و اما الاذن فاعلم ان من شروط الايمان الاقرار باذن الله فانه لايكون شئ في ملك الله الا باذنه و يشهد بذلك الاخبار و الاذن من مراتب المشية السبعة كما قال عليه السلام ان من شئ الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب انتهي ، اما المشية فهي الذكر الاول للاشياء و الارادة هي العزيمة علي ما يشاء و القدر هو الهندسة الايجادية و القضاء هو الابرام و اما الاذن فهو رفع المانع و تهيئة الاسباب فكأنه المعد للشئ و اما الاجل فهو تعيين المدة و الكتاب ما يقدر له من احواله و افعاله و ما يرد عليه في مدة عمره و بعده في البرزخ و القيامة و هي اي السبعة في الخارج واحدة و في التعبير متعددة لا ان التعبير علي خلاف الواقع الخارج بل المشية بعد ما ظهرت في الاسباب تظهر بهذه المراتب السبع التي ذكرنا .
و امثل لك مثالا لمعرفة ذلك فاقول ان ارادتك تتعلق بصنعة سرير من خشب فاول ما يصدر منك ارادة مطلقة لاتخص شيئا دون شئ و هي محض المشية و هي بالفارسية « خواستن » فانت تشاء مطلقا [ص 99] و بهذه المشية المطلقة تفعل ما تريد لا غير لكنها تظهر في المراتب و الاسباب و العلل و المواد حتي يوجد الشئ فاول تجلي مشيتك بعزيمة علي صنع ما تريد اي تعزم علي صنع السرير و هي اي العزيمة نفس المشية الظاهرة في مرتبة دون المرتبة الاولي و تخصص بقدر انك تريد شيئا خاصا و نعبر عنها في هذه المرتبة بالارادة و بعد ما اردت صنعة السرير تأخذ الخشب و تقطعه بالمنشار و تصنع الواحا و مسامير و عضادات و عمد و جميع ذلك بظهور مشيتك و فعلك في هذه الاسباب و المواد و تعبر عن ذلك ايضا عند الاجمال بالمشية و عند التفصيل انها القدر اي تقدير الاشياء و هندستها لايجاد السرير و اذا شددت الاجزاء و اوصلت القطعات تسمي بالقضاء اي قضي الامر و صيغ السرير و هو الابرام و في جميع المراتب الثلث يحتمل البداء لك لعدم الابرام فانك اذا شئت او عزمت علي صنع سرير تتمكن من تركه و كذلك اذا صنعت الالواح و لمتوصلها و لمتشدها تتمكن من تغيير ذلك و صنع شئ آخر غير السرير و اما اذا قضي الامر و صنع السرير لايكاد يتغير فانه قد تم نعم يمكن تغييره بمعني تجزيته و صنع شئ آخر و ذلك بعد اتمام السرير ففي حصوله لا بداء و لكن حصل البداء في ابقائه و ذلك في الخلق الاماتة و الاهلاك لا البداء في اصل خلقته فافهم و اما الاذن في مثلنا فهو رفع موانع حصول السرير فانك اذا جمعت جميع الاسباب و لمترفع المانع او شئت و لمتجمع الاسباب لماكان يحصل السرير [ص 100] ابدا ابدا فلا بد من الاذن بل الاذن لا بد منه في كل مرتبة فهو مع الارادة و القدر و القضاء جميعا و اما الاجل فهو في كيفية صنع السرير فان الصانع ربما يهيئ الاسباب بحيث لايبقي السرير الا يوما او يومين او ثلثة او اكثر او ازيد و اما الكتاب فهو ما تعين لسريرك اينما يوضع كيفما يوضع من يجلس عليه و امثال ذلك .
و اذا عرفت هذا المثال المطابق للواقع من بعض الجهات فاعلم ان المشية واحدة و في المراتب الفعلية المتعلقة بصنع الاشياء تسمي باسماء مختلفة و يشهد بذلك صريح الحديث ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان النبي (ص) لايدعو الي الله الا باذنه و دعوته و ان كانت بالسّبعة الا ان في ذكر الاذن خصوصية و هي ان الله سبحانه بعد ما بعث النبي جرت مشيته و ارادته و قدره و قضاؤه بالدعوة و الاجل و الكتاب ايضا معه من يوم اول و لكنه عليه السلام يدعو كل يوم كل احد باذن مخصوص من ربه اما المشية فهي مطلقة و قد تعلقت و هكذا الارادة و هكذا القدر و هكذا القضاء و لكن دعوة كل احد باذن مخصوص فاذا اذن ربه بدعوة زيد يدعوه و الا فلا و يدعو ايضا كيفما اذن الله لا كيفما اتفق و لهذا اجابهم حين شاؤا تغيير القرآن و قالوا ائتِ بقرآن غير هذا او بدله قال باذن ربه قل مايكون لي ان ابدله من تلقاء نفسي اني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم فجميع دعوته باذن ربه و كذلك دعاؤه لامته باذن ربه و شفاعته [ص 101] باذن ربه نعم اذن له في الشفاعة في الملأ الاعلي مطلقا فيشفع لمن يشاء و لايشاء الا ما شاء الله و اما ساير الانبياء فيستأذنون يوما فيوما لشفاعة كل احد من المذنبين و بالجملة هذا هو المعني الظاهر فحاصل المعني انه يدعو الي الله باذن الله حيث قال في كتابه ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فهو يدعو الي ربه بالحكمة اي العرفان و التوحيد و الموعظة اي ما يتعلق بالعمل و العلم او العمل خاصة و المجادلة اي ما يتعلق بالظواهر او المراد من الحكمة الحقيقة و الموعظة الطريقة و المجادلة الشريعة ، هذا في التأويل و اما في الظاهر فالمراد منها الادلة الثلثة الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة و قد شرحها مشايخنا اعلي اللهُ مقامَهم في كتبهم و لا حاجة الي شرحها في هذه العجالة .
و اما حقيقة المسألة فاعلم ان الله سبحانه خلق محمدا و آلمحمد صلوات الله عليهم و جعلهم محال مشيته و اماكن ارادته و وكر قضائه و قدره و ذلك قوله عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد و في الدعاء عن الحسين عليه السلام جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك الدعاء ، فهو صلي الله عليه و آله محل اذن الله اي ظهر اذنه فيه فهو كلما يتحرك يتحرك باذنه و هو روح النبي في الواقع يسدده و يؤيده في كل حين فلايفعل شيئا كائنا ما كان بالغا ما بلغ الا باذن [ص 102] الله سبحانه سواءا كان من افعال العبودية او الربوبية كالمعجزات و غيرها و هذا معني تسديد الله لهم عند العارف بشانهم و العجب ثم العجب من جماعة يزعمون فعل الله سبحانه بمعزل عنهم و اياهم بمعزل عن فعل الله سبحانه و ينكرون علي من عد لهم فضايل في افعالهم لانهم يزعمون ان لهم فعلا بازاء فعل الله فيفعل الله و يفعل علي عليه السلام و يستشكلون ذلك و لكنهم اذا عرفوا الحق الحقيق بالتحقيق و اطلعوا علي السر الدقيق و علموا ان الله جل و عز اظهر فعله عنهم علموا انه الفاعل لا غير نعم هم قمص النور و مرآة الظهور و معرفة ذلك سهل للعارف الخبير و الناظر البصير فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد و بيّنت لك يا هذا من فضلهم ما هو في كل يوم جديد ان تدبرت في مطاوي كلماتي بفكر سديد و اذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك عرفت ان الرسول عليه و آله صلوات الله يدعو الي الله باذنه و اذنه في كل آن جديد يعني ان الاذن معه بقول سديد فان دعا اذن الله بدعوته و ان سكت اسكته الله برأفته و الله سبحانه هو الداعي الي سبيله لان الفعل من الفاعل و ذلك مسلم لوضوح دليله و لذلك نفي الله عنه الفعل في كتابه الكريم فقال انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء بل سلب عنه الفعل المتعلق بالمخلوق كما تري في قوله و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي بل نفي عنه الحيوة الظاهرية و الناس لايعرفون و قال انك ميت و انهم ميتون و المفسرون من قوله ذلك يزعمون انه اراد انك [ص 103] تموت و هم يموتون مع ان اللفظ يدل علي الحال لا ما يأولون فالمعني بنظر انك في حال حيوتك ميت هالك فوجودك لربك و هو المالك فاصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول و لاتكن كالذين اكتفوا بالمنطق و الاصول و العلم القشري المعمول فالنبي صلي الله عليه و آله حيوته لربه و بقاؤه بوحي من عنده كما انه علمه من ربه و كل ما له من عنده و لاتعجب من قولي ان حيوته من ربه اذ قال في كتابه و اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لا شك ان حيوة الشخص بروحه بلا اشكال عند اهل البيان سيما بعد اكمال التبيان باشرف برهان فروحه من امره و كل فعل الانسان من روحه فالكل من امره فالكل من عنده و لذا صار النبي و آله كلهم عند الله و ذلك قوله تعالي ان الذين عند ربك لايستكبرون عن عبادته و يكفي هذا القدر من البيان في شرح الداعي انشاء الله .
و اما السراج المنير فهو ايضا مأخوذ من الآية الكريمة و السراج في الظاهر يستعمل في المعني المعروف و بمعني الشمس و يحتمل كلا المعنيين و هما صحيحان و يستعمل ايضا بمعني حسن الوجه و لعله من باب التشبيه و علي المعنيين الاولين يراد انه سراج وهاج اشرق في جميع عالم الامكان بنوره فلميبق ذرة من ذرات الوجود الا و تشعشع من نوره و لاح بظهوره و ذلك في مراتب بمعاني كثيرة .
اما المعني الظاهر القشري الذي ينتفع منه جميع الناس فان النبي صلي الله عليه و آله قد بعث علي حين الهي الناس [ص 104] الشيطان الرجيم عن عبادة رب العالمين فقوم بقوا علي اليهودية من زمن موسي عليه السلام مع انه لميكن بينهم كتاب من الله الا ما كتبوه بايديهم و قالوا هذا من عند الله و لا عالم بالحق حافظ لشرعهم لان الله سبحانه جعل الحق مع عيسي و اتباعه و اخرجهم عن سبيل الهدي الي الضلالة و قوم نسبوا انفسهم الي عيسي مع ارتفاع كتابه و غيبة شخصه و غلبة الجهال و دول الضلال و اختفاء الرهبان و قلة عبادة الرحمن و سلطان الشيطان و قوم كانوا يعبدون الاصنام و يشركون بالله سبحانه ما كانوا يخلقونه بايديهم و قوم كانوا يعبدون النيران و ينسبون انفسهم الي زراهشت و كانوا يقولون انه نبي الله مع انه لميكن في ايديهم منه شرع و لا كتاب و قوم كانوا اتباع كل ناعق يهيمون مع كل هيم لميقطعوا علي شئ و قوم لميكونوا بصدد الدين و لميكونوا يعرفون شيئا ففي زمان هكذا بعث صلي الله عليه و آله و اقام دين الله و اظهر شرعه و دعا الي الاسلام فابطل ظلمة الشيطان حتي زهق امره فصاروا علماء بعد جهلهم موحدين بعد شركهم عابدين بعد طغيانهم مسلمين بعد كفرهم اقوياء بعد ضعفهم ، لاتقل انه اقر بعضهم و الباقون منكرون فكيف تقول ان جميعهم صاروا هكذا اما اولا فنقول ان منظور الحكيم من تربية الملك تربية الاناسي لا الحيوانات و الناس هم المقرون المسلمون و اما غيرهم فان هم الا كالانعام بل هم اضل كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة او كأنهم اعجاز نخل خاوية و كأنهم خشب مسندة [ص 105] يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون او هم كالجماد كما قال ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة و تري ان الله وصفهم بالحيوانية و النباتية و الجمادية فالمنظور اليه هو الانسان و قد رباهم النبي و اخرجهم من الضلالة و انقذهم من الجهالة و ساقهم من ظلمات الحيوانية و النباتية و الجمادية التي قال في شأنها ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لميكد يريها الي انوار الانسانية التي خلقها من ظل نوره كما يدل علي ذلك الاخبار و صحيح الاعتبار كما قال عليه السلام في شان روح الانسان مواده التأييدات العقلية فعله المعارف الربانية ، و قال الله تعالي الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان فالانسانية نور الله و قد اشرق من وجه رسول الله صلي الله عليه و آله و قد اخرج هذا النور من ظلمات ارض القوابل بعد ما بعث و قد سطع نوره و شاع و لاح يوما فيوما الي زماننا و بعد هذا الزمان و يسطع يوما فيوما و يغلب علي ظلمات الارض آنا فآنا و يغلب دينه علي جميع الاديان شيئا فشيئا الي يوم القيامة فيصير الدين كله له و الامر امره و الحكم حكمه و الانبياء يصيرون في ذلك اليوم من امته يدعوهم الي سبيل الله و كلهم يعمل مثل عمله و يتشرع بشريعته فافهم هذا معني ظاهر للسراج المنير .
و ابطن من ذلك ان جميع الشرايع و الاحكام و كل الكتب و الاديان جميعها من شرعه غاية الامر ان شريعته قد ظهرت في كل زمان بوضع خاص و الانبياء سلام الله عليهم [ص 106] كلهم امم للنبي صلي الله عليه و آله و يأخذون منه و الناس كلهم عبيد له و هو الحاكم بينهم غاية الامر انه ظهر في كل زمان بما يناسب اهله ففي زمن آدم ظهر بصورته و في زمن نوح بصفته و في زمن ابرهيم بصورته و في زمن موسي بصورته و في زمن عيسي بصورته و كان علي عليه السلام معه في كل دورة اِلّا انه مختف عن الانظار و قد كرم الله النبي صلي الله عليه و آله في لباسه الشريف الذي هو اشرف الالبسة بظهور علي عليه السلام معه و بالجملة المراد ان البسة جميع الانبياء لباسه و هو الظاهر من جميعهم و قد دعا الي الله من جميع السنتهم و ذلك قوله عليه السلام الا و انا نحن النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان ، و ذلك قوله تعالي و تقلبك في الساجدين فهو الذي انذر و ابشر من جميعهم و بهم و كان صلي الله عليه و آله يظهر في كل زمان من الشرايع و الاحكام بقدر طاقة البشر ، و ان اردت شاهد ذلك من كتاب الله فاعلم ان كتاب الله صريح في ان دين النبي صلي الله عليه و آله الاسلام و ذلك قوله تعالي ملة ابيكم ابرهيم هو سميكم المسلمين و قال ان الدين عند الله الاسلام فلا دين سوي الاسلام و اذ لميكن دين سوي الاسلام و لا شك ان الانبياء جميعهم متدينون فلا شك و لا ريب ان جميعهم مسلمون و ان ظهروا باليهودية و النصرانية فالاصل الاسلام عند الله و قد تجلي الاسلام بهذه الصور المختلفة و لايضر ان يكون صاحب الشريعة واحدا و يختلف شرعه في الازمنة المختلفة بحسب [ص 107] اقتضاء الملك كما تري ان رسول الله صلي الله عليه و آله في البدن المحمدي صلي الله علي صاحبه كان ينسخ الاحكام و الشرايع يوما فيوما بحسب اقتضاء الملك و ذلك ان الشارع هو الطبيب الحاذق و الناس المرضي فيراقب حالاتهم و امزجتهم و يداويهم و يعالجهم كل يوم بما يناسب حالهم و كذلك يمكن ان يظهر في البسة مختلفة و يغير كل زمان الحكم و اعلم ان اصول الشرايع لاتتغير و لاتتبدل و لكن الجزئيات تتغير و ان اخفي الشارع بعض الاصول يوما و اظهره يوما و لكن لايغير ما اظهره فافهم ذلك و لست بصدد تفصيل ذلك و الا لكنت ابين لك ذلك باوضح بيان و بالجملة فاذا عرفت مجملا انه صاحب جميع الشرايع فهو منور جميع القلوب المؤمنة من لدن آدم الي يومنا هذا الي يوم القيامة فليس نور في الملك الا نوره و المراد من النور هو الدين و الشرع المبين و من آمن بالله و هدي الي صراط مستقيم يتنور قلبه و لذلك ينشرح صدره و من لميؤمن يبقي في الظلمات فلايكاد يشرح صدره ابدا و يضيق صدره كأنما يصعد في السماء و هذا معني آخر ابطن من الاول .
و ابطن من ذلك ان الله سبحانه خلق محمدا صلي الله عليه و آله قبل كل شئ و لميكن شئ قبله من نبي مرسل او ملك مقرب او مؤمن ممتحن و قد كان حيث لا سماء مبنية و لا ارض مدحية و لا ملك و لا جن و لا انس و لا شئ ثم خلق من نوره كل شئ فجميع الخلق انواره ، نعم الحق خلق من نوره و الباطل من ظل نوره فالكل من [ص 108] نوره اذ ظل النور ايضا مخلوق من النور فهو صلي الله عليه و آله منير جميع الكاينات و لا شك ان النور لايكون نورا الا اذا حكي عن المنير الاتري ان نور الشمس يحكي عنها فلايظهر من النور سوي الشمس و لذلك تسمي جميع انوارها باسم الشمس فتقول ان الشمس علي رأس الجدار و علي وسطه و علي صحن البيت و سطحه مع ان اصل الشمس في الفلك الرابع و لاتنزل منها ابدا و الصاعد و النازل الانوار لا غير فافهم ان شاء الله و هكذا الامر فيه ايضا بل في جميع الائمة الاطياب لان جميعهم نور واحد و طينة واحدة كما قال عليه السلام اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض ، فهم منير جميع الكاينات و لذلك ظهروا منها و لكن الخلق اكثرهم لايعقلون و من يكن عارفا بشانهم مطلعا علي درجتهم و مقامهم و اعطاه الله البصر الحديد يري جمالهم من كل الكاينات مشهودا فلا شئ في الواقع و الحقيقة سواهم و اسماؤهم و صفاتهم فسبحانه من خالق ما اعظم خلقه و اجل و اعظم نوره و لذلك يصاب بمصيبتهم جميع الكاينات و يفرح بفرحهم جميعها كل بما يليق له و اما الكافرون فبحسب الامتثال للاوامر الشرعية في ظاهر الابدان البشرية كفروا بشأنهم في تلك الابدان و لذلك دخلوا النار و عذبوا و الا فبحسب فطرتهم الاولية لايكادون يتخلفون عنهم و لو تخلفوا لفنوا في ساعتهم فبقاؤهم باشراق نور الوجود منهم عليهم فافهم فان ذلك دقيق فان اصل الوجود لآلمحمد عليهم السلام [ص 109] و هم مبدؤه و كل موجود موجود بوجودهم و لا شك ان الكافر موجود فاستشرق الوجود منهم و لميتخلف عنهم و ان تخلف في الشرع الظاهر عنهم فبتخلفه في الشرع الظاهر استحق النار و النار ايضا منهم و عبد رق لهم مطيع لامرهم فافهم و تدبر و ان فهمت فاشكر الله و الا فاسلم تسلم و ذلك قوله تعالي فطرة الله التي فطر الناس عليها و قد قال عليه السلام الفطرة الولاية ، و ذلك معني قوله عليه السلام ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت فانك لنتجد احدا يقول اني ابغض محمدا و آلمحمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا ، و لذلك قال الشيخ الاوحد (اع) انه لايعاديهم احد و مراده في الفطرة الاولية و ان قلت ان فطرتهم الاولية ان كانت علي الولاية فعاقبة امر الجميع الي الخير فما معني النار و العذاب اقول ان الفطرة الاولية علي الولاية و استحقوا بذلك الجنة و دخلوها و جنتهم الوجود و البقاء و اما النار و الجنة الشرعيتان فمنوطتان بالاعمال و الاخلاق فرب داخل في النار الشرعية و هو مخلد في الوجود الجنة الكونية و لاتزعم ان الوجود لايكون جنة الاتري ما ورد ان الله يخير الكفار بين ان يعدمهم و يبقيهم و يعذبهم فلايرضون بالعدم بل اقول ان جميع العذاب لخوف الانعدام بل جميع الاوجاع لذلك فانك اما تخاف ان تنعدم او يعدم منك شئ فتأمل في اصل العدم اي عذاب فيه الحاصل و قد بسطت القول في ذلك في الجملة لانه محل الاشتباه و قل من يعثر عليه علي الحقيقة [ص 110] مع ان مرادي الاختصار لضيق المجال فنرجع الي ما كنا بصدده فجميع الملك من نورهم صلوات الله عليهم فهم السراج المنير المصباح الذي ضربه الله مثلا لوجهه الكريم فافهم .
قال اعلي الله مقامه : فاودع في وصيه و خليفته ضياء التجلي و حقايق ما اودع فيه من كامن نوره النيري .
اقول بين اعلي الله مقامه في هذه العبارة المختصرة مطالب جليلة و مسايل علية و اين انا من شرحها و لكني اشير الي بعض ما اندرج فيها مع ان ما اعرفه منها اقل قليل و ان قلت من اين تعرف ان فيها ما لمتعرفه مع ان الانسان لايعرف ازيد مما عرف اقول بلي و لكن من ارتاض نفسه بالعلم يعرف من قابلية العبارة ان المطالب المندمجة في اي درجة و ان لميقف علي جزئياتها مع اني جربت في عباراته اعلي الله مقامه اني كل ما ازددت النظر و دققت الفكر في مطاويها اطلعت علي ما لماك اطلع عليه قبل ذلك و من ذلك اعرف ان ما عرفته في النظر الاول اقل مما اندرج فيها ، و بالجملة فنرجع الي بيان ما اردت ايراده هنا فاقول ان الله سبحانه خلق محمدا صلي الله عليه و آله في الدنيا بعد ما كان خلقه في العالم الاعلي قبل جميع الخلق و الخلق الثاني في الدنيا لظهور نوره في القالب الاسفل لتمام سيره في عوالم التقييد و كمال نظره في آيات ربه المجيد و سباحته في جميع البحار و اتمام الحجة [ص 111] للابرار و الفجار فظهر في القالب البشري و ان كان روحا ملكيا و تجلي في البدن الانساني و ان كان نورا عرشيا فالله سبحانه لما خلق البدن البشري و رباه حتي صار علي خلق عظيم اختاره للنبوة فتجلي اليه بما تجلي و ما ادريك بما تجلي سبحانه تجلي باسمائه الحسني و امثاله العليا اماسمعت قوله تعالي في القدسي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني في ما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون يا ابن آدم انا حيّ لااموت اطعني في ما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت ، و لا شك انه صلي الله عليه و آله اطاعه في جميع ما امر و لميعصه طرفة عين جنينا و وليدا و رضيعا و فطيما و طفلا و خماسيا و مراهقا و بالغا و يافعا و شابا و رشيدا و شيخا و كهلا حيا و ميتا بل اطاعه في السماوات و الارضين في كل ما امر في التوحيد الي ارش الخدش بل اطاعه في المطيعين كما قال تعالي و تقلبك في الساجدين و ما قلت و ان كان كلاما قشريا ظاهريا و لكن العارف يعلم حقيقة المراد و يطلع علي ما لميطلع عليه الا الآحاد فلما اطاع ربه في جميع ما امر به بحيث لميكن يمكن لاحد من الخلق ان يبلغوا عشرا من معشار عشير عشر عبادته و استغفر الله من قلة التحديد جعله الله مثله اي آيته و ذلك قوله تعالي الله نور السماوات و الارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الي آخر و اما ساير الامثال فلايليق به و هذا هو المثل المضروب للناس لعلهم يعقلون و اما ساير الامثال فنهي عنها و قال [ص 112] و لاتضربوا لله الامثال بالجملة بعد ما اطاع الله تجلي اليه و جعله مثله فصار التجلي له روحا و نورا و مشي به في الظلمات و نظر به في جميع الآيات و دعا به في كل العرصات و الله المسدد له في جميع الحالات و هذا التجلي هو حقيقة الخاتم صلوات الله عليه و آله لان التجلي غير ذات الاحد جل شانه بضرورة الاسلام اذ هو النور و النور غير المنير و غيره خلقه اذ قال عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، و لا شك ان محمدا صلي الله عليه و آله اول الخلق و لا اول له و من قال ذلك خرج عن الضرورة فحقيقة التجلي اول ما خلق الله و هو هو فتجلي الي القالب البشري بحقيقته و ذلك معني تجلي له به بل اقول ان قوله عليه السلام في العالم العلوي في شأن النفوس تجلي لها بها و بها امتنع منها ، لو صرف معناه الي آلمحمد عليهم السلام يراد منه ذلك بل يمكن ان نقول هذا هو المراد مطلقا فتدبر و المراد محض الاشارة اذ بها لاتضيق العبارة فالحقيقة المحمدية علي صاحبها آلاف التحية قد تجلت الي البدن المحمدي صلي الله عليه و آله ثم بعد ما كملت ايامه و اختار الله له جواره اودع ضياء هذا التجلي في خليفته اي بدن علي (ع) و اختار لفظ الضياء دون النور لان الضياء الاصل و النور الفرع و لذلك قال الله تعالي جعل الشمس ضياء و القمر نورا لان نور القمر من ضياء الشمس فلمعان اصل المنير يسمي بالضياء و هذا الضياء بعد ما ظهر في قابل آخر [ص 113] يسمي بالنور و الضياء له بمنزلة الصورة و الشبح المتصل و له مادة و هي الجوهر الضيء فاصله معنوي و ضوؤه صوري كما تري ان اصل الشمس غير ضوءه و ضوؤه ظاهره و صورته و الظاهر و الصورة يسمي بالنفس فضوء الشمس نفسه و هكذا ضياء تجلي الحقيقة المحمدية علي صاحبها آلاف التحية نفسه و لا شك ان روح الولاية نفس النبوة بنص آية المباهلة اذ قال الله تعالي و انفسنا و انفسكم و الرسول صلي الله عليه و آله اخذ عليا معه ليكون نفسه كما اختار الحسنين من ابنائنا و فاطمة من نسائنا و كذلك ورد عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان عليا نفسي فهو عليه السلام نفس الرسول فهو ضياؤه و بهاؤه و جماله و زينته و لذلك صار نفس الله اذ صار نفس نبيه كما في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن ، و لذلك كان يقوم مقام رسول الله كقيام النفس مقام الذات فنام في فراشه و ارسله بدلا منه الي مكة و حمل سورة الغضب و البراءة مع انه كان من شان رسول الله (ص) قراءة القرآن علي من انزل فيه اوّلاً و لذلك ارسل اولا ابابكر ثم بدا له فارجعه و لميكن ذلك منه سهوا و لا خطاءا بل فعل ذلك به لان يظهر للناس ان ابابكر لايكون صالحا لنيابة النبي صلي الله عليه و آله فارجعه و اعطي السورة عليا و ارسله الي مكة و اوصي ما اوصي و ليس الحديث حاضرا عندي هذه الساعة و لكنه موجود في بعض التفاسير و كذلك جعل بيده طلاق نسائه و ساير ما يتعلق بنفس الانسان فنفس الرسول [ص 114] قد تعلقت ببدن علي فصارت روحه و ظاهرا منه عليه السلام و هو ضياء التجلي ، الذي اشار اليه اعلي الله مقامه .
و فيه اشارة اخري و هو انه قال « اودع » و لميقل بذل و لا شك ان الوديعة سترد الي صاحبه و ذلك لان جميع آلمحمد سلام الله عليهم نور واحد و طينة واحدة كما مر في هذه العجالة مكررا فجميع انوارهم في مبدأ الصدور عن الله عز و جل واحد و يدل علي ذلك اخبار متكثرة و هذا النور يسمي محمدا و قد ظهر هذا النور بشؤن مختلفة في ابدان مختلفة و لذلك قال علي عليه السلام اولنا محمد اوسطنا محمد آخرنا محمد كلنا محمد و قال عليه السلام انا محمد و محمد انا و قال رسول الله (ص) حسين مني و انا من حسين ، فبعد ما القوا المشخصات في مقاماتها اي المشخصات الدنيوية في الدنيا و البرزخية في البرزخ و الاخروية في الآخرة اي مقام الحشر يرجع النور الي اول مقامه مقام اول ما خلق الله و هو واحد لا اختلاف فيه فالنور الواحد الذي هو ضياء التجلي الاول في الاوطان الثلثة مودّع و هو في الواقع واحد احدي المعني و قد ظهر في عرصة التشخص لكسوة الانوار و الرجوع الي الآثار لمشاهدة الاسرار بعين الشخصية كما شاهدها بعين الكلية فافهم السر المنمنم و الرمز المبهم .
قوله : و حقايق الخ ، « اودع » في الفقرة الثانية بالبناء علي المجهول اي اودع في وصيه ما اودع الله فيه من حقايق العلوم و الاسرار و المقامات التي اختار له الجبار .
[ص 115] و قوله : من كامن نوره ، بيان للحقايق يعني ان هذه الحقايق من كامن نوره اي نور الله جل و عز و لايضر ذلك بما قلت من حقايق العلوم فان العلم ايضا نور كما قال عليه السلام العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب ، و قد جعل الله حقايق جميع ذلك في النبي صلي الله عليه و آله و كان يظهر للناس قشورها و لكنه اودع حقايق جميع ذلك عند وصيه فحقيقة العلم عنده و حقيقة التوحيد عنده و حقايق الاسرار عنده و جميع ذلك هو الروح الذي جعل النبي فيه و هو الروح الذي انزل اليه كما في قوله و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان فهذا الروح هو العارف بالكتاب اي جميع ما كان و ما يكون و هو اللوح المحفوظ و هو الكتاب المكتوب بيد الله سبحانه و الايمان هو الشرع فالكتاب الكون و الايمان الشرع فبهذا الروح اطلع النبي علي الكون و الشرع اذ هو الجامع للكل و اودع هذا الروح في علي عليه السلام و هو النور كما في الخبر ما معناه ان النور هو الروح فكان هذا الروح هو العارف و الداعي بل هو الناطق من علي عليه السلام و لذا كان يقول انا حقيقة الاسرار انا آية الجبار ، و الناس ربما يزعمون ان حقيقة العلم التي استودعه النبي الولي مطلب من المطالب او مسألة من المسايل و لميكن الامر هكذا بل هو روح ظاهر في قابليته بل حقايق كل العلوم روح و كل من يكون علمه عيانيا ذوقيا تعلق به روح لا محالة و اما الالفاظ فهي تعبير عن [ص 116] هذا الروح و الناس زعموا الالفاظ علما و غفلوا عن المعاني مع ان المباني بلا معاني لا طايل تحتها سوي الاطلاع علي الاصطلاحات و ان كنت يا اخي و من ينظر في اوراقي هذه طالبا للحق فاطلب من شيعة آلمحمد عليهم السلام من اطلع علي حقيقة العلم و هو الذي لايضل و لايزل و اما ساير الناس و ان اطلعوا علي الالفاظ الا ان الشيطان ربما يفسد لهم رايهم و يبطل دينهم و يدخل الشكوك و الشبهات في اقوالهم و اعمالهم و افعالهم و كذلك نقول في جميع ما علم النبي الوصي من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه فالتوحيد مثلا له الفاظ يقولون و لكنهم يقولون ما لايفعلون و كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لاتفعلون و تفاوت مراتب الخلق بحسب عملهم بهذا العلم الشريف و ساير العلوم و اول العاملين محمد و علي صلوات الله عليهما و لذلك قال الله تعالي قل ان كان للرحمن ولدٌ فانا اول العابدين اي كنت اسلم ذلك مع انه لا عابد قبلي اذ هو قد عبد الله قبل العابدين و سجد له قبل الساجدين و سبح له قبل المسبحات و هلله قبل المهللات و لذا قال انا اول المسلمين و كذلك كان علي عليه السلام اول المسلمين له و الاولية ليس محض اولية زمانية بل اولية رتبية و هي الاولية في الواقع فان الاولية الظاهرية وحدها ليست دليل الكمال اذ كان ابوبكر اول من آمن بالنسبة الي جماعة كثيرة من المؤمنين مع انه لمينفعه ايمانه شيئا فالمناط الاولية الواقعية فعلي اول من آمن برسول الله في كل ما كلفه و مما كلفه به و اودعه فيه [ص 117] التوحيد فنبت اصل التوحيد في قلبه و صعد فروعه في اعماق بدنه فدخل في كل عرق من عروقه فرع من فروع التوحيد و اثمر ثمرا عجيبا فاما اصل التوحيد فهو الوحدة الذاتية الظاهرة له اي صار في مقامه فردا و لميجد سواه فكل ما نظر يمينا و شمالا لميجد غيره و وجد ما سواه ميتا و لما لميجد غيره و راي نفسه فردا نسي نفسه ايضا فوجد ربه و عاينه كما قال عليه السلام رأيت الله و افرودوس رأي العَيْن و قال لماعبد ربا لماره و قال لمتره العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، اي رآه بقلبه في قلبه فبعد ما دخل هذا الاصل في قلبه نبت منه فروع و اوراق و ثمار و ثمر التوحيد الواقعي ان يظهر من البدن افعال الله عز و جل و من النفس صفاته و علمه فيتوجه بجميع الاركان الي الله فلميجد سواه و لميعبد غيره و من لميصل الي هذه الدرجة يكون توحيده ناقصا و كل من نقص توحيده عن هذه الدرجة يبتلي بشرك الشيطان و لذلك اكثر الناس مشركون قال الله تعالي و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون و قال و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين فكل من نزل عن درجة العصمة الكلية لمينزل منها الا لنقص توحيده و التوحيد لاينقص الا بالشرك الا ان مراتب الشرك مختلفة و لاتزعم انه يعاقب كل مشرك بدخول جهنم فانه يلزم علي ذلك ان يدخلها كل مؤمن و مؤمنة كما يدل علي ذلك ظاهر الآية ان منكم الا واردها كان علي ربك حتما [ص 118] مقضيا و لكن الامر بخلاف ذلك و الآية اما تكون منسوخة او لها تاويل و شيعة علي لايدخلون النار او يكون المراد من جهنم اعم من جهنم الدنيا و البرزخ و الآخرة فالشيعة يدخلون جهنم الدنيا و ربما يدخل منهم جهنم البرزخ و اما في الآخرة فلايدخلونها نعم كل مقام بالنسبة الي الاعلي ادون لا محالة فهو عذاب لمن فوقه فعذاب الناقص وقوفه في المقام الادني و عدم وصوله الي الاعلي و ذلك مطلب دقيق و ان قلت ان الداني لايكاد يدرك العالي فهو في مقامه يلتذ و لايكون له عذابا اقول بلي بما فيه من الداني يلتذ و لكن جعل الله فيه مشعرا يدرك من العالي شعاعا و نورا و يشتاق دايما الي الوصول اليه و اذا حرم عن ذلك ينغص عيشه بحسب حاله و ذلك جزاء نقصه و لذلك نقول ان المؤمنين في الجنة يعملون و يترقون و درجات الجنة بعدد آي القرآن فيوحي اليه اقرأ و ارق و لو لميدرك المقام الاعلي لميطلبه و لو لميكن فيه حرص الوصول لماطلب و اذا كان حريصا فهو دايما مشتغل بتحصيله و ان لمينزجر عما يجده و ذلك كما تري في الدنيا انك تكون عالما بعلم فتطلب علما جديدا مع انك تجد هذا العلم و وجدانك هذا العلم لايشغلك عن طلب غيره و ان منعت او وصل اليك بعيدا تحزن بذلك مع انك في عيش مما تجده و بسبب حزنك للعلم الاعلي لاتتألم بالعلم الادني بل تلتذ به ايضا و هكذا الامر في اهل الجنة ، الداني في مقامه في عيش و سرور الا انه يطلب عيشا اهنأ و اكثر فافهم و بالجملة فكل من [ص 119] حرم عن التوحيد الخالص فهو مشرك و تألمهم لشركهم بحسب درجاتهم اوله المنع عن درجة السابقين و آخره الخلود في اسفل درك من الجحيم و لعلك تعرف بما ذكرناه معني قوله ان الله لايغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و قوله ان الشرك لظلم عظيم بالجملة فعلي عليه السلام و ساير ائمة الانام عليهم سلام الله الملك العلام آمنوا بوحدة ربهم بحقيقة الايمان بتكليف رسول الله صلي الله عليه و آله لا فرق بينهم في ذلك و ذلك قوله تعالي الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم الي ذكر الله ذلك هدي الله يهدي به من يشاء و من يضلل الله فما له من هاد و اودع فيهم النبي صلي الله عليه و آله حقايق ما اودع الله فيه و بعد ما ظهر لك الامر في التوحيد الذي هو الاصل و النبوة تعرف غيرهما فحقيقة كل شئ مودع في النبي صلي الله عليه و آله و هو قد اودع في وصيه و كل وصي اودعها في وصيه و سيرجع الوديعة الي اصلها اي النور الاول و الضياء الاجل و ذلك قوله تعالي انا لله و انا اليه راجعون اي الي النور الاول راجعون فافهم .
قال اعلي الله مقامه : فكان المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري .
اقول المصباح مثل نور الله الذي ضربه الله مثلا و قد مر [ص 120] سابقا شرح المصباح و المشكوة و بعد ما اودع النبي صلي الله عليه و آله هذا النور النير في وصيه كانه جعل المصباح في زجاجة اي القنديل الذي يوضع فيه السراج او المردنجي و هذا المردنجي مثل للوصي عليه السلام فانه هو الواسطة بين النبي و ساير الخلق و لايكاد يصل احد من الخلق الي النبي الا بواسطة الوصي كما انه لايكاد يصل احد الي السراج الا بواسطة المردنجي فان الطريق الي النور مسدود الا طريقه و كل طالب مردود الا فريقه .
و بيان ذلك باللسان العلمي ان الله سبحانه خلق اول ما خلق نور محمد صلي الله عليه و آله كما يشهد بذلك الاخبار و قد ملأنا منها الكتب و فصلناه في الدروس و المواعظ علي نحو كامل و لا حاجة الي بيانه مكررا فنفصل ما نريد شرحه هنا و هو ان هذا النور لقربه من المبدأ في غاية الوحدة التي يتصور في المخلوق بحيث لايكاد يميز له اجزاء بالعقل و لكن بالتزييلات الفؤادية و الاخبار المروية نستدل علي تركيبه فنقول ان هذا النور مركب من اجزاء لا محالة الا انها في غاية المشاكلة و الاتصال و لاتتفرق بالانفصال فله مادة هي حيثه الي ربه و صورة هي حيثه الي نفسه و الحيث الاعلي معنويته و الحيث الاسفل صوريته فالاول عقل و الثاني نفس و الاول باطن و الثاني ظاهر و الاول غيب لايطلع عليه الا الله و الثاني شهادة و امثال ذلك من المعاني و لا شك ان الاعلي لايكاد يقوم الا بالاسفل فان المادة مادة في الصورة كما ان الاسفل لايقوم الا بالاعلي فان الصورة صورة بالمادة فهما دايما [ص 121] متصلان لايتفارقان ابدا فظهور المادة الغيبية في الصورة الشهادية و قد ضرب الله لذلك مثلا في العالم الظاهر الاتري الي المادة و الصورة العرضيتين كيف تتصلان و لايكاد يري الصورة الا علي المادة و المادة الا في الصورة ، هذا السرير لايكاد يقوم الا بمادة هي الخشب و صورة هي الصورة السريرية فالخشب لايري في السرير و هو الباطن و السرير لايري الا علي الخشب و هو الظاهر و اذ كان الخشب في بطن السرير دون غيره فلايكاد يصل احد الي الخشب الا من هذه الصورة فصورة السرير باب باطنه الخشب المطلق و ظاهره السرير المقيد و هكذا الامر في المخلوق الاول بل امره اعظم و اعظم لان الخشب العرضي يمكن ان يظهر في صورة اخري غير السرير يوما ما و يخلع صورة السرير فربما يدعي كل مصاغ من الخشب انه بابه و صراطه و لكن مادة المخلوق الاول لايمكن ان تصور بصورة غير صورته التي كساها الله عليها كما ان صورته لاتظهر علي غيرها ابدا فلاتكاد تظهر مادة المخلوق الاول في صورة غير صورتها و هذا من المحال الممتنع و صورته نفسه التي قال علي نفسي ، و مر الي ذلك الاشارة سابقا فان صورة كل شئ نفسه و ليس النفس شيئا سوي الصورة فنفس الانسان الصورة الانسانية و نفس الحيوان الصورة الحيوانية و نفس النبات الصورة النباتية و من هذا الباب يقال ان لكل شئ نفسا حتي للحجر و المدر و كذلك للمخلوق الاول صورة هي نفسه و لهذه النفس في كل عالم عقل هو مادته و عقل كل شئ [ص 122] بحسبه و كذلك للمخلوق الاول عقل و نفس و كلاهما بابان من ابواب الغيب الا ان العقل الباب الباطن و النفس الباب الظاهر و هذه باب باطنه فيه الرحمة اي العقل الحار الرطب و ظاهره من قبله العذاب اي العذاب علي الفجار لان الباطن غير مقيد يعم فيضه الجميع و الظاهر مقيد فلايصل رحمته الي من ينافيه و لذا صار النبي رحمة الله علي الجميع و ظهر فيه الرحمانية و علي صار رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار الحاصل الولاية مقام النفس و الصورة و النبوة مقام المادة فلاتظهر النبوة الا في الولاية و منها فالنور الذي ضرب الله له مثلا بالمصباح في الزجاجة و هي صورته و نفسه و انيته و ولاية فحاصل الكلام ان مثل نور الله سبحانه كمحمد اذ ظهر في علي و ظهر علي في مشكوة العصمة صلي الله عليهم اجمعين و تأويل ذلك ان نور الله سبحانه هو الفؤاد الذي هو الحقيقة التي سأل كميل عليا عليه السلام عنها و هو النفس التي قال من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و آية الله و عين الله التي قال الشاعر :
اعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها
و النفس القدسية الالهية التي بينها الامام عليه السلام في حديث النفوس و قد ضرب الله لهذا الفؤاد مثلا فقال مثل نوره الذي اضاء منه كل شئ كمشكوة اي القلب اللحم الصنوبري فيها مصباح النفس الانسانية المصباح في زجاجة النفس الحيوانية و هي كأنها [ص 123] كوكب دري من تلألأه و بريقه و لمعانه او يكون المراد من الكوكب الدُرِّي النفس النباتية كما اشرنا اليه سابقا في الباطن انه المراد منه الحسن عليه السلام ، و نزيد في البيان هنا في الجملة فنقول ان الله سبحانه بعد ما جعل الزجاجة آيةً للنور و سبيلا اليه وصفها و قال كأنها كوكب دري اي تلك الزجاجة بنفسها صاحب ضوء و لمعان من دون المصباح او يكون ضوؤها من المصباح و ما وصف الله سبحانه لها كأنها كوكب دري حال كونها علي المصباح اي بعد ما جعل المصباح في الزجاجة اضاءت الزجاجة فهي كأنها كوكب درِّي من الضوء المكتسب من المصباح هذا و يمكن ان يكون قوله كأنها كوكب دري وصف نفس الزجاجة او يكون كوكب دري غيره كما ان الزجاجة غير المصباح و قد جعل الله الكوكب مثلا للزجاجة فقال كأنها كوكب دري و الكوكب هو الحسن عليه السلام و من ذلك قال صلي الله عليه و آله مثل اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم ، و المراد من هذه النجوم الائمة الهداة و هم اصحابه اي مصاحبوه و رفقاؤه في الجنة و ساير الناس لايصاحبونه في الواقع و ان صحبوه في الظاهر فصحابة ابيبكر له صحابة دنيوية ظاهرية كصحابة عايشة له و اما في عالم الحقيقة فبينهما ابعد مما بين السماء و الارض ، نحن بواد و العذول بواد ، و اما الاصحاب الواقعي الحقيقي فهم الائمة الهداة فهم معه في درجته و هم نجوم سماء الولاية و اعلام الهداية كل ما غرب نجم طلع [ص 124] آخر و بأيّهم اقتدي الخلايق اهتدوا فالحسن عليه السلام كوكب دري يكاد سنا برقه يذهب بالابصار و قد جعله الله مثلا لابيه و المثل الحق ان يكون مماثلا للممثل من كل جهة و ليس مثل لعلي عليه السلام اقرب من الحسن عليه السلام خلقا و خلقا و منطقا فهو المثل الاعلي للعلي الاعلي فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
قال اعلي الله مقامه : فكانا من اصل القدم و فرع الكرم .
اقول اي النبي و الوصي صلوات الله عليهما كلاهما كانا من اصل القدم و فرع الكرم ، اختار اعلي الله مقامه للقدم لفظ الاصل و للكرم لفظ الفرع لان القدم اصل جميع الصفات و الكرم فرع له و يمكن ان يكون الاضافة بيانية اي اصل هو القدم و فرع هو الكرم و علي اي حال يبين اعلي الله مقامه ان الله صنعهما معا من اصل القدم و لايريد من هذا القدم الذات البحت البات لانها لاتصير مادة لشئ و لكن يريد منه نور الذات كما في الخبر اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده ، و نور الذات هو المشية التي سبقت كل شئ كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فخلق منها اولا نور النبي صلي الله عليه و آله و كان معه نور الوصي و انوار الائمة الاطهار كما مر سابقا فانهم لايفارقون ابدا و قد ورد اخبار كثيرة تنادي بانهم معه و لايفارقونه و قد خلق الله النبي و كان معه نور الولي حتي نزلا الي العرش و منه الي [ص 125] صلب آدم و ساروا من الاصلاب الي الارحام و من الارحام الي الاصلاب حتي وصلوا الي صلب عبدالمطلب فقسم النور لنصفين فسكن نصف في صلب عبدالله و منه محمد صلي الله عليه و آله و نصف في ابيطالب و منه علي عليه السلام فهما كلاهما من اصل القدم اي نور الذات و المراد من قدم هذا النور دوامه و بقاؤه بالنسبة الي نفسه و اسفل منه و هو فرع الكرم ايضا اي كرم هو فرع القدم او يكون فرعا لكرامة الذات التي هي الاصل و اختار من بين الصفات الكرم لانه اصل جميع الصفات المتعلقة بالعطاء بمناسبة سابقه من الايداع و الابشار و الانذار و غير ذلك و علي هذا المعني النبي و الوصي كلاهما من اصل القدم و فرع الكرم و يمكن ان يراد منه معني آخر في عالم الفصل و هو ان النبي من اصل القدم و الولي من فرع الكرم و كلاهما صحيحان جايزان .
قال اعلي الله مقامه : الخلاصة من ضياء انوار الله الجليل و السلالة من نسل ابرهيم الخليل .
اقول الخلاصة اي الخالص من ضياء انوار الله الجليل و قد عرفت معني الضوء سابقا فحاصل المعني ان ضوء النور الاول الذي هو مقومته مادة لهما صلوات الله عليهما اي خلقا من اصل النور لا فرعه اي نور النور و وصف الله بالجليل لظهور جلالته في نوره اي عظمته كما مر سابقا و العظمة خاصة بالله سبحانه و قد ظهرت في نوره فخلق منه محمد و علي عليهما السلام و اعلم ان نور الله سبحانه [ص 126] اضاء به كل شئ كونا بل ليس في عالم الكون سوي نور الله سبحانه فانه جل شانه احد و نور الاحد لاينتهي الي شئ الاتري الي عالم الاجسام و لله المثل الاعلي ان الجسم المطلق الذي هو آية الاحد جل شانه اضاء من نوره جميع الاجسام المقيدة فلميخل منه مكان و لميبعد عنه زمان فاحاط بجميعها وجوده و ظهر من كلها نوره و لكنها في تلك الانوار بعد نسبة بعضها الي بعض اضوء من بعض و بعض اقرب من بعض فالعرش مثلا اقرب و انور و اضوء من جميعها فهو بالنسبة الي ساير الانوار خلاصة الجميع و هكذا الامر في انوار الله جل شانه جميع الملك انواره و جميع الخلق اشعته الا ان بعضها نور و بعضها نور نور و هكذا نور نور النور الي آخر الانوار و تري شمس المشية اذا طلعت تقرضهم ذات اليمين و اذا غربت تقرضهم ذات الشمال و آلمحمد سلام الله عليهم خلاصة جميع الانوار و قد خلقوا من ضياء النور فماكان النبي بجانب الطور اي طور الطبيعة و جبل الانية اذ نادي الله موسي فلايغرب شمسه و لاتطلع بل هي دايما في وسط السماء علي قمة رأسه ، هذا و اسماؤه سبحانه متعددة و صفاته متكثرة و هي تظهر في مراتب الانوار بتفاوتها و كل صفة تنسب الي الله سبحانه فالله يوصف في كل نور بما يناسب النور لا الذات فانها معراة عن المناسبات فبعضها من نور الله الجليل و بعضها من نور الله الجميل و بعضها من نور الله العليم و الحكيم و هكذا و هكذا و آلمحمد سلام الله عليهم خلقوا [ص 127] من ضياء نور الله الجليل بناء علي ان الجلال مقدم علي الجمال و علي كون الجمال مقدما نقول ان الجمال ذاته و قد ظهرت الذات بالجلال ، و الجمال ان ظهر للغير يظهر بالجلال و العظمة البتة و كل العظمة تليق بالجميل و كل عظيم غير الجميل صغير فاذا اختير لفظ الجليل علي كونه دون درجة الجميل يظهر ان الجمال مكنون مخزون فيه كما ان المصباح في زجاجة ، هذا خلاصة المعني و يظهر منها في الجملة بعض المطالب انشاء الله .
و بعد ما بين اعلي الله مقامه بدء خلقهما و مقام قربهما اذ كانا من اصل القدم و فرع الكرم و نور الجلال و مظهر الجمال بين خلق ظاهرهما و اصل ابدانهما الدنيوية فقال السلالة من نسل ابرهيم الخليل ، السلالة في اللغة الولد و النسل ايضا بمعناه اي الولد من ولد ابرهيم و الخليل بمعني الصديق و الخلة مقام فوق مقام الرسالة كما في الخبر ما معناه اتخذ الله ابرهيم عبدا قبل ان يتخذه نبيا و نبيا قبل ان يتخذه رسولا و رسولا قبل ان يتخذه خليلا و خليلا قبل ان يتخذه اماما فلما جمع له هذه الاشياء قال اني جاعلك للناس اماما ، فالله سبحانه اتخذ ابرهيم خليلا لنفسه لما صار امة قانتا لله مقبلا اليه سبحانه خالصا معرضا عما سواه فوقف في حد الاعتدال و لذا خصه الله بالاسلام الذي هو الدين عند الله و اختار له ملة ولده و قرة عينه محمد صلوات الله عليه و آله بل لذلك جعل محمدا في نسله او بعد ما جعل محمدا في نسله خصه بهذه النعمة و كلاهما صحيحان بالنظر الي الاعلي [ص 128] و الاسفل و ابرهيم اشرف الانبياء بعد نوح و قد اختلف اقوال الناس في مقامهما فذهب كل الي جهة و الذي عندي ان نوحا افضل و كون النبي من نسل ابرهيم لايكون دليلا علي شرافته اذ كان صلي الله عليه و آله من نسل نوح ايضا نعم بعد ما اختلف اولاد نوح نزل نوره في صلب سام و منه الي آباء ابرهيم فابرهيم افضل من ساير الانبياء و بالجملة فضل ابرهيم امر واضح نير و فضل نوح عليهما السلام ايضا واضح نير و لايحتاج الي شرح و بيان و اما آباء النبي صلي الله عليه و آله الي نوح بل الي آدم كلهم طيبون طاهرون و ذلك قوله في الزيارة كنتم في الاصلاب الشامخة و الارحام المطهرة ، و اساميهم هذه : محمد صلي الله عليه و آله ابن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النظر و هو قريش بن كنانة بن خريمة بن مدركة بن الياس بن مظر بن نزار بن معد بن عدنان بن اد بن ارد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن النبت بن حمل بن قيداد بن اسماعيل ابن ابرهيم الخليل بن تارخ بن ناخور بن شروغ بن ارغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن افخشد بن سام بن نوح عليه السلام ابن ملك بن متوشلخ ابن اخنوخ بن اليامر فهلاييل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم عليه السلام و لنعم ما قيل :