قال اعلي الله مقامه : استشهد بحدوث الاشياء علي ازليته .
اقول قد بين في هذه الفقرة الشريفة جميع اسرار التوحيد و حقيقة التفريد و هذه الفقرة الشريفة مأخوذة من كلام علي عليه السلام في دعائه يوم الجمعة قال عليه السلام الحمد لله الذي لا من شئ كان و لا من شئ كون ما قد كان مستشهد بحدوث الاشياء علي ازليته و بما وسمها به من العجز علي قدرته و من قوله عليه السلام في خطبته الحمد لله الدال علي وجوده بخلقه و بمحدث خلقه علي ازليته ، و اعلم ان غالب كلمات ابي (اع) اما صريح الخبر او معناه و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و من نظر في كتابي المسمي بكتاب المبين و في كتب ابي حشره الله مع محمد و آله الطيبين صلوات الله عليهم اجمعين عرف ذلك بلا غبار بل وقف علي الاسرار بلا اكدار ، الحاصل مراده (اع) من هذا الكلام بيان ازليته بعد توحيده و توضيح سبيل معرفتها فقال استشهد بحدوث الاشياء علي ازليته ، اي جعل حدوث الاشياء برهان الازلية بل اعظم شاهد عليها ، و لذلك وجوه ظاهرة جلية و معاني و اسرار خفية :
اما واحد من المعاني الظاهرة فهو انا بعد ما نظرنا في الاشياء و وجدناها متغيرة متبدلة و جميعها في [ص 34] معرض الزوال و الفناء مع انا نعلم ان لها صانعا اذ هي بانفسها لمتحدث نفوسها اذ كانت معدومة و المعدوم لايحدث نفسه و لايعطيها الوجود و لايوجدها من هو مثلها فان زايل اذ لعل الموجد يفني قبل فناء الموجد فكيف يكون سبب بقائه هذا و هو بنفسه لميكن موجودا و وجوده بايجاد الغير فوجوده لموجده و هو لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا فكيف يبذل ما لايملكه بغيره ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي شئ و هو كل علي مولاه فكيف يقدر علي اعطاء شئ فلا بد و ان يكون المعطي واجدا من نفسه بنفسه فلا بد و ان يكون الصانع ازليا فانت اذا نظرت الي الحوادث و شاهدت زوالها عرفت ان لها صانعا ازليا .
و وجه آخر ابطن من ذلك انك اذا نظرت الي الملك وجدت حوادث زايلة و اشياء فانية متجددة و مواليد منقطة و اذا كشفت النظر و دققت البصر و قطعت الفكر و كشفت عن سبحات الجلال و عاينت الجمال تري نورا ابديا و وجودا ازليا هو حق الوجود و حقيقته و نور المعبود و ازليته و لاتزعم انه هو الله جل جلاله حاشا و حاشا بل هو جماله و جلاله و ازليته الظاهرة في اسمه الاعظم الذي هو كينونته و ذلك قوله عليه السلام كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين ، و هذه الازلية الكبري دليل ازلية الله جل شانه الذاتية كما انه هو العلم و هو آية العلم الذاتي و هو اصل كل اسم و صفة و مسماه و موصوفها فتدبر و لو شئت [ص 35] ان ابسط المقال في ذلك لاقتضي رسم قطبات و دفاتر و ضيق المجال و كثرة الملال مع معاشرة الانذال و مجاورة الارذال يمنعني عن ذلك فاقتصر علي مجملات و لكني لاامنع عن الاشارة لاهلها ان شاء الله و بالجملة فانت اذا نظرت الي الحوادث مع الغض عن حدوثها تري جمال الازلية و جلالها و ذلك لايكاد يظهر الا في الحوادث لا من حيث حدوثها بل من حيث كونها آيته الاتري الي المطلق انه يظهر في الافراد و الافراد مظاهره لا من حيث فرديتها بل من حيث آئيتها اي وجودها فوجود الافراد آية المطلق و علامته و دليله و ظهوره و سبيله و نوره فبوجودها نستدل عليه فتدبر و كذلك بوجود الحوادث نستدل علي الازل ، و اخبار آلمحمد صلوات الله عليهم الدالة علي ذلك كثيرة و قد رويناها في كتاب المبين و سيخرج انشاء الله كتابا جامعا مباركا قال علي عليه السلام بصنع الله يستدل عليه و بالعقول تعتقد معرفته و بالفكر تثبت حجته جعل الخلق دليلا عليه فكشف عن ربوبيته ه .
و اعلم ان غاية دلالة المصنوع علي صانع لا الاحد جل شانه و غاية دلالة الحوادث علي الازل الذي هو اسم الله الرضي و وجهه المضيء و اعلم ان حدوث الخلق ليس علي منهج واحد فان درجات الملك مختلفة متفاوتة و كذلك حدوثها متفاوت و ان كليات الملك علي ثلث درجات : الاولي مقام السرمد و هو فعل الله سبحانه و مشيته و هو حادث [ص 36] مخلوق علي خلاف ما زعمه بعض الحكماء اذ جعلوا ارادة الله قديمة و مذهب آلمحمد سلام الله عليهم ان الارادة حادثة و كان الله سبحانه و لميكن مريدا ثم خلق ارادته بل زعموا ان الارادة من الصفات الذاتية و ذلك قول مجتث زايل و عن حلية الاعتبار عاطل قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و قال ابوعبدالله عليه السلام المشية محدثة و قيل له لميزل الله مريدا فقال ان المريد لايكون الا و المراد معه بل لميزل عالما قادرا ثم اراد ، فالمشية محدثة و لكن حدوثها بحسبها و الثانية مقام الدهر و هو اعلاه العقل اول ما خلق الله من الاكوان و اسفله اعالي المثال و جميعها حوادث فان ما سوي الله مخلوقة مقدرة و الثالثة الزمان و هو ما تري من العرش الي التراب و يلحق بها ارض عالم هورقليا و جميعها حوادث اي مخلوقة مدبرة لله سبحانه و لكن حدوث كل عالم بحسبه فعالم الزمان حادث زماني اي يمر علي اجزائه الاوقات و يحددها الحدود و الجهات و هي لمتكن ثم كانت غاية الامر ان اعمارها متفاوتة بحسب لطافتها و كثافتها و امثل لك مثالا في المواليد الاتري الي المعادن المنطرقة ان جميعها حوادث زمانية اي لها بدؤ و ختم و هي بمعرض التغير و التبدل و لكن شؤنها متفاوتة بحسب تلززها و نضجها فالنحاس اقل ثباتا و دواما من الفضة فانك اذا طرحت النحاس في مكان ني (ظ) يتبدل زنجارا في اسرع زمان و كذلك الحديد ينقلب زعفرانا و اذا سقيت الاسرب بالخل او علقته في الدن الذي [ص 37] تصلح فيه الخل ينقلب سكرا في ايام قلايل بخلاف الفضة فانها اطول منها عمرا لنضجها و اعتدال تركيبها في الجملة و لكنها تبيد ايضا يوما و تبدل زنجارا بخلاف الذهب فان التراب لايؤثر فيه طول الايام و السنوات الا ما شاء الله و لكن ماء الرزين يحله في اسرع وقت و مرادنا طول عمرها و قصرها لا بيان حلها و عقدها و جميع المواليد حالها علي ما ذكرنا و كذلك الآباء العلوية و الامهات السفلية ستبيد حينا ما غاية الامر ان اعمارها اطول من المواليد و جميعها حوادث زمانية يعني يمر عليها الازمنة و الاوقات فهي في وقت ثابت و في وقت زايل نعم مجموع عالم الاجسام لايكون زمانيا و هو ملحق بالعالم الاعلي ، و اعلم ان الزمان غير الليالي و الايام فانها مكائيل للزمان و الزمان هو نسبة صفة الي صفة و مدة بقاء الصور علي المواد و الدهريات لاتوقت بهذه الاوقات كما لاتحدها الحدود و الجهات بل هي ثابتة في جميع الاوقات الاتري ان الماء المطلق ثابت في جميع الازمنة و لكنه مع ذلك حادث و حدوثه محدوديته بجاره فالماء المطلق ليس في التراب المطلق و التراب ليس في الهواء و ان كان كل ثابتا في مقامه و ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله دهرا فحدوثها انقطاعها في درجة خاصة و ثبوتها في مقام مخصوص و اما السرمد فلايحده الاوقات الزمانية و لايحده الدرجات الدهرية فانه ثابت في كل درجة و وقت فلايكون حادثا بهذا المعني و لكن حدوثه صرف [ص 38] افتقاره الي ربه و فناؤه في جنب نوره بمعني ان الله هو الذي يري منه فهو الباقي و غيره هالك و اعلم ان مجموع الزمان دهري و مجموع الدهر سرمدي و مجموع الملك ابدي ازلي بمعني ان الله جعله ازليا و ذلك قوله اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود ، فافهم . فحاصل الكلام ان جميع الملك حوادث و استشهد محدثها بها علي ازليته .
و اعلم ان لذلك باطنا و تأويلا و لايعرف الا ببسط في المقام بقدر الضرورة فاجمع حاستك حتي تعرف الكلام من اهله :
اما تأويله فاعلم ان ما هو الباقي الدايم من عند الله هو الحق و الباطل هو الزايل كما يشهد بذلك الآيات و الاخبار فان الله يريد ان يحق الحق و يبطل الباطل و لذلك يكون دولة الباطل مجتثة زايلة و دولة الحق دايمة و ضرب مثل ذلك في كتابه فقال مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها ، و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و هذه مقدمة شريفة ، و مقدمة اخري ان كل شئ يعرف بضده و لذلك قيل ان الاشياء تعرف باضدادها فبالحر نعرف البرد و لو كان الملك برمته بردا ماكنا نعرف الحر و كذلك نعرف النور بالظلمة و لذلك لايعرف الله اذ لا ظهور لغيره حتي يعرف به . فاذا عرفت ذلك و المقدمة الاولي فاعلم ان الباطل محدث احدثه الناس و لميرض الله بذلك و لميجعل له اصلا و الحق من عند الله و هو الذي جعله الله و رضي به فهو ازلي من الله و اليه بخلاف الباطل فانه زهوق فهو حادث [ص 39] و الحق هو وجه الله الباقي اي دينه كما في خبر و مع ذلك نحن نعرف الحق بالباطل و الباطل بالحق للمضادة بينهما كما لايخفي و لو كان جميع الملك باطلا لماعرفناه و لو كان جميعه حقا لماعرفناه اذ ما شاهدنا غيره فالله استشهد علي ازليته اي الحق الذي هو النور بالباطل و هو حدوث الاشياء اي الظلمة المنقطعة الظاهرة فيها كما ان الحق هو النورية الظاهرة فيها و هما حيث الرب و حيث النفس بلحاظ فنعرف حيث الرب بحيث النفس و حيث النفس بحيث الرب .
و اما الباطن فاعلم ان الازلية هي ظاهرة في آلمحمد سلام الله عليهم و هم الوجه الباقي بعد فناء كل شئ كما في خبر آخر فهم الباقون و شيعتهم منهم و هم وجه الله الباقي بعد فناء كل شئ و الله سبحانه خلق الخلق بهم و لهم كما في اخبار كثيرة انهم سبب خلق الخلق و علة الموجودات فعن ابيعبدالله عليه السلام في حديث نحن علة الوجود و عن علي عليه السلام انا صنايع ربنا و الناس بعد صنايع لنا و في رواية عن النبي (ص) فنحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا انتهي ، و لا شك ان بالمصنوع يستدل علي الصانع و بالمعلول علي العلة فانك اذا رأيت النور تستدل به علي المنير فبحدوث الاشياء تستدل علي الازلية اي علة المعلولات بل علة العلل و سبب المسببات فافهم ذلك ان شاء الله و يكفي ما ذكرناه في الباطن و التأويل . و اما باطن الباطن فمستور غير مذكور و الي الله [ص 40] تصير الامور .
قال اعلي الله مقامه : و بانقطاع افراد خلقه علي ابديته .
اقول عطف علي قوله استشهد بحدوث الاشياء علي ازليته ، يعني استشهد بانقطاع افراد خلقه علي ابديته فان كل فرد من افراد الخلق ينقطع بفرد آخر مثله الاتري ان الماء ينقطع بالتراب و التراب بالهواء و كل مولود ينقطع بمولود آخر مثله و ان المواد من حيث انفسها غير محدودة بالحدود اذ هي مخلوقة من نور الوجود و هو من حيث نفسه غير محدود و الحدود هي من الصور فبعد ما تصورت تعينت الاتري الي التراب انه من حيث نفسه لايكون محدودا بالكأسية و القعبية و الفخارية و اللبنية و الطابوقية و لكن بعد ما تصور بصورة الكاس صار محدودا بحده فالكاس محدود بالقعب و هكذا كل صورة محدودة باخته فتتقضي بها و تفسد فكل صورة منقطعة و المادة من حيث نفسها لاتكون محدودة بصورة خاصة و لكنها في حد نفسها غير الصورة فهي محدودة بمطلق الصورة كما ان الصورة محدودة باصل المادة فالمادة تنقطع عند الصورة و الصورة تنقطع عند المادة و لا شك ان كل شئ مركب من مادة و صورة فان الله لميخلق شيئا فردا قايما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه فكل شئ منقطع سوي الله سبحانه و بعد ما نظرنا في الاشياء انها تنقطع عرفنا ان فوقها من لاينقطع امده و لاتنفصم ايامه بالدليل الذي مر سابقا فان كل مؤلف [ص 41] بالفتح يدل علي مؤلِفٍ بالكَسْر و المؤلفات لمتؤلف انفسها و لميؤلفها من هو مثلها فدلت بانفسها علي مؤلفها و شواهد ما نقول في الاخبار موجودة .
و اما لفظ الابد و الازل و سر اختيارهما في المقامين فاعلم ان الازل بالتحريك هو ما لا بداية له في اوله كالقدم و الابد ما لا نهاية له في آخره كالبقاء يجمعهما واجب الوجود كالاستمرار فانه لا بدء له و لا ختم و لكن لما كان في لفظه معني المرور و كان بقاء الزمان بسبب مرور اجزائه بعضها عقيب بعض لا جرم اطلقوا المستمر في حق الزمان و اما في حق الباري جل شأنه فهو محال لانه لايمر عليه الازمنة و الدهور و هو خالق الكل و بيده نواصي جميع الامور و السرمد من السرد و هو التوالي و التعاقب سمي به لذلك و زادوا عليه الميم ليفيد المبالغة في ذلك المعني قيل لما كان هذا المعني في حق الله تعالي محالا كان اطلاق السرمد عليه محالا ايضا فان ورد في الكتاب و السنة اطلقناه و الا فلا و الازلي قيل انه اعم من القديم لان اعدام الحوادث ازلية و ليست قديمة و هذا محض تدقيق لايفيد لنا فايدة و اما لفظ الازلي و اشتقاقه فعن ابنفارس و اري كلمة يعني الازلي ليست بمشهورة و احسب انهم قالوا للقديم لميزل ثم نسب الي هذا فلميستقم الا بالاختصار فقالوا يزلي ثم ابدلت الياء الفا لانها اخف فقالوا ازلي كقولهم في الرمح المنسوب الي ذييزن ازني و بالجملة تحقيقاتهم في المقام كثيرة و من العجب اختلافهم في لفظ الازل و الابد في حق الله فعن [ص 42] جماعة ان الازل ما مضي من عمر الله و الابد ما بقي و عن بعض بالعكس نعوذ بالله من قبح الزلل و بوار الايم و لايضرنا ان نقول كما ذكرناه هنا ان الازل بمعني انه لا بدء له و الابد بمعني انه لا ختم له و يظهر من عبارة مولاي انه اختار ذلك فقال (اع) استشهد بحدوث الاشياء علي ازليته ، اي بوجودها بعد العدم او بعد ان لمتكن شيئا مذكورا علي انه تعالي لا بدء له و بانفصام الافراد و انقطاعها علي انه لا آخر له و لا ختم فهو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن .
و اما في الباطن فاعلم ان ابديته سبحانه ظاهرة في آلمحمد سلام الله عليهم اذ هم الوجه الباقي الدايم الذي لايزال و لايزول لا بدء له و لا ختم فهو ازليته و ابديته و ليس ذلك الا لانهم اول ما خلق الله سبحانه و الاول هو محل الاسماء و مواقع الصفات بادلة كثيرة فصلناها في ساير رسايلنا و لعله سيجيء الاشارة الي بعضها في هذا الشرح و اول ما خلق الله منزه عن القيود معري عن الحدود بل صار اولا لذلك و الا فلا معني لاوليته غيره اذ لايجري هنا الازمنة و الدهور و لا المراتب و الدرجات المترتبة فالاول اول باطلاقه و اطلاقه لقربه من المبدأ و المبدأ مطلق عن صفات المنتهي اذ لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فاول ما خلق الله مطلق و لما كان جميع ما سواه مخلوقا من نوره و كلها آثاره يكون جميعها افراده و لذلك تري في اخبارهم انهم يوصفون انفسهم بذلك الاتري ان عليا عليه السلام يقول في خطبته الشريفة انا مع الدور قبل الدور [ص 43] انا مع الكور قبل الكور و قوله عليه السلام انا الواقف علي الطتنجين الناظر في المشرقين و المغربين ، و امثال ذلك من الاخبار و لا شك ان الافراد دليل المطلق فان دليله آياته وجوده اثباته كما ان نور الشمس دليل الشمس و نور السراج دليله و كل اثر يدل علي مؤثره فالله سبحانه استشهد بالافراد علي ابديته اي آلمحمد سلام الله عليهم فافهم ذلك ان شاء الله و كم من خبايا في زوايا اخفيتها خوفا من ابليس و ملأه و الله هو المسدد المؤيد انشاء الله .
قال اعلي الله مقامه : عرف نفسه في كل شئ فلايجهله شئ .
اقول كلامٌ عجيبٌ غريبٌ بين فيه اسرار المعرفة اخذه من كلمات آلمحمد عليهم السلام و سأذكر بعضها في تلو البيانات ان شاء الله تعالي . اقول ان الله سبحانه ذات احدية قد علت عن آحاد خلقه و ارتفعت عن جميع افراد ملكه فلايشبهه شئ لانه فوق الاشياء و ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و اذ كان فوق جميع خلقه و ليس كمثله شئ يكون محيطا بكل شئ اذ ليس فوقيته كفوقية الخلق و لا تحتيته كتحتية الخلق فهو فوق الاشياء لا بفوقية فهو تحت كل شئ بلا تحتية علا فقهر و دنا فظهر داخل في الاشياء لا كدخول شئ في شئ خارج عن الاشياء لا كخروج شئ عن شئ و ذلك شأن الاحد جل شانه و قد ضرب الله مثل ذلك و اظهر آيته فيك الاتري الي ذاتك انها احدية بالنسبة الي صفاتك و اعمالك فهي فوق كلها [ص 44] و لاتكون محدودة بشئ منها فهي فوقها لا كشئ فوق شئ و تحتها لا كشئ تحت شئ و من عرف ذاته هكذا لايكاد يستشكل بعد معرفة ربه بقدر ما يمكن للمخلوقين فالاحد جل شانه لايحد بالخلق اذ ليس من جنسهم و هو فوقهم الاتري ان الماء يحد بالتراب و التراب يحد بالنار و كل عنصر باخيه و كل مولود بشقيقه و اما الجسم المطلق فلايحد بشئ من الارضين و السماوات فهو حاضر في السماء و الارض و البر و البحر و الحجر و المدر و الانسان و الحيوان و النبات و الجماد و كل ما ذكر او لميذكر ظاهر من جميعها عامل بها منها لها فيها و هو اولي بجميعها من انفسها فهو اوجد من كلها في مقام تعينها و وجودها فانت مع رؤيتها نظرك اليه و ان لمتعرفه و ذلك سر منمنم و رمز مبهم لايعرفه الا من كان عارفا بالنور الاجل الاكرم ناظرا بالعين المستعار من العيان الافخم الاشيم فافهم ذلك و ان لمتفهم فتعلّم فالجسم ظاهر في كل شئ و انت تراه من كل شئ و اذا كان الامر في الجسم الذي هو محدود بالقيود مقيد بالحدود هكذا فما ظنك بالرب العزيز الودود و الخالق الذي هو فوق الفوق بلا فوق فهو لايكون محدودا بالتحت و لا الفوق و لا فرق لديه بين العالي و الداني و الباقي و الفاني اذ الباقي باق بابقائه و الفاني فان بظهور نوره بعد فنائه الاتري الي الوجود الذي هو اسمه الاعظم و التجلي الاكرم و السراج الذي يستضاء به في الظلم كيف يكون ظاهرا في العرش الرفيع الذي عليه استوي و الكرسي الوسيع الاعلي و السماوات [ص 45] العلي و الارضين السفلي و ما بينهما و ما تحت الثري فالعرش موجود و الكرسي موجود و الفلك موجود و الملك موجود و كل موجود موجود و جميع ذلك موجود بالوجود الظاهر في الغيب و الشهود فليس الاعلي اوجد من الاسفل بل لايصلح بهذا المعني بناء افعل التفضيل من الوجود اذ كل شئ موجود بالسواء و هذا الوجود هو اسمه الحق و التجلي المطلق و هو اولي بكل مقيد من نفسه في بيته و رمسه فما ظنك بربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لميعلم كلا و ربك هو اولي بالظهور من اسمه بل هو نور السماوات و الارض فهو الذي عرف نفسه في كل شئ لا بمعني انه ظهر من شئ فالشئ غيره فان الظاهر في ظهوره اظهر من ظهوره فلا شئ غيره حتي يظهر منه بل هو الظاهر و غيره خفي اروي في كتاب المبين عن ابيعبدالله الحسين عليه السلام في دعائه الهي ترددي في الآثار يوجب بعد المراد فاجمعني عليك بخدمة توصلني اليك فكيف يستدل عليك بما هو في جوده ( وجوده ظ ) مفتقر اليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون الآثار هي ( التي ظ ) توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لمتجعل له من حبك نصيبا الهي امرت بالرجوع الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت فيها مصون السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها ، الي [ص 46] ان قال : تعرفت لكل شئ فماجهلك شئ و انت الذي تعرفت اليّ في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ فانت الظاهر لكل شئ يا من استوي برحمانيته فصار العرش غيبا في ذاته محقت الآثار بالآثار و محوت الاغيار بمحيطات افلاك الانوار يا من احتجب في سرادقات عرشه من ان تدركه الابصار و يا من تجلي بكمال بهائه فتحققت بعظمته الاسرار كيف تخفي و انت الظاهر و كيف تغيب و انت الرقيب الحاضر انتهي . فالله سبحانه تعرف نفسه لكل شئ حتي عرفه كل شئ فكل احد يعرف ربه لانه ظهر له به و قد ظهر له بذاته و نفسه فان نفوس الخلايق آيات تعريفه و تعرفه و ما جهل شئ لايجهل عن نفسه في الكون .
و اعلم ان معرفة النفس من المسايل المشكلة لشدّة ظهورها و هذا من اعجبِ العجاب ان الناس برمتهم يعرفون انفسهم و لايعرفون حقيقة ذلك فاعلم ان المعرفة المعروفة بين الناس هي الوجدان في المرة الثانية اذ تري اولا رجلا و لاتعرفه سابقا فتطلع علي حاله و تعلم من هو و كيف هو ثم تراه في المرة الثانية و انت كنت عالما به فتقول اعرفه او تخيله و تشاهد مثاله و تقول اعرفه و لكنك لمتفقد نفسك في الكون ابدا بل انت تجد نفسك فعرفانك لها غير المعرفة الظاهرة و لكنه نفس الوجدان الاول و لاتزيد شيئا من معرفتها بخلاف معرفة من هو خارج منك و لذلك قد نعبر عن هذه المعرفة بالعلم و قد نعبر بالوجدان فمعرفتك لنفسك نفس علمك بها و هو نفس وجدانك [ص 47] و ليس وجدانك بفعل غيرها اذ فعلها اثرها و اثرها لايطلع عليها فالمراد من الوجدان نفس كونك انت انت و ذلك نفس المعرفة الكونية و لاتفيد ذلك للعبد شيئا الا محض حيوة كونية و بقاء وجوديّ و جميع الخلق في ذلك بالسواء و لكن الفخر و الذخر في المعرفة الشخصية و حقيقتها من السر المكنون و لايطلع عليه الا الخاصون الا اني بقدر فهمي القاصر اذكر هنا ما استفدته من الاكابر و اسأل الله ان يوفقني و هو خير ناصر .
فاقول ان المراد من نفس الله غير ما تعرفه من النفس اذ ليس له نفس في مثل نفوس خلقه اذ هو احد جل شانه و الاحد لا نفس له كما انه لا عين له و لا اذن له بل لا روح له و لا عقل له و لكنه واحد احدي المعني و لكن خلق في خلقه ازكياء ابرارا و نسبهم الي نفسه فكل من كان منهم روحا طيبا طاهرا نسبه الي نفسه فقال روحي و من كان منهم اذنا زكية نسبه الي نفسه و قال اذني كما انه جعل موسي رجلا فصيحا بليغا فاختاره لنفسه و قال كليمي و كذلك اختار ابرهيم للخلة فقال خليلي و احب محمدا (ص) فقال حبيبي و هكذا جعل عليا عليه السلام نفسا زكية فقال نفسي و يشهد بذلك اخبار كثيرة و انا اروي لك حديثا واحدا يكون لك بابا من العلم اروي في كتاب المبين عن الصادق ابيعبدالله (ع) في قول الله عز و جل فلما آسفونا انتقمنا منهم قال ان الله تبارك و تعالي لايأسف كاسفنا و لكنه خلق اولياء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مدبرون فجعل [ص 48] رضاهم لنفسه رضاءا و سخطهم لنفسه سخطا و ذلك لانه جعلهم الدعاة اليه و الادلاء عليه فلذلك صاروا كذلك و ليس ان ذلك يصل الي الله كما يصل الي خلقه و لكن هذا معني ما قال من ذلك و قد قال ايضا من اهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني اليها و قال ايضا من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله و كل هذا و شبهه علي ما ذكرت لك و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الاشياء مما يشاكل ذلك و لو كان يصل الي المكون الاسف و الضجر و هو الذي احدثهما و انشأهما لجاز لقايل ان يقول ان المكون يبيد يوما لانه اذا دخله الضجر و الغضب دخله التغيير و الزوال و اذا دخله التغير لمتؤمن عليه الابادة و لو كان كذلك لميعرف المكون من المكون و لا القادر من المقدور و لا الخالق من المخلوق تعالي الله عن هذا القول علوا كبيرا و هو خالق الاشياء لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه فافهم ذلك ان شاء الله تعالي انتهي . و هذا الحديث الشريف اصل اصيل انه لايجري عليه شئ مما يجري في المخلوقين و لايجوز له ما يجوز لهم و لكن ينسب كل ذلك الي اوليائه فهم نفسه كما قال عليه السلام في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن ، فعلي عليه السلام نفسه العلية و عينه التي من عرفها يرزقه الله الطمأنينة و ينزل عليه السكينة و ذاته الظاهرة و هذه النفس الشريفة هي التي عرضها علي جميع خلقه و اظهرها من كل شئ اذ هي اول ما خلقه فامره ان [ص 49] يتجلي في كل شئ لكل شئ لاطلاقه عن جميع القيود و هذا العرض هو الميثاق الذي واثقكم به و العهد الذي اخذه علي الانبياء و المرسلين و الملئكة المقربين و ساير الخلق اجمعين حتي الطير في الهواء و الوحش في الصحراء و عرفها كل شئ بقدر فهمه بل اظهره في سمائه و ارضه ،
و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد
و ذلك معني قوله عليه السلام انه كتب اسمي علي كل شئ قال عليه السلام في الدعاء بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و قال و حروف لا اله الا الله في الرقوم المسطرات ، و ان ابيت الا البرهان الجدلي علي ذلك اقول لا شك و لا ريب بل انعقد عليه الاجماع انه عليه السلام امام جميع العوالم الالف الف و يشهد بذلك الاخبار و صحيح الاعتبار و الامام هو الحجة من الله و لا بد و ان يكون الحجة معروفا اذ لو لميعرف لما تمّ الحجة و ما ثبت التكليف و بطل الايمان فان اول الدين معرفة الحجة الاتري انه قال عليه السلام لسدير ما معناه انه لايصلح السؤال عن الايمان حتي يعرف الايمان بمن فكيف تثبت الايمان بدون معرفة المؤمن به و هو الامام هذا و الايمان هو الاقرار في الجنان و العمل بالاركان و الاسلام هو العمل بالاركان فلا بد في استقرارهما معرفة الحجة عليه السلام الاتري انه لمينزل من عند الله اكمال الدين حتي نصب رسول الله (ص) عليا بل قال انك ان لمتفعل فمابلغت رسالته مع انه [ص 50] (ص) امر و نهي و بعد ما نصب عليا (ع) نزل اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فجميع العوالم لا بد و ان يعرفوا عليا عليه السلام كيف ما عرفوا و للمعرفة في كل عالم شأن فالله سبحانه اظهره لكل شئ و ابداه و عرفه لكل شئ و مااخفاه حتي عرفه العباد بقدر شأنهم و عبدوا لله في مكانهم و ذلك قوله عليه السلام بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله ، فان كان لك البصر و نظرت حق النظر و اجلت الفكر لاتمر بشئ الا ان تعرف منه عليا و تشاهد قبله او معه وليا و ذلك معرفة نفس الله بل ذلك معرفة نفسك اذ نفس الله نفس عباده كما ان عرشه عرشنا و كرسيه كرسينا بل رسوله رسولنا و ذلك قوله تعالي و انفسنا و انفسكم مع ان رسول الله صلي الله عليه و آله اتي من انفسنا عليا و المراد انفس المسلمين كما لايخفي علي من كان من اهل الديار و عرف الجبار و شاهد النور بلا غبار فقوله من عرف نفسه فقد عرف ربه ، اي من عرف عليا عرف ربه اي امامه و معرفة الامام معرفة الله و ذلك قوله عليه السلام رب الارض امام الارض و سأله سايل عن معرفة الله فقال معرفة اهل كل زمان امام زمانهم ، فمعرفة امام الزمان معرفة الله شرعا لا غير و لايجهله احد من الخلق ايضا و ان رأيت احدا ينكره فاعلم انه جحدوا به و استيقنته انفسهم ظلما و الا فالله اجل من ان يخفي حجته نعم ربما يخفي جلوة من جلواته علي بعض و لكنه لايكاد يخفي جميع جلواته فان كل خير جلوته و كل نبي آيته و ان له مع كل ولي اذنا [ص 51] سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و هو النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي و انت تعرف واحدا لا محالة و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و قد بدت البغضاء من افواههم و ما تخفي صدورهم اكبر و عذاب الله ما ورائهم و هم غافلون و لا عاصم اليوم من امر الله تبا لهم و سحقا كيف يطلعون علي اهوائهم اذ اتخذوها آلهة و يعرفون احبارهم و رهبانهم اذ جعلوها اربابا من دون الله و يعلمون كيف ينحتون اصناما فيسجدوا لها خاضعة و يعبدوها طايعة و لايعرفون من خلقهم فسويهم و عدلهم في اي صورة ما شاء ركبهم كذبوا لعنهم الله و خسروا خسرانا مبينا و مصيرهم الي النار جهنم يصلونها و بئس القرار فافهم ما آتيتك من الذكر الحكيم و اشكر ربك الكريم و اعبده حتي يأتيك اليقين فتفوز في الدرجات العلي مع الفايزين و تحشر في الجنات مع الموقنين و الحمد لله رب العالمين .
قال اعلي الله مقامه و رفع اعلامه : و شهد لكل شئ عن كل شئ فلايغيب عنه شئ .
اقول بين (اع) في الفقرة الاولي ظهوره لكل شئ و في هذه الفقرة مشاهدته لكل شئ و كفي به شهيدا فقال (اع) انه شاهد لكل شئ عن كل شئ فلايغيب عنه شئ و مأخذ ذلك ايضا يعرف مما مضي في شرح الفقرة الاولي و الاشارة الي البيان في الجملة بقدر مسيس الحاجة اليه ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد هو اولي بجميع خلقه منهم بمعني ان وجودهم و بقاءهم [ص 52] و فعلهم و عملهم كلها له سبحانه و لذا نقول لا فاعل سواه كما في الخبر و تقول في الدعاء لكل طاعة و معصية لا حول و لا قوة الا بالله ، و كذلك وجود الخلق له الاتري الي قوله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار و الملك يشمل جميع البسايط و المواليد و لذا قال تعالي في محكم كتابه انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا و قال ان وليي الله و قال ذلك بان الله مولي الذين آمنوا و جميع الملك آمن بالله كونا فصار مولاهم و اما الكافرون فلا مولي لهم لان الكافر الكوني لميوجد فلميظهر فيه نور الاحد فالاحد لايكون مولاه بل مولاهم النار اي نار العدم فتدبر في معني الآيتين حتي تفوز مع الفايزين و اسأل الله ان يرزقني فهم ذلك حتي لااكون من المقبوحين و الله خير الناصرين و بالجملة فالله سبحانه اولي بجميع خلقه منهم هذا في الظاهر القشر الذي يتحمله الناس و باطن ذلك لايكاد يظهر للناس الا بعد ظهور الحجة عليه السلام و روحي فداه و رزقني لقاه .
فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان الذي هو اولي بك منك هو العامل منك لا محالة فهو ناظر من عينيك سامع من اذنيك ناطق من شفتيك معط من يديك الاتري انك تأخذ الشئ من يد فلان و تقول ان الله اعطاني و لو اعتقدت غير ذلك لكفرت مع انك اخذت من يدي عبد مخلوق و رق مرزوق نعم ربما تنسبه الي المعطي من باب نسبة فعل الانسان الي يده او عضو من اعضائه فتقول عمل يد فلان و خط يمينه و من هذا الباب قول الله و لاتخطه بيمينك و هذا في العرب [ص 53] و العجم مشهور و من هذا الباب اختلاف قوله في توفي الانفس فمرة يقول قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم و مرة يقول الله يتوفي الانفس حين موتها و من العجب انه ينسب الموت تارة الي نفس الانسان فيقول و التي لمتمت في منامها فافهم ذلك انشاء الله و من هذا الباب مرة نقول ان الله اعطانا و مرة نقول زيد اعطانا بل اقول انك لاتعطي احدا شيئا الا الله كما في الخبر ان الامام عليه السلام كان يقول ان الصدقة تقع في يد الله قبل ان تقع في يد السايل و لذا كان يقبل يديه بعد ما اعطي بل كان يأخذها من يد السايل و يقبلها لأنها قد وقعت في يد الرب و ذلك قوله تعالي و يأخذ الصدقات الآية ، و بالجملة ان نظرت بهذا العين تري ان جميع المعاملات التي تفعل مع الخلق شأنها هكذا و منها ادراكات الخلايق فكل احد يدرك ما يدرك بالله سبحانه كما في الخبر انه لايدرك مخلوق شيئا الا بالله ، فجميع المشاعر لله و الله المدرك من ورائها فانت تري بحول الله و قوته و الله يري من وراء عينك فيري جميع المرئيات من وراء عينك و كذلك يسمع من وراء اذنك و ينطق من وراء لسانك و هكذا هذا و هو يراك من عينك ايضا لان عينك ايضا مشعر من المشاعر و الله المدرك منه و كذلك يسمع صوتك من اذنك و هكذا يشهد جميع المشاعر في يوم القيامة لان المستشهد الذي هو الله وجد من ورائها و الا فنفس المشاعر الدنيوية لاتكون حاسة حتي تشهد فان الشهادة فرع [ص 54] الاحساس و الله سبحانه قد عرف من ورائها فهو يشهد و كفي بالله شهيدا و لمّا كان دراكاً من وراء كل مشعر لايكاد يغيب عنه شئ اذ يري جميع الاشياء من مشاعر الخلق و يري كل شئ من مشعر نفسه فتدبر و الباطن هو عين ما قلناه في الكون في الشرع ، فاقول ان الرب الشرعي قد ظهر في المؤمن الشرعي و رأي من بصره المرئيات و من سمعه المسموعات و ادرك من لسانه المذوقات و من انفه المشمومات و من يده الملموسات و ذلك لانه اي المؤمن قد اخلص نفسه لله حتي تقرب منه فالله سبحانه صار اولي به و مدركا من وراء مشاعره بل صار عين مشعره كما قال انما يتقرب الي العبد بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها ان دعاني اجبته و ان سكت عني ابتدأته ، فالله سبحانه يري من عيون عباده المؤمنين و هم شهداء الله .
بقي شئ و هو انه (اع) قال كل شئ ، و اللفظ اعم من الكافر و المؤمن ، فاعلم ان المؤمن هو الشئ و غيره لا شئ لان من عبد الله سبحانه و اطاعه صار حيا و غيره ميت و الميت كأنه لا شئ اذ هو فان و لاشئ و اما ما رُوِيَ علي ما رأيته في بعض المكتوبات و لمتصح عندي روايته ان عليا عليه السلام قال في جواب الزنديق حين سأله عن الشئ و نصف الشئ فقال اما الشئ فكافر مثلك و اما نصف الشئ فمؤمن مثلي ، فليس من هذا الباب علي فرض الصحة و له وجه [ص 55] آخر و قد بينت ذلك في بعض المواعظ و البيانات و لا اقبال لي الآن الي شرح ذلك . فالشئ المطلق هو المؤمن لان الشئ هو نور الله سبحانه و اسمه و المؤمن بعد ما اكمل ايمانه و احسن افعاله صار منورا بنور ربه موصوفا بصفته الاتري الي قوله تعالي في القدسي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت ، و كذلك اصل اسم المؤمن صفة الله و قد سمي المؤمن به لانه يؤمن علي الله فيقبل منه .
قال اعلي الله مقامه : ملأ الكون ظهوره و احاط بالوجود نوره .
اقول اشار فيه (اع) الي بيان شريف و هو انك ربما تزعم مما مضي و ما بيناه في هذا الشرح و ساير الرسايل ان الله سبحانه احد محيط انه بذاته قد احاط بكل شئ و هذا خلاف الواقع فان الله سبحانه قد امتنع معه جميع الاشياء فكيف يحيط بالممتنعات و لا كون لغيره فكيف يظهر في شئ تجل عن جميع ذلك ، و لاتعرف حقيقة المراد حتي ابين لك بيانا و هو انا نقول ان الوجودات ثلثة : وجود حق و وجود مطلق و وجود مقيد ، اما الوجود المقيد فهو الوجود الذي قد قيد بالقيود و حد بالحدود كوجود زيد مع قيد الزيدية و ساير الافراد مع قيد الفردية و الوجود المطلق هو الوجود الذي اطلق عن جميع القيود بمعني ان اطلاقه قيده و لكن لايقيد بالقيود [ص 56] الخاصة الجزئية و هو بمنزلة الفعل المطلق و الضياء بالحق و الوجود الثالث هو حق الوجود و نور المعبود و هو لايكون مقيدا بالاطلاق و لا التقييد بل هو ظاهر فيهما و لا النفي و لا الاثبات و لا الحدود و الجهات و هذا الوجود هو حقيقة الوجود اي صرف الوجود و ليس معه ذكر لشئ خاص و لا عام فالوجود المقيد معه ممتنع و الوجود المطلق ممتنع و هو هو فليس معه شئ حتي يكون ظاهرا منه و لذا نقول انه لميعط ما دونه اسمه و حده اذ لا دون له الاتري انه لا غير له فان ما سوي الوجود العدم الصرف فالذي تدعي انه اعطاه اسمه من هو هل هو موجود ام لا فان كان موجودا فهو بالوجود و الا فهو عدم فمن ذا الذي اعطاه اسمه و حده و لكنه اي الوجود الحق ظهر بنوره و شعاعه و ظهوره وقع علي المطلق اول مرة و نزل منه الي المقيدات و الاطلاق لازمة الرتبة و المقيدات دونه و الوجود ظهر في المطلق و نفذ منه و ظهر في ساير المقيدات فالذي ظهر في الملك هو الوجود الذي ظهر في المطلق لا الوجود الحق و الوجود الحق هو مثل لله سبحانه اذ ضرب مثلا للناس لعلهم يتذكرون فالله سبحانه لميظهر في عباده اذ لو ظهر فيهم لكان يصدق ان تقول ان زيدا هو الله و عمرا هو الله و هذا كفر بالله بل هو هو و لا غير له و لكن نوره و شعاعه ظهر في جميع الاكوان الاتري انك تقول جميع الخلق نوره فزيد نوره و عمرو نوره و جميع الخلق اسماؤه و صفاته و آياته و علاماته فلذلك قال ملأ الكون ظهوره ، اي التجلي الاعظم و السراج الاقوم [ص 57] و هو آلمحمد سلام الله عليهم و العرفاء الذين لميقولوا بوحدة الوجود مع انهم يقرب كلامهم من كلام هؤلاء لعلهم زعموا ان الله بنفسه قد ظهر و تجلي و لذا قالوا ما قالوا و انا لااعيب عليهم في كلامهم هذا اذ معرفة ما ذكرناه من المشكل الذي لايعرفه الا الاقلون بل ربما لميعرفه بعض احبائنا و معاشرينا و يزعمون ان الله سبحانه بذاته ظهر في زيد و عمرو و بكر و يلزم من ذلك ان تقول ان الله زيد و عمرو و بكر كما نقول ان زيدا انسان و عمرا انسان فافهم ذلك و تميز بين الماء و السراب و الحق و الباطل فربك يجل عن ان يظهر في شئ اذ لميكن خفيا او يتجلي في شئ اذ لا شئ سواه و هو هو جل شانه الاتري انه قال هو الذي في السماء اله و في الارض اله يعني ان في الارض و السماء الله الله بخلاف ما يلزم من قول الناقصين فان لازم كلامهم ان السماء في السماء اله و الارض في الارض اله و هذا كفر و خطاء فالله الله و الخلق خلق و هذا قوله عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، و بالجملة فالذي ملأ الكون هو ظهوره سبحانه و الذي احاط بالوجود نوره و نور الله آلمحمد سلام الله عليهم كما قال اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده ، فما تراه في الارض و السماء هو هم و ذلك قوله و اوحي في كل سماء امرها و قد قال عليه السلام بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، فما تراه و تزعم انه ربك جل شأنه فاعلم انه مولاك و هو آلمحمد عليهم السلام لا غير و اعلم [ص 58] ان في الفقرتين تفاوتا فاولا قال (اع) ملأ الكون ، و هو شامل لجميع عالم الاكوان و خرج منه عالم الامكان اذ الامكان قبل الكون و معني ذلك ان ظهوره سبحانه ظهر في الاكوان دون الامكان فقال احاط بالوجود نوره ، حتي يشمل الامكان و الاكوان و الاعيان فنوره سبحانه احاط بكل شئ و لا يضرنا ذلك ان نقول في شان آلمحمد عليهم السلام انهم ظهروا و احاطوا بالامكان و الاكوان فان مقاماتهم مختلفة فلهم مقام فوق الامكان و مقام فوق الاكوان فافهم انشاء الله .
قال اعلي الله مقامه : و تجلي بشعاع نوره علي جميع اهل الطول و العرض حتي عرف كل احد ان الله نور السماوات و الارض .
اقول فقرة عجيبة غريبة بين اعلي الله مقامه اسرارا عجيبة لو ماخفت ان يقال واش واش رحم الله قاتل محمد لبينت بعضها ،
و لكني اخاف عليك مني و منك و من مكانك و الزمان
اعلم ان شعاع النور غير النور و قد قال عليه السلام في معني الاظلة الخضراء انها شعاع النور فمعني الشعاع ظل النور و هو نور ايضا الا انه فرع و النور اصل و قد تجلي بشعاع نوره علي جميع اهل الطول و العرض لا النور و لا الذات و فهم ذلك دقيق و الاشارة اليه في الجملة زيادة علي ما مر ان الذات مقامها فوق ما قيل او يقال و يزعمه الجهال و تعالت عما يفتري عليه الضلال انها ظاهرة في المادة و المثال و النور و الظلال و جميع ما كان و ما يكون و المبدأ و المآل و رجوع الكل [ص 59] الي الله المتعال بل لله سبحانه سبعون الف حجابا احتجب بها عن غيره لو كشف واحد منها لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه فلايبقي محسوس و لا حاس و هلك جميع الجنة و الناس فاين الرأي و القياس و اباطيل الوسواس الخناس في توحيد الذات و معرفة خالق البريات ، و اين الثريا من يد المتناول ، فمعه سبحانه لا نور و لا منير و لا صغير و لا كبير بل و لا دال و لا دليل و لا هاد الي سبيل فافهم و اشرب العذب الصافي من السلسبيل و اعرف ربك الجليل و اما النور فهو مقام الكينونة و هو مقام الازلية و الديمومة و الحيوة و القيومية و الصمدية و الاحدية و لايكاد يظهر في الخلق مع حفظ البينونة فكيف يظهر في الطول و العرض مع ان وجوده فناء السماوات و الارض و اما شعاعه فهو الوجود الذي مر الاشارة اليه آنفا انه ظهر في المشية بالكلية و ثقب صورة الكلية و تجلي في المشاءات الجزئية و المراتب الصورية و المعنوية و الشهادية و الغيبية و الزمانية و الدهرية و السرمدية و السماوية و الارضية و المؤثرية و الاثرية و هو ما تراه من الوجود المطلق و الوجه الحق الظاهر في ما جل و دق قد تصرف من كل شئ و نطق و تجلي فيما خلق فاذا عرفت ذلك و اضفته الي ما سبق تطلع علي سر يظهر لك في جميع الآفاق كالشفق .
و اعلم ان مراتب الخلق متفاوتة فبعضها آثار و بعضها مؤثرات و فواعل و مفعولات و اصول و تنزلات و جميعها مخلوقة بمشية الله سبحانه و ان علينا بيانه و تفصيله و قرآنه ، فاعلم ان الله سبحانه خلق [ص 60] مشيته بنفسها و اكملها في مقامها فخلق بها ما سواها فاول ما خلق بها العقل كما في الخبر اول ما خلق الله العقل ، و اتبعه الجهل فصار العقل مبدأ جميع الكاينات و اول الموجودات و اكمله و احبه و اكرمه و نعمه و السبيل يسره فامره بالادبار فاطاع و ادبر بخلاف الجهل اذ امر فعصي و استكبر فابغضه و ابعده و اصلاه سقر فلما ادبر العقل عن مبدء الوجود لمشاهدة آيات ربه الودود و نوره سبحانه في اطوار الوجود وصل الي مقام الروح و تصور بصورته و تلبس بهذا اللباس و تخصص بخصوصيته و عبد نور ربه في هذا المحراب لتكمل عبوديته و استخراج ما استجن فيها من جمال ربوبيته فصار الروح تنزل العقل في مقامه كما يظهر من طريق النقل و كذلك استمع نداء ادبر من الجليل في هذا المقام كما سمعه سابقا باذن قلبه بلا كلام فنزل بعد هذه المرقات مرقاتا و جعل ربه لنزوله و وقوفه ميقاتا فنزل الي النفس بعد ما مات و دفن في الرمس فصار يومه اغلظ و اكثف من امس فقام محدودا بالحدود بعد ما كان منزها و مصورا بالصورة بعد ما كان مقدساً ، منجما بالانوار المختلفة بعد ما كان مطلساً ، فالنفس غليظ الروح و عبد ربه هنا بالصورية حتي لايبقي جلوة الا قام فيها بالعبودية و ذلك شأن المحبة ثم نزل منها الي الطبيعة اول عالم الفصل و القطيعة و تغلظ ما كان لطيفا في العوالم الرفيعة و هي النار التي افتخر بها ابليس اللعين علي صفي رب العالمين اذ سجد له الملئكة اجمعون فناداه الرب و وبخه فقال استكبرت ام كنت من العالين [ص 61] قال خلقتني من نار و خلقته من طين جاهلا بانها مخلوقة من شجرة مباركة نبتت من اشرف الارضين و غرست في تراب اخذ الله منه بيديه لخلق اب النبيين فهي فرع الفرع و اللعين قد ادبر عن الباب و شرع في القرع فلايكاد يدخل الدار بل ياول امره الي البوار و يحترق بهذه النار اذ انفصم اجله مع انه لاينقطع امله و الي هذا حداه عمله حفظنا الله من كيده و لايجعلنا بحق آلمحمد عليهم السلام من صيده ثم اعلم ان هذه النار نار من غير اخدود و تبقي بابقاء الرب بلا وقود و تشتعل بامره بلا قدحة و لا زناد و هي دائمة لاتؤل الي رماد فافهم و الله الموفق للسداد و اعلم انها و ان كانت نارا مؤصدة تطلع علي الافئدة و لكنها لاتكون مغضوبة لله في نفسها لانها عبدت مع ساير العابدين ربها و دار الغضب غير المغضوب عليه كمجلس السلطان فانه بيت محبوب لديه و ان كان يسجن فيه المقصر و يغل رجله و يديه فافهم يا من القيت الكلام اليه هذا و ما اقول في السلسلة امر كوني و الغضب و العذاب امر شرعي و بينهما لدي العالم فرق جلي ثم انه نزل من عالم الطبع نازلا الي مادة المواد و هي هيئة مجموع التفاصيل حيث لا محدود و لا حاد و هي في عالم الاعداد كالواحد المجموعي حيث لا معدود و لا عاد و في عالم الحروف المكتوبة كالمداد و في الحروف الملفوظة كالنفس المستخرج بالامتداد و هي بحر ضل فيه السوابح و نور ليس له خاتم و لا فاتح ثم نزل منها الي عالم المثال فقام هنا تحت جميع سبحات [ص 62] الجلال و حرم عن مشاهدة الجمال اذ فاء من ضوء الشمس الي الضلال و غشيه ظلمة التفصيل و اشغله نفسه عن درك وحدة ربه الجليل و اي تفصيل اكثر من عالم الاظلة اذ انفصال كل مفصل بتشقق الامثلة الاتري ان السماء غير الارض و الطول دون العرض و ليس ذلك بمحض الفرض بل هو امر واقع ليس عن الاقرار به دافع اذ هو شئ مشهود في عالم الوجود الاتري المتفرقات بعضها غير بعض و كل مثال في نفسه شئ محض فالطول طول لا عرض و السماء سماء لا ارض و الظلمة ظلمة لا نور و الظل ظل لا حرور فان عرفت البيان مع هذا التكرير فاشكر ربك علي التقرير و ما ذكرته قليل من كثير علمني العليم الخبير ، ثم نزل من عالم المثال الي الاجسام و هو الحاصل من تركيب المثال مع المادة في هذا المقام لا في عالمهما اذ هما ثابتان فوق الجسم بلا كلام فالمركب مركب من تنزلهما لا الاصول اذ الجسم لغلظته محروم عن الوصول و هذه سلسلة عرضية الا انها مترتبة و ليست طولية اذ يجمعها مادة كلية و ان كانت مختلفة في المواد الجزئية فالسافل غليظ العالي لا ما يزعمه بعض الجهال بالصور و المعاني اذ يقولون ان مادة الجميع واحدة و الكل الي مبدء واحد عايدة فالنبي من سنخ الشيطان و الرعية مخلوقة من طينة السلطان تبا لهم اشهدوا خلق الرحمن ام خلقوا هذا الكذب من البيان و لايخفي بطلان هذا القول علي من له عينان ، و اعلم ان شيخنا (اع) قد كان يسمي هذه السلسلة بالطولية [ص 63] و لايريد منها الاثرية و المؤثرية بل يريد محض ترتب الدرجات و اختلاف المقامات فطوليتها بان السافل ليس من نفس مادة العالي بل تنزلت حتي تصورت بصورة الداني و لكن لايفهم رطنه الا ولد بطنه و لست بصدد البيان و الا لكنت افصل حق القول عن مشاهدة و عيان و ربما يزعم الزاعم من كلمات ابي العلام انه يقول بوحدة الموجود لما شاهدوا من متشابه الكلام اذ اقتدي في عباراته بسادة الانام فمنها متشابه كمتشابهات احاديثهم و منها محكم كمحكمات اخبارهم و اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا من هداه الله الي دليله او سلك في قل الامور و جلها في سبيله و القول المحكم و القضاء المبرم الذي لايتغير ما خص شئ او عم ان السافل مادته غير مادة العالي كما ان صورته غير صورته و النوراني مادته غير مادة الظلماني كما ان صورته غير صورته ، فاذا عرفت ذلك اقول كل فرد مما ذكرته في تلك السلسلة في حد نفسه مطلق عن قيود افراده و قد تجلي الي افراد قبل التلبس باللباس السافل و ظهر بعد التلبس ايضا في آحاد فالعقل قبل ان ينزل الي الروح ظهر في عقول جزئية هي لها بمنزلة رؤس و قد حصلت من تجلي نفس العقل الي قوابل متكثرة بعد حصولها اذا نظرت من الاسفل و قبلها اذا نظرت من الاعلي و ذلك شأن كل اعلي و ادني الاتري انا نقول ان الاستجابة قبل الدعاء مع انا نقول ما لمتدع [ص 64] لايستجاب لك اذ ليس لربك اقتضاء و كلا القولين صحيحان لدي العارف بانواع الالحان فانك ان نظرت من الاسفل تري ان العبد ما لميدع ربه لايستجيب له و ان نظرت من الاعلي تري الاستجابة قبل الدعاء اذ هي اعلي و مثل ذلك ايضا الروح و الجسد مرة نقول ان الجسد بعد ما خلق يخلق الروح كما تري علانية و مرة نقول ان الروح سابق لسبق درجته و كذلك الامر هنا مرة ننظر الي العقل انه يظهر في بدن الانسان بعد كمال البدن و تمام الخلق و تعلق جميع الارواح و لا شك ان قبل كون البدن لميكن اسم زيد في عالم من العوالم فنقول انه عقله لميكن قبل و قد خلق بعد تمام البدن و مرة ننظر الي سبق درجته و علو مرتبته و لطافة مادته و صورته و انه اول ما خلق الله فنقول ان العقل خلق اولا و كلا القولين صحيحان و بهذا النظر قلنا ان رؤس العقل مخلوقة بعد حصول القوابل في عالم الشخصية و كذلك بعد ما تصور بصورة الروح تجلي بارواح جزئية و هكذا الي ان نزل الي الجسم ففي كل لباس ظهر في افراد فبهذا اللحاظ نقول ان الافراد الجزئية الروحانية افراد العقل و النفوس الجزئية افراده و هكذا و لكن بعد الظهور و التصور و التلبس بلباس غليظ و في مرآة غليظة مثال ذلك ان الشمس طالعة في السماء و يسطع منها نور و شعاع في صحن البيت و يظهر نوره في الزجاجات و يتشعشع منها انوار حمراء و يظهر نور احمر في مرآة خضراء فيظهر منها لون آخر و هكذا و هكذا و جميع هذه الانوار انوار الشمس الا ان [ص 65] بعضها سطع منه بلا واسطة و بعضها سطع منه بواسطة و بواسطتين و هكذا و هكذا فالكل شعاع العقل بهذا النحو و لهذا قال عليه السلام في صفته انه محيط بالاشياء من جميع جهاتها ، فيمكن ان نقول هو مؤثر الكل و لكن القول الظاهر البين انه مؤثر العقول الجزئية و النفس مؤثر النفوس الجزئية و هكذا الي الجسم ثم ان افراد كل واحد منها ليست في عرض واحد بمعني ان افراد كل واحد مختلفة فمنها واقع في مقام المؤثرية و منها واقع في مقام الاثرية لان الاعراض متتالية متكثرة لا حد لها و لا نهاية فيتركب منها مواليد بلا نهاية و الافراد بحسب مزاجها تظهر فيها و كل مركب يناسب فردا و ربما يكون مركبات تناسب فردا فيظهر فيها فيكون الفرد بالنسبة اليها مطلقا و ان كان بالنسبة الي ساير الافراد فردا مثال ذلك ان المعدن مثلا فرد من افراد الجسم المطلق و يحصل من تركيب العناصر مواليد متعددة تصلح لظهور المعدن فيها مع اختلاف كمها و كيفها فيظهر فيها المعدن و يعطي كلها اسمها مع انها متعددة فيصير المعدن الفرد مطلقا و كذلك الذهب من بينها يظهر في مركبات ذهبية بحسب اختلاف كمها و كيفها و كلها ذهب و جميع الامور هكذا حتي انا ربما نقول في مقام تأكيد البيان انك لاتكاد تجد في الملك فردا ليس له فرد و بالجملة فجميع افراد كل مطلق آثار و مؤثرات و كذلك بين افراد مطلق ربما يكون ترتبا و ربما لايكون و المترتب ربما يكون تشكيكيا كما بين السماء و الارض و ربما لايكون كما فيما ذكرنا [ص 66] فاذا عرفت ذلك مجملا اقول ان المطلق الاعلي كائنا ما كان يظهر في المطلق الادني و في افراده و ليس نسبته بنفسه الي المطلق الادني اقرب من افراده لان الكل اثره و شعاعه فالجسم مثلا ظاهر في المعدن و في الذهب و الفضة و في الذهب المخصوص و الفضة الخاصة و في كل حال من حالات الذهب المخصوص فالمعدن جسم و المنطرق جسم و الذهب جسم و الخاتم جسم و خاتم فلان جسم و عمل فلان جسم و الخاتم الصغير جسم فافهم راشدا موفقا فنسبة الافراد الي المطلقات تسمي بالطول و نسبة الافراد بعضها الي بعض تسمي بالعرض فالمطلق الاعلي الذي هو فوق جميع المطلقات و هو اسم الله الرضي و وجهه المضيء ظاهر في الخلق في مطلقاتها و مقيداتها و عامها و خاصها و فردها و نوعها و كل ما لها و بها و منها و فيها و الجميع اسمه و نوره و شعاعه و اذا كان الامر في المطلق هكذا فما ظنك بالله الذي هو فوق كل مطلق و مقيد سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و بهذا النظر لايحتاج في الاستمداد من الله سبحانه فرد الي نوعه ابدا بل الله اقرب اليه من حبل الوريد نعم المولي و نعم النصير و هو الفاعل من كل شئ بما يريد بل نقول ان النوع لايقدر علي فرده الا بحول الله و قوته و المطلق مطلق باذنه و المقيد مقيد باذنه و المطلق يحكي اسمه و المقيد ايضا يحكي اسمه و الجميع نوره و شعاعه فانت اذا نظرت الي الافراد بنور ربك تري نور ربك فيها و اذا نظرت الي المطلقات [ص 67] تري نور ربك و اعلم ان ربك تعالي لميقع من خلقه في طول و لا عرض بل هو ظاهر في الطول و العرض كليهما فان بتطويله الطول عرف ان لا طول له و بتعريضه العرض عرف ان لا عرض له و هما من خلقه و هو فوق الجميع فاذا عرفت ذلك تعرف ان الله سبحانه تجلي بشعاع نوره علي جميع اهل الطول و العرض ، و اما باطن هذه الفقرة فمن الكلمات التي لاتكشف الا بعد ظهور الحجة عليه السلام و قد جعله الله مستورا بستر جلاله و استغفر الله من اظهاره بقدر ما اظهرته و اسأل الله ان يغطيه عن اعين المنافقين و جعلنا من بين ايديهم سدا و من خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لايبصرون .