و اما اصحاب القول الخامس فهم ان ارادوا بالانتساب و الارتباط انتساب الذات بنفسها فغلط فاحش لما يلزم من ذلك من القبايح المنكرة و قد اشرنا الي بعض ذلك و ان ارادوا انتسابها بفعله اي النسبة الفعلية فصحيح لكنه يأبي هذا التوجيه قولهم وجود زيد اله زيد بل لاتصح هذه العبارة مطلقا و ان اولنا قولهم اله زيد بالاله الظاهر بصنعه و ايجاده ليرجع الامر الي ما ذكرنا ثانيا لان وجود زيد هو النسبة الارتباطية بينه و بين الفاعل و هو الاثر الحاصل من الفعل و التأثر و ذلك الاثر لما قارن التأثر (خ) الذي هو الانفعال تحقق زيد فوجوده هو ذلك الاثر الحادث بالفعل لا نفس الفعل فان الفعل لاينزل عن مرتبته كيف و هو الاسم المكنون المخزون في ظله فلايخرج منه الي غيره و بين الشئ و وجوده لا بد من الارتباط فان التباين عدم بل الشئ ليس الا الوجود المحدود الا اذا ارادوا بالوجود هو المستقل الاصيل و هذا يستلزم تقدير كلمات كثيرة في الكلام مع ان ذلك الوجود المستقل الاصيل ليس لزيد و لايستند (خ) اليه و ليس لزيد فيه ذكر بوجه من الوجوه و اما تمثيلهم بالماء المشمس فهو في موقعه الا انهم جهلوا وجه التمثيل فان الماء انما استحق اطلاق الشمس عليه من جهة مثال الشمس الذي القته فيه فاظهرت به فعلها الذي هو التسخين فذلك المثال هو اثر الشمس و صفته و مثاله و اسمه و آيته فالشمس الذي ( التي خل ) اضيفت الي الماء ليست هي التي في السماء الرابعة و انما هو ذلك الاثر [ص 261] و النسبة بينهما نسبة الواحد الي السبعين و هذا الاطلاق من باب الحقيقة بعد الحقيقة و هي الحقيقة و المجاز عند العلماء الراسخين و المؤمنين الممتحنين و ان لميكن هو المعروف المصطلح عليه بين الاصوليين مع ان اثر الشمس المنتسب اليها و المرتبطة بها ليس هو الماء و انما الماء امر خارج اجنبي حامل لظهور الشمس و تأثيره الذي هو الحرارة الظاهرة بذلك الظهور المخصوص فالحرارة المطلقة من حيث هي هي بمنزلة الوجود و تلك العوارض و الحدود و الكيفية المخصوصة و الكم المخصوص بمنزلة الماهية فيهما جميعا ثم تأثير الشمس و كلاهما امران وجوديان تحققا بالشمس و الماء ليس من الشمس و لا اليها و انما هو حامل الظهور و مهبط النور كالزجاجة للمرآة و الصورة فقولهم قولك زيد موجود كقولك ماء مشمس ان ارادوا ما قلنا و شرحنا و ان زيدا (خ) ليس الا تلك الحرارة المتكيفة بتلك الكيفية المخصوصة فهو صحيح و ان ارادوا ان زيدا بمنزلة الماء و وجوده المنسوب اليه بمنزلة الحرارة فهو باطل بل زندقة صرفة .
و الحاصل ان عباراتهم مضطربة و كلماتهم مشوشة و العلة فيها ما ذكرت لك انهم اقتصروا علي العبارات و جمدوا علي الالفاظ و القشور و مانظروا الي الاشياء من جهة ذواتها و حقايقها و مباديها و صفتها و عللها و اسبابها و شرايطها لينكشف لهم الامر علي ما هو عليه و لا حول و لا قوة الا بالله و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك و لذلك خلقهم لان القيومية المطلقة الكاملة التي تنطبق علي مذاهب اهل البيت (ع) و تدل عليه العقول السليمة المستمدة من الفؤاد الذي هو لمعة [ص 262] من انوارهم و حرف من كتاب اسرارهم (ع) لاتصح الا كما ذكرنا بما ذكرنا مشروحا مفصلا و دع عنك الاوهام الباطلة و الاحلام الفاسدة فان الحق كله عند الله عز و جل ( و هو خ ) سبحانه جمعه كله مما اراد ان يظهره لنا في بيت واحد و هي بيت النبوة فكلما لميخرج عن هذا البيت فهو زخرف باطل و اشهد ان الحق لهم و معهم و فيهم و بهم و منهم و اليهم و ماذا بعد الحق الا الضلال .
ثم انه لما دل الحديث العلوي المروي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان كلما في الحمد في البسملة علي ان البسملة هي الجامعة لجميع اطوار الوجودات و احوالها و اكوارها و ادوارها و حركاتها و سكناتها و علويها و سفليها لان الحمد جامع لجميع ما في القرآن علي ما في ذلك الحديث الشريف و القرآن علي ما صرح الله تعالي فيه تفصيل كل شئ و تبيان كل شئ و لا رطب و لا يابس الا فيه فالجامع للجامع للشئ جامع لذلك الشئ فتكون (خ) البسملة هي الجامعة لكل الامكانات و المكونات و المتعينات و هي اذا عددت حروفها الملفوظة كانت ثمانيةعشر حرفا و اذا استنطقتها يظهر اسم الله الحي المالئ بنوره العوالم الثمانيةعشر الالف لان السلسلة الطولية ثمانية و العرضية عشرة و الجمع بين السلسلتين اللتين عليهما (خ) مدار الوجود الحادث علي الاطلاق هي ثمانيةعشر و لكل مقام الف مقام لان له ذكر عند نفسه و ذكر عند ربه فهو واحد عند نفسه و الف عند ربه كما قال عز و جل و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون لان كلما قرب من ربه تتسع دايرة وجوده و سعة احاطة ذاته حتي يبلغ الي اعلي مراتب الاعداد و هو الالف [ص 263] و كلما قرب من نفسه تتضايق تلك الدايرة و ينجمد ذلك الذوبان فيكون كالنقطة انظر الي الاجسام كلما كان اعلي كان اوسع و كلما كان اسفل كان اضيق حتي صارت نسبة اكبر الكواكب المركوزة في تلك ( فلك خ ) الثوابت الي الارض نسبة المائة الي الواحد و نسبة اصغرها اليها نسبة الخمسةعشر الي الواحد و اذا نسبت اكبر الكواكب كبنات النعش و امثالها الي اصل الفلك يكون الكوكب بالنسبة الي الفلك كالنقطة الصغيرة بل اصغر كما قال (ع) كحلقة ملقاة في فلاة قي بل اصغر و اصغر و اصغر و المثال تقريبي و الافلاك بمراتبها و طبقاتها انقسمت الي ثلثمائة و ستين قسمة و الارض ايضا كذلك فالصورة في الجميع واحدة الا انها كلما تعلو (خ) يرتقي العدد كالواحد و العشر و المائة و الالف فان الصورة في الجميع واحدة و التفاوت كما تري فلذا كان ما من الله الف و ما من العبد واحد و هو قوله تعالي و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون و اما خصوصية الالف فلانه الدرجة الرابعة من مراتب الملك و الملكوت و الجبروت و اللاهوت او رتبة الجماد و النبات و الحيوان و الانسان و انما كان الانسان لله و عن الله لانه وجه الله و قد صيغت صورته علي هيكل التوحيد و الاستقامة المطلقة و الجامعة (خل) الكاملة و هي مظهر الاسم الاقدس الله و هو المربي لها و الناظر في شؤنها و اطوارها و اما كون اللاهوت الذي هو عالم الوجود المطلق او وجهه وجه الله فلايخفي علي اولي الحجي لان المراد به هو النور و الظهور و التجلي في قوله تعالي فلما تجلي ربه للجبل جعله دكا فالحي هو المستنطق من البسملة المالئ باثره الذي هو الحيوة كل الامكان [ص 264] و الاكوان و اذا عددت حروف البسملة المكتوبة يستنطق عنها الواحد الذي به الاعداد مبدأ الاسماء و الصفات و اول نشو المتعلقات و الاضافات و ظهور اسماء الاضافة و الخلق بل و القدس ايضا فهي ظهورات الواحد القيومية المطلقة و الهيمنة العامة الشاملة فاشتمل الواحد علي الاسم المقدس القيوم فصارت البسملة جامعة للاسمين اللذين هما الاسم الاعظم و لما كان ذان (خ) الاسمان مستجنين في غيبها و مندرجين في سرها و لبها قال مولينا الرضا (ع) ان بسم الله الرحمن الرحيم اقرب الي اسم الله الاعظم من ناظر العين الي بياضها و قال النبي (ص) ان بسم الله الرحمن الرحيم اسم من اسماء الله الاكبر و ما بينه و بين اسم الله الاكبر الا كما بين سواد العين و بياضها و غيرهما من الروايات الدالة علي ان البسملة سرها الاسم الاعظم و هي ظاهره و قشره و لذا قالوا (ع) اقرب الي اسم الله الاكبر من ناظر العين الي بياضها فان ذلك القرب قرب المداخلة و قرب الناظر الي البياض قرب الملاصقة و المداخلة اقرب من الملاصقة و الروايات قد دلت علي ان الحي القيوم هما الاسمان الاعظمان او الاسم الاعظم كما عن الصادق عليه السلام ما معناه ان الاسم الاعظم في ثلثة مواضع من القرآن احدها في البقرة عند قوله تعالي في آية الكرسي الله لا اله الا هو الحي القيوم و ثانيها في آلعمران في قوله تعالي الم الله لا اله الا هو الحي القيوم و ثالثها في سورة طه في قوله تعالي و عنت الوجوه للحي القيوم فظهر ان الحي القيوم هما الاسم الاعظم و عليهما دارت الاكوان و مستجنات غيوب الامكان و هما قد استجنا في باطن بسم الله الرحمن الرحيم [ص 265] فكانت اقرب اليهما من سواد العين الي بياضها فالحي اسم اجمال و مقام اتصال و سر انفصال و مظهره الهواء (خ) الحار الرطب الذي هو النسبة الارتباطية و الحقيقة الانتسابية بين الفاعل المبدأ و القابل الساكن السافل حامل الفيض منه اليه و لذا تريهم يقولون ان الهواء يربيه اسم الله الحي و هو سر النبوة المطلقة و الحقيقة الجامعة محل الايتلاف و طارد الاختلاف و العرش مظهره و المشية سره و اصله فافهم و القيوم اسم تفصيل و مقام افتراق و سر اجتماع و مظهر الماء و لذا كان العرش علي الماء و الاسم المربي له المحيي و هو نسبة القابل الي الفاعل فيقبل الاشكال ( الاستكمال خل ) و عنده الاختلاف و هو سر الولاية المطلقة الظاهرة بالتدبير العام المعطية كل ذي حق حقه و السائقة الي كل مخلوق رزقه و الكرسي مظهر هذا الاسم و الابداع و الارادة اصله و منشأه و بالنون يشار اليه كما ان بالكاف يشار الي الحي و بهما تم الكون و استقر النظام و ظهر الامر و خفي و علن و هو قول النبي (ص) في تفسير قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد قال (ص) انا المنذر و علي الهادي فهو (ع) فصل الخطاب و هو الحكمة قال تعالي و آتيناه الحكمة و فصل الخطاب فالخطاب نبي و فصله ولي و ذلك جنس و هذا فصل و بهما معا يتحقق النوع الكلي الظاهر في الافراد و المشخصات و لذا قال النبي مااختلف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي و ذلك لانه الفصل و الاختلاف يأتي من قبله و اما الجنس فمن قبله الوحدة و الاتفاق و الايتلاف و لما كان الاسم في رتبة الاثر لانه هو المنبئ عن المؤثر الذي هو [ص 266] المسمي لا في رتبة المؤثر و الا لميكن الاثر مبدأ اشتقاق اسم للمؤثر و التغيير للمؤثر ( او لتغير المؤثر خ ) بالاثر و كلاهما باطلان كما سبق القول فيه كان العالم الكلي باجماله و تفصيله جامع السر ( جامعا لسر خ ) هذين الاسمين بل هما مشتقان من سره ألاتري القائم الذي هو اسم (خ) الفاعل مشتقا من القيام الذي هو نفس الاثر فظهر من ذلك سر قول اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها و هو قوله (ع) رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الي هنا و لذا كان الحي القيوم عشرة احرف في المكتوب و هي العشرة الكاملة التي هي سر كل شئ و لايخلق ( لايخلو خ ) منها شئ لان الله سبحانه خلق الخلق للحب و بالحب و هو عشرة و اللفظ علي طبق المعني و سر هذه العشرة سار في كل شئ حتي في الالفاظ و الاسماء اللفظية التي هي صفات و قوابل للمعاني الذاتية الحقيقية و اذا اردت ان تعرف ظهور العشرة في كل لفظ فانا ابين ذلك فاسمع و اعرف و اعلم ان هذه العشرات ( العشرة خ ) هي ظهور حروف الحي القيوم و هي الآن مخفية تحت الحجب و الاستار و عند الموت يرتفع الغبار و يعرفها كل احد من الاخيار و الاشرار ان ذلك لعبرة لاولي الابصار و لذا كل عارف من ماحض الايمان و ماحض الكفر يري محمدا و عليا صلي الله عليهما و آلهما عند الاحتضار و ما بعده الي يوم يقوم الناس لرب العالمين و القاعدة في ذلك هو انك تأخذ ما اردت من كل لفظ و حرف من اسم سعيد او شقي انسان او حيوان جن او ملك او غير ذلك من الاسماء و الافعال و الحروف و غيرها (خ) من الالفاظ فضعفه [ص 267] ست مرات ثم زد علي الحاصل واحدا (خ) ثم اضرب المجموع في عشرة ثم اسقط من الحاصل عشرين عشرين فلايبقي الا عشرة و هي العشرة التي عليها مدار الوجود في الغيب و الشهود سر اسم الله الاعظم في كل موجود و مفقود و قد فسر الله تعالي تلك العشرة الكاملة بقوله عز و جل ثلثة ايام في الحج و سبعة اذا رجعتم تلك عشرة كاملة فما الطف هذه الاشارة لمن يعرف التلويح في العبارة و قوله تعالي ثلثة ايام في الحج اشارة الي مراتب التثليث الاول التي في الجعل الاول قبل ذكر التعينات و لذا نسبه تعالي الي الحج الذي هو الكون في بيت الله الحرام و قد ذكرت ان بيت الله الحرام هو الفؤاد بمراتبه الثلثة من الاعلي المتصل ● بجهة فيضه من مبدأه اي الاسم الفاعل و الاوسط الحامل لتلك الجهة اي من المصدر و الاسفل المتصل بما دونه من المراتب السفلية المذكورة عند الحدود و الكثرات و هذه هي الثلثة التي في الحج و اما السبعة التي وجب صومها عند الرجوع الي اهله و موطنه من شؤنات اطواره و احواله و بعد السير من الحق في الحق و لدخول ( الدخول خ ) في السفر الثالث الذي هو السير من الحق الي الخلق و السفر الرابع الذي هو السير في الخلق بالحق فتلك السبعة هي مراتب الشئ من العقل و الروح و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم فلاينفك شئ من هذه السبعة ابدا فانها من متممات الايجاد و التكوين و لولاها لنقص الايجاد و الله سبحانه و تعالي اجل من ذلك و قد شرحنا هذه الاحوال في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا و هذه هي العشرة الكاملة ثلثة منها فيها ذكر لا اله الا الله و هي مراتب الفؤاد و سبعة منها ذكر الاحكام المتشعبة [ص 268] من لا اله الا الله من احكام الصلوة و الزكوة و ساير العبادات و هي سر الاكوان كلها و لذا جائت الالفاظ مناسبة للمعاني فاستجنت العشرة في جميع المعاني و المباني و اذا اردت ان تظهر حامل سر الاعظم و الاسم المعظم فاضرب قوي هو الذي هو الاسم الاكبر في حروف الحي القيوم فيستنطق بذلك الاسم المبارك العلي و هو الاسم الاعظم و حامله و سره و اصله و ينبوعه فقوله تعالي في هذه الآية الشريفة هو الحي القيوم اشارة الي اسم علي عليه السلام فان اعداد حروف الحي القيوم عشرة و عدد حروف هو احدعشر فاذا ضربت احدعشر في العشرة يكون الحاصل مائة و عشرة و ذلك ما كنا نبغي (خ) و لذا قال مولينا الرضا عليه السلام اول ما اختار الله لنفسه العلي العظيم فاسمه العظيم و معناه الله هذا معني الحديث المروي في معاني الاخبار و انما كان العلي من الاسم الاعظم لانه جامع الحي القيوم و الاسم الاكبر هو فعلي جامع ثلثة اسماء هي الاسماء العظام اتفاقا فيكون الجامع اولي و اعلي بان يكون هو الاسم الاعظم فلك ان تقول هو الاسم الاعظم او لاقرب ( الاعظم الاقرب خ ) اليه من ناظر العين الي بياضها كما قلنا في البسملة لان هذا الاسم هي البسملة التكوينية فالله هو الولي و هو يحيي الموتي و هو علي كل شئ قدير و قال تعالي و هو العلي الكبير و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فالعظيم صفة لعلي و علي ( العلي خ ) صفة لله و الله صفة لهو و ليس علي لهو صفة بعد صفة كما كان العظيم لله كيف و لو كان كذلك لماجاز ان يقول و هو العلي الكبير بل يجب ان يقول و هو العلي ( لعلي خل ) الكبير و قد قال عز و جل و انه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم و قال [ص 269] و هو العلي العظيم ، و هو العلي الكبير و غير ذلك من الاطلاقات و هذه كلها بيانات و تفاصيل للحي القيوم فلنقبض العنان و للحيطان آذان و تعيها اذن واعية الي هنا انتهي الكلام و علي من يفهم الكلام السلام و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
ثم ان هو الحي القيوم في الحروف المقطعة اثنيعشر حرفا للاشارة الي اثنيعشر الاسم المبارك الذي كل واحد منها ركن من اركان الاسم الاعظم الاعظم الذي خلقه الله سبحانه و جعله بالحروف غير مصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و باللون غير مصبوغ و بالتشبيه غير موصوف فجعله علي اربعة اركان ليس واحد منها قبل الآخر ثم جعل لكل ركن ثلثة اسماء فكان المجموع اثنيعشر فهي واحد في مقام الجمع و اثنيعشر في مقام التفصيل و الاختلاف و ما غيرها من الاسماء كلها داخلة تحت هيمنة هذه الاثنيعشر غير خارجة عن احاطتها و سعة دايرتها و هذه الاسماء الاثنيعشر لها اثنيعشر حاملا كل منها حامل اسم من تلك الاسماء علي طبقها لاتزيد عليها و لاتنقص عنها فامتلأ العالم كله بتلك الاسماء و محالها كما في الدعاء و باسمائك التي ملأت اركان كل شئ ، و تلك المحال هم الذين اشار اليهم الحجة المنتظر عجل الله فرجه و عليه السلام في دعاء رجب فبهم ملأت سمائك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت الدعاء ، بل هم تلك الاسماء كما في قوله (ع) في ذلك الدعاء و مقاماتك و آياتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك [ص 270] بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، و قال مولينا الصادق (ع) نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها ، و في الزيارة لامير المؤمنين (ع) السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء ، و في الزيارة الجامعة الصغيرة يسبح الله باسمائه جميع خلقه ، و لهذا و امثاله قال مولينا الصادق (ع) من قال نحن خالقون بامر الله فقد كفر لان الاسم لايعمل و لايفعل بامر الله المسمي بل المسمي ظاهر بالاسم و فاعل به فالله سبحانه هو الخالق وحده لا شريك له و ما ورد في بعض الخطب عن اميرالمؤمنين (ع) انا خالق السموات و الارض بامر ربي فالمراد بالامر في هذا المقام هو الامر الذي قال تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و قال الصادق عليه السلام كل شئ سواك قام بامرك و المراد بقوله (ع) انا خالق ، اثبات مرتبة اسميته و رسميته سلام الله عليه لانه موصوف صفة الخالقية و مسمي هذا الاسم و ان كان هو (ع) مسمي الاسم اللفظي و لكنه (ع) اسم معنوي للمقصود من الاسم و المراد منه فافهم فان شرح هذه الكلمات مما يطول به الكلام و يؤدي الي ذكر ما لاينبغي ذكره فكتمانه في الصدور خير من ابرازه في السطور و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قال الله تعالي : لاتأخذه سنة و لا نوم .
لما ان الله سبحانه سمي نفسه في مبدأ هذه الآية الشريفة التي هي سيد الآيات بالاسم الجامع لجميع الصفات الحاوي لكل الكمالات المهيمن علي كل الكائنات في جميع الذوات المستولي علي كل نفي و اثبات و ذلك الاسم هو [ص 271] لفظ الجلالة التي هي مسمي الاسماء و ذات كل الصفات و عنده كل شئ عدم بحت بات و هو الاسم الجامع و النور اللامع و الضياء الساطع فذكر سبحانه بذكر ذلك الاسم المعظم كلما له من الكمالات و المقامات و العلامات و ابداع عجايب المصنوعات و غرايب المكونات و العرش و الكرسي و الارضين و السموات فلميبق شئ الا و هو داخل تحت هيمنة هذا الاسم من النفي و الاثبات لان له الهيمنة علي كل الاسماء من اسماء القدس و الاضافة و الخلق و كل اسم مرب (خ) لحادث من الحوادث و خلق من المخلوقات و لذا قال (ع) و باسمائك التي ملأت اركان كل شئ فاذا كان الامر كذلك فعند ذكر الاصل الاقدم يذكر الفروع كلها معه بالتبعية فكأنه تعالي بذكر هذا الاسم ذكر جميع عظمته و قدرته و قوته و علمه و حيوته و جماله و جلاله و كبريائه و سلطنته و ملكه و عزه و علاه و كلمته و اسمائه كلها مع ما يتعلق بها من الذوات الوجودية و الحقايق الغيبية و الشهودية مما جري عليه قلم الابداع بسر الاختراع فهو اسم يثبت كل كمال فيه بل و كل شئ حادث مخلوق قد نفذت فيه مشية الله و امره . . . من المقصود بالذات و المقصود . . . و العرض و غير ذلك و ينفي مع ذلك كله كل رسم و كل اسم و يخلص التوحيد . . . و الدوام له عز و جل قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون في الدعاء لايري نور غير نورك و لايسمع صوت غير صوتك فيثبت حين ما ينفي و ينفي حين ما يثبت فما اعظم هذا الاسم المبارك و ما اجله و لما كان لكل اجمال لا بد من تفصيل و لكل وحدة لا بد من كثرة و لان الخلق الواقفين في مقام الكثرات لايلتفتون [ص 272] بالاجمال الي دقايق العلوم و عجايب المصنوعات و لطايف التدبير و غرايب التقدير فاخذ سبحانه في تفصيل ذلك المجمل و تبيين (خ) ذلك المفصل فابتدأ بذكر التوحيد الذي هو مفاد الاحد الذي هو اسم من اسماء ذلك الاسم ثم ذكر التوحيد بذكر النفي و الاثبات تعليما للخلق و ابانة لهم بان التوحيد اسقاط الاضافات و انه لايحصل الا بكشف السبحات و هتك حجب الانيات كما في قول اميرالمؤمنين (ع) لكميل كشف سبحات الجلال من غير اشارة و محو الموهوم و صحو المعلوم و هتك الستر لغلبة السر جذب الاحدية لصفة التوحيد نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره اطفأ السراج فقد طلع الصبح ، و كل هذه العبارات نفي نفي ليستلزم الاثبات و الثابت هو نور التوحيد الظاهر من حجاب الكينونة الغايب المستتر بحجب الاعمال و الآمال و لذا يشار اليه بهو الذي هو الضمير الغايب و لذا قال عز و جل لا اله الا هو فصدر الكلمة نفي و عجزها اثبات و الاثبات في سر النفي و باطنه كما كان الاحد في سر الواو التي هي حرف النفي و الكثرة و باطنها فان الواو اذا استنطقتها بزبرها و بيناتها يستنطق الاحد و اذا اضفت اليه الواو كان هو الواحد و اذا نظرت الي نفس الواو هي الستة العدد التام التي خلق فيها السموات و الارض و كل شئ فصارت حجابا و كانت اثباتا فكانت نفيا فاذا اسقطت هذا النفي بسلطان لا اله كان الاثبات من غير نفي و هو قول اميرالمؤمنين (ع) لما سئل عن الكلمة التي اولها كفر و آخرها ايمان قال عليه السلام هو قول لا اله الا الله و قد مضي تحقيق هذا الكلام و سيأتي ان شاء الله [ص 273] لهذا الكلام زيادة بيان مما لمنذكر قبل ثم لما كان بعد مقام التوحيد مقام الاسماء و الصفات لان مقام الواحدية تحت مقام الاحدية فاكتفي من ذكر الصفات بذكر الاسمين الاعظمين الحي القيوم اذ هما واحد جامع للاسماء (خ) الكمالية من صفات القدس و الاضافة و الخلق كما مر مشروحا و اشار ايضا بهما الي قيوميته تعالي و انقياد الاشياء كلها لامره و خضوعها لدي كلمته و تذللها عند سطوة جبروته و هيمنة قهاريته في ملكه و ملكوته ثم اراد سبحانه ان يشير الي تنزيهه سبحانه عن جميع الامكان و صفاته و احواله و شئونه و اطواره حسب ما يظهر للناس و الا فهو سبحانه لا ذكر للامكان و احواله عنده بوجه لا بنفي و لا اثبات فان النفي فرع الاثبات و لا اقل من ذكره الا ان الخلق لما وقعوا ( وقفوا خ ) في عالم الكثرات و نسوا ما اوقفهم الله سبحانه عليه من سر عالم الوحدة و ما كتب في الواح ذواتهم و حقايقهم من معرفة التوحيد و التفريد و التنزيه بلا كيف و لا اشارة و ربما كانوا يثبتون له تعالي ما يناسب ذواتهم و كينوناتهم من الصفات الامكانية و السمات الخلقية فاراد الله سبحانه تنبيههم و تعليمهم بانه تعالي منزه عن صفة المخلوقين و عن نعت الواصفين و عن ادراك الملحدين فقال عز من قائل اشارة الي هذه المراتب و تبيينا (خ) للصفات التنزيهية لاتأخذه سنة و لا نوم و السنة و النوم كما يأتي بيانهما ان شاء الله تعالي عبارة عن الغفلات و عدم الحيوة الكاملة المطلقة بجميع مراتبها فان احوال الخلق حسب قربهم و بعدهم الي مبدئهم تتفاوت بالرقة و الغلظة و القوة و الضعف و الزيادة و النقصان فان الخلق علي جهة الاطلاق لايخلو اما ان يكون متمحضا في النظر اليه تعالي و التوجه الي [ص 274] امره بحيث لايكون فيه الا محض جهة التوجه لا غير فيكون منزها عن جميع الحدود و القيود و التعينات من الكيف و الكم و الجهة و الرتبة و الزمان و المكان و غير ذلك حتي لايبقي سوي محض الوجه فذلك حينئذ آية الوحدانية و وجه الصمدانية و الفردانية و المثال الملقي في هويات الاشياء و هو الوجه للشئ الباقي بعد فناء كل شئ و هو الربوبية الظاهرة في المربوبين و هو الصفة الحادثة التي جعلها الله سبحانه في حقايق الاشياء ليعرفوه بها و هي صفة رسم و حقيقة اسم و هي صفة الحي القيوم الظاهرة للخلق بالخلق عند طلب معرفتهم بصفات ربهم و بارئهم و لذا قال اميرالمؤمنين (ع) انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها ام لايكون متمحضا في الصفتية و الاسمية بل يري نفسه انه عبد ذليل خاشع فيتوجه الي ربه بكثرة القيام و القعود و الركوع و السجود و هذا له نظران نظر الي ربه و نظر الي نفسه كما في الدعاء الهي كيف ادعوك و انا انا و كيف لاادعوك و انت انت فهو عند النظر الي نفسه و ان كان من حيث الاضمحلال و الهلاك ذاهل عن النظر الي ربه لانه تعالي ماجعل لرجل من قلبين في جوفه و لما كان النظر في هذا المقام في الاغلب الي الوجه الذي جعله الله سبحانه للخلق كان هذا مقام السنة لا مقام النوم لان النوم هو الذهول و ليس هنا الا الفطور ( الفتور خ ) و الا فهو ناظر متوجه و هذا المقام لاولي الالباب و اهل العقول السليمة كما ان المقام الاول لاولي الافئدة و اهل الله ام لايكون كذلك بل قد يغفل غفلة كلية و يعرض عنه تعالي اعراضا بحيث يشتغل عنه تعالي بغيره ثم [ص 275] ينتبه و يتوجه كما هو شأن اهل المعاصي و اهل اللغو و العبث فهذا المقام مقام النوم الذي ليس معه الانتباه و التوجه و لما دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان الناظر يجب ان يكون من جنس المنظور اليه و من سنخه و الا لماصح قول اميرالمؤمنين (ع) انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها و هو (ع) اصدق القائلين فوجب ان يكون الناظر الي الحق سبحانه بحيث لايغفل ابدا و لاينظر الي نفسه ابدا هو الحقيقة الوحدانية البسيطة المجردة عن جميع النسب و الاضافات و القرانات و الحدود و التعينات و غيرها من صفات المخلوقات و هي داخلة في الصفات و معدودة من الاسماء و السمات و اما الناظر الي ربه دائما و الناظر الي نفسه مضمحلا فانيا فيجب ان يكون امرا وحدانيا انبساطيا فيه ذكر الكثرات و الافراد و صلوح الحدود و الجزئيات و لكن سلطان الوحدة غالب عليه و ذكر تلك الغفلات يورث الغفلة الجزئية التي هي مقام السنة فيكون هو الحقيقة المجردة عن الصور الشخصية مطلقا و المذكورة فيها الكثرات ذكرا اجماليا و اما الناظر الي نفسه و الذاهل عن ربه فيجب ان يكون منطويا علي الكثرات مغمورا في حجب الانيات مقترنا بالصور و الحدود و التعينات و ملازم للعوارض و الكيفيات لتمنعه تلك الآمال و الاعمال عن مشاهدة وجه الله ذي الجلال و الجمال و الحي القادر المتعال و هو مقام النوم الذي هو اخ (خ) الموت فيكون هو الحقيقة المقترنة بالصور و الهيئات و الحدود و الانيات و ساير العوارض و الكثرات و غير ذلك من الاحوال و الاوضاع و هذه الحقيقة المقترنة بالصور و الحدود و العوارض لها مراتب و مقامات متنازلة و المراتب التي حصلت بقرانات تلك الحدود بعضها ببعض و هي [ص 276] لا نهاية لها و لا استقصاء لعددها و المراتب المتنزلة فكلياتها عشرون و الجزئيات لا حصر لها و اعلاها النفس المجردة ثم الطبيعة ثم المادة ثم المثال ثم الجسم الكل ثم العرش ثم الكرسي ثم فلك البروج ثم فلك المنازل ثم فلك زحل ثم فلك المشتري ثم فلك المريخ ثم فلك الشمس ثم فلك الزهرة ثم فلك عطارد ثم فلك القمر ثم كرة النار ثم كرة الهواء ثم كرة الماء ثم كرة التراب ثم مرتبة الجماد ثم مرتبة النبات ثم مرتبة الحيوان ثم مرتبة الجن ثم مرتبة الملك ثم مرتبة الانسان ثم مقام الجامع عليه السلام و كل هذه مقامات الصور من حيث هي هي من حيث هي مقام النوم و اما القوي المدركة للمعاني و الكليات و الحقايق المجردة عن المادة الجسمية و النفسية و الصورة الشخصية فهي لها مراتب كثيرة اعلاها العقل المرتفع ثم المنخفض بعد المستوي ثم الروح بالوجه الاسفل و يمكن ادخال كلما كان فيه ذكر للغير و ان لميكن من سنخ واحد كالفعل بمراتبه الاربع التي هي النقطة و الالف و الحروف و الكلمة التامة و المفعول المطلق الذي هو المصدر و هو الوجود المقيد الصالح للقيود و المفعول به الذي اوله العقل و آخره الثري و ما تحت الثري و كل هذه مراتب الامور المعنوية التي غلبت عليها جهة الوحدة فلميقيد بالصور و الحدود المانعة عن مشاهدة عالم الوحدة و ان كان فيها ذكر للغير و صلوح لقبول التعلقات و التعينات و ذلك الذكر يوجب السنة التي معها الانتباه في الجملة في التوجه بخلاف النوم و كلما في عالم الامكان و الاكوان لايخلو من هاتين المرتبتين اما كثرة صورية فعلية التي ( هي خ ) تورث [ص 277] النوم او كثرة معنوية ذكرية التي هي تورث السنة ● و اما المتمحض في الوحدة المطلقة التي ليس فيها مقام السنة و لا نوم فليس في عالم الامكان الا ما هو من الاسماء و الصفات الالهية فالكثرات علي عمومها و اطلاقها تورث اما السنة او النوم فالذي لاتعتريه سنة و لا نوم خارج عن صقع الكثرات متمحض في الوحدة المطلقة التي لا شوب من الوحدة فيها فنفي السنة و النوم توجب نفي جميع الكثرات و نفيها تورث نفي جميع احوالها و اوضاعها و قراناتها و اضافاتها و روابطها و جهاتها و بسايطها و علوياتها و مجرداتها و مادياتها و اختلافاتها و افلاكها و عناصرها و معادنها و نباتها و حيوانها و غيرها من ساير الاحوال و الاوضاع و امثالها فاذن بنفي السنة و النوم ينتفي جميع احوال الامكان و صفاتها و اوضاعها عن الواجب سبحانه و تعالي بكل الوجوه و كل الاعتبارات لما ذكرنا فبين سبحانه بذكرهما جميع الصفات التنزيهية السلبية الجلالية علي مصطلحهم فنفي الامكان عنه تعالي و صفاته فابطل بذكر السنة و نفيها ما ذكره الحكماء من الربط بين الحادث و القديم و كون علمه تعالي حضوريا او كعلم العلة بمعلولاتها او كعلم الشئ بنفسه و كون بسيط الحقيقة كل الاشياء و كونه الكل في وحدته و القول بوحدة الوجود و انه سبحانه هو الذي يتعين بالحدود و المشخصات و يتشأن (خ) بالشؤن و الاطوار و ان الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات استجنان الشجرة في النواة او مندرجة فيها اندراج اللوازم في الملزومات و كونه تعالي بذاته مبدأ الاشياء و بذاته فاعلا لها و ان صفتي الخالقية و الرازقية من الصفات الذاتية و امثالها من العقايد [ص 278] الفاسدة الكاسدة التي فيها اثبات وحدة مشوبة بذكر الغير و صلوح الكثرات و ان لمتكن كثرة فعلية صورية و انما هي كثرة صلوحية معنوية المستلزمة للسنة و ابطل سبحانه بذكر النوم و نفيه جميع ما يثبتون له تعالي مما يستلزم الاقتران و النسبة و التحديد كقولهم ان الوجود مشترك معنوي بين الواجب و الممكن ليكون الواجب فردا من الوجود محدودا بحدود صورية يميزها عن الوجود الامكاني و القول بالمفهوم باطل كما قدمنا القول فيه و كقولهم ان واجب الوجود كلي منحصر في الفرد فتكون الذات هي الفرد الممتاز المعين من ذلك الكلي و ان لميوجد ساير الافراد و قولهم ان الله سبحانه جزئي حقيقي و جزئي اضافي للقاعدة المقررة عندهم ان الجزئي الحقيقي يستلزم الجزئي الاضافي و لا عكس فقالوا ان الله سبحانه بذاته يدخل تحت مفهوم الشئ و الامر و امثال ذلك و قولهم ايضا انه سبحانه جزئي حقيقي و ليس بجزئي اضافي لقبح ما يرد عليهم علي فرض الاضافي من لزوم التركيب و التحديد و لميعلموا ان الجزئي محدود مقيد و هو من صفات الامكان كالكلي و قولهم ان الاسماء الالهية قديمة من جهة و حادثة من جهة و قولهم بامور يستلزم اعتزال الحق سبحانه و تعطيله كقولهم ان الصفات الذاتية ترجع الي السلوب و قولهم بان مفاهيم الصفات الذاتية مختلفة و مصداقها واحد و قولهم بالتفويض الي الخلق مطلقا او تفويض الخلق و الرزق الي الائمة (ع) بما يلزم منه التعطيل و الاعتزال و قولهم بان الوجود و العلم و القدرة و ساير المشتقات و الكليات مما يصح اطلاقها علي [ص 279] الله تعالي و علي غيره يقال و يطلق عليه تعالي و علي غيره بالتشكيك و قولهم بان الخلق من سنخ الحق و ان معطي الشئ ليس فاقدا له و ان المعلول حقيقة متنزلة من علته و غيرها من الاعتقادات الفاسدة التي تستلزم التحديد المستلزم للصورة التي تورث النوم علي ما ذكرنا فكمال الاعتقاد الحق الذي عليه ائمة الهدي سلام الله عليهم هو ان تنزه الله سبحانه و تعالي عن جميع صفات الامكان علي جهة الاطلاق كمالها و نقصانها و هو قوله عز و جل لاتأخذه سنة و لا نوم اي لاتنسب اليه تعالي حالا من احوال الامكان و الاكوان و الاعيان اذ (خ) كل كثرة تورث الغفلة و اعلي مراتبها السنة و ادناها و اكثفها النوم فهو جامع الصفات التنزيهية كما ان قوله تعالي الحي القيوم جامع لجميع الصفات الكمالية الذاتية و الفعلية القديمة و الحادثة فتكفلت هذه الكلمات المباركة من قوله تعالي لا اله الا هو الي قوله تعالي لاتأخذه سنة و لا نوم جميع ما يتعلق بمعرفة الله سبحانه من معرفته سبحانه بالكينونة الاجمالية و معرفة التوحيد بمراتبها التي ترتقي الي خمسة آلاف و مأتين و ثمانين كما قدمنا الاشارة الي بعض منها و معرفة الاسماء و الصفات من اللفظية و المعنوية و الاسماء الكلية و الجزئية و العظام و غيرها علي ما فصلنا بعض مقاماتها في الجملة و معرفة تنزيهه سبحانه عما يجب تنزيهه عنه بجميع الجهات و كل الاعتبارات فسبحانه من حكيم عليم ادي كلامه علي اعلي مراتب الاعجاز و اسني درجاته و اعلي مقاماته هذا ما يتعلق بالمعني المراد .
[ص 280] و اما ما يتعلق باللفظ فاعلم ان المترائي من ظاهر المقام ان يقدم النوم علي السنة فان ذلك ادل علي المبالغة في المراد اذ نفي النوم لايستلزم نفي السنة كما ان نفي السنة يستلزم نفي النوم اما الاقتصار علي السنة ليكون ادل علي المبالغة و ادخل في الفصاحة و البلاغة لاداء المقصود من غير تكثير الالفاظ كما هو المطلوب او تقديم النوم علي السنة ليكون بذكر السنة بعد النوم مزيد افادة و فايدة . الجواب اعلم انا قد قررنا في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا و اجوبتنا للمسائل ان الله سبحانه لما اراد ان يعرف نفسه لخلقه اذ لايمكن للخلق ان يعرفوه بذاته فعرف سبحانه و له الحمد نفسه بان وصف نفسه لهم ليعرفوه بذلك الوصف و لما كان وصف الحق سبحانه وجب ان يكون اجلي الاوصاف و ابينها و اوضحها حتي لايكون لاحد عليه تعالي حجة و كان الوصف الحالي اجلي و ابين من الوصف المقالي فوصف سبحانه و تعالي نفسه و جميع ما يريد من خلقه ان يعرفوه بالوصف الحالي و البيان المثالي و الخطاب التكويني و لما كان الوصف كلما يكون اقرب الي من وصف له كان احسن و اولي و اكمل و اتم في تأدية الغرض من اثبات الوصف و كان لا شئ اقرب اليه من نفسه اليه وجب ان يجعل سبحانه نفس الاشياء كتابا تكوينيا نقش فيه جميع ما يريد منه بالمثال و التمثال ( التمثيل خ ) لئلايخفي علي احد و لئلايكون للناس علي الله حجة ففعل سبحانه و تعالي و جعل العالم و انفس الخلايق كتابا واضحا جليا شرح فيه جميع العلوم و الاسرار ثم ندب الخلق الي النظر اليه و قرائته و معرفته و مواظبته و استخراج الرموز منه في كتابه القولي التدويني بقوله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق [ص 281] و قوله تعالي و كأين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون و قوله تعالي و في انفسكم افلاتبصرون و قوله تعالي و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون و هكذا باقي الآيات و لما نظر سبحانه الي ضعف الخلق و احتياجهم الي كثرة المنبهات و المذكرات ليذكروا و ينظروا ما في ذواتهم و حقائقهم من العلوم و الاسرار و يجسس خلال تلك الديار فبعث اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و شرح بالقول و التدوين ما كان قد شرحه لهم بالمثال و التكوين فتمت كلمته و بلغت حجته ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة فجعل الكتاب التدويني طبقا لكتاب ( طبق الكتاب خ ) التكويني حرفا بحرف لئلايلزم الاختلاف فانه ليس منه تعالي كما قال و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فكان الكتابان كل منهما علي طبق الآخر و لما كان ما كتب في الكتاب التكويني تقديم السنة لانها اشرف من النوم لكونها اقرب الي اليقظة و ظهور الحرارة الغريزية و كلما هو اشرف في الوجود يجب ان يتقدم في الايجاد لانه تعالي لايخل بالحكمة و لايعدل من الاحسن الي غيره فلذا قدمها في الايجاد بخلق عالم الوجود المطلق و مراتبه و الوجود المقيد و مراتبه الي مقام العقل المنخفض و ذلك كله اطوار السنة لاشتمالها علي وحدة فعلية و كثرة ذكرية ثم بدأ بذكر النوم بخلق عالم النفوس و ما تحتها من المراتب و المقامات فلما تقدمت السنة في التكوين لاشرفيتها وجب تقدمها في التدوين و اما الاختصار فليس بمطلوب في كل المقامات نعم في مقام الاجمال يطلب ذلك بخلاف مقام التفصيل ثم ان [ص 282] القاعدة في الترقي في النفي هو الترقي من الاعلي الي الاسفل و في الاثبات بالعكس كما في قوله تعالي ثم دني فتدلي فكان قاب قوسين او ادني و السر في ذلك ان الترقي في النفي ينبئ عن القوس النزولية فان النزول يكون من الاعلي الي الاسفل كتنزل العقل الي النفس و تنزلها الي الطبيعة و تنزلها الي الجسم و هكذا الي آخر المراتب و انما كان النزول ترقيا لان فايدة النزول تحصيل الكمال بحصول المراتب و المقامات التي تصير منشأ لاظهار عظائم القدرة و عجايب الصنعة و تحصيل رتبتي العلم و العمل للوصول الي اعلي المقامات و اسني الدرجات فهو و ان كان في الصورة هبوط و نزول و لكنه في الحقيقة صعود و ترقي و لذا سموه ترقيا و انما كان النفي دليلا علي النزول لان النفي في مقام الكثرة و سلب الوحدة لان فعل الله سبحانه هو الواحد و عنده الوجود و الثبات و التحقق فكلما هو اقرب الي الوحدة اثبت في الوجود و التحقق فينسب اليه الوجود و الثبوت و كلما هو بعيد عن الوحدة مغمور في عالم الكثرة فهو نفي و منفي و معدوم عند النور و الرحمة و الكمال و الجمال فالنفي صفة الماهية و الاثبات صفة الوجود لا النفي المطلق و العدم كذلك فان مولينا الصادق (ع) صرح بان النفي شئ و لذا تري مولينا زينالعابدين (ع) في دعاء الصحيفة جعل متعلق المشية التي هي مقام الاجمال و الوحدة الامر الوجودي و القول الثبوتي و جعل متعلق الارادة المتعلقة بخلق الماهية التي هي مقام الكثرة [ص 283] و الاختلاف النهي و الزجر العدمي كما قال عليه السلام و روحي له الفداء فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة ، و لهذه الدقيقة اللطيفة كانت لا حرف النفي و ال حرف الاثبات و المادة واحدة في المقامين و كانت لم للنفي ( لنفي خ ) الماضي و لن للنفي ( لنفي خ ) التأبيد و تفصيل القول و شرح الكلام في هذا المقام يؤدي الي تطويل المقال و ذكر ما لاينبغي من عظيم الاحوال و بالجملة اذا كان الترقي في الكلام المنفي يقدمون (خ) الاعلي لما ذكرنا و لذا قال سبحانه و تعالي في هذه الآية الشريفة لاتأخذه سنة و لا نوم و قدم ما قدم علي الاصل و الواقع و اما الترقي في الكلام المثبت فانه ينبئ عن القوس الصعودية و تلك القوس كلما هو اقدم اخس و ادني مما بعده كما هو المحسوس المرئي في تكوين الانسان من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم اكتساء اللحم ثم انشاء الخلق الآخر ثم خروجه الي هذه الدنيا تاما سويا كامل الخلق ثم تدرجه من حال الرضاع الي حال الفطام الي حال الصبي الي حال المراهقة الي حال البلوغ الي حال التمام الي حال الكمال و كل مرتبة مؤخرة اشرف و اعلي مما قبلها فوجب ذكر الاسفل ثم الاعلي جريا للنظم الطبيعي و الصنع الكوني الايجادية و لذا قال عز و جل في مقام الصعود و الترقي فكان قاب قوسين او ادني اي بل ادني فوجب ان يكون الامر هكذا في الكلام الموجب عند الترقي علي الاصل و القاعدة و ربما تختلف لامور اخر يعرف بمقتضي المقام و لما كان مبني هذه الآية الشريفة علي حكم القوس النزولية و التدرج من عالم الاجمال الي عالم التفصيل كما ذكر سبحانه لفظ الجلالة اولا ثم فصلها [ص 284] بالتوحيد و ذكر الاسماء الجلالية الكمالية و الاسماء التنزيهية لكنس غبار الاوهام و اذهاب صداء الافهام و دفع غلطات الاحلام لا ان هناك ما يحتاج الي نفي ( النفي خ ) لولاه لصح القول حاشا ثم حاشا تعالي ربي و تقدس عما يقولون علوا و انما ذلك نفي بلا كيف و تنزيه من غير اشارة كما في قول اميرالمؤمنين (ع) كشف سبحات الجلال من غير اشارة و لما كان الامر في هذه الآية الشريفة علي المبني وجب تقديم السنة التي هي الاعلي علي النوم الذي هو الاسفل و لذا قالوا ان الناس نيام اذا ماتوا انتبهوا و اهل البرزخ نيام اذا بعثوا انتبهوا و اهل المحشر نيام اذا دخلوا الكثيب الاحمر انتبهوا و اهل الكثيب الاحمر نيام اذا دخلوا الرفرف الاخضر انتبهوا و اهل الرفرف الاخضر نيام اذا دخلوا ارض الزعفران انتبهوا و اهل ارض الزعفران نيام اذا دخلوا الاعراف انتبهوا و اهل الاعراف لهم سنة لا نوم و هم اذا دخلوا الرضوان انتبهوا و اولئك لا نوم لهم و لا سنة لانه لجة بحر الاحدية و طمطام يم الواحدية اين الكثرة حتي يلحق النوم او السنة و الكثيب الاحمر هو جنة الطبيعة و الرفرف الاخضر جنة النفوس و ارض الزعفران جنة الارواح الرقايقية و الاعراف جنة العقل و هي اعلي مقامات الجنة كما في الحديث المروي عنهم (ع) و لذا قالوا ان هناك سنة لا نوم و اما الرضوان فلما كان مقام الصفة و مقام عدم الكيف و الحد و الاضافة و النسب فليس هناك مقام نوم لانه مقام التجلي بعد التجلي و الظهور بعد الظهور فاين النوم لانه مقام المحبة و المحب لاينام عن محبوبه فاذا نام (خ) عنه اشتغل بالآخر فاذا وجدت الكثرة جاء النوم و هذا واضح ظاهر ان شاء الله تعالي .
[ص 285] و اما حقيقة النوم فاعلم ان العالي اذا نظر الي السافل فالعالي لايخلو اما ان يكون بحيث يحتاج الي اعلي منه و يستمد منه و يستند اليه و لايستغني عنه او لا بل هو غاية الغايات و اقصي النهايات لايتجاوزه شئ و لايفتقر الي شئ و مستغني عن كل شئ و السافل المنظور اليه لايخلو اما ان يكون موافقا للعالي في ميولاته و احواله و افعاله بحيث يكون ظاهره ( و خ ) لايخالفه في حال من الاحوال و شأن من الشؤن ام لا بل يكون فيه جهة مخالفة و منافرة كما تكون فيه جهة مناسبة و موافقة اذ لو كانت المباينة كلية من جميع الجهات امتنع النظر و الالتفات كما لايخفي فالعالي الذي لايحتاج الي شئ و كل شئ محتاج اليه لايكون الا كريما جوادا وهابا فياضا فهو دايم النظر الي سافله لرعايته و احسانه فلايفقد السافل تلك الرعاية و الاحسان ابدا دائما سرمدا ثم اذا كان السافل مما لايحتاج الا الي محض الفيض و الافاضة و لايفتقر الي غيرها من ساير الاسباب و المتممات و المكملات و الشرايط و اللوازم فلا نظر له الا الي عاليه و مبدئه لا الي غيره فذلك حي دائما لايعتريه موت و لا سنة و لا نوم اذ الاعراض من الطرفين مرتفع فاين الموت و مقدماته و حيوة السافل بنظر العالي و نظر العالي بقبول السافل و اذا كان في تأصله و تحققه محتاجا الي شرايط ( و خ ) مقدمات اخر غير محض الافاضة كحال الموجودات المقيدة التي تحتاج الي الشرايط و المتممات من الحدود الستة و لواحقها و اوضاعها فذلك يعتريه تغيرات و انتقالات و اطوار فيعرضه الموت و مقدماته التي هي السنة و النوم و لاتعرضه في مقام آخر [ص 286] فمن جهة عدم قطع العالي نظره عنه و رعايته و تدبيره بالاحوال المختلفة و الصفات المتباينة فهو حي و من جهة نظر السافل احيانا او دائما بوجه من الوجوه الي الكثرات من الاسباب و المسببات و عدم توجهه الي نظر العالي و عدم استمداده من الخير و النور يقال انه يعتريه موت اذا اعرض كليا بالكفر و الجحود و الانكار فذلك حيث ( ميت خ ) الاحياء و هو قوله تعالي يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و قوله تعالي أفمن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس و قوله تعالي ان الله يسمع من يشاء و ما انت بمسمع من في القبور و غيرها من الآيات و نظر العالي اليه في الاحوال كلها يورث الحركة و الحيوة و اعراضه عن العالي بالوجه المخصوص الذي ذكرنا يورث الموت بالمعني الذي ذكرنا فافهم و يعتريه سنة او نوم ان كان الاعراض جزئيا بالعصيان و الفسق و ترك الاولي و العالي الذي يحتاج الي اعلي منه فان كان السافل مما لايخالفه و لايضاده فلاتقع بينهما المفارقة ابدا ما دام ينظر كل منهما الي شؤنه و اطوار نفسه لتحقق المناسبة المورثة لعدم الانفكاك الا عند التوجه الي العالي الذي يستمد ذلك العالي منه فاذا استغرق في التوجه اليه بحيث ينسي نفسه تقع المفارقة بين العالي و السافل و يبقي السافل لا حراك له الي ان ينظر اليه العالي فحينئذ يحيي و يستيقظ ففي هذا المقام نوم لا موت لان مع الموت لا اعادة لنظر العالي الي السافل الا في عالم آخر و مقام اعلي و هنا يرفع النظر لاعادة النظر و تظهر السنة بقلة الالتفات و النوم بعظيم الالتفات الي الاعلي [ص 287] و هذا هو النوم النافع الذي يقوي الحرارة الغريزية و ينضج الطبيعة و يهضم الطعام و يدفع الفضولات و يجفف الرطوبات الفضلية و يسكن الحرارة الغريبية و غيرها من الافعال التي ذكرها الاطباء و هذا معني ما ذكرنا سابقا في مقامات اهل الجنة ان اهل الكثيب الاحمر نيام اذا دخلوا الرفرف الاخضر انتبهوا و هكذا مقامات الجنة و اهلها حتي يدخلوا مقام الرضوان فهناك لا سنة و لا نوم لانه مقام الوجه و الجناب و الوقوف علي الباب ان في ذلك لآيات لاولي الالباب و اما اذا كان السافل مما يخالف العالي و يضاده و يعانده مثل الارواح المتعلقة بابدان اهل الدنيا فان الابدان تغيرت عما هي عليه من جهة العوارض و الكثافات الدنيوية الحاصلة من انواع المعاصي و السيئات بكثرة الخلط و اللطخ فكثرت فيها الامور الغريبة و الفضلات الزايدة و غلب عليها عدم نضج الطبيعة فلاتقوي علي ادامة نظر الروح عليها بكلها في كل الاحوال فان الروح النفسانية متعلقة بالروح البخاري ( الذي خ ) في تجاويف القلب و هو متعلق بالحرارة الغريزية و ذلك البخار لطيف سريع التحلل لما فيه من غرائب الامور فاذا تحلل و لميحصل له البدل يضعف عن حمل آثار الروح النفسية ( النفسانية خ ) فتقل آثارها فتضعف البدن اذ لا حامل للروح النفسانية الا الروح البخاري فيعدم و يهلك و هذا كله لعدم نضج البدن و عدم تحمله لشدة الحرارة و لذا تري في عمل الاكسير يستعملون اولا النيران الخفيفة الضعيفة حتي تقوي تلك المادة و تنضج فاذا قويت و نضجت تكون صابرة علي النار و كلما يزداد ذوبانا يزداد صفاء و لمعانا و اما في اول الامر [ص 288] لو زيدوا ( زيد خ ) النار لاحترقت و فنيت و هكذا حكم البدن لو استمر عليه حكم ظهور آثار الروح تشتد عليه الحرارة لان اليقظة حركة و هي تحدث الحرارة فاذا قويت الحرارة زايدة عن حد اللايق لميتحمل البدن فيفسد فيموت و لذا قد امر الله علي الروح بان يعرض عن ظاهر البدن و يميل الي الباطن و يجتمع الروح البخاري في القلب ليتقوي فيتدارك هضم الغذاء في اليقظة و لما ان الله سبحانه جعل لكل شئ سببا و ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها جعل لذلك الاعراض و اجتماع الروح في القلب سببا في نفس البدن و لما امتنع الاضطرار صارت الاسباب طبيعية و غير طبيعية .
اما الطبيعية فالبخار الرطب المعتدل المتحصل من الاغذية المبخرة و الرطبة يصعد الي الدماغ فيملأ بطونه و خالط اوداجه و غلظ قوامه فعند ذلك يعسر نفوذها في مسالكها و ايضا فانه يرخي الآلات فينطبق بعضها علي بعض و يمنع عن نفوذ الروح فيها بسهولة و لذلك تري النوم يحصل عقيب استعمال الغذاء اذا كان مما يرتفع عنه بخار رطب معتدل كسل و تثاوب و تمط (خ) و سنة و نوم و لذا قال (ص) لاتأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فتناموا كثيرا فيمقتكم الله كثيرا هذا معني الحديث فجعل عليه السلام علة النوم اكل الطعام و شرب الماء الكثير ليتولد منه الابخرة و تصعد الي الدماغ و تمنع من نفوذ الروح بسهولة و لما كان لكل شئ علل اربع فلا بأس ان نشير الي علل النوم اشارة اجمالية : اما العلة المادية فقد ذكرنا من انها البخار الرطب المعتدل و قد يكون ايضا عدم النفوذ لتحلل الروح في نفسه و ضعفه عن النفوذ الي كل اقطار [ص 289] البدن فيجتمع في الباطن طلبا للراحة و القوة و بدل ما يتحلل و الي هذا المعني يشير كلام شيخنا جعلني الله فداه في بعض الاجوبة و قال اعلم ان الروح المدبر للبدن اذا لحقها ملال باستعمال آلاتها في تدبير الغذاء بتصفيته و دفع غرائبه و وزنه و تقديره اجتمعت في القلب و استراحت فضعف الارتباط بها الي آخر كلامه اعلي الله مقامه و هذا الملال انما يحصل له اذا ضعف و تحلل . و اما العلة الصورية فهي مقدار النوم و وقته و شكله اما مقداره فهو الي حين ما ينهضم الغذاء الكائن في المعدة و يندفع الفضلات الي مخارجها و اما وقته فهو بعد استعمال (خ) الغذاء الرطب المعتدل في ذلك لا بعده بلا فاصلة فان ذلك يورث سوء المزاج و فشا في (كذا) العين بل يصبر حتي يستقر الغذاء في المعدة و يأخذ في التحلل فذلك وقت النوم ● ليعين الروح في التحليل و الهضم و لذا كان نوم النهار وقت القيلولة قبل الظهر بساعة تقريبا و تخمينا لان طعام النهار علي معتاد الناس في الغالب استقر في ذلك مقره و في الليل بعد العشاء و اما نوم ساير الاوقات فمذموم الا اذا تحقق السبب و لذا تري الناس وقت المطر في فصل الربيع و الصيف يغلب عليهم النوم اي وقت كان في الغالب لانه يهيج الابخرة المورثة للنوم يمنع الروح البخاري عن النفوذ . [ص 290] و اما شكله فهو ان يستلقي اولا و يجعل رجله اليمني علي اليسري ثم علي الجانب الايمن ثم علي الايسر ثم علي الايمن و ذكر اسباب هذه الاشياء و عللها يطول به الكلام . و اما العلة الفاعلية فهي النفس الحيوانية فانها في مثل هذا الوقت تكف عن افعالها في الحواس الظاهرية و الحركات الارادية الا ما كان منها ضروريا في بقاء الحيوة مثل حركة النفس . و اما العلة الغائية فهي اجتماع القوي و تراجعها للاستراحة و لذلك صار الانسان يقوم من نومه و قد استراح من كثير ما يشكوه و مع ذلك انفذ عقلا و اقوي حسا و اكثر نشاطا غير ان نفعه هذا يختلف بحسب القوي كما هو المشروح في محله .