منها المعاشرة و الصحبة مع اولي الفنون و اولي الافهام فيحصل للشخص ادراك و تميز لايكون عند من لميعاشرهم و قد جعل بعض العارفين المعاشرة و الصحبة بطن الام فيما اشتهر ان الشقي شقي في بطن امه و السعيد سعيد في بطن امه اي بطن الصحبة و المعاشرة و هو المراد من الاب و الام في حديث كل مولود يولد علي الفطرة لكن ابواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه .
[ص 136] و منها الممارسة مثل ( من خ ) مارس الصنايع كالصباغة و النجارة و الخياطة و الخبازة و امثال ذلك من انحاء الصنعة اذ كل من له بصيرة يعرف ان الخياط لايقدر ان يعمل عمل النجار و هو عمل الخباز و هو عمل الصباغ و امثالها و هو من جهة عدم ادراكه لعدم اكتسابه لعدم ممارسته و مثل من مارس في العلم علي جميع انحائه كالنحو و الصرف و المعاني و المنطق و الحكمة بجميع اقسامها من الطب و الاخلاق و الفقه و الرياضي و الطبيعي و الالهي بكلا معنييه و العلوم الغريبة كالكيميا و الليميا و الهيميا و السيميا و الريميا و كالجفر ( و خ ) الجامعة و الرمل و الحساب و العدد و امثالها من العلوم و هذه كلها يحصل عند الاكتساب بالممارسة اي بكثرة مطالعة الكتب و اقوال العلماء و كثرة التعليم و التعلم مما هو المعهود عند اهل هذا الزمان كما لايخفي عند من له عقل سمعاني .
و منها استعمال الادوية مثل اكل الامور ( اشياء خل ) الحارة اليابسة او الرطبة حسب اختلاف الامزجة مثل اكل اللبان و اللبن و السمن و العسل و القرنفل و اللحم و امثالها من المسخنات سيما اذا خلط اللبان مع القرنفل و اكل كل صبح مقدارا منه يري حدة فهمه و ذهنه و حفظه و ادراكه ما لايوصف و كذا اذا اكل اللبان كل يوم و هو اكل الانبياء و الاوصياء (ع) و كذا التمر و الحلويات باقسامها علي الاختلاف في الشدة و الضعف و لذا ورد ان المؤمنين حلويون و هذا كلام لايسعني الآن بيانه لعدم اقتضاء المقام و هذه الادوية ليس علي سبيل العموم بل لا بد من ملاحظة مزاج الشخص ان وفقني الله تعالي اكتب فيما بعد رسالة في هذه الامور بحيث يشفي العليل و يبرد الغليل انه علي كل شئ قدير و ما ذلك عليه بعزيز ( و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم الكريم خ ) .
[ص 137] و منها انحاء المعالجات كالحجامة علي القفاء و تقليل الدم و قد روي عن النبي (ص) انه قال لما عرج بي الي السماء و وصلت الي السماء السابعة مالاقاني ملك من ملائكة ذلك الفلك الا و اوصاني ان آمر امتي بالحجامة علي القفاء و ذلك لان السماء السابعة سماء زحل و هو المدبر للعقول علي سبيل الجميع باذن الله تعالي يعني ان الله سبحانه وكل علي ذلك الفلك بكله ملكا كليا من جنود ميكائيل يدبر العقول الجزئية و يصلحها بنظر زحل و فلكه بجسم الكوكب و الفلك يدبر محل العقل اي الدماغ و بروحه ( بروجه خ ) يدبر العقل و تلك الملائكة جزئيات لذلك الملك و مدبرات لكل فرد فرد من افراد الموجودات و لذا وصوه (ص) بالحجامة علي القفاء لاصلاح عقل امته و هذه الادوية و المعالجات كلها لاصلاح المحل فاذا صلح المحل يظهر النور فيه اكثر و اشد كما اذا صقلت الارض يظهر نور الشمس فيها اكثر و اشد بالنسبة الي الارض الغير المصقلة كما لايخفي علي الفطن العارف .
و منها استعمال الاذكار من الاسماء الحسني مثل يا عليم يا حكيم و يا حي و يا قيوم و يا نور و يا هادي و امثالها من الاسماء فاذا واظب الشخص كلا من هذه الاسماء بعدد معين لايسعني الآن بيان قاعدته بحضور القلب و طمأنينة النفس و الا فلايؤثر و لو قرأ مدي العمر فان الاقبال روح العمل لايستقر الجسم بدون الروح كما لايخفي ( يري ما لايري غيره و يسمع ما لايسمع غيره ان شاء الله تعالي خ ) .
[ص 138] و منها استعمال ما قرره اهل الجفر من وضع المثلثات و المربعات و المخمسات علي وفق اسمه و اسم الله و العقل مثلا و ضابطة ( ضابطته خل ) مذكورة في كتب اهل الجفر و اهل العدد و كل من يفعل يزداد عقله البتة و يستوي فيه المؤمن و الكافر و العالم و الجاهل و العادل و الفاسق الا انه يكشف لكل حسب ما هو عليه ،
كقطر المطر في الاصداف در و في بطن الافاعي صار سما
و قصة ابنمقنع و ابنه السند و ما فعل من بسط اسم ابنه مع اسم الله و العقل من المشاهير و هو كافر يدعي الربوبية و الالوهية و ذلك لان الله سبحانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و جعل لكل شئ خاصية و اقتضاء فاذا وجد ذلك الشئ مع تمام شرايطه و اسبابه تترتب عليه تلك الخاصية بحسب الاقتضاء المودع فيه مثلا جعل المركب ليسود فاذا اصاب اليد يخلق الله تعالي فيها اقتضاء المركب اي السواد و الا يلزم ان يمنع الاسباب من مقتضياتها و هذا كما يجري في المعصية يجري في الطاعة و في هذا الفساد الكلي في العالم العلوي و السفلي و اذا عرفت هذه الدقيقة تعرف سر القدر ان شاء الله تعالي .
و منها فعل الرياضات و خلوص العمل لله و تخلية القلب عما سوي الله قال (ص) من اخلص لله العبودية اربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه علي لسانه فان كان مؤمنا كان هدي و نورا و ان كان كافرا كان حجة عليه و قال (ص) ايضا ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد اليكم بل هو مكنون فيكم مخزون في قلوبكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم و قال (ص) ليس العلم بكثرة التعلم بل هو نور من [ص 139] عند الله يقذفه في قلب من يحب فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال (ص) التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله ( حلوله الخ خ ) و قال الله في الحديث القدسي مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سئلني اعطيته و ان سكت عني ابتدأته الحديث ، و قال تعالي و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا اي علما جما و قال و لما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين و قال تعالي و اتقوا الله يعلمكم الله و امثال هذه من الآيات و الروايات كثيرة و الناس اختلفوا في كيفية هذه الرياضة كل من بني له طريقة و جعل له وجها توجه الي الله سبحانه بذلك الوجه ( و اخلوا القلوب عما سوي الله خ ) علي ظنهم و معتقدهم و وصلوا الي مطلوبهم لكن بعضهم خرجوا من ظلمة الجهل الي ( و دخلوا في خ ) نور الايمان و اليقين و بعضهم خرجوا من ظلمة الجهل و دخلوا في ظلمة الانكار و النفاق قال تعالي فيهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون و قال و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و علوا و الآخرون مثل اليهود و النصاري و المجوس ( و الهنود و الجوكية خ ) و امثالهم من الكفار من مرتاضيهم و احبارهم و رهبانهم و الرياضات التي لهم و الكشف الذي لهم حتي انهم يرون الذي اسلم و ترك دينهم و طريقتهم بصورة الكلب و الخنزير و امثالهما من السباع [ص 140] و البهائم كما سمعنا مرارا كثيرا ممن اطلع علي طرائقهم و عاداتهم و رأينا في رسائلهم و تصنيفاتهم و هذا الكشف هو الكشف عما عليه حقايقهم من الاعوجاج علي ما ذكرنا لك آنفا فعقلهم السمعاني هو النكراء و الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليس بعقل كما لايخفي ( علي الفطن العارف خ ) و السابقون الاولون هم المسلمون و الكشف الذي لهم و هذا الكشف يحكي عن (خ) المقابل كما هو لتصفية مرآت حقايقهم بالرياضة و المجاهدة الشرعية قال تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و هذه الرياضة علي انحاء ذكرها العلماء رضوان الله عليهم في كتبهم الاخلاقية لكن احسنها و اولاها و اقربها هو الذي ذكر الفقير الحقير في هذا المقام مما سمعت من شيخنا شيخ المشايخ العظام و عمدة عرفاء الزمان و قطب الاقطاب و مقصد اولي الالباب اطال الله بقاءه ممن استنبطت ( استنبط خ ) من الآيات و الروايات قال (ص) خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد و روي ان بعض اليهود اجتاز بعلي (ع) و هو يتكلم مع جماعة فقال له يا ابن ابيطالب لو انك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأنا فقال صلوات الله و سلامه عليه و آله و ما تعني بالفلسفة أليس من اعتدل طباعه صفي مزاجه و من صفي مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل [ص 141] في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذا الباب مغير فقال اليهودي الله اكبر يا ابن ابيطالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات رضي الله عنك و اعلم ان اعتدال المزاج في كل شئ لا اختصاص له بالجسم اما في الاكل و الشرب فان تجهد ان تحصل من الحلال لا علي نحو يصل الي حد الوسواس و الاجتناب عن كل شئ كما هو شأن بعض اهل هذا الزمان فاذا حصلت من الحلال فتأكل منه بقدر سد الجوع و لاتأكل كثيرا بحيث يشغلك عن الذكر و عن الاقبال الي الله سبحانه و لاتأكل حتي تجوع و كذا في الشرب لاتشرب حتي تعطش فاذا شربت فلاتروي و اما في اللباس فالبس ما لايلومنك عليه و ما لاتفتخر عليه و ما لاتذل نفسك عنده و اختر حالة الوسطي فان خير الامور اوسطها هذا مجمل ما يتعلق بتعديل المزاج الجسمي علي الظاهر و اما ما يتعلق بالروح فكن دائم الذكر و ليس معناه (خ) ان تقول سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر في كل الاوقات ( و الاحوال خ ) بل معناه ان تذكر الله في حال المعصية فتتركها و تذكره في حال الطاعة فتفعلها قال العالم (ع) المؤمن كلامه ذكر و صمته فكر و نظره اعتبار ه ، و معني ان كلامه ذكر هو انه لايتكلم الا بما يعنيه من معاش الدنيا و الاهل و العيال و كلها من الذكر و لايتكلم بما لايعنيه فالذكر عام و اما قوله و صمته فكر فمعناه ان الشخص المؤمن اذا سكت يفكر في امر آخرته و دنياه و بدئه و عوده و مبدئه و معاده و ما اراد الله سبحانه منه من الطاعات و العبادات و التقصيرات التي قصر من الكسالة عن العبادة و الطاعة و المعاصي التي ارتكبها و يحاسب نفسه و يندم علي ما فعل من الذنوب و يستغفر الله و يسأله التوبة [ص 142] قال تعالي و اسألوا الله من فضله انه كان بكم رحيما ، فاذكروني اذكركم و اشكروا لي و لاتكفرون و اما معني قوله (ع) و نظره اعتبار فهو انه اذا نظر في كل شئ ينظر اليه بعين الاعتبار و من حيث انه مثال لآية الله الواحد القهار قال تعالي أولمينظروا في ملكوت السموات و الارض و ما خلق الله من شئ و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم و قال تعالي ايضا سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون و قال و كأين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون و امثال ذلك من الآيات كما لايخفي و الانسان اذا عين له وقتا ينظر فيه الي الآيات الآفاقية و الانفسية خالي القلب عن كل شئ يعلمه الله ما فيها من العلوم و الاسرار و الحقايق و هذا هو الكتاب الذي اذا قرأه الانسان كشف الله عن بصره العام فيعلم الحيث و الكم و الكيف و الموصول و المفصول و ما يؤل اليه الامور و ما هو مخفي عن الناس مما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر علي قلب بشر و لايحتاج هذا الي بيان لان من لميذق لميدر . الحاصل ان الانسان اذا فتح له هذا الباب وفقه الله تعالي بفنون توفيقاته و ايده بصنوف (خ) تأييداته ألاتري قول الله تعالي في حق ابرهيم النبي علي محمد و آله و عليه السلام حيث قال و كذلك نري ابرهيم ملكوت السموات و الارض و ليكون من الموقنين و هذا باب اذا فتح لاحد يقوي عقله السمعاني فيكون اعلم الناس و اورعهم و اتقاهم و اعرفهم بحسب ما هو عليه و هنا تفصيل لايمكنني [ص 143] الآن بيانه و الله الموفق و المعين .
و هذا الذي ذكرنا هو الامور التي تكون سببا لتحقق العقل السمعاني و لايتحقق العقل السمعاني الا اذا كان العقل الطبعاني الذي هو التميز في اول المرتبة لان استعمال هذه الامور لا بد من التميز و الادراك و الا لفقد و لذا قال العالم (ع) في الشعر السابق :
فلاينفع مسموع اذا لميك مطبوع
كما لاتنفع الشمس و ضوء العين ممنوع
فظهر مما ذكرنا لك ان العقل المسموعي هو ظهور العقل المطبوعي فالعقل المسموعي هو كالنور المشرق علي المرآة و العقل المطبوعي كالنور مطلقا كما لايخفي فالعقل الهيولاني هو كاشراق الشمس علي الحجر و العقل بالملكة هو مثل اشراقها علي الزجاجة و العقل بالمستفاد هو مثل ظهورها علي البلور و العقل بالفعل هو مثل ظهورها علي الالماس و من هذا المثال تعرف مراتب ترتيب العقول في مراتبها فان الزجاجة هي المأخوذة من الحجر و البلور هو المأخوذ من الزجاجة و الالماس هو المأخوذ من البلور علي نحو يعلمه اهل الصناعة الفلسفية فحيوة هذه المراتب بتصفية المحل و هي بالاسباب المذكورة المتقدمة و مماتها بفقدان التصفية عند فقدان الاسباب و افضل الاسباب و اشرفها و اسرعها تأثيرا نظر الحق للشخص و هو قد يكون بهذه الاسباب و قد لايكون بهذه (خ) بل لا بسبب اذا سبقت له العناية من ربه من جهة طلبه الاولي و سؤاله السرمدي ( اللهم ارزقنا و جميع الطالبين يا اخواني وفقكم الله و ايانا للطاعة و التقوي اسأل الله حسن العاقبة و التوحيد و الامداد اللهم اجعل خير اعمالنا خواتمها و خير ايامنا يوم نلقاك اللهم اجعلني خيرا مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون [ص 144] انك انت ارحم الراحمين خ ) فافهم هذا الذي ذكرنا هو مجمل احوال العقل و كيفية حيوته و موته و ازدياده و نقصانه .
و اما الذي يقول ان العقل كل كمالاته بالفعل ليس شيئا منه بالقوة فغلط لان الشئ في كل آن يترقي و يقرب الي مبدئه و الا لبطل الايجاد لان الله سبحانه ماخلق الخلق للانتفاع به نفسه تعالي ربي و تقدس عن ذلك بل انما خلقهم لينفعهم و يظهر رحمته و احسانه و اياديه لانتفاعهم فخلقهم لكن الانتفاع انما يتحقق اذا خلقهم علي مقتضي قابلياتهم و حسب استعداداتهم و خلقهم كما هم عليه و هذا لايختص بعالم الاجسام بل يعم جميع الموجودات من العقول و النفوس و الطبايع و المواد و الامثلة و الاجسام و الا يلزم تفضيل الاخس علي الاشرف و لما كان الامر كذلك فسألهم لما سألوه ان يسألهم فكان اول من اجاب و اقر و اعترف بالعبودية لله عز و جل العقل الكلي عند الاشراقيين و العقل الاول عند المشائين و النور المحمدي (ص) عند اهل الشرع فاحبه الله سبحانه و اجلسه علي سرير الرفعة و العزة و شرفه بتشريف التقرب و امره بالاقبال و الادبار فلما امتثل امر الله في كل ما امره و عبده كمال العبودية صعد به في مراتب اسماء ( الاسماء خ ) الحسني و مدارجها حتي وصل الي حده و غاية مرتبته و هو اسم الله البديع فكان يسير الي الله تعالي في تلك المرتبة فاحبه الله و اكرمه و زاد نوره و بهاءه و جعله اقرب جميع الموجودات بحيث اشرقت السموات و الارضون و ما فيهما به فكان نورها و هو تأويل قوله تعالي بملاحظة المقدمات المذكورة في الاوائل الله نور السموات و الارض مثل نوره كمشكوة [ص 145] فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الامثال للناس و الله بكل شئ عليم فافهم و لما كان ( العقل خ ) اقرب الموجودات و بلغ في العبادة و الطاعة حد الغاية التي هي عين اللاغاية احبه الله تعالي كان سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاه اجابه و ان سأله اعطاه و ان سكت عنه ابتدأه و قد قال له تعالي لما امتثل امره بالاقبال و الادبار فو عزتي و جلالي ماخلقت خلقا احب الي منك و لا اكملتك الا في من احب و قد قال تعالي في الحديث القدسي كلما وضعت لهم علما رفعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية فهو في كل آن في الترقي و الازدياد بلا نهاية و الا يلزم اما انتهاء رحمته تعالي و نهايته و غايته و منه يلزم تحديده تعالي او يلزم وقوف العقل عن العبادة و الطاعة و كلاهما باطلان اما الاول فظاهر و اما الثاني فكل عبادة تزداد نورا و صفاء لميكن له سابقا و الا يلزم ان لايكون للعبادة ثمرة فيكون التكليف بها عبثا تعالي ربي الحكيم عن فعل العبث و هذا الازدياد الذي له في كل آن لميكن في الآن السابق و لايجيئه من الوجوب بل انما يظهر ما كان في امكانه الي اعيانه و هو معني الحركة و هو المراد من الخروج من القوة الي الفعل ان قيل ان القوة و الفعل و الزيادة و النقصان و التحويل و الانتقال شأن الماديات مثل الاجسام و اما المجردات مثل العقول و النفوس و امثالهما فلا اذ ليست لها مادة لتظهر [ص 146] كمالاتها شيئا فشيئا فجميع كمالاتها فعلية قلنا ان المادة لا تخصص لها بالاجسام و الجسمانيات بل كل شئ له مادة و صورة و الا لايتحقق لان الاشياء لا بد لها من اصل و ذات يكون بها بقائها و تحققها و ثبوتها و من صورة و هيئة تكون بها ظهورها و تعينها و المادة و الصورة مساوقة في الوجود الخارجي لايظهر ابدا مادة لا صورة لها و لا صورة لا مادة لها بل هما معا في الوجود بل في التعقل الا ان الهيولي و الصورة متعددة الهيولي الاولي و الصورة الاولية للعقل و الهيولي الثانية للروح و الهيولي الثالثة للنفس و الهيولي الرابعة للطبيعة و الهيولي الخامسة للمادة الجسمانية و الهيولي السادسة للمثال و الهيولي السابعة للجسم و الهيولي الثامنة لمحدد الجهات و الهيولي التاسعة لفلك الكرسي و الهيولي العاشرة لفلك زحل و الهيولي الحاديةعشر لفلك المشتري و الهيولي الثانيةعشر لفلك المريخ و الهيولي الثالثةعشر لفلك الشمس و الهيولي الرابعةعشر لفلك الزهرة و الهيولي الخامسةعشر لفلك عطارد و الهيولي السادسةعشر لفلك القمر و الهيولي السابعةعشر لكرة النار و الهيولي الثامنةعشر لكرة الهواء و الهيولي التاسعةعشر لكرة الماء و الهيولي العشرين للارض ثم اعلم ان الله سبحانه يركب من جزء الارض و جزئي الماء تركيبا ثالثا و يعفنها في بطن الارض فيكون هذا المجموع هيولي و مادة للخشبة الشجرة فهي مركبة من مادة و هي الارض و الماء و من صورة و هي الهيئة المخصوصة ثم يجعل هذه الخشبة مادة لصورة اخري (خ) مثل هيئة السرير او الباب او الصنم و امثال ذلك فالقول بان العقول و النفوس لا مادة لهما ان اريد بانه لا مادة لهما اصلا غلط [ص 147] لما عرفت و في الحقيقة هذا لايحتاج الي برهان و استدلال بل هو عندنا و عند من له ادني مسكة من البديهيات الا من عمي الله عينه لايري ضوء الشمس و ان اريد بانه ليست لها المادة الجسمانية فصحيح لا شك فيه و لا ريب يعتريه بل ليس للنفس ما للعقل من المادة ابدا فاذن يصح لك ان تنفي القوة و الفعل من المجردات علي النحو الذي للجسمانيات و هذا صحيح و نحن نقول به الاتري الاشعة و السراج فان هذه الشدة و الضعف و الزيادة و النقصان التي للاشعة ليست للسراج البتة بل له ايضا لكن علي نحو اشرف و اعلي فمجمل القول ان كمالات ما تحت العقل الكلي و دونه فعلية للعقل و اما كمالاته نفسه فكلها ليست كذلك بل هي متجددة في كل آن و دقيقة و ساعة و كل ذلك من امكانه الذي يعنون به القوة و لذا قال تعالي مخاطبا لنبيه (ص) قل رب زدني علما فان الاستزادة مما كان عنده قبيح و هو تحصيل الحاصل و الاستزادة من الوجوب حرام و كفر لانه لاينزل من الوجوب شئ الي الامكان و لايصعد من الامكان شئ الي الوجوب و كل منها في مكانه و رتبته فيجب ان يستزاد مما يمكن في حقه فان قلت ما قلت سابقا ان الترقي لو لميكن غير متناه يلزم اما تناهي رحمة الحق تعالي و اما وقوفه عن العبادة غير صحيح بل هنا شق ثالث و هو عدم القابلية للازدياد و لايلزم من ذلك تناهي الرحمة و لا وقوفه عن العبادة بل علي ما قال الله تعالي انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها قلنا انحصر الامر في الشقين المذكورين فان الاشياء و امكاناتها ليست متناهية لا اول لها و لا آخر لها ألاتري [ص 148] انك كلما تفرض لك ابتداء تري فوقه في تصورك شيئا (خ) آخر يدلك علي انه ليس ابتدائك و قد قام الاجماع و اتفقت جميع العقول و الآراء من العقول السليمة الا ما شذ من العقول المغيرة بالنكراء و الشيطنة علي ان كلما له اول له آخر و كلما له آخر له اول و كلما ليس له اول ليس له آخر و بالعكس و قد صح عند جميع المسلمين ان الجنة و النار لا نهاية لهما و لا لنعيم الجنة و لا لعذاب النار و لا شك ان الجنة و النار انما يتحققان باهلهما و هو كل الخلق فلا آخر للخلق فلا اول له كيف يتحقق الاولية و الآخرية مع ان الخلق كلها كرة تدور علي قطبها الذي هو فعل الله سبحانه الداير علي نفسه بخلاف التوالي و الكرة لا اول لها و لا آخر كلما تفرض له الاول فله الاول بل هو الآخر و الاولية نفس الآخرية كيف يكون الاول لمن خلق لا في زمان و لا في مكان بل الاولية و الآخرية و الزمان و المكان انما خلقت بالفعل الذي نفسه الامكان و هو ذكر جميع الموجودات فاذا تحقق ان الشئ غير متناه فكلما له لايجوز ان يتحقق بالفعل و الا يلزم وجود الامور الغير المتناهية في الاوقات المتناهية و قد قام البرهان في الكتب الحكمية علي بطلانه فثبت ان بعض الامور الممكنة للاشياء ظهر من الامكان الي الاعيان و بعضها ماظهر يظهر بالتدريج في الاوقات الغير المتناهية و اما ما قلت من عدم القابلية فجوابه ان الله سبحانه قال في محكم كتابه عن لسان الملائكة في الظاهر و لسان الخلق في الباطن و ما منا الا له مقام معلوم و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فكل شئ له حد لايتجاوز عنه فقولنا ان الشئ يترقي كالعقل ليس مرادنا انه يتجاوز [ص 149] من مقامه ( و يصل الي مقام الحروف ● و هو يتجاوز عن مقامه خ ) و يصل الي مقام الكلمة التامة و هي تتجاوز عن مقامها فتصل الي مقام الحروف العاليات و هي تتجاوز عن مقامها فتصل الي مقام الالف و النفس الرحماني و هي تتجاوز عن مقامها فتصل الي مقام النقطة و هي تتجاوز عن مقامها فتصل الي مقام الازلية مقام الوجوب فتنقطع السلسلة او تذهب الي غير النهاية لانه باطل و كفر و زندقة لانه يلزم اما التسلسل او حدوث الوجوب ( الواجب خ ) او قدم العالم و كل ذلك باطل مردود و لايحتاج الي البينة في هذا المقام لان كتب اهل الحكمة و اهل الكلام مشحونة بذلك بل نقول ان الشئ يحصل له الترقي و هو في مكانه و زمانه و وقته و كونه و كمه و كيفه بحيث اذا رأيته حكمت عليه بانه هو و هنا امثلة كثيرة الا ان الفقير اذكر في هذا المقام مثالين منها لتبين الامر و لذا قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولميكف بربك انه علي كل شيء شهيد قال العالم (ع) العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الحديث ، تأمل و تدبر في هذين المثالين ( وفقك الله تعالي خ ) فانهما من ادلة الحكمة التي قال تعالي آمرا لنبيه (ص) ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن .
المثال الاول في السراج و ذلك لان النار لما تجلت و ظهرت بالدهن وجدت الشعلة التي هي السراج الوهاج صلي الله عليه و آله فاوجدت بواسطة السراج الاشعة فهي [ص 150] تختلف و تعدد و تقوي و تضعف بالقرب و البعد و لايمكن ترقي شعاع في مرتبة ( الشعاع من مرتبته خ ) التي قدرها الله سبحانه بالنار بالسراج لها الي مقام شعاع فوقها و لاتكلف الاشعة بهذا ابدا لانه تكليف بما لايطاق و هو باطل نعم اذا اصقلت الارض او وضعت المرآة في الشعاع البعيد عن السراج تري فيها الضياء و النور اشد و اكثر و اقوي بالنسبة الي ما فوقها و ما تحتها من الاشعة التي لمتصقل الارض و لمتوضع المرآة فيها بل تري فيها مثال السراج دون غيرها فكلما صقلت الارض يظهر النور اكثر و اشد و هذا معني السير في مرتبته و مقامه و مثال ( مثاله خ ) الحجرة التي تترقي الي الزجاجة و منها الي البلور و منها الي الالماس سبق انظر و تأمل فيه هل خرج الحجرة من مرتبة الجماد الي مرتبة النبات او هي بعد في مرتبة الجماد لكن انظر حالتها الاولي مع الاخري و هكذا يترقي و هي في مكانها فافهم .
و المثال الثاني في الصناعة الفلسفية فانها مرآت الحكماء فيها جميع ما في الوجود اي الانسان الاكبر و الاصغر اذا عرفتها عرفت جميع الوجود بالمشاهدة العيانية و هو انهم اذا اخذوا الطيور الاربعة التي هي الطاووس و الديك و الحمامة و الغراب فقطعوهن ثم جعلوا علي الجبال العشرة كل جبال ( جبل خ ) جزءا ثم ادعوهن يعني ازالوا ريش الغراب فاخذوا من الحمامة جزئين و من الطاووس و الديك جزءا و من الغراب بعد ازالة ريشه جزءا و مما خرج منهن جزءا ثم اخلطوهن و عفنوهن و طبخوهن و سقوهن ثلث سقيات فاخرجوا ثلثة رهط مفسدة في الارض فاذا يفعل هذا المركب فعل القمر عند ظهوره علي الجوزهر ثم يسقونه بالتساقي الستة الاخر حتي [ص 151] اخرجوا جميع التسعة المفسدة التي لايصلحون فاذا صفوا تلك (خ) الارض و اخلوها من الرذايل و القبايح تترقي و تحيي و تظهر روحها الكامنة فيها فيحيي الاموات فتفعل فعل الشمس في خارج المركز فيفعل الواحد في المائة و هذا تمام الاكسير ثم اذا سقوه يزداد فعله و كلما زاد السقي يزيد فعله الي ان يبلغ الي مقام يكون الواحد علي الف الف و هكذا يترقي عند تزايد السقي فصار اشرف الجمادات و المعادن و اكملها و اتمها و قد سماه الامام علي اميرالمؤمنين صلوات الله عليه و آله باخت النبوة و عصمة المروة و ماصار سبب هذه الشرافة الا كثرة تصفيته و تزكيته حتي بلغ حد الكمال و جلس علي سرير الجلال و الجمال الناس في تمام اعمارهم يطلبونه و جميع اموالهم في طلبه يصرفون قل من اهتدي اليه و شذ من وجده و تسلط عليه الا ان يكون صاحب ( طالب خ ) المعرفة و الراغب في رضي الله سبحانه و الراغب عن الدنيا بتمامها و كمالها و امثاله يجدون اذا كتب الله لهم ذلك و قد يكون عند غيرهم لاجل مصلحة لايناسب الآن ذكرها فليطلب في محالها ، انظر و تدبر وفقك الله يا اخي ان هذه الترقيات التي حصلت لهذا الولد العزيز الصالح الشجاع الكريم المسمي بعبد الواسع و عبد الكريم السخي الجواد الرحيم هل اخرجته عما هو عليه من المرتبة و المقام و اوصلته الي مقام الحيوان و الانسان بل هو علي ما هو عليه من الجماد لكنه اعز و امنع مما سواه تأمل في السقي يا اخي هل يقصر الحكيم اذا كان عنده مياه كثيرة غير متناهية عن سقيه لازدياد مقامه و مرتبته و المفروض ان الحكيم ليس بخيلا و السائل ليس [ص 152] ساكنا و هو دائما يسأل و هو دائما يجيب ام من يجيب المضطر اذا دعاه و يكشف السوء عمن ناجاه و اما ما قلت من ان البخل ليس من جهة المبدأ و ليست رحمته و فضله و كرمه متناهية بل هو المعطي علي قدر القابلية و لقد اكمل للعقل جميع كمالاته بحيث لايقبل ازيد من ذلك فجوابه ما قلنا سابقا من ان الشئ اذا كانت امكاناته غير متناهية لايمكن ان يتحقق و يوجد (خ) في الاعيان في الازمنة المتناهية فهو بعد في الترقي علي انا نقول ان القابلية تزيد في كل آن بسبب الطاعة و العبادة و تسبيح الحق و تقديسه و تخلية القلب له فلايتجدد له الكمال الا اذا زادت القابلية باذن الله و لاتزيد القابلية الا في محلها و مكانها (خ) كما عرفت في المثالين المذكورين كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ه ، و للحقير الفقير المعترف بالقصور و التقصير في كيفية ازدياد القابلية و نقصها كلام كتبته جوابا لبعض الاخوان ايده الله و وفقه بفنون (خ) توفيقاته لما عظم عليه ذلك قال انه يلزم الجبر و الخلق علي خلاف مقتضي القابلية و اراد من الفقير ان اكتب له شيئا في ذلك فكتبت هذا :
اعلم ان الله وحده و لا قديم سواه و لا مؤثر غيره و كل شئ باطل مضمحل عند جلالته و عظمته فلما افاض الوجود دفعة واحدة لقوله الحق و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر خرجت كل حصة منه علي ما هي عليه من الحدود و الهيئات المعنوية ثم كلفهم بعد ما كلفوه ان يكلفهم بقوله ألست بربكم فاجابوه بمعني انه خرجت الحصص المعنوية المتمايزة علي ما كانت عليه تمايزا صوريا فالقابلية عبارة عن الصورة التي هي عبارة [ص 153] عن الحدود و الهيئات المعنوية و هي الهيكلان هيكل التوحيد و الانسانية و هيكل الشرك و الشيطانية فهذه هي التي اعطاها الله تعالي العبد لما سأله حين سأله فلما سأله الهيكل التوحيد الذي هو الصورة الانسانية اعطاها الله سبحانه اياه و هو قوله تعالي أفمن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس و لما سأله الهيكل الشيطانية اعطاها الله تعالي اياه بطلبه و هو قوله تعالي بل طبع الله عليهم بكفرهم فلايؤمنون الا قليلا فكان الخلق علي قسمين و هو قوله تعالي هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن فالقابلية في الانسان الطائع هي الهيكل التوحيد الذي هو الايمان و القابلية في العاصي المنافق هي الهيكل الشيطانية التي هي الكفر و الفسوق و العصيان و الايمان قابل لجميع الخيرات الممكنة في حق المؤمن لا مطلقا تظهر فيه علي قدر تصفية القلب و تزكيته لان مراتب الايمان و المؤمنين متفاوتة منهم علي الدرجة العليا و الرتبة القصوي في القرب و هم يقبلون المدد و الفيض بلا غاية و لا نهاية ازلا و ابدا دهرا و سرمدا و هو البحر الذي لا ساحل له و هم المتبوعون و منهم علي الدرجة التي هي تحتها و هؤلاء يقبلون الفيض و المدد من الله سبحانه بما لايتناهي في المرتبة التابعية و لايساوون المرتبة العليا الاولي قط و الا لكانوا هم هذا خلف و منهم من هو تحتها و هم ايضا قابلون الخير بما لايتناهي لكنه ( لكنهم خ ) في رتبتهم و مقامهم و مثاله السرمد و الدهر و الزمان كل منها لايتناهي لكنه في مرتبته فان الله سبحانه اذا علم الاقبال من العبد اليه تعالي بطبيعته و ذاته و حقيقته يقبل اليه من اقبل الي الله شبرا يقبل الله اليه ذراعا [ص 154] و اعلم انك للداعين بموضع اجابة و للملهوفين بمرصد اغاثة فيزداد نورا ( و شبابا و جدة خ ) و فضلا منه تعالي لان قابليته في المرتبة الاولي كانت اقل مما هي في الثانية و لو قلنا ان القابلية ماتتفاوت التي هي في المرتبة الاولي هي التي في المراتب الاخر يلزم ان لايكون للشخص مراتب و منازل و ترقيات ضرورة ان النور من الله سبحانه يشرق علي القابليات كما هو عليها فلو كانت متساوية لكانت متساوية هذا خلف فيزيد ( فتزيد خ ) البتة و هذه الزيادة ليست مما فوقها بل تزداد في رتبة الي غير النهاية و هذا ليس بجبر و لا الخلق علي خلاف مقتضي القابلية لان الايمان هو يقتضي جميع الخيرات الممكنة في حق المؤمن لكن الاقتضاءات متفاوتة غير متناهية فالله سبحانه يخلق الاقتضاءات حسب بدء شأنه الغيبي الاولي الذكر الاول الذي قال تعالي بل اتيناهم بذكرهم و هم عن ذكرهم معرضون و يترتب علي تلك الاقتضاءات مقتضياتها و هو قوله تعالي في الحديث القدسي ان سألني اعطيته و ان سكت عني ابتدأته و المراد بالسؤال هو السؤال الاستعدادي و المراد من السكوت السكوت كذلك فاذا سكت بالاستعداد الظاهري يجعله الله سبحانه سائلا و يعطي العطية حسب استعداده الذاتي و القابلية الكلية الاولية و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم و قس علي ما ذكرنا من حال الايمان و المؤمن حال الكفر و الكافر فان الكفر قابل لجميع الشرور لانه عبارة عنها فهو مدبر ابدا لايقبل قط بمقتضي ذاته فلايصلح للاقبال اليه لمكان التناقض فهو الظلمة و الظلماني و الله سبحانه يمده من جنسه من جهة امكانه و فقره [ص 155] اليه و لو لميمده يفني وجوده فيغيب الايمان و الطاعة و النور و يعود الي مركزه و يعبد الله تعالي فيما لايتناهي و هذا يستلزم بطلان الايجاد و التكليف و لو امده من النور تفني الظلمة ايضا و كذا اذا امد النور من الظلمة يذهب النور للمناكرة الحاصلة بينهما فيجب ان يمد كل شئ ما يسأله من جنس ما يطلبه من مبدئه و لذا قال تعالي قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتي اذا رأوا ما يوعدون اما العذاب و اما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا و اضعف جندا هذا في مدد الكفار و المنافقين و قد ظهر من سياق العبارة ان مددهم من الامور العدمية المجتثة التي لا اصل لها و يعبرون عنه بالخذلان و الطرد و قال تعالي في حق المؤمنين بعد هذه الآية و كيفية امدادهم بالمدد الوجودي النوري قال تعالي و يزيد الله الذين اهتدوا هدي و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير مردا و قال تعالي ايضا ( في سورة الشوري خ ) في مدد الطرفين و الملائكة يسبحون بحمد ربهم و يستغفرون لمن في الارض الا ان الله هو الغفور الرحيم و الذين اتخذوا من دونه اولياء الله حفيظ عليهم و ما انت عليهم بوكيل و لهذا المطلب في القرآن شواهد لاتحصي اذا اردت الاطلاع انظر اليه و اقرأه بالتدبر و النظر ( التفكر خ ) ليحصل لك المطلوب و الله خير موفق و اذا اردت ان تعرف المثال الذي خلقه الله سبحانه في هذا المطلب لاولي الالباب الذين هم اولوا الافئدة اصحاب دليل الحكمة فانظر في السراج فان السراج قبل ان يشعل ماكان شعاعا و لا ظلا فلما اشعلت السراج يظهر النور و [ص 156] الظلمة دفعة واحدة و لا شك ان الظلمة التي هي عبارة عن الظل في هذا المقام و النور الذي هو الشعاع انما وجدا بالسراج اما الاشعة فانما وجدت به بالاصالة و هي منسوبة الي السراج و هي الشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء و اما الاظلة فانما وجدت بتبعية النور من حيث هو نور لا من حيث هو اثر للسراج ففاعل الظل انما هو السراج لكن بواسطة نفس النور فهو الناظر الي نفس النور لا الي السراج فهي الشجرة الملعونة الخبيثة المجتثة التي هي ( من خ ) فوق الارض ما لها من قرار فالنور انما ينظر الي السراج فالناظر الي مس النار الناظر الي النار فله اصل ثابت و الظل انما هو ناظر الي النور نفسه لا من حيث كونه اثر السراج فهو باطل و منقطع ليس له اصل ثابت اذ لاينظر الي فاعله و مؤثره و موجده الذي جميع اموره ترجع اليه فهو الساجد للشمس من دون الله و بالجملة ان الظل و النور وجودهما بيد السراج فاذا اخذ السراج يبطل الكل و لا شك انهما لايبقيان الا بمدد السراج و افاضة الفيض عليهما و لا شك ان السراج لو لميكن يمد كلا منهما من مبدئه لبطلا و فسدا مثلا اذا امد النور بالظلمة لبطل النور و كذا بالعكس فيمد كلا منهما من جنس ما يطلبه فيمد الاشعة بالنور و الضياء و يمد الاظلة بالظلمة السوداء و هو معني قوله تعالي من كان يريد العاجلة الي ان قال تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا مضيفا الي ما سبق من الآيتين المذكورتين الحاصل ان الله سبحانه هو الجواد الكريم لاييئس احدا مما طلبه و سئل منه و الا لماكان حكيما تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا فيعطي [ص 157] كل ذي حق حقه من الرحمة الواسعة رحمة العدل التي وسعت كل شئ و هو قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شئ بتجلي اسمه الرحمن فافهم .
فظهر لك من هذا الكلام علي سبيل الاجمال ان القابلية تزيد و تنقص ألاتري ان الشخص يترقي و يبلغ في العلم او في شئ آخر الي ما لميبلغ اليه احد من امثاله و اقرانه بعد ما كان جاهلا بليدا فلو كانت القابلية التي في المرتبة الثانية في المرتبة الاولي يلزم ان يكون المعطي جل شأنه بخيلا تعالي عن ذلك لان الحق تعالي هو الذي يعطي العلم و المعرفة و البصيرة في الامور علي سبيل العموم و الاطلاق و لا شك انه تعالي انما يعطي بقدر القابلية فلو كانت هذه القابلية الثانية حاصلة للشخص و مع ذلك منعه الله سبحانه ما يناسب قابليته و استعداده كان بخيلا و هو محال علي الحق سبحانه و تعالي فثبت انها ماكانت حاصلة فازدادت بما ذكرنا لك سابقا و قد يكون الشخص عالما فاضلا في كمال الدقة لكن بعد مدة بالاسباب التي لايسعني الآن بيانه صار بعكس ما كان و ليس هذا الا من جهة نقصان قابليته فاذا صح هذا المطلب نقول لا شك في عدم تناهي فيوضات الحق سبحانه و لا شك ايضا في عدم وقوف العقل عن العبادة و الطاعة بل العقل لاينظر الي نفسه ابدا و انما نظره الي الحق سبحانه و لايري لنفسه انية و لا اعتبار و لا تحقق كيف و قد اضمحلت ماهيته و احترقت انيته كما في الحديث المذكور في كتاب البحار و امثاله من الكتب و ذكرنا شرحه في كثير من رسائلنا سيما في شرحنا علي الفوائد و علي [ص 158] شرح الزيارة كيف و العقل لايلتذ بطعام و لا شراب و لا رياسة و لا سلطنة و لا نكاح و لا صورة حسنة و لا شئ مما يتعلق بعوالم الصورية ابدا و انما التذاذه بالله و ذكره و عبادته و مراقبته و الخلوة معه و مناجاته اذا اردت ان تعرف صدق ما ذكرنا انظر في الذين غلبت عليهم جهتهم العقلية هل يلتفتون الي هذا العالم الجسماني الشهواني ابدا بل هم ابدا في الدعاء و المناجاة و الذكر و الفكر كالمؤمنين الممتحنين و كالانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و قد روي في الحديث ان الجنة التي بازاء العقل و هي جنة عدن ليست مكان كل احد بل فيها اناس مخصوصون لايلتذون بالطعام و الشراب و النكاح و الحور و الغلمان و انما التذاذهم بالمشاهدة و المراقبة فاذا كان امر هؤلاء كذلك فما ظنك بالعقل الكلي اول الموجودات و اقربها الي المبدأ و اشرفها و اعظمها شأنا و ارفعها مكانا و اقدمها رتبة و امنعها منزلة به وجدت الاشياء و منه استمدت و اليه عادت فهو لايري لنفسه الوجود و لايجد لها الشهود و لايشاهد سوي المعبود فكيف يقف عن العبادة و الذكر و التسبيح و الركوع و السجود و قد صح ان كلما قرب الي المبدأ معرفته بربه اكثر و كل ما كان معرفته اكثر طاعته اعظم و لذا تري المؤمنين العارفين اكثر عبادة من غيرهم و ابناء جنسهم و الانبياء و المرسلين اعظم طاعة و اكثر عبادة من المؤمنين الممتحنين و العلماء العارفين و نبينا صلي الله عليه و آله اكثر عبادة من كلهم و جميعهم ما من احد من الخلق علي سبيل العموم يصل عبادة سيدنا و مولانا خاتم النبيين صلي الله عليه و آله و العقل اقرب الموجودات الي [ص 159] المبدأ فكيف يقف عن العبادة و الطاعة فهو في كل آن في الترقي و الازدياد ابد الآبدين الي غير النهاية لا غاية لهذا و لا نهاية و هنا كلام آخر يؤدي الي هذا المطلب من جهة الكروية و سرعة الحركة و بطئه تركنا ذكره للتطويل .
فان قلت فاذا كانت الاشياء غير متناهية لا اول لها و لا آخر يلزم ان تكون قديمة و ليست بحادثة اذ ليس شأن الحادث الا النهاية و الازلية و الابدية انما هو شأن القديم تعالي شأنه و قدم العالم عندك باطل قلنا ان اللاتناهي انما كان ( يكون خ ) قديما اذا لميكن فوقه شئ فهو القبل و قبل القبل و البعد و بعد البعد و لانقول هذا و انما نقول ان اللاتناهي الذي ادعينا انما هو في الرتبة الثانية رتبة المعلولية و هو رتبة الحدوث و الله سبحانه فوق ما لايتناهي و هو سبحانه و تعالي قبل القبل و بعد البعد قبليته نفس بعديته و بعديته نفس قبليته اوليته نفس آخريته و ظهوره نفس بطونه تعالي شأنه و تقدس و ليس كلما لايتناهي بقديم مطلقا هذا العدد و مراتبه غير متناهية من جهة الاول و الآخر و ليس بقديم و كذا الزمان غير متناه و ليس بقديم و لايلزم من عدم تناهي الشئ قدمه و وجوبه مع ان المتكلمين صرحوا في كتبهم كما هو معتقدهم ان مقدورات الله سبحانه و تعالي غير متناهية و لايقولون بقدمها لمكان عدم المنافاة و لايقال الله سبحانه و تعالي غير متناه اذ لايوصف الحق تعالي بصفة التناهي و عدم التناهي اذ لايجوز ان يقال انه تعالي قبل خلقه و ايجاده بامور متناهية و لا بالغير المتناهية اذ [ص 160] الصورة الاولي تستلزم اتصال الحادث بالقديم و هو يستلزم المشابهة ضرورة وجوب تناسب المتصلين في الملتقي و الا فلايصح الاتصال هذا خلف و الصورة الثانية تستلزم عدم الكون مطلقا لان كل وقت تفرض الانتهاء فله انتهاء الي غير النهاية فلايقف علي حد يستلزم وجود الكون الحاصل انه يجب علينا ان ننزه الحق سبحانه عن كل الصفات الامكانية علي سبيل العموم و الاستغراق لان الصفات من مقتضيات الذوات علي ما نعرف و لايقتضي الناقص الا الناقص مثله فلايجوز اتصاف احد المتباينين بصفات الآخر كما لايخفي علي اولي النهي فثبت ان القول بان عدم تناهي الموجودات و الممكنات يستلزم القول بقدم العالم باطل نعم نقول بقدم العالم كما قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته في وصف الرسول (ص) استخلصه في القدم علي ساير الامم و قال الله تعالي حتي عاد كالعرجون القديم و هذا القدم لاينافي الحدوث بوجه ابدا و بعض الناس فهموا انه ينافي الحدوث (خ) حكموا بكفر القائلين بهذا القول و ماعرفوا انه قول الله و رسوله و اهل الله ( بيته خ ) صلوات الله عليهم و سيأتي الكلام في هذا ان شاء الله تعالي في خلال الكلام و القائل بصحة انقطاع فيض (خ) الحق تعالي عن الحق انما يخبر عن نفسه التي قطع عنها الفيض الوجودي النوري يعني لايقبل لعدم القابلية لا انه انقطع عنه الفيض بل لايقبل الفيض الاولي و انما يقبل الفيض الثانوي الذي من ظل الاولي فالمسكين صادق في انكاره مثل الظلمة اذا انكرت النور لكن لسان حالها يشهد بوجودها و كذلك الجدار اذا انكر النور الذي في المرآة الذي هو مثال السراج و الشمس الملقي في [ص 161] هويتها لكن لايمكن ان يقال ان فيض الشمس و السراج انقطع عن الجدار و ماانقطع عن المرآة بل فيضهما واحد و نورهما واحد و الا فالالسنة الحالية للموجودات من المنكرين و المقرين كلها شاهدة بان الله سبحانه كل يوم هو في شأن من ايام الشأن لا الايام المعروفة و انهم في لبس من خلق جديد لكن بعضها يوافقها الالسن المقالية و بعضها لايوافقها اذ لايلزم التوافق بين اللسانين الحالي و المقالي فثبت بالبراهين القاطعة و الدلايل الواضحة المأخوذة عن العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ان العقل الكلي و النور المحمدي صلي الله عليه و آله في كل حين في الترقي و الازدياد بما ليس له زوال و لا نفاد و كذا العقول الجزئية التي هي اشعة انوار العقل الكلي اذ كلما في المنير يكون في النور بالتبعية و لذا قال عليه السلام في الدعاء لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك اه . و قد خرجنا عن المقام فلنرجع الي ما كنا فيه فنقول ان دون مرتبة العقل الكلي السراج الوهاج الذي هو معدن المعاني المجردة عن الصور النفسية و الجسمية و عن المدة الملكوتية الدهرية و المثالية و الزمانية بجميع مراتبها و اقسامها علي ما ذكرنا سابقا مرتبة الروح الكلي النور الاصفر الركن الاسفل الايمن من العرش و هو البرزخ الكلي في الوجود المقيد اي الرقيقة اول التميز و التعين اعلاه اسفل اعلي الدهر و اسفله اعلي الدهر و الملكوت ( اول التميز و التعين من دون التميز و التعين اعلاه اسفل عالم الدهر و اسفله اعلي عالم الزمان خ ) و هو علي شكل ورق الآس علي هذه الصورة
و صورته في الحروف نحو كتابة الباء في بسم الله [ص 162] الرحمن الرحيم علي هذا النهج
و هو اول تعين العقل اي تنزله عن مقامه و اول امتثاله لقوله تعالي ادبر و ( او خ ) اقبل علي اختلاف الروايتين فحيوته بتنزل العقل الكلي في هذه المرتبة و ظهوره فيها و انبعاث ( الارواح خ ) الجزئية منه انبعاث الشعاع من المنير و موته بغيبوبته في المقامات السفلية و عدم ظهور آثاره فيها بجميع المراتب فاطلاق الحيوة علي هذا الموجود الشريف ثاني غصن نبت من شجرة الخلد الحي بالذات و العرض علي الحقيقة لكن تحت تلك الحقيقة الكلية الاولية اي اول غصن ( اخذ خ ) من شجرة الخلد يعني ان هذا اللفظ انما وضعه الواضع عند وجود تلك الحقيقة المقدسة بازائها فلما وجدت بعدها هذه الحقيقة بالاولي استحق لهذا الاسم ليس اشتراكا معنويا ( و ليس هنا اشتراك معنوي خ ) لعدم الحقيقة الواحدة الجامعة بدليل التقدم و التأخر نعم لك ان تقول بالاشتراك المعنوي اذا لاحظت الحيوة الاولية السارية في جميع الحيوانات علي الاطلاق من اول العقل الي الثري و هي احد جزئي العقل الحيوة الاولية التي تحت الحيوة الاولية علي ما حررنا ثم دون تلك المرتبة مرتبة النفس الكلية و هي اول التصور و التعين المتمايزة المعلومة المتحققة الذر الثاني او الثالث اذ الاول مقام السعادة و الشقاوة و لها مرتبتان مرتبة التمام و التحقق و مرتبة الكمال و التذوت فالاولي علي اربع مراتب مختلفة متعددة بالذات و الحقيقة و هي النفس النباتية و الحيوانية و الانسانية و الملكوتية الالهية و كل منها لها حيوة و ممات مذكورة في حديث الاعرابي و كميل كما ذكرنا في شرحنا علي الفوائد [ص 163] و الثانية علي سبع مراتب و هي الامارة و اللوامة و الملهمة و المطمئنة و الراضية و المرضية و الكاملة و هذه المراتب تختلف بالكمال و النقصان و الشدة و الضعف و النورانية و الظلمانية و الشرافة و الكثافة كما ذكرنا في شرحنا علي شرح الزيارة الجامعة فالنفس الامارة ميتة فاذا ماتت حييت فحيوتها في موتها و موتها في حيوتها و اللوامة فيها بعض الحركة مثل البرازخ التي بين الحيوانات و النباتات الغالبة عليهم جهة الحيوانية لكن فيها من الاوصاف النباتية كما هو المعلوم من ملاحظة احوال بعض الحيوانات اي البهائم و الملهمة فيها الحيوة التامة الحيوانية الفلكية و تمام مرتبة القابليات قوي اللام و ثلثون ليلة لميقات موسي و المطمئنة هي تمام ميقات موسي اربعون ليلة و فيها الحيوة الانسانية القدسية اول مقامها مقام مارأيت شيئا الا و رأيت الله بعده و ثاني مقامها مقام مارأيت شيئا الا و رأيت الله معه و ثالثها ( و ثالث مقامها خ ) مقام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله فاذا استقرت في هذا المقام تكون لائقة لخطاب اقبل الذي هو المعراج المشار اليه بقوله ارجعي الي ربك راضية مرضية فلما رضيت عن الله تعالي و مارأت لنفسها تحققا و انية و فارقت الاضداد بتكرير التعفين و التقطير رضي الله تعالي عنها (خ) فتكمل مشاركتها في السبع ( للسبع خ ) الشداد فحيوة المراتب الثلثة الاخيرة بنور الصرف المشار اليه بقوله تعالي أفمن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس و المرتبة الاولي حيوتها بظلمة ( بالظلمة خ ) الصرفة المشار اليها بقوله تعالي كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها لانها مقام ملاحظة الكثرة المحضة و هي الظلمة لكون طبعها [ص 164] البرودة و اليبوسة طبع الموت و الهلاك و الفناء و العدم و المراتب الثلثة الباقية فحيوتها بالنور المختلط بالظلمة و الا كانت المراتب اربعة الا ان في المرتبة الاولي الظلمة اكثر من النور لقربها الي المخروط الظلماني و المرتبة الثالثة نورها اكثر من الظلمة لقربها الي المخروط النوراني و المتوسط متوسط كما لايخفي لكن ليس هذه المراتب متعددة بالذات و الحقيقة كما في المراتب الاولية المذكورة الاربعة بل هي واحدة لها ترقيات و تنزلات فبكل ترقي و تنزل تستحق لاسم يناسب ذلك الترقي او التنزل مثالها الشجرة الطورية في تنزلها الي مقام الجماد الذي هو ادني المقامات و اسفل الدرجات و ترقيها الي مقام المعدن و منه الي النبات و منه الي الحيوان و منه الي الانسان و منه الي الكمال الذاتي (خ) الحقيقي و هي شجرة واحدة بعينها كما لايخفي فاذا عرفت حيوة تلك المراتب تعرف موتها بمقابلاتها و اضدادها و سيجيء البحث في الموت و كيفية تحققه و تذوته و كيفية ايجاده و صدوره من المبدأ و كيفية حيوته و موته و ذبحه بصورة كبش املح بين الجنة و النار علي اتم تفصيل ان شاء الله تعالي ثم دون تلك المرتبة مرتبة الطبيعة الكلية النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة و هي الطين الذي رجعت الارواح السعيدة و الشقية اليه و اول موت الانوار المجردة عن المادة المثالية و الجسمية فحيوتها بتنزل العقل النور الصوري النفسي اليها و خفاؤه فيها فاطلاق الحيوة عليها ايضا علي سبيل الحقيقة بعد الحقيقة كما دريت في المراتب الفوقية ، ثم دون تلك [ص 165] المرتبة مرتبة المادة الجسمانية و حيوتها علي قسمين حيوة في مرتبة ذاتها و حقيقتها مع قطع النظر عن تنزلها الي مقام و رتبة و ظهورها في مظهر و بروزها في موضع و حيوة بالنسبة الي ظهورها و بروزها في عالم الاجسام و ترتيب الآثار و الاحكام عليها فموت المرتبة الثانية لاينافي حيوة المرتبة الاولي بلا عكس فحيوة المرتبة الاولي لاتقتضي الحيوة في الثانية ( حيوة المرتبة الثانية خ ) لان ظهور الشئ ليس من مقتضيات ذاته كما لايخفي اما حيوتها (خ) الاولية فهي بجزئيها اللذين هما عبارة عن النور المجرد الناشي عن فعل الله تعالي القائم بامره النازل الي هذه المرتبة بتوسط الطبيعة المتحدد بحد الابهام و المتعين بتعين الشمول في الاجسام و المتشخص بتشخص الصلوح للنقش و الارتسام و هي من عالم الغيب و هو تحققها في ذاتها فموتها باختلال احد الاجزاء و اما حيوتها الثانوية فهي بانضمامها بالصورة و المثال و تنزلها اليها فلاتظهر المادة الا بالصورة و المراد بالمادة المادة الجسمانية و بالصورة الصورة كذلك و ليس المراد بهما المادة المطلقة و الصورة المطلقة كما ذكرنا سابقا فموت هذه المرتبة من هذه الحيثية بالافتراق بينهما قال و نعم ما قال :