك الطلسم و الاسم متقوم بالذات بلا كيف و لا اشارة و القرانات كلها في مقام الاسم و هو حادث مخلوق خلقه الله تبارك و تعالي و جعله اسما له و اجري فعله به كما في الدعاء عن النبي (ص) رواه ابنطاووس في المهج و اسألك باسمك الذي خلقت به جبلات الخلايق و باسمك الذي خلقت به العرش و الكرسي و في الكافي [ص 310] ان الله تعالي خلق اسما بالحروف غير مصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ الي غير ذلك من الاحاديث الدالة علي ان الاسم مخلوق و ان الله سبحانه انما خلق الخلق بالاسماء فان الخلق بالذات (خ) يستلزم الاقتران و لذا اجمعوا علي ان الفاعل و الخالق من الصفات و الاسماء الفعلية لا الذاتية فتكون القيومية حادثة ظاهرة في حادث و لما كان الحادث الذي هو محل لهذه القيومية و محل للاسماء الفعلية بل هي الاسماء الفعلية يجب ان يكون اشرف الحوادث و اعلي الموجودات و اقوي الذوات و يجب ان يكون اول المخلوقات و قبل الحادثات لانه علة لخلق الموجودات فكيف يكون مؤخرا عنها و قد وقع الاجماع من المسلمين علي اختلاف الفرق ان محمدا (ص) هو اول الموجودات و اشرفها و اسبقها و اعلاها لميسبقه حادث و لا مخلوق و لميقدم ( لميتقدم خ ) عليه في الوجود موجود و وقع الاجماع من الشيعة الفرقة الناجية بان الائمة الاثنيعشر و فاطمة الصديقة كلهم من محمد (ص) و من طينة واحدة و حقيقة واحدة كما يشهد عليه قوله تعالي و انفسنا و انفسكم فوجب ان يكون هؤلاء الاربعةعشر في هذا الحكم سواء فيكون حقيقتهم محلا لتلك الاسماء بل نفسها كما في زيارة اميرالمؤمنين (ع) عن الصادق (ع) السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و جنبه العلي و في زيارته (ع) ايضا عنه (س) برواية صفوان علي ما في البحار و التهذيب و الفقيه و ساير كتب المجلسي (ره) من العربية و الفارسية السلام علي وجه الله الذي من آمن به امن السلام علي نفس الله [ص 311] القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن السلام علي اذن الله الواعية في الامم و يده الباسطة بالنعم و جنبه الذي من فرط فيه ندم اشهد انك مجازي الخلق و شافع الرزق بعثك الله علما لعباده فوفيت بمراده الي ان قال (ع) فانت سامع الدعاء و ولي الجزاء و في زيارة اخري و هذه الزيارة ايضا قبل هذه الفقرات السلام علي ميزان الاعمال و مقلب الاحوال الي ان قال (ع) السلام علي شجرة التقوي و صاحب السر و النجوي و منزل المن و السلوي و غيرها من الروايات و الزيارات كثيرة لاتحصي كثرة فاذا كانوا هم يد الله و وجه الله و عين الله و اذن الله و جنب الله و باب الله و نفس الله فاي شئ يبقي و هل يظهر الفيض من الذات الي المستفيض الا بهذه الوسايط و هذه كلها امور حادثة اتخذها الله سبحانه اعضادا لخلقه لحاجة الخلق لا لحاجته تبارك و تعالي كما انه سبحانه جعل الشمس عضدا للاشعة لقبولها الوجود منه تعالي في الصدور و جعل الثوب عضدا للصبغ لقبول الوجود (خ) و هكذا جعل ساير الاسباب و المسببات و القرانات و الاضافات و الا فهو سبحانه قادر علي ما يشاء كما يشاء بما يشاء كيف يشاء و لما كان الحادث من شأنه التغيير و التبديل و الزيادة و النقصان و الفتور و الاضمحلال و الحدود و الكيفيات و كل ذلك مناف للظهور بالقيومية اذ عند تطرق الخلل و الغشا (كذا) في الاسم القيوم فسدت الحركات و بطل النظام و ضاعت الاحكام فلايصح ان يكون مظهر القيومية و نفسها الا قديما لئلايبطل النظام و يستمر علي الدوام و الحادث دائم السيلان فاين الاستقرار فضلا عن الدوام و لايصح ايضا ان يكون قديما لانه منزه عن الاقتران و القيوم يستلزمه كما سمعت الا ان اراد سبحانه [ص 312] رفع هذه الشبهة عن الافهام و حلها لاولي الاحلام فقال عز و جل لاتأخذه سنة و لا نوم يعني ان السنة و النوم المعبر بهما عن الفتور و الدثور و الاضمحلال و عدم الاستقلال و التغيير و التبديل و الزيادة و النقصان كلها انما هي لوازم الحدود و الماهيات و الكثرات و الاضافات و جهات الانيات و اما الوجه الاعظم و الجناب الاقدم الذي هو الاسم الذي خلقه بالحروف غير مصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ بريء عن الامكنة و الحدود مبعد عنه الاقطار محجوب عن حس كل متوهم فذلك الاسم لاتعتريه هذه الاحوال و لايجري عليه حكم الاضمحلال و انما هو دائم لايزال لانه وجه الله الذي لميزل و لايزال و انما هو مستقل غاية الاستقلال لانه اي الوجه لميقطع نظره عن مبدئه و اصله ابدا حتي يحصل في ذاته الفتور و الدثور و التغير و قد قلنا سابقا ان هذه الاحوال تحصل اما بقطع العالي نظره عن السافل او باعراض السافل عن العالي و حيلولة العوارض بينه و بين نظره فيحصل له بحسب تلك الحيلولة برقتها و غلظها و قوتها و ضعفها و قلتها و كثرتها تلك الاحوال و اما اذا ارتفعت الاغيار و ذهبت الاكدار و انعدم الغبار و حصل الاستقرار علي بساط المؤانسة و المحبة فمتي يقطع النظر و اي شئ يحول بينهما و قد احترقت الحجب و كيف يقطع العالي سبحانه نظره اذ ليس فوقه ربه ( رب ظ ) يدعي و لا غيره خالق يناجي فيتوجه به عن هذا بل نظر دائم و فيض مستمر و اقبال مستقر و توجه تام كامل و حد و رسم زايل فاين الحدود حتي يقع [ص 313] و يظهر الزيادة و النقصان و اين الغفلة حتي تجيء السنة و النوم كانسان ( كالانسان خ ) فهو اذن لاتأخذه سنة و لا نوم و صحت القيومية و لذا قال عز و جل كل شئ هالك الا وجهه و قالوا (ع) نحن وجه الله الذي اليه يتوجه الاولياء و في الدعاء عن سيد الساجدين (ع) و ان كل معبود سواك مما دون عرشك الي قرار ارضك السابعة السفلي مضمحل باطل ماخلا وجهك الكريم فانه اعز و اجل من ان يصف الواصفون كنه جلاله او تهتدي العقول الي كنه عظمته و لذا لما ظهر لموسي مقدار سم الابرة من شعاع نور ذلك الوجه فدك الجبل و مات بنواسرائيل و خر موسي صعقا و قد قال الصادق (ع) علي ما رواه في البصائر و الصافي في الكروبيين انهم قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و لما سئل موسي ربه ما سئل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا ه ، و هذا نور الوجه و لذا لما ظهر لايوب (ع) من ذلك النور مجردا عن الحدود و مبعدا عن الاقطار و عند الوحي يسمع كلامه من كل ناحية في الجهات الستة في جميع مراتب ايوب فتعجب ايوب هذا الامر و استعظم لانه عرف ان القديم لايصل اليه و لايسمع كلامه اذ لا كلام هناك و انما هذا خلق من مخلوقاته و حادث من الحوادث ظهرت عليه آثار العظمة و الجلال و القدرة و الكبرياء حتي تمحض في الوحدة و صار لايشغله شأن عن شأن و كان كل الجهات جهاته فاينما (خ) تولوا فثم وجه الله و ما كان ينبغي لمثل ايوب (ع) استعظام هذا الامر فان الله سبحانه لايوصف [ص 314] و لايعرف من حيث ذاته و انما يعرف بآثاره و صفاته فهو سبحانه وصف نفسه للخلق و جعل صفاته الظاهرة للخلق منزها و مجردا عن الحدود و الجهات ليعلم ان لا كيف له و لا جهة و يظهر لهم معني قوله فاينما تولوا فثم وجه الله اذ لو كان محدودا كان له جهة عن الجهة الاخري لكنه لاتحجبه جهة و لاتخفيه ارض و لا سماء و لا بر و لا بحر فماكان ينبغي لايوب (ع) ان يستعظم هذا الامر و يتعجب منه و ان كان ما رأي عظيما جدا بحيث لاتقف لديه العقول و لاتتحمل معه الاحلام و لذا عدوا هذا النوع منه شكا و قال اميرالمؤمنين (ع) لسلمان أوتدري ما محنة ايوب قال لا قال (ع) لما كان عند الانبعاث عند المنطق شك و بكي و قال هذا امر عظيم و خطب جسيم فاوحي الله اليه يا ايوب أتشك في صورة انا اقمته و اني ابتليت آدم بالبلاء فوهبت له بالتسليم له بامرة المؤمنين و انت تقول امر عظيم و خطب جسيم فوالله لاذيقنك من عذابي او تتوب الي بالطاعة لامير المؤمنين قال (ع) ثم ادركته السعادة بي و هذا القول منه (ع) جري بعد قول سلمان له (ع) يا قتيل كوفان لولا قال الناس لسلمان واه واه ( واش خ ) رحم الله قاتل سلمان لقلت فيك كلاما اشمأزت منه القلوب يا محنة ايوب ثم سأله الامام (ع) أوتدري ما محنة ايوب قال لا فذكر الكلام الذي نقلنا آنفا فاذا عرفت ان هذا الاسم العظيم المعظم لايوصف بكيف و لا يأين بأين و لايحد بحد كيف و قد وجدت الكيفيات و الحدود و الاين و الاوضاع كلها به و لايجري عليه ما هو اجراه فلاتأخذه سنة و لا نوم لانهما من لوازم الكثرة و الحدود [ص 315] كما عرفت سابقا و قد اوضح و افصح عن حقيقة هذا السر الذي ذكرنا باصرح عبارة مولينا اميرالمؤمنين (ع) في خطبة يوم الغدير و يوم الجمعة علي ما رواه جماعة من الاكابر الثقات منهم الشيخ الطوسي في المصباح و السيد بن طاوس في الاقبال و مصباح الزائر عن اميرالمؤمنين انه خطب بهذه الخطبة الي ان قال (ع) و اشهد ان محمدا عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه آمرا و ناهيا عنه اقامه في ساير عالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار قرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيته و اختصه من تكرمته بما لميلحقه فيه احد من بريته فهو اهل ذلك بخاصته و خلته اذ لايختص من يشوبه التغيير و لايخالل من يلحقه التظنين الخطبة ، انظر الي قوله (ع) اقامه في ساير عالمه مقامه اذ كان لاتدركه الابصار الخ ، كيف صرح بان الله سبحانه من جهة عدم تمكن الخلق للوصول اليه جعل بابا له يفيض الي الخلق بواسطته و ذلك الباب هو القائم مقامه في الاداء اي في كلما يريد ان يوصل الي المخلوقين من الفيض التكويني و التشريعي اذ علة التوسط جارية في الجميع فجعله مظهر اسمه القيوم بل اسمه الحي القيوم ثم رفع تلك الشبهة التي ذكرناها من ان شأن الحادث التغيير فتصدي لجوابها و قال (ع) اذ لايختص من يشوبه التغيير فنفي جميع احوال الحوادث و تمحضه ( لتمحضه خ ) في النظر و الالتفات الي الحي القيوم فكان لايشوبه [ص 316] التغيير من التغييرات الجارية علي الموجودات المقيدة لتعاليه عن الحدود في تلك الرتبة فاذا كان لايشوبه التغيير فلاتأخذه سنة و لا نوم بالطريق الاولي و لاتتوهم ان هذا الحكم لهم في كل مقام بل لهم سلام الله عليهم مقامات و درجات في كل مقام و درجة لهم حكم خاص غير ما كان في المقام الآخر و الدرجة الاخري و لذا قالوا لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو الا انه هو هو و نحن نحن و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك و قال ابن ابيالحديد في مدحه (ع) :
صفاتك اسماء و ذاتك جوهر بريء المعاني عن صفات الجواهر
يجل عن الاعراض و الكيف و المتي و يكبر عن تشبيهه بالعناصر
و قد مضي الكلام في هذه المراتب عند ذكر القيامات و العلل فراجع فافهم فاني القيت عليك من السر الحق و الكبريت الاحمر الذي لايهتدي اليه الا الاقلون من المؤمنين الممتحنين ثم انا نقول ان وضع الضماير ليست للذات البحت اما الاول ( اولا خ ) فلان الوضع للذات مستلزم للتغيير و التبديل و الاقتران كما شرحنا مفصلا في ساير الرسائل و اجوبة المسائل و اما ثانيا فلان الضماير لو كانت موضوعة (خ) للذات لماكان فرق بين العلم و بينها علي ما يزعمون فان العلم موضوع للذات ● بزعمهم مع ان الفرق بينهما في غاية الوضوح فان قيل ان الضمير موضوع للذات باعتبار قيد التكلم و الخطاب و الغيبة بخلاف العلم قلنا اذن مدلول العلم بسيط و مدلول الضماير مركب ام مشروط و علي كل حال ان فرض وضعها للذات كان مع الله آلهة اخري قديمة اذ المركب لايكون الا باجتماع الاجزاء و فعل كل واحد [ص 317] منها في الآخر و صيرورة الجميع شيئا واحدا و هذا لايكون الا اذا كانت الاجزاء متساوية الرتبة و الصقع فيجب اما ان تكون قديمة او حادثة و اما اذا كان بين الاجزاء ترتب في الاثرية و المؤثرية فيمتنع الاجتماع لان الاثر في رتبة ذات المؤثر ممتنع الذكر و كذا القول في الشرط اذا كان المقتضي و المستدعي له ذات الشئ اذ لو لميكن له ذكر هناك امتنع الاقتضاء و ذلك معلوم فلايصح ان يكون الضمير للذات بكل وجه فاذن يكون الموضوع له هو الظاهر بالغيبية و الخطاب و التكلم و هذه الظاهرية صفة اشراقية للذات احدثها عند الاثر و القاها في هوية الاثر ليكون دليلا عليها و لئلايتوهم استقلال الاثر و عدم استناده الي مؤثره و هذه الصفة اعلي مراتب ذات الاثر فعلي هذا ظهر لك المراد من الضمير الغايب في قوله تعالي لاتأخذه سنة و ان كانت الذات قد غيبت الصفات فلايلتفت الا اليها الا انه رحم الله امرأ عرف قدره و لميتعد طوره و قال تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و قال اميرالمؤمنين (ع) انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها فافهم ان كنت تفهم و ايضا نقول ان الله سبحانه ذكر في مواضع من كتابه الكريم اشياء و نسبها الي نفسه المقدسة و هي لغيره تعالي اثباتا لعظم شأن ذلك الغير و علو مكانه فمنها قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم قال مولينا الصادق (ع) ما معناه ان الله لايأسف كاسفنا و لكنه خلق لنفسه اولياء جعل اسفهم اسفه و رضاهم رضاه و غضبهم غضبه و محبتهم محبته و عداوتهم عداوته كما قال عز و جل من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال تعالي الذين يبايعونك [ص 318] انما يبايعون الله و امثالها من الآيات فلما اسفوا اولئك الاولياء الابرار فجعل الله اسفهم اسفه و قال فلما آسفونا انتقمنا منهم و منها قوله تعالي و نفخت فيه من روحي اذ لا شك ان هذه الروح ليس ذات الله تعالي و انما هو عبد مخلوق شرفه و كرمه و نسبه الي نفسه و كذلك قوله تعالي ( الكعبة خ ) بيتي و غير ذلك في الروايات في خطاب علي عليه السلام السلام علي نفس الله و في حديث الاعرابي عنه (ع) في النفس الملكوتية انها هي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي و في زيارة الحسين يا ثار الله و ابن ثاره ، و غير ذلك كل هذه ذوات مخلوقة حادثة خلقها الله تعالي و نسبها الي نفسه تشريفا و تكريما و منها قوله تعالي الله نور السموات و الارض مع ان الاخبار و الروايات دلت علي ان العرش و الكرسي خلقهما الله من شعاع نور النبي (ص) و الملائكة خلقها الله من شعاع نور اميرالمؤمنين (ع) و السموات السبع و الارضين السبع خلقها الله من نور فاطمة و الشمس و القمر خلقهما الله من نور الحسن (ع) و الجنة و الحورالعين خلقهما الله من فاضل نور الحسين (ع) فاذا كان كذلك فالمنير هو نور الشعاع و منوره لكن الله عز و جل انما نسب الي نفسه تشريفا و تعظيما لبيان ان نورهم نوره و اثرهم اثره اذ ليس فيهم جهة مخالفة في المشية حتي يتغاير الفعلان بل مشيتهم تابعة لمشية الله تبارك و تعالي و مشية الله موافقة لارادتهم و مشيتهم كما قال تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و قولهم (ع) اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد و نحن ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا [ص 319] امور عباده ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم و منها قوله تعالي ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب و لا شك ان الله سبحانه ليس له علم مستحدث لميكن قبل حدوث ذلك الشئ و انما هو سبحانه عالم بالاشياء قبل حدوثها كعلمه بها بعد حدوثها علي حد واحد و هذا الاستقلال و الانتظار المفهوم من الآية الشريفة فالله عز و جل منزه عنه فيكون المراد علم اوليائه فان علمهم هو الذي يتجدد و يتغير فنسب علمهم الي نفسه تعظيما و تشريفا و تكريما لهم و امثالها من الآيات و الروايات كثيرة لاتحصي و منها هذه الآية الشريفة و هي قوله تعالي لاتأخذه سنة و لا نوم فان نفي السنة و النوم ليس فخرا كليا يناسب مقام الربوبية و القيومية بل الملائكة ايضا لاتأخذه ( لاتأخذهم خ ) سنة و لا نوم و لايفترون و لايغفلون كما اشار اليهم علي بن الحسين (ع) في الصحيفة مع ان الله سبحانه اذا وصف يجب ان يوصف بما هو متفرد به في عز جلاله و عظمة قيومية بهائه لا انه تعالي يوصف بما يوجد في اضعف مخلوق من مخلوقاته فيجب ان لايعني ذاته المقدسة و انما يعني به خواص اوليائه في عالم غير عالم البشرية فهم الذين لاتأخذهم السنة و النوم من انحاء الغفلات و عوارض الانيات و الحدود و الجهات فلايزالون متوجهين الي جلال قدسه و جمال بهائه و واقفين بباب كرمه و لايلتفتون الي غيره و لايتحولون عن بابه فاين السنة و اين النوم قال تعالي في الحديث القدسي يخاطب موسي بن عمران (ع) يا موسي كذب من زعم انه يحبني و اذا جنه الليل نام عني (خ) أتري المحب ينام عن محبوبه و الحبيب المطلق الذي ينصرف الاطلاق اليه [ص 320] هو محمد بن عبدالله (ص) كما ان الكليم هو موسي و الخليل هو ابرهيم علي نبينا و آله و عليهم السلام فاذا كان كذلك فوجب ان لاتأخذه سنة و لا نوم لانهما ليسا من شأن الحبيب و انما هما شأن الغافل و قد ثبت انه حبيب (ص) ( انه (ص) حبيب خل ) الله و اما الملائكة فلما كانوا مستمدين منه و حاكين عنه و حاملين جهة من جهة ( جهات خ ) ظهوراته في مقام الولاية المطلقة فحكوا مقامهم هذا فكان لاتأخذهم سنة و لا نوم ألاتري الفعل المضارع فانه لايعمل فيه الا ● الحرف و لايعمل فيه الاسم الا لتضمنه معني الحرف مثل الاسماء الشرطية و امثالها و قد دلت الروايات كما ذكرنا سابقا سيما رواية العباس بن عبدالمطلب ان الملائكة خلقوا من شعاع اميرالمؤمنين (ع) فاذا كان كذلك فيكون الشعاع حاكيا عن المنير و واصفا له من حيث هو شعاع و لمتخرج الملائكة من هذه الحيثية لضعف اختيارهم و عدم مقتضي تغير كينوناتهم من الاعمال و الافعال و الحركات و السكنات فبقوا علي حكم التكوين كما كانوا اول مرة الا شاذا منهم جري فيهم حكم التغيير لحكم و مصالح مثل فطرس و حملة العرش و غيرهم فصار مايحكون ( فصاروا يحكون خ ) مباديهم و اوائل جواهر عللهم فنفي السنة و النوم انما هو عن الاولياء و يكون كمال الفخر لهم حيث لايغفلون عن الله و ظاهرون لكمال العبودية تحقيقا لقوله (ص) الفقر فخري و به افتخر فلما نظروا اليه تعالي بكمال الخضوع و الخشوع و الانكسار نظر الله تعالي اليهم بكمال العناية و الاحسان حتي شرفهم و نسبهم الي نفسه الشريفة فجعل فعلهم فعله و قولهم قوله و امرهم امره و نهيهم نهيه فنفي عن نفسهم ما كان منتفيا عن انفسهم هذا والله الكرامة [ص 321] العظمي و العطية الكبري التي ليس فوقها عطاء و لا وراءها كرامة و لذا قال سبحانه و تعالي في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، فالعبد المؤمن هو الذي وسع قلبه جميع احكام الربوبية و مراتب الاسماء و الصفات الفعلية الالهية و القدرة التي استطال بها علي كل شئ ليس الا محمد صلي الله عليه و آله ثم من بعده اهل البيت الطاهرون عليهم السلام حيث استخلصهم الله في القدم علي سائر الامم اقامه في ساير عالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار فافهم و نقول ايضا لما كان الحي القيوم اسمين مايمكن ظهورهما في اطوار التكوين و التشريع الا بباب و اسباب و وسايط جريا لمقتضي عادته سبحانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها فتحققت الواسطة و الباب و ذكرت بمجرد ذكر الاسمين الاعلين و لما وجب ان تكون حجته تعالي بالغة وجب ان يكون ذلك السفير في غاية الرتبة الامكانية في الكمال و سلب الرذايل و النقايص و اخذ سبحانه ان يبين مقام ذلك السفير المذكور المعلوم ضمنا فقال لاتأخذه سنة و لا نوم و هذا النوع في القرآن كثير كما في قوله تعالي و علم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم علي الملائكة و الضمير في قوله تعالي عرضهم لايرجع الي الاسماء لانها ليست جمع مذكر عاقل و ينافي قوله تعالي فيما بعد فقال انبؤني باسماء هؤلاء و لا ريب ان الاسماء ماعرضت علي الملائكة و انما عرضت المسميات و لكن لما كانت المسميات مذكورة في ضمن ذكر الاسماء لزوما و استلزاما فاحتيج الي اعادة ذكرها و جاز ارجاع الضمير اليها و لايلزم من ذلك ارجاع الضمير قبل الذكر و ذلك واضح ان شاء الله و كذلك في الآية فان الضمير المنصوب في لاتأخذه [ص 322] راجع الي السفير المذكور في ضمن ذكر الحي القيوم فالنوم عبارة عن المعاصي و الغفلات و ارتكاب المحرمات و السنة عبارة عن ترك الاولي فبين سبحانه ان ذلك السفير الكلي العام لحمل جميع آثار هذين الاسمين في مقام التشريع و التكوين الي جميع المكونات كما يشهد عليه عموم بعثته (ص) علي كل مخلوق من العالمين لقوله تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و في خطبة اميرالمؤمنين (ع) في يوم الغدير و الجمعة في وصف الحجج و الائمة (ع) الي ان قال (ع) و جعلها الحجج علي كل معترف له بملكة الربوبية و سلطان العبودية و استنطق بها الخرسات بانواع اللغات بخوعا له بانه فاطر الارضين و السموات الخطبة ، فبين ان ذلك السفير الكلي منزه عن جميع المعاصي الصغيرة و الكبيرة و ترك كل راجح من المستحبات و المندوبات و فعل المكروهات فضلا عن المحرمات و كذا فعل المباحات فلايصدر منهم ما يخالف رضاه سبحانه بوجه من الوجوه لان الله سبحانه صفاه و طهره من كل رجس و مخالفة و مناكرة ثم امر الخلق بالاخذ عنه علي جميع الوجوه بقوله تعالي ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ثم نزهه عن التقول عليه و القول بخلاف رضاه و محبته بقوله تعالي و ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي علمه شديد القوي ذو مرة فاذن هو (ص) منزه عن جميع المعاصي في كل حالاته في صغره و كبره قبل البعثة او بعدها و لو ترك ( بترك خ ) الاولي و هكذا نوابه و حملة وصايته و حفظة ودايعه لانهم من شجرة واحدة فلايختلفون بخلاف ساير الانبياء [ص 323] فانهم قد يتركون الاولي و بعض المستحبات كما وقعت الاشارة اليها في القرآن و فسرتها الاخبار و لايناسب المقام لذكرها و تفصيلها و اما الاربعةعشر المعصومون سلام الله عليهم اجمعين فلايتركون الاولي ابدا كفي بذلك شهيدا ( شاهدا خ ) و دليلا تسمية نبينا حبيبا (ص) دون العالمين كلهم و ان كانوا احباء و الحبيب من حيث هو كذلك لايعقل مخالفته لرضاء المحبوب بكل وجه و كل طور لان المحبة سر من عالم الغيب ينزل علي حبة القلب فيمنع المحب ان يذكر و يتوجه و يلتفت الي غير محبوبه ابدا ثم ينزل من القلب بعد ان يملأه و يفضل منه فينزل الفاضل في الصدر فيمنع الصدر عن تصور غير المحبوب و مشاهدة جماله و جلاله و بهائه و نوره و سنائه ثم ينزل الفاضل في الجسم في اطوار الجوارح و الآلات و الحواس فيمنعها عن الاشتغال في غير خدمة المحبوب و جهته فيمتلي من ذكر المحبوب مضمحلا نفسه عند المحبوب فاين يجد الغير حتي يشغله و اين الاستقلال لغير المحبوب حتي يعارض ذكره و القيام بخدمته و لايكون ذلك ابدا و لذا مدعي الحب يمتحن بطول القيام بخدمة المحبوب بلا كسل و لا عذر و لا غفلة كما قال الصادق (ع) في الشعر المنسوب اليه :