[ص 1]

رسالة في شرح خطبة شريفة تتضمن آية النور

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علا فبطن عن دقايق مشاعر المدركين ، و دني حتي فاز بمشاهدة نوره قلوب العارفين ، فماصار لظهوره مدركا يشار اليه بالآلات ، و ماكان لبطونه خفيا فيسهو عنه افئدة النسمات ، دخل في الاشياء لا كشئ في شئ داخل حتي طلع علي السراير و خرج عن الاشياء لا كشئ عن شئ خارج حتي نأي عن الخواطر ، فلايحده لاحديته الجهات و الامكنة ، و لايوقته لازليته الدهور و الازمنة ، بل تجلي للاوقات بايام متبركة ، و للاماكن بقطعة ارضية متفلكة ، ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة ، فجعله كعبة للوافدين ، و قبلة للساجدين ، مباركا و هدي للعالمين ، حجيجه تنجو من عذاب اليم ، و قاصدوه تفوز بمقام كريم ، اذ فيه آيات بينات مقام ابرهيم ، و صلي الله علي من بعثه بعد انبيائه زمانا ، و شرفه علي جميعهم حجة و برهانا ، و اختار له من بين القري امها مكانا ، فمن دخله كان آمنا ، و السلام علي من خلقه في البحبوحة العلية فارتضي لنبيه اخاه و اتخذه خليلا ، و جعله للناس برحمته هاديا و دليلا ، و اولده في بيته سيدا نبيلا ، فلله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ، و افضل التحيات علي الائمة الغر [ص 3] الميامين الطيبين الطاهرين ، الذين اذهب الله عنهم الرجس و خصهم بالعصمة الكلية من بين الخلايق اجمعين ، و اوجب علي خلقه لهم التسليم و التمكين ، و من كفر فان الله غني عن العالمين ، و علي الكافر بهم و المنكر لفضلهم لعنة اللاعنين دهر الداهرين .

و بعد يقول العبد الاثيم و الفاني الرميم محمد بن كريم بن ابرهيم انه قد عرض علي الصديق الرفيق و الحبيب الشفيق صاحب الفضايل الكثيرة و المحامد الخطيرة الجناب المستطاب و فخر الاحباب كهف الحاج و العمار المؤيد بلطف الله الخفي الحاج كلبعلي اليزدي ، وفقه الله و حفظه من شر كل غبي ، مرة بعد مرة و اصر علي كرة بعد كرة ان اشرح له خطبة شريفة جليلة جميلة اقول في وصفها انها در ثمين يكاد سنا برقه يذهب بالابصار ، او ذهب خلص عن الغبار ، او جوهر لطيف بلا اكدار ، او اكسير يطرح قطرته علي قنطار ، لا بل مايدة سماوية شبعها الي يوم الدين ، و لايري المتنعم بها في الجائعين ، او شمس طلعت من مشرق الفصاحة ، او آية نزلت من مطلع البلاغة ، لا و لا بل خطبة شريفة غراء ، عجزت عن الاتيان بمثلها الفصحاء ، او كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء ، نعم يهدي الله لنوره من يشاء ، لاينبغي ان تكتب بالاقلام علي الدفاتر ، و حري ان تدخر كافضل الذخاير ، او تسطر باقلام النور علي وجنة الحور ، كيف لا و هي كتاب مسطور في رق منشور ، او حديث مستور قد قرن بآية النور ، نور علي نور ، الفه بالهام من الله الحبر العلام [ص 4] الفاخر ، و البحر المتلاطم الزاخر ، و السيد العظيم القمقام ، و علم الاعلام ، و حكم الحكام و غاية المرام ، الذي قد عجز الواصفون عن كنه صفته ، و تحير المادحون في قصاري مدحته ، و ما عسي ان اقول في توصيفه ، و كيف اتكلم مع عجزي في تعريفه ، اذ كان اجل الله شانه و انار برهانه معدن الفضايل ، و مجمع محاسن الخصايل ، قد جمع من الصفات اجملها ، و من الفضايل اكملها ، و من اظهر خصاله الشريفة ، و كمالاته المنيفة ، علمه اذ كان في العلم بحرا لايساحل ، و طمطاما لايساجل ، و ها انا اذكر في علومه قليلا من كثير ، ببعض قول يسير ، كان انار الله برهانه عالما متبحرا ، بل البحر كان من ينابيع علمه متفجرا ، الاتري هذه الانهار التي تجري من تحت جناته ، و العيون التي تنبع من عين سماواته ، هذه كتب علومه متفرقة في البلاد افلاتبصرون ، و بيانات حكمه واضحة لولا ان تفندون ، فكم من تلميذ ترقي في مراقي فنونه افلاتعقلون ، و كم من شارب ارتوي من صافي عيونه افلاتتدبرون ، فرب من انصرف اليه سايلا صرفه ، فصرفه عن الاغيار نحوه ، و من قرع بابه لطلب النحو ، و صرف وجهه نحوه فاعربه بالصحو ، و من اصغي الي كلامه لحلاوة منطقه الشريف ، فنطقه بمنطقه من مستحكم برهانه المنيف ، و القي اليه كليا ، و ان كان السايل جزئيا ، و اختار له شكلا اوليا ، و ان كان القابل مخترعا ثانويا ، لينتج في قابل الطالبين ، نتايج صالحة يرثون بها من آبائهم الاولين ، و لكن الاودية تسيل بقدرها ، و الارضين تنبت بحسبها ، و رب من دخل عليه من الطريق الابعد [ص 5] خاشعا ، و استعد لاستفادة بيانه خاضعا ، فالقي اليه من مستجنات صدره الشريف معاني ، ليخرب ما استحكم في نفسه من غرايب المباني ، و يرفع في قلبه من بديع علمه مثاني ، فكل من استعار من جواهر مخزنه تشبه بقومه ، و من استودع من مرصعات مكنزه دخل في سومِهِ ، فالقريب من تلفف بردائه ، و البعيد من نازعه في دثاره ، قد بين الحقايق بالتلويح ، مبرهنا باملح تلميح ، و اختار من الالفاظ للتمكين موضحا مراده بالترشيح ، و طابق بين جميع العوالم بالترصيع ، و صنف في جميع العلوم بالتصريع ، من غير تقليد عن الاساتيد ، او متابعة لواحد من الاسانيد ، بل كان في الفنون مبتدعا ، و للعلوم مخترعا ، من غير ان يخالف السابقين في ضرورياتهم ، او ينكر عليهم في بديهياتهم ، فعلي الناس الطالبين بعد التجرد عن شيم الاعادي ، تجريدهم عن نفسه المشتقة من المبادي ، لتجنيسهم ذواتهم بوصفه المرفوع عن الايادي ، و تشبههم باخلاقه العظيمة ، لتميزهم عن الخلايق اللئيمة ، و بالجملة كرامات معانيه بديعة ، و مباني بيانه رفيعة ، و كم من طالب اصول عرف طريق الوصول ، فاقبل الي مدرسه الشريف متيقنا بالحصول ، اذ قد اشتهر في الاكناف اجماع الناس حوله من الاطراف ، و انتشر الاخبار من تحقيقاته الشريفة في محافل الاخيار ، فعرفوا الاصل المبارك الباقي وجهه ، و العدم الفاني غيره ، فاختاروا البراءة من الاعداء ، و اقبلوا بالوجوب الي الاولياء ، فاتبعوا امره معرضين عن البحث في الوجوب و الندب ، و طلبوا وصله محرمين اليه [ص 6] لتخلية السرب ، قد عاملوا معه معاملتهم مع المشايخ بالاستصحاب ، لبقاء اصل الموضوع لا محض الحكم بلا نص و كتاب ، و رأوا مخالفته الكفر لتنقيح المناط ، لا بالرأي بل بالهداية الي سواء الصراط ، و لم‌يشكوا في الحكم و لو بالاجمال ، و لم‌يخالفوا حديثه بالتضعيف و الاهمال ، نعم الذين آمنوا اتبعوا سبيلنا فاخذوا محكمات كلامه ، و الذين في قلوبهم زيغ تمسكوا بالمتشابهات علي خلاف مرامه ، و رب طائفة نفروا اليه ليتفقهوا في الدين ، و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ، فافاض اليهم من سحب رحمته ، و اوضح لهم منهاج سادته ، فشرح لهم الاحكام بادلتها ، و بين الحلال و الحرام برمتها ، و لو اصغيت الي كلامه ، و تصريفه الادلة علي مرامه ، لزعمته كأنه بنفسه شارع الاحكام ، و خلاق الكلام ، و جاعل الادلة و الاحكام ، و بالجملة لاادري ما اقول ، و كيف يكتب القلم في فضله او يجول ، مع ان فضله اكثر من ان يحصي ، و علمه اعظم من ان يستقصي ، و رب طالب هيئة وجدها بعد التهيأ لاستضائته من جميل هيئته ، و طالب نجوم تنجم من طلوع نجومه علي ارض قابليته ، و صاحب اسطرلاب تعلق بحلقة احبته ، و ادام الاستفادة من كرسي افاضته ، و ربط فرس مسالته علي عضادة باب بيته ، حتي توجه روحي فداه اليه من افق سماواته ، و اشرق عليه علي حسب سعة ثقبة لبنته ، فاصطاده مع استغنائه عن صيده في شبكته ، و ادخله في حجرته بعد ما تمسك بحجزته ، فهرب بعد ذلك من الآفاق المايلة الي افق الاعتدال ، فشاهد بقلبه نور [ص 7] الجمال و ضياء الجلال ، فصار الشخص ميزانا قويما في علم الاسطرلاب ، فكيف حال من اوقفه اعلي الله مقامه علي علم المبدأ و المآب ، و رب طالب حكمة اقبل اليه في الطالبين ، فسلك مسلك السائلين ، فرآه في معرفة الحقايق ذا بصر حديد ، اذ كان يوضح المراد كل يوم ببيان جديد ، فشاهدوا بمطالعة جماله للكلي وجودا خارجيا ، علي خلاف ما قالوا اذ لم‌يجدوا سوي ما زعموه ذهنيا ، بل رأوا الموجود رجلا انسيا ، و الماهية في خالص اصحابه عدميا ، اذ طرحوها مع حضوره مكانا قصيا ، و صارت بسطوع انواره نسيا منسيا ، فغير موادهم فقلّبهم انسانا بعد ما كانوا حيوانا ، و القي اليهم ظل عطوفته فامسكهم في ظلاله حيرانا ، سائلين ربهم زيادة الحيرة في جلاله ، اذ شاهدوا نور سادتهم في جماله ، فالقي اليهم الحقايق ، و اوقفهم علي الدقايق ، و عارف شاعر ذاق معني المحبة ، و ادام في طلب التوحيد المجسة ، فاقبل اليه غير مشرك به غيره ، و محا عن كل موهوم لصحو نوره ، فبين له حقيقة التوحيد ، و اوقفه علي سر التفريد ، و ان كان طالبا لمشاهدة انوار الجلال ، و رؤية آثار الكمال في النبي و الآل ، عليهم صلوات الله المتعال ، بين له الفضايل الجليلة ، و اراهم آية التوحيد من النبي صلي الله عليه و آله في وجنته الجميلة ، فعلمهم البيان و المعاني ، و اوقفهم علي ابواب السبع المثاني ، و عرفهم القرآن الحكيم ، و الامام المبين ، و امدهم مما امده الله من قطب العالمين ، محمد و آله صلوات الله عليهم اجمعين ، و اتم لهم الشرع المبين ، و الحكم المتين ، باظهار رابع اركان [ص 8] الدين ، الركن الرابع ، و الضياء اللامع ، و النور الساطع ، و مجمل القول انه كشف النقاب ، عن سر المبدأ و المآب ، و كلفهم بالاخوة ، و اكمال اصل الفتوة ، و تكميل وصف المروة ، و تطهير القلوب بالسير في مدارج الطريقة ، و تنوير الافئدة بالسمو الي مراقي الحقيقة ، و الحاصل ان كلا ساروا اليه من كل جانب ، و طلبوا منه فنون المآرب ، و وجدوه اهلا لكل المطالب ، و لم‌يحرم من بابه سايل و طالب و اعطي كل واحد ما يرتقيه ، و اغني كلا فوق ما يرتضيه ، و من اقسام السؤال من لم‌يعرف المسألة و السؤال ، و لا الحال و طول المقال ، فنسي العلوم اشتغالا بنوره ، و ترك الرسوم و اكتفي بفيض حضوره ، ملأ حبه اركان نفسه ، و احاط ولاه باطراف قلبه ، و اطلع نار الحب علي فؤاده ، و احرق ما سواه فلم‌تبق منه غير رماده ، فاشتد به ريح الوداد صباحا ففرق رماده فجعل يومه اوله صلاحا و اوسطه نجاحا و آخره فلاحا ، فآثر وصله علي ما سواه ، و اختار لنفسه ظلاله و ارتضاه ، فنسي العلم و العمل ، و لم‌يعرف الفلاة من الجبل ، و لا اليبس من الوحل ، بل رأي الحكمة فعله البديع ، و الفقه عمله الرفيع ، و من الاصول تعلق بفرع شجرته ، و من الفروع التجي بظل عطوفته ، فعرف باليقين ان الدين عند الله الاسلام ، و الايمان هو الحب و البغض و السلام ، فاستحكم سلسلة محبته فطاف اسابيع حول كعبته ، و دار ما دار في جوانب بيته ، فقبل الحجر باكيا و استأنس في ظلاله حتي سال عليه من ميزاب رحمته ، و صلي في حجره بعد ما تطهر بزمزم محبته ، [ص 9] و بالجملة عامل معه بكل ما كلف به ، فنظر اليه بعين مرحمته و القي اليه فوق مسألته ، فاعطاه كله ، اذ اتي اليه بكله ، و هذه قليل من كثير علومه بالنسبة الي تلامذته ، و لاادري ما جمع الله له في نفسه من فنون حكمته ، و اين ساير صفاته و باقي كمالاته ، و كيف اصف حسن ثنائه ، مع ان الصادق المصدق نفي الوصف عن مثله من امنٰائه ، فقال عليه السلام في الحديث المعروف ، ان المؤمن غير موصوف ، فبعد ما نفي عنه الوصف بلا حد ، لو كان البحر مدادا لبيان محامده لنفد ، و جلايل اوصافه لاتنفد ، و انتفي مراتب الاعداد قبل استكمال العدد ، الا ان في العداد يمكن احصاء بعض ما ينقش بالمداد ، و بالقلم يمكن كتب قليل من كثير ما ظهر من كمالاته كنار علي علم ، فما لكم ايها الناس كيف لاتعقلون ، و ما انتم بنعمة ربي بمجنون ، و ما انا باول مبدع لفضايله العليا ، و قد سبقني الاولون في مدحه في الزبر الاولي ، نعم الدهر يمنعني عن ذكر الحق الحقيق ، و الا لارويتك من صوافي التحقيق ، و لكني اريك بعض شؤنه عن مثل السم الدقيق ، او ما يظهر من نور الشمس من وراء حجاب غير رقيق ، حتي تستأنس ببعض الكلام ، و تري اثر النور في الظلام ، و سوف يأتي زمان يكشف عن الاستار ، و يطلع بعد هذه الليلة ضوء النهار ، و لكل نبأ مستقر ، و لكل علم مقر ، و ان اطلع علي الاسرار الاغيار فاين المفر ، فوحق الاحباء في هذه الظلمة الظلماء و الداهية الدهماء مص المدر اهنأ من مكالمة [ص 10] اهل سقر ، و الي الله المشتكي و حسبنا الله و نعم الوكيل نعم المولي و نعم النصير ، و مختصر القصة من هذا شأنه ، و ذلك مكانه كيف اكون شارحا لخطبته الشريفة ، و كلمته المنيفة ، و اني لااخاف من ذلك الجهلاء ، و لااستحيي من البلهاء ، اذ لايطلعون علي الاسرار ، و لم‌يكشف لهم عن الاستار ، فيرون المتن و الشرح ، و لايميزون بين النهر و الرشح ، و لكني استحيي من العلماء ، اذا وجدوا الخطبة العظيمة مع ما اندرج فيها من المطالب الجليلة ، و شرحي مع ما فيه من العباير الرذيلة ، و حسبي الاعتذار باني اعرف بعض محاسن كلامه اعلي الله مقامه ، و اقر علي نفسي باني لااقدر علي بث مرامه ، هذا و اقدامي علي هذا الشرح بنفسه جرأة علي ما لاينبغي لمثلي ، و لكن المأمور معذور ، و الميسور لايسقط بالمعسور ، و علي الله التوكل في كل الامور ، هذا و اقول من باب التحديث بالنعمة ، لا اعجابا بنفسي و تعرضا للنقمة ، ان ما منحني الله من معرفة اسرار كلامه اعلي الله مقامه اكثر مما كتبته اخفيته او اعلنته ، بينته او اسررته كتبته او كتمته و لكني كتبت ما كتبت و انا في السفر ، متبلبل البال مختل الاحوال معاشرا للانذال ، مع ما اشاهد من رجوع الزمان الي ما كان كأن الناس لم‌يستمعوا كلاما ، و لم‌يعرفوا نبيا و لا اماما ، ينكرون علينا اصول مذهبهم ، و لايعرفون مأكلهم من مشربهم ، و لم‌يميزوا بين منهلهم و مربضهم ، كأنهم غنم بلا راع ، او مستمع غير واع ، اذ زعموا نفسهم امة بغير داع ، فيا اسفي علي حالهم في مآلهم ، و يا حزناه من مقالهم ، [ص 11] و بالجملة مع هذه الاحوال لايمكن بسط المقال و شرح جميع العلوم و الله سبحانه هو الواقف علي الضماير المطلع علي السراير ، و سيردون الي عالم الغيب و الشهادة ، فينبؤهم بما كانوا يعملون ، و انا اكتفيت علي ذكر بعض الظواهر مما يتحملون و ارجو الله ان ينفعني بذلك يوم القيامة . و اعلم ان غاية جهدي ان لايخلو هذه الرسالة مما لا بد منه في شرح الكلمات و بيان المقامات الا اني فرقت البيانات تحت الفقرات ، فادم النظر يا ايها الناظر في العبارات ثم ارجع البصر كرتين بل كرات حتي تقف علي مرادك ان شاء الله تعالي ، و اذكر فقرة فقرة من الخطبة الشريفة و اذيلها بالشرح .

و اعلم ان ابي و مولاي اعلي الله مقامه لم‌يرد في هذه الخطبة ملاحظة جميع محاسن البديع كما هو دأب مؤلفي الخطب بل لم‌يتفكر و لم‌يدم النظر و لكنه كان جالسا في مجلس العقد و اراد ان يقرأ خطبة فسأله سائل ان يتضمن آية النور في كلامه فشرع في هذه الخطبة بلا فكر و روية و مع ذلك ضمنها بالحكم و الاسرار ، و جمع فيها من فضايل الائمة الاطهار صلوات الله عليهم ما كر الليل و النهار ، فمن ذا يأتي بمثله ، نعم يأتون بكلام ظاهره يجمع المحاسن و هو خال عن التأويلات و البواطن او يراعون الباطن فيغفلون عن الظاهر و قل من يجمع بين البواطن و الظواهر في آن واحد بمحض ما جري علي الخاطر ، و لكنه اعلي الله مقامه ربما عمد بتأليف خطب عجيبة فخرجت و هي غريبة جامعة لمحاسن الكلام حاوية لغاية المرام مع انها في احسن [ص 12] نظام فهي بعد كلمات الائمة الاطهار فوق كلمات غيره و عظمتها اكثر من ان احصيها ، و بالجملة مرادي ان هذه الخطبة الشريفة مع انها صدرت عنه من غير ادامة فكر و روية حاوية علي مطالب غريبة و فضايل عجيبة و تري بعضها في هذا الشرح ان شاء الله و عليه اتوكل و اسأله التوفيق .

قال اعلي الله مقامه و رفع اعلامه : الحمد لله الذي توحد في عز جلاله فلا ند يشاكله .

اقول العبد اذا حمد الله سبحانه و الحمد لله فقد ظفر باربعة اشياء قضي حق الله و ادي شكر النعمة الماضية و تقرب من استحقاق ثواب الله و استحق من نعمائه و الحمد هو الثناء بالجميل علي قصد التعظيم و التبجيل للمدوح سواءا كان للنعمة او غيرها و اما الشكر فهو علي ما قيل فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما سواءا كان باللسان او بالجنان او بالاركان و منه قول الشاعر :

افادتكم النعماء مني ثلثة يدي و لساني و الضمير المحجبا

فالحمد اعم من الشكر ● من جهة المتعلق و اخص من جهة المورد و الشُكْر بالعكس و في الحديث الحمد رأس الشكر ، قيل انما جعله رأس الشكر لان ذكر النعمة باللسان و الثناء علي موليها [ص 13] اشيع لها و ادل علي مكانها من الاعتقاد لخفاء عمل القلب و ما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان الذي هو النطق المفصح عن كل خفي و هذا وجه ظاهر و لكن حقيقة المعني لايظهر الا بما سنذكره .

فاعلم ان الله سبحانه كان قبل كل شئ و لم‌يكن معه شئ غيره وحده وحده و حين هو اذ لا شئ غيره لم‌يكن معه صفة و لا اسم اذ هو بنفسه لم‌يكن يحتاج الي اسم و صفة اذ كان يجد نفسه كما في الخبر فتجلي سبحانه اول ما تجلي لمشيته بها فخلقها بنفسها و لما كانت اول الخلق و اقرب الكل من الله كانت علي صفته بلا تغيير الا بحسب لازمتها من الفعلية و الاطلاق و غير ذلك مما لسنا بصدد بيانه و ليس يلزم من كونها علي صفته سبحانه ان للذات البحت البات صفة غيرها بل هي هي صفتها و اسمها و ما اقول تعبير عما في الضمير و لايخفي علي الخبير فهي صفته و اسمه و قولي بلا تغيير الا بحسب لازمتها ، اشارة الي ان للمشية جهتين عبودية هي نفسها الاطلاقية و ربوبية هي نفسها الكينونية التي قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، فالنفس العلوية الربوبية هي الصفة الواقعية و النفس الاطلاقية السفلية هي المغير لها بحسب العبودية و لولا العبودية المغيرة لماعرف الخالق من المخلوق و الرازق من المرزوق و الرب من المربوب الاتري الي زيد فانه قد ظهر بالقيام و هو اعلي القائم في مقام ظهوره له و لولا القيام لماعرف زيد الظاهر من القيام اي زيد القايم من الزيد المطلق المعري عن القيام و القعود [ص 14] فافهم و بعد ما ظهر زيد بالقيام نقول انه قايم و القايم صفة زيد اي هو ظهر بذلك لنا فاذا ثبت هذه المقدمة بالبرهان الحكمي اقول ان المشية اول الصفات و جميع الصفات التي لاتعد و لاتحصي كلها فروعها و هي بمنزلة الفعل المطلق لك فان جميع الافعال و المعاني و الاسماء كلها تصدر منك بواسطة الفعل فهي جميعها صفة الفعل و لما كان الفعل صفتك يقال انها صفتك فالوصف الواقعي اي الظهور الحقيقي الاولي لك فعلك المطلق و الفعل هو المنبئ عن حركتك و الحركة هي اول الكمالات و كذلك الامر هنا و لله المثل الاعلي مشية الله سبحانه اصل الصفات و جميعها وصفها و هي مختصة بالله سبحانه و لما كانت علي صفة الله و تحكي كمالاته سبحانه علي ما هو حقه و لا حاكي لها سواها مثلها فهي الثناء الجميل لله سبحانه و الثناء الجميل هو حمده سبحانه قد افتتح به كتابه التكويني و التشريعي و لما كان حمده مؤسس جميع الاساس و فاتح جميع الخلايق فلايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايفوقه فايق فلايملكه احد سوي الله سبحانه و لذا قال الحمد لله ، سبحانه اي لايشركه احد فيه و هو سبحانه و ان كان مالكا لجميع ملكه و لايشركه احد في شئ من الملك و لكنه اشعر بذلك الي ان له سبحانه في ملكه ايادي و جعل كل جزء من اجزاء ملكه بيد من اياديه و لكنه لا يد للمشية سواها فهي لله بلا واسطة او يكون المراد ان ساير الخلق قد طرأهم العوارض و منعهم عن [ص 15] الخلوص لله سبحانه من جميع الجهات و لكن الحمد اي المشية خالصة لله سبحانه و لذا نزه نفسه عن جميع الصفات و خصه اي الحمد بنفسه فقال سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فقدس نفسه التي هي رب العزة عما يصفون اي جميع الخلق و لكن الحمد لله سبحانه اي خالص لوجهه سبحانه و تعالي عما يصفون و لما كان قبل جميع الخلق لايصلون اليه او الي نوره و شعاعه اهل الجنة في سيرهم الي الله سبحانه الا آخر امرهم و لذا قال تعالي و آخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين و اما اول كلامهم فسلام و هو ايضا اسم من اسماء الله قال الله تعالي سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين فالسلام مقارن لدخول الجنة و لذا قال تحيتهم فيها سلام و آخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين و لما كان حمده سبحانه مشيته و هي منشأ كل ثناء لله سبحانه فهي مطلقة تعم الجميع فالحمد الواقعي ان تقول الحمد لله و اذا قلت ذلك حمدته بجميع انواع الحمد و ذلك ما رواه في كنز الدقايق عن الكافي عن صفوان الجمال عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال لي ماانعم الله علي عبده بنعمة صغرت او كبرت فقال الحمد لله الا ادي شكرها و باسناده الي حماد بن عثمان قال خرج ابوعبدالله عليه السلام من المسجد و قال و قد ضاعت دابته فقال لئن ردها الله علي لاشكرن الله حق شكره قال فمالبثنا ان اتي بها فقال الحمد لله فقال قايل له جعلت فداك اليس قلت لاشكرن الله حق شكره فقال [ص 16] ابوعبدالله عليه السلام الم‌تسمعني قلت الحمد لله و عن الخصال باسناده الي علي بن الحسين عليهما السلام قال و من قال الحمد لله فقد ادي شكر كل نعمة لله تعالي انتهي ، فالحمد لاطلاقه يعم الجميع اي كل شكر ثم انه قد اوجب الله الحمد علي عباده لاداء شكر نعمه و نعمه سبحانه لاتحصي و هو اعلم بها فعن الامام عليه السلام في تفسيره قال جاء رجل الي الرضا عليه السلام فقال يا ابن رسول الله اخبرني عن قوله عز و جل الحمد لله رب العالمين ما تفسيره قال لقد حدثني ابي عن جدي عن الباقر عن زين‌العابدين عليه السلام ان رجلا جاء الي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال اخبرني عن قول الله عز و جل الحمد لله رب العالمين ما تفسيره فقال الحمد لله هو ان عرف الله عباده بعض نعمه جملا اذ لايقدرون علي معرفة جميعها بالتفصيل لانها اكثر من ان تحصي او تعرف فقال لهم قولوا الحمد لله علي ما انعم به علينا رب العالمين يعني مالك العالمين و هم الجماعات من كل مخلوق من الجمادات و الحيوانات فاما الحيوانات فهو يقلبها في قدرته و يغذوها من رزقه و يحوطها بكنفه و يدبر كلا منها بمصلحة و اما الجمادات فهو يمسكها بقدرته يمسك ما اتصل منها ان يتهافت لايمسك المتهاتف ( المتهافت ظ ) ان يتلاصق و يمسك السماء ان تقع علي الارض الا باذنه و يمسك الارض ان تنخسف الا بامره انه بعباده رؤف رحيم قال و رب العالمين مالكهم و خالقهم و سايق ارزاقهم من حيث لايعلمون و من حيث يعلمون فالرزق مقسوم [ص 17] و هو ياتي ابن آدم علي اي سيرة سارها من الدنيا ليس لتقوي متق بزايدة ( بزايده ظ ) و لا بفجور فاجر بناقصه و بينه و بينه ستر ( شبر خ‌ل ) و هو طالبه و لو ان احدكم يتربص رزقه لطلبه رزقه كما يطلبه الموت قال فقال الله تعالي لهم قولوا الحمد لله علي ما انعم به علينا و ذكرنا به من خير في كتب الاولين من قبل ان نكون ففي هذا ايجاب علي محمد و آل‌محمد لما فضله و فضلهم و علي شيعتهم ان يشكروه بما فضلهم و ذلك ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال لما بعث الله موسي بن عمران و اصطفاه نجيّا و فلق له البحر فنجا بني‌اسرائيل و اعطاه التورية و الالواح راي مكانه من ربه عز و جل فقال يا رب لقد اكرمتني بكرامة لم‌تكرم بها احدا قبلي فقال الله عز و جل يا موسي اماعلمت ان محمدا افضل عندي من جميع خلقي قال موسي يا رب فان كان محمد اكرم من جميع خلقك فهل في آل الانبياء اكرم من آلي قال الله عز و جل يا موسي اماعلمت ان فضل آل‌محمد علي جميع آل النبيين كفضل محمد علي جميع المرسلين فقال يا رب فان كان آل‌محمد عندك كذلك فهل في اصحاب الانبياء اكرم عندك من صحابتي قال الله يا موسي اماعلمت ان فضل صحابة محمد علي جميع صحابة المرسلين كفضل آل‌محمد علي جميع آل النبيين و فضل محمد علي جميع المرسلين فقال موسي يا رب فان كان محمد و اصحابه كما وصفت فهل في امم الانبياء افضل عندك من امتي ظللت عليهم الغمام و انزلت عليهم المن و السلوي و فلقت لهم البحر فقال الله يا [ص 18] موسي اماعلمت ان فضل امة محمد علي جميع الامم كفضلي علي جميع خلقي قال موسي يا رب ليتني كنت اراهم فاوحي الله عز و جل اليه يا موسي انك لن‌تراهم فليس هذا اوان ظهورهم و لكن سوف تراهم في الجنة جنات عدن و الفردوس بحضرة محمد في نعيمها ينقلبون و في خيراتها يتبجحون افتحب ان اسمعك كلامهم قال نعم يا الهي قال قم بين يدي و اشدد مئزرك قيام العبد الذليل بين يدي السيد المالك الجليل ففعل ذلك فنادي ربنا عز و جل يا امة محمد فاجابوه كلهم و هم في اصلاب آبائهم و ارحام امهاتهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك لبيك ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك فجعل الله تلك الاجابة منهم شعار الحج ثم نادي ربنا عز و جل يا امة محمد ان قضائي عليكم ان رحمتي سبقت غضبي و عفوي قبل عقابي فقد استجبت لكم من قبل ان تدعوني و اعطيتكم من قبل ان تسألوني من لقيني منكم يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و ان محمدا عبده و رسوله صادق في اقواله محق في افعاله و ان علي بن ابي‌طالب اخوه و وصيه من بعده و وليه يلتزم طاعة محمد و ان اولياءه المصطفين المطهرين الميامين لعجايب آياته و دلايل حجج الله من بعدهما اولياؤه ادخلته جنتي و ان كانت ذنوبه مثل زبد البحر قال فلما بعث نبينا محمدا صلي الله عليه و آله قال يا محمد و ماكنت بجانب الطور اذ نادينا امتك بهذه الكرامة ثم قال عز و جل لمحمد صلي الله عليه و آله قل الحمد لله رب العالمين علي [ص 19] ما اختصني به من هذه الفضيلة و قال لامته قولوا انتم الحمد لله رب العالمين علي ما اختصني به من هذه الفضايل ه‍ ، و قد رويته بطوله لكثرة محصوله و في الباطن الذي هو الحقيقة لدي اهل البصيرة نقول ان اول ما خلق الله سبحانه نور محمد صلي الله عليه و آله كما قال (ع) اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ، و نوره روحه و لذا قال صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله روحي ، و روحه نفسه و نفسه الولي عليه السلام و يشهد بجميع ذلك الاخبار و قد روينا بعضها في ساير رسايلنا و روينا اكثرها في كتاب المبين و لا مجال لي الآن في نقلها هنا و قد روي انه صلي الله عليه و آله قال لعلي عليه السلام انت روحي ، و كونه نفسه مما نطق به الكتاب و لا شك ان اول الخلق هو المشية كما مر سابقا و هي اسني الصفات و اجل الاسماء فهو حمده سبحانه و اما الحقيقة المحمدية علي صاحبها آلاف التحية فهي المحمودة بهذا الحمد و المسماة بهذا الاسم و الموصوفة بهذه الصفة و المحمود غير الحمد و لاتستوحش من ذلك ان يكون مقامه هذا المقام بل اقول ان آل‌محمد صلوات الله عليهم مقاماتهم اجل من ان تحصي و تعد كما قال علي عليه السلام كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين ، و ليس المراد من ذلك انهم ليسوا مخلوقين لله سبحانه حاشا بل هم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و قد خلقهم الله لا بفعل غيرهم و لا باحداث خارج عن حقيقتهم كساير الخلق فافهم ان كنت [ص 20] تفهم و الا فاسلم تسلم . و بالجملة فبنظر كلهم نور واحد و بنظر النبي واقف في مقام محمود و ذلك قوله تعالي و من الليل فتهجد به نافلة لك عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا و قد حمده الله سبحانه بان جعله حسنا جميلا في الصفات او حمده لساير الامم اي ذكر لهم مدحه و ثناءه او حمده لجميع خلقه او حمده بان جعله معدن كل خير او موحدا له سبحانه بذاته او المراد ان جميع الخلق حمدوه بكل نعمة انعم الله سبحانه عليهم و انعموا بها علي العباد و جميع هذه المعاني و غيرها محتمل او يكون جميعها مراد و اخبار الجميع مروية في كتاب المبين و اذا كان هو المحمود فالحمد نفسه و هي علي عليه السلام و هو اصل الحمد و ماخذه و لذا ورد ان لواء الحمد بيده و ذلك ما رواه المجلسي برجال عن الحسين بن علي عن ابيه علي بن ابي‌طالب عليهم السلام قال قال لي رسول الله (ص) انت اول من يدخل الجنة فقلت يا رسول الله ادخلها قبلك قال نعم لانك صاحب لوائي في الآخرة كما انك صاحب لوائي في الدنيا و حامل اللواء هو المقدم ثم قال عليه السلام يا علي كاني بك و قد دخلت الجنة و بيدك لوائي و هو لواء الحمد و تحته آدم فمن دونه انتهي ، و ظهر لك من هذا الخبر ايضا ان جميع الخلق تحت هذا اللواء و حمد كلهم من فروع حمده و عنه صلي الله عليه و آله اعطيت في علي خمس خصال هي احب الي من الدنيا و ما فيها اما واحدة فهو ذاب بين يدي الله عز و جل حتي يفرغ من [ص 21] الحساب و اما الثانية فلواء الحمد بيده و آدم عليه السلام و من ولد تحته و اما الثالثة فواقف علي عقر حوضي يسقي من عرف من امتي و اما الرابعة فساتر عورتي و مسلمي الي ربي عز و جل و اما الخامسة فلست اخشي عليه ان يرجع زانيا بعد احصان و لا كافرا بعد ايمان انتهي ، فعلي عليه السلام الحمد المخصوص بالله سبحانه و لذا سمي مرتضي لانه قد رضي منه كما انه قد رضي من الله سبحانه و اشتق له اسما من اسمه فهو الاعلي و هو علي فافهم و قد فصلت هذه البيانات في بعض الشروح و الرسايل و لا حاجة الي طول المقال مع ما بي من الكلال و زيادة الملال لما الله سبحانه اعلم به و اليه المشتكي .

قوله (اع) : توحد في عز جلاله صلة للموصول و هو « الذي » و توحد فعل من وحد كورث و وعد بمعني تفرد اي صار فردا و العز كضد مصدر عز كفرّ بمعني قوي و غلب و العزة كشدة ايضا فالعز بمعني الغلبة و القوة و الله عزيز اي قوي او غالب و الجلال كسحاب مصدر من جل بمعني العظمة فيحمد الله جل جلاله و يوصفه بانه سبحانه توحد اي صار واحدا في قوة عظمته او غلبة عظمته ، فلا ند له و الند كضد بمعني مثل و قيل لايكون الند الا مخالفا و عن الهمداني في كتاب الالفاظ الانداد و الاضداد و الاكفاء و النظراء و الاشباه و الاقران و الامثال و الاشكال نظاير و عن الراغب « الند » يقال في ما يشارك في الجوهرية فقط و « الشكل » يقال في ما يشارك في القدر و المساحة و « الشبه » يقال في ما يشارك في الكيفية فقط و « المساوي » فيما [ص 22] يشارك في الكمية فقط و « المثل » عام في الالفاظ كلها .

ثم اعلم انه اختلف كلام الحكماء في الجمال و الجلال فقال ان الجمال مقدم علي الجلال و قال بعض ان الجلال مقدم و قيل ان الجمال صفات اللطف و الرحمة و الجلال صفات القهر و النقمة و ايضا الجمال صفات التشبيه و الدنو و الجلال صفات التنزيه و العلو و ايضا الجمال صفات ثبوتية و الجلال صفات سلبية و قيل ان الجمال نور الذات و الجلال نور الجمال و قيل بالعكس و الذي يدل عليه الكتاب و السنة ان الجمال مقدم فانه من رحمته تعالي فانه بمعني الحسن و هو سبب الجذب و الاتصال و التقريب و الجلال بمعني القهر و العظمة و هو سبب التبعيد و الدفع و الطرد و هو سبب الغضب و قد قال الله سبحانه في القدسي سبقت رحمتي غضبي ، و قال في محكم كتابه و اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة و في الآخرة انا هدنا اليك قال عذابي اصيب به من اشاء و رحمتي وسعت كل شئ فساكتبها للذين يتقون و يؤتون الزكوة و الذين هم بآياتنا يؤمنون و قال تعالي و من يحلل عليه غضبي فقد هوي فغضبه اضيق من رحمته لانه لايحل علي احد بل يحل علي من طغي في طيبات رزقه الظاهر و الباطن و لكن رحمته وسعت كل شئ في الدنيا و الرحمن علي العرش استوي فهو اعلي و الجمال اما يكون من الرحمة او الرحمة منه و الثاني اولي بخلاف الجلال فانه بمعني العظمة و العظمة ليست من صفات الذات فانها تظهر في الخلق و يشهد بذلك ما عن الصادق عليه السلام ان زينب العطارة [ص 23] قالت يا رسول الله انما اتيت اسألك عن عظمة الله عز و جل فقال : جل جلاله ثم بين آثار عظمته في الخلق فقوله (ص) جل جلاله ، يدل علي ان الجلال بمعني العظمة ثم بيان العظمة في الخلق اعظم دليل علي ظهورها في خلقه سبحانه فالجمال اعلي من الجلال فتدبر ، فالمراد من الجمال ثاني المقامات من الوجود الحق و هو مقام النفس الرحماني و الرياح و الالف اللينة و مقام اول عرش اللاهوت و الصفات المعبر عنها بصفات الذات و هو النور الابيض الذي منه البياض و ضوء النهار و اما الجلال فقد يطلق و يراد منه العظمة الظاهرة في الخلق و قد يراد منه العظمة الباطنة فاما العظمة الظاهرة فما ظهرت في الملكوت و الجبروت كما ان الكبرياء ظاهر في الملك كما قال الله جل و عز له الكبرياء في السماوات و الارض و قال الكبرياء ردائي فمن نازعني في ردائي سلبته عنه و العظمة دثاري ، و الرداء ما يلبس فوق الاكسية و الدثار دونه و اما العظمة الباطنة فهو اول الانوار في عالم الخلق و هو الامر المفعولي اذ قال الله تعالي و كان امر الله مفعولا و هو الوجود المقيد الفؤاد و هو الحقيقة و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين لكميل حين سأله عن الحقيقة : كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، فالجلال بمعني الحقيقة و في رواية سئل (ع) عن السبحة فقال جلال ربي ، فيحتمل ان يكون السبحات بمعني الجلال و الاضافة بيانية و هي نفس الفؤاد اذ قال عليه السلام في [ص 24] الخبر ما معناه ان رسول الله (ص) في ليلة المعراج كان يري ربه و يكلمه من وراء السبحة و قال في هذا الخبر انها جلال ربي و في رواية انه رأي بحقيقته و في رواية بفؤاده و ذلك قوله تعالي ماكذب الفؤاد ما رأي فنفس فؤاده سبحة اذ رأي من وراء حقيقته اي رأي منه ما ظهر له بحقيقته فافهم مشكل الكلام بحول الله العلام فالجلال بمعني الفؤاد ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الجلال مخصوص بالله سبحانه و لا جليل سواه و بين الجلال و الجلالة ايضا فرق كما بين في فروق اللغة قال قال الراغب : الجلالة بالهاء اعظم القدر و الجلال بغير الهاء التناهي في ذلك و خص بوصف الله تعالي فقيل ذو الجلال و الاكرام و لم‌يستعمل في غيره . فاذا ظهر لك معني الكلمات مفردة يظهر لك ان شاء الله حقيقة ما في تلك الفقرة و انا لاامنع من الاشارة لاهلها .

فاقول صدر اعلي الله مقامه كلامه بالحمد لله حتي يكون اقرارا بتوحيده سبحانه و شكرا لنعمته و اقرارا بفضل نبيه اذ قد عرفت انه اي الحمد اول الخلق و هو الاحد الظاهر في عرصة الخلق بعد ما ظهر تكسر الالف الدال علي الوحدة فصار ميما يدل علي كليات مراتب الخلق من القوابل و المقبولات فصار حمد و اعظم الثناء علي الله سبحانه تخصيص اعظم الخلق به و اعظمها اولها فتقول الحمد لله اي اول الخلق لله لايشركه احد فيه فلايشرك بربه احدا و لايطيع الشيطان و من ليس لله خالصا ربما يطيع الشيطان في بعض الاحيان [ص 25] هذا و الحمد هو اول ما خلق الله و اول الخلق محيط بجميع ما كان و ما يكون اذ هو المطلق الذي اعطي جميعهم اسمه و حده و ذلك قوله عليه السلام في الدعاء بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و قوله و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك ، فلايكون مكان عنهم خاليا ابدا و ذلك معني اطلاقهم و ظهورهم في كل شئ فاذا قلت الحمد لله اقررت بان جميع الملك لهم و ليس ذلك الا كقولك ان الجسم لله مثلا فان معناه ان العرش و الكرسي و الافلاك برمتها لله كذلك اذا قلت ان الحمد لله كأنك قلت ان الملك برمته لله سبحانه و ذلك قوله تعالي لمن الملك اليوم لله الواحد القهار و الآية و ان كانت مخصوصة ببعد خراب الدنيا الا ان الحكيم يعرف انها تعم جميع الازمنة اذ هو رتبية و قول الله فوق ملكه دايم في جميع الازمنة و الدهور و جميع الامور و لايخفي ذلك علي صاحب الشعور فاستمع يوم ينادي المناد من مكان قريب لمن الملك اليوم لله الواحد القهار في المبدأ و المعاد و ذلك قوله الحمد لله رب العالمين اذ فتح به كتابه و ختم به كلامه اذ قال في اهل الجنة و آخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين فهو الاول الآخر الباطن الظاهر فتدبر و بعد ما اقر بذلك و وصف ربه بكل ثناء و وصفه في الوحدانية الظاهرة في عز جلاله و الجلال قد عرفت انه فؤاد محمد صلي الله عليه و آله و كذلك العزة هي صفة جلاله سبحانه او نفسه كما مر [ص 26] و لذلك ينسب العزة الي النبي (ص) و نقول ان الله عزيز في محمد (ص) و ذلك قوله تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون فان الرب الثاني بيان لربك و اضافه الي العزة حتي يعلم العالم انه نفس النبي (ص) التي عبر عنها بكاف الخطاب و هو منزه عما يصفون و الحمد له لا غير و لذا اختار اعلي الله مقامه في المقام هذا اللفظ فقال الحمد لله الذي توحد في عز جلاله ، اي توحد في فؤاد محمد (ص) فالحمد له خاصة فافهم ذلك و العارف اذا عرف الرب فيه و وحده هنالك عرفه من سبيل معرفته و عبده من حيث يريد اي يحب اذ لا حبيب الا هو و اهله و ذلك قوله في القدسي عبادتي من حيث اريد ، و لايريد سوي محمد اذ ظهور ارادته فيه فلايكون مريدا في غيره و المريد لايريد الا نفسه او ما يقويها و يزيد في كمالها و نورها و مرجع الكل الي ارادة النفس اي حبها و هو المحبة التي قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فالله سبحانه اراد ان يعبد في محمد صلي الله عليه و آله و به و منه و له و يكشف عن جميع ذلك قوله و ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليكم و قوله بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و قوله بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعبد الله ، فظهر من جميع ذلك ان الله سبحانه يوحد و يعرف و يعبد فيهم و من اراد ذلك من غيرهم فقد سلك السبيل الموحش المظلم و يهلك و يهوي ابعد مما بين السماء و الارض فلذلك قال الحمد لله الذي [ص 27] توحد في عز جلاله ، اي في محمد (ص) ، فلا ند له يشاكله ، و المشاكلة في الصورة اي في الصفة فليس في صفته غيره اذ لا غير له و قد ظهر هذه الوحدة و التنزه عن ان يكون له مثل في النبي (ص) فلا قرين له ابدا و لذلك لم‌يقم في صف في الجهاد اذ لا قرن له و لم‌ينازع احدا و استوي برحمانية الله الظاهرة فيه علي العرش فنسبة جميع الخلق اليه بالسواء فهو مظهر ليس كمثله شئ فتدبر . و اعلم ان جميع ما يوصف به النبي (ص) يوصف به ساير الائمة عليهم السلام اذ كلهم نور واحد و طينة واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و لذا قال (ع) ما كان لاولنا فهو لاخرنا و قال اولنا محمد آخرنا محمد اوسطنا محمد كلنا محمد ، فجميعهم واحد و ان كان في مقام الفصل كل واحد منهم متلبسا بلباس متصفا بصفة فهذا النبي المصطفي و ذاك الولي المرتضي و في الظهورات صار محمد صلي الله عليه و آله اماما لهم و رسولا اليهم و هم صاروا مأموما و امة له و لذا جري عليهم بعض احكام الرعية بالنسبة و عاملوا له بالعبودية و ليس المراد من ذلك انهم في عالم الحقيقة مثل محمد (ص) بل نقول انهم نور واحد و النور الواحد له اعلي و اسفل اعلاه محمد لا محالة كما ان هذا الملك ملك الاجسام و الكل جسم و لكن العرش فوق الجميع و كذلك شيعتهم منهم كشعاع الشمس من الشمس فنورهم و شعاعهم علي صفتهم الا ان ما في النور تابع لما في المنير كما ان نفسه تابع للمنير فتدبر و يكفيك عن جميع البيانات قوله لو كشف [ص 28] الغطاء و نظروا الي وصل ما بين الله و نور المؤمن لتسهلت لهم امورهم و لانت له رقابهم و في العوالم قال عليه السلام من استفاد اخا في الله علي ايمان بالله و وفاءا باخائه طلبا لمرضات الله فقد استفاد شعاعا من نور الله و امانا من عذاب الله و حجة يفلج بها يوم القيامة و عزا باقيا و ذكرا تاما لان المؤمن من الله عز و جل لا موصول و لا مفصول قيل له ما معني لا مفصول و لا موصول قال لا موصول به انه هو و لا مفصول منه انه من غيره ، و يكفيك هذا الحديث الشريف عن بيانات كثيرة فمن وحد الله سبحانه بالاقرار بوحدته في النبي (ص) و الائمة صلوات الله عليهم بظهور ولايتهم في اوليائهم لكان موحدا له في عز جلاله .

قال اعلي الله مقامه : و تفرد في كبريائه فلا احد يماثله .

اقول عطف علي قوله (اع) توحد اي الحمد لله الذي تفرد ، و الفقرة الاولي في توحيده في ذاته و لذا اختار لفظ التوحد الدال علي الاحدية التي هي من صفات الذات و الجلال الذي مر سابقا انه بمعني العظمة و هي صفة النفس بخلاف الكبرياء اذ هي من صفة البدن و لذا قد يوصف البدن بالكبر دون النفس و النفس بالعظمة دون الكبرياء و الكبرياء دون العظمة كما قال تعالي الكبرياء ردائي ، و مر آنفا الاشارة اليه و كذلك التفرد من صفات الواحدية و الواحدية دون الاحدية كما لايخفي و قد يوصف سبحانه بالواحدية في صفاته [ص 29] و الاحدية في ذاته فيقال واحد في صفاته احد في ذاته و الفرد بمعني الواحد اذ هو اخص من الاحد لشموله الفرد و الزوج كما ان الواحد اخص منه فلذلك كله اخر (اع) هذه الفقرة فقال تفرد اي صار في كبريائه فردا لا شريك له و كيف يشركه احد مع انه تعالي احد و جميع الكبرياء للاحد لانها صفة تعرض الشئ بعد وجوده و لا وجود لغير الاحد جل شأنه فانه موجود قبل كل شئ و بعد كل شئ و مع كل شئ كما قال (ع) وجوده قبل القبل في ازل الآزال انتهي ، فلا وجود لغيره كما قال عليه السلام في خبر لا احد الا الله ، فاذ لا وجود لغيره فكيف يوصف احد بالكبرياء سواه و لذلك نهي في الشريعة المقدسة عن الكبر لان تكبر العبد ادعاء ما ليس له اذ لم‌يجعل الله ذلك لاحد سواه و ليس ذلك الا سرقة عن الله سبحانه بل ليس ادعاؤه الا كادعاء المخلوق الخالقية و الرازقية او العلو و العظمة و لا شك ان الله يسلب صفته عن خلقه الذي ادعي عليه و اما اذا اطاعه العبد بان اختار لنفسه ما اختار الله له من الذل و الفقر و الفاقة سيظهر الله له ما خفي عنه و يتجلي له بنوره فيخلعه بصفاته الحميدة فمن تواضع رفعه الله و لا علينا ان نروي حديثا شريفا طويلا عن علي عليه السلام في ذلك روي في العوالم عن النهج عنه عليه السلام من خطبته الشريفة المسماة بالقاصعة قال : الحمد لله الذي لبس العز و الكبرياء و اختارهما لنفسه دون خلقه و جعلهما حمي و حرما علي غيره و اصطفاهما لجلاله [ص 30] و جعل اللعنة علي من نازعه فيهما من عباده ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين فقال سبحانه و هو العالم بمضمرات القلوب و محجوبات الغيوب اني خالق بشرا من طين فاذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملئكة كلهم اجمعون الا ابليس اعترضته الحمية فافتخر علي آدم بخلقه و تعصب عليه لاصله فعدو الله امام المتعصبين و سلف المتكبرين الذي وضع اساس العصبية و نازع الله رداء الجبرية و ادرع لباس التعزز و خلع قناع التذلل الاترون كيف صغره الله بتكبره و وضعه بترفعه فجعله في الدنيا مدحورا و اعد له في الآخرة سعيرا الخطبة . و يكفيك في ذم التكبر هذه الخطبة الشريفة و الاخبار في ذمه كثيرة و كتب الاصحاب بها مشحونة و مرادي في هذه الرسالة تحقيق الحقيقة لا بيان علم الشريعة و الطريقة . و اعلم انه لايمكن التكبر علي الله سبحانه اذ لا كبر لغيره و ذلك محض ادعاء و لكن التكبر علي اوليائه التكبر عليه كما ورد في وصية الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم يا هشام من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء و ملائكة الارض و من تكبر علي اخوانه و استطال عليهم فقد ضاد الله و فيها اياك و الكبر علي اوليائي و الاستطالة بعملك فيمقتك الله فلاتنفعك بعد مقته دنياك و لا آخرتك انتهي ، فالكبر علي اولياء الله كبر عليه و هو مذلة و ذلك قول ابي‌جعفر عليه السلام الكبر رداء الله و المتكبّر ينازع الله ردائه و عن ابي‌عبدالله عليه [ص 31] السلام عن ابيه عليه السلام قال الكبر رداء الله فمن نازع الله شيئا من ذلك اكبه الله في النار انتهي ، فالكبر يبعد الانسان عن ربه و اما المتواضع فهو المتقرب من ربه كما قال عليه السلام اقرب ما يكون العبد من الله و هو ساجد و قال من تواضع رفعه الله ، و بالجملة لا شك في فضل التواضع و ذم التكبر و المراد هنا بيان تفرده سبحانه في كبريائه فلا احد من الخلق يماثله .

فاذا وقفت علي الظاهر في الجملة فاعلم ان كبرياءه سبحانه يظهر في الشيعة كما ان علوه يظهر في محمد صلي الله عليه و آله فعلا علي كل شئ و دني من ربه تعالي و عظمته تظهر في الولي كما قال اي نبأ لله اعظم مني ، و الكبر ظاهر في الشيعة اذ هو ادني الحجب كما قال تعالي له الكبرياء في السماوات و الارض و السماوات و الارض ادني من جميع الحجب و الله سبحانه اتخذها حجابا له احتجب بها عن الاغيار فمن اراده لا بد له من الرجوع الي الشيعة و الاخذ عنهم اذ هم حجاب الله الاكبر لايخرقه احد و من اراد خرقه نازع الله في ردائه فسلبه عنه و الله سبحانه قد تفرد في هذا الكبرياء فلا احد من الناس يماثله في ذلك اذ لم‌يجعل الله للشيطان سلطانا علي شيعة علي عليه السلام و انما سلطانه علي الذين يتولونه و الذين هم به مشركون و الشيعة لايشركون بربهم و لذلك جعلهم الله ائمة علي الناس و ذلك قوله تعالي و نريد ان نمن علي الذين استضعفوا في الارض و نجعلهم ائمة و نجعلهم الوارثين و لانريد من الائمة انهم كالائمة [ص 32] الاثني‌عشر او كابرهيم و اسحق و يعقوب بل المراد انهم ائمة يقتدي بهم و يقتفي اثرهم و ذلك لانهم لم‌يظلموا اذ لم‌يشركوا بربهم و ان الشرك لظلم عظيم و عهد الله لاينال الظالمين لا غيرهم فافهم الاشارة فانها تكفيك عن كل عبارة و ذلك قول علي عليه السلام في حديث همام في شأن المؤمن انه امام لمن بعده . و بالجملة فالله سبحانه متفرد في كبريائه اي الشيعة فملك قلوب الشيعة خالص لله سبحانه و الله المالك لها شرعا فهو اولي بها و ذلك قوله تعالي ذلك بان الله مولي الذين آمنوا و ان الكافرين لا مولي لهم فالله الواحد الفرد في قلوبهم و اما ساير الناس فاتخذوا من دون الله آلهة يحبونهم كحب الله و الله خذلهم اذ اشركوا به في قلوبهم و مخرجهم من النور اي التوحيد الي الظلمات اي عبادة الانداد و الاقبال الي الاضداد ، و لا شك ان من اراد توصيف ربه بصفة يوصفه به حيث‌ما وجد هذه الصفة و هذا معني المعرفة كما قال عليه السلام حيث‌ما وجده عرفه ، و هو لم‌يظهر بالفردانية الا في آل‌محمد و شيعتهم صلوات الله عليهم فلايوحد الا فيهم فتدبر في ما اقول حتي تفوز بالمأمول ، فهو المتفرد فيهم و نحن نعرفه بالفردانية هنالك لا في اعداء آل‌محمد اذ اخذوا معه شركاء فلايستوون ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل اكثرهم لايعلمون . بالجملة فحاصل الكلام ان فردانيته سبحانه ظاهرة في قلوبهم اذ قلب المؤمن عرش الرحمن و العارف هو الذي حيث‌ما وجده عرفه فيعرف [ص 33] ربه منهم بعد كشف السبحات و محو الموهومات من حيث شعاعيتهم لسادتهم لا من حيث انفسهم فافهم فانه يكفيك عن عبارات كثيرة ان شاء الله .