ثم اعلم ان مقامات التوحيد اربعة الاول توحيد الذات و تخليتها عن الانداد و الاضداد و التركيب من الاجزاء و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي قل هو الله احد و بقوله الهكم اله واحد فهو سبحانه واحد في ذاته و الدليل عليه نحوا مما تقدم و الثاني توحيد الصفات و هو ان تعلم انه سبحانه واحد في جميع صفاته لا شريك له فيها فهو متوحد في حيوته اذ لا موت فيه و لو كان له شريك فيه لكان حيوته محدودة ممتازة و لكان له موت البتة و ليس له شريك في علمه اذ لا جهل فيه و لو كان له شريك في علمه لكان علمه محدودا و لكان له جهل و هكذا في قدرته و سمعه و بصره و قوته و كماله و سلطنته و ولايته و ربوبيته الي غير ذلك من الصفات و الدليل علي الجملة انه اذا كان واحد آخر متصفا بمثل ما هو متصف به من العلم و القدرة و الحيوة و غير ذلك لكانا محدودين بالصفات البتة لامتناع عدم تناهي اثنين في صقع واحد فلا بد و ان يكونا محدودين فاذا صارا محدودين صار كل واحد منهما فاقدا لصفة الآخر بعينها الا انه مالك مثلها و فقدان المثل هو عدم المثل فعدم [ص 60] الحيوة موت و عدم العلم جهل و عدم القدرة عجز و لان الفاقد للمثل ناقص حادث كما مر و الي ذلك الاشارة بقوله سبحانه ليس كمثله شئ فالله سبحانه كما هو واحد في ذاته واحد في صفاته اي الموصوف بالصفات الغير المتناهية واحد ليس كمثله شئ و له المثل الاعلي في السموات و الارض فلاتضربوا لله الامثال و الثالث توحيد الافعال يعني انه سبحانه واحد في افعاله لا مصدر لها غيره لايوجد الشئ لا من شئ غيره و هو الموصوف بالوحدة في جميع الافعال و كلها من فاعل واحد هو صفة الله سبحانه لا ذاته فان الفاعل من صفات الافعال فهو الفاعل للافعال وحده ليس كمثله شئ و الي ذلك الاشارة بقوله سبحانه الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ و قال قل الله خالق كل شئ فلا فاعل في الوجود الا الله سبحانه و الرابع توحيد العبادة يعني ان لاتشرك بعبادة ربك احدا و تعلم انه واحد في اتصافه بالمعبودية فلا معبود الا هو سبحانه و الي ذلك الاشارة بقوله سبحانه فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا فالموحد الحقيقي هو الذي يوحد الله سبحانه في كل هذه المقامات الاربعة المترتبة و يقصد في الكل اياه سبحانه فيلاحظ انطواء الاشياء تحت الاحدية و عدمها فيه ثم يلتفت الي ظهوره بالوحدة الوصفية و يراه متوحدا في الخلق و الرزق و الحيوة [ص 61] و الموت فييأس عن غيره و يطلبه و يتوجه اليه وحده سبحانه من الوجه الذي امره و لايشرك به احدا من خلقه في شئ من ذلك فحينئذ يكون موحدا حقا فافهم و فيما ذكرنا كفاية لاهل الدراية و الله ولي التوفيق .

قال سلمه الله : المسئلة الثالثة - بينوا لي بالبرهان المسطور علة كون درزي اسفل عظمي اليافوخ كاذبين و درزه الاعلي صادقا .

اقول اعلم ان الله سبحانه جعل العظام في بدن الانسان لمنافع شتي فمنها ما هو اساس البدن و عليه بناؤه كفقرات الظهر و هي في البدن بمنزلة الخشبة تحت السفينة التي يغرز فيها الاجنحة و منها ما هو جنة و وقاية كالاضلاع الواقية للاحشا و عظام الرأس الواقية للدماغ و كالسناسن الشواخص في الفقرات و تلك لتقيها من اذي ما يحمله الانسان علي ظهره او من اذي ما يصيبه من الآفات و منها ما هو للحشو كالسمسمانية التي بين فرج السلاميات و لما قدر ان يكون الانسان ذا مهنة و حرفة و معاناة للاشياء و ان يكون له اختلاف حركات خلقت عظامه متعددة ليقدر علي الحركات المختلفة و في تعدد العظام حكم اخري منها ان لو اصيب عضو بآفة تختص به و لاتسري الي غيره و منها ان كل قطعة منها مخلوقة لمنفعة خاصة و لا بد و ان تناسبها و تكون بحيث تأتي منها تلك المنفعة و في تعددها و تركيبها و ارتباطها بالرباطات و الاوتار و الاعصاب ما لايخفي من قوة الدلالة علي صنعة [ص 62] الحكيم كما هو ظاهر لاهل النظر ثم مفاصل العظام علي قسمين موثق و غير موثق فالموثق ما لايتحرك احد العظمين الا مع الآخر و هو علي ثلثة اقسام فاما يتصلان بزايدة و حفرة ام لا فالاول اما هما من الجانبين اي لكل منهما زائدة و حفرة فهو المسمي بالشان و الدرز هو معرب و ذلك كاسنان المنشارين اذا اطبقتها بحيث يدخل كل سن من واحد بين السنين من الآخر و اما يكون لواحد زايدة و لآخر حفرة فهو المسمي بالركز كركز الاسنان في الفكين و اما الثاني فهو الالتصاقي و الالتزاقي فاما يلتصقان طولا كالزندين و القصبتين او عرضا كعظام الصدر و فقرات العصعص و اما غير الموثق فعلي قسمين سلس و عسر فالسلس ما يسهل حركة احدهما بدون الآخر كالرسغ مثلا و العسر ما يصعب كمفصل الرسغ و المشط و المقصود من هذا سر اختلاف عظام الرأس و تعددها و كيفية اتصال بعضها ببعض و اما عظام الرأس اي الجمجمة فهي سبعة احدها العظم الوتدي و هو قاعدة الدماغ و خلق صلبا لانه مصب الرطوبات فخلق صلبا لئلايتعفن او يفسد سريعا و لانه حامل للدماغ و لا بد و ان يكون اصلب و اربعة كالجدران فمنها جدار اليمين و اليسار و هما حجريان صلبان لان الانسان ينام غالبا علي طرفيها و يقع من حيث يقع علي طرفه و قل ما يقع علي ام رأسه فخلقا صلبين لتحمل الاذي و الآفة و وقاية للدماغ عن الآفة و منها جدار من الامام و هو الجبهة و هو ايضا صلب لا [ص 63] كصلابة الحجريين و ذلك لان الطبع ملتفت الي القدام اكثر من التفاته الي الخلف و تشايعه الابخرة الي القدام فلم‌تخلق حجريا صلبا لتندفع منها الابخرة اكثر و منها جدار من الخلف و هو القمحدوة و عظمان بمنزلة السقف و هما اليافوخ و هما رخوان لان اليافوخ مصعد الابخرة و تميل اليه الحرارة من جميع البدن فلو كان حجريا صلبا لمنع الابخرة عن الخروج و لافسدت الدماغ الذي خلقته باردة رطبة لتضادهما معها و هما ايضا مقدمهما اشد رخاوة من مؤخرهما لان الطبع مايل الي القدام اكثر كما عرفت و خلقت هذه العظام مع ذلك مستدير الشكل لمنافع شتي منها ان الكرة اوسع من ذات الاضلاع كما هو مبرهن في محله و منها انها ابعد تفطرا عن ذوات الزوايا و منها انها محل الروح النفساني الفلكي و هي تقتضي الاستدارة في التجسم و المحل فلا بد و ان تكون مستديرة و خلقت متعددة العظام لانها حامل الروح النفسانية ذات الحس و الحركة فمهما اصابت آفة بموضع منها تختصها و لم‌تسر الي غيرها كما ذكرنا آنفا و لانها مصعد الابخرة و كثرة الشؤن و القبايل فيها مطلوبة و تميل مع الاستدارة الي الطول و له نتوان من الامام و الوراء لان مقدم الدماغ منبت اعصاب الحس و منه عصب الحركة اقل و مؤخره منبت اعصاب الحركة و منه عصب الحس اقل و الدروز الموجودة فيها كثيرة منها الدرز الاكليلي الذي تنتهي اليه الجبهة من الاعلي و هو علي هيئة اسفل الاكليل [ص 64] او محل وضعه و شكله هكذا و منها الدرز المعروف باللامي تنتهي اليه القمحدوة من الاعلي و هو علي هيئة اللام في خط اليونانين و في خط الاسلام في هذه الايام شبيه بالدال و منها الدرز السهمي الواقع بين عظمي اليافوخ شبيه بالسهم الواقع في كبد القوس لما كان الاكليلي شبيه القوس و يسمي الاكليلي و السهمي معا بالسفودي و شكله هكذا فاول السهمي من منتصف الاكليلي و آخره ينصف زاوية اللامي و مجموع هذه الدروز هكذا و من طرفي الاكليلي الي اللامي درزان آخران و هما المسميان بكاذبان و اما الثلثة الاول حقيقية صادقة و جعلت الثلثة صادقة حقيقية لمنافع منها ما ذكرنا من صعود الابخرة الغليظة التي لايمكن نفوذها من القحف فهي تصعد من هذه الثلثة و قد ذكرنا ان الابخرة بنفسها تصعد الي اليافوخ فجعل الدرز السهمي حقيقيا لان تنفذ منه الابخرة الغليظة الصاعدة و من حيث مشايعة الطبيعة تميل الي مقدم الرأس اكثر من ميله الي مؤخره فجعل الاكليلي و اللامي ايضا حقيقيان لان تنفذ منهما الابخرة الغليظة و لتحققها خواص اخر من دخول العروق من خارج الدماغ الي داخله لايصال الغذاء اليه و يخرج منها الرباطات النابتة من الغشاء و تستحكم فوق القحف لئلايقع ثقله علي الدماغ فتبين الحاجة الي تحقق هذه الدروز الثلثة و اما الدرزان الكاذبان فاعلم انهما درزان حقيقة [ص 65] لاختلاف جوهري الجدار و القحف فالجدار حجري صلب و القحف رخو متخلخل الا ان درزهما كاذب اي غير منفصل متشرج كتشرج السهمي و الاكليلي فانه لا حاجة الي انفراجهما و انما يحتاج الي تعددهما كما قدمنا من انه اذا اصاب آفة احد العظمين لاتسري الي الآخر فاحتيج لذلك الي مفصل و لما لم‌يكن حاجة الي كونه منفرجا متشرجا التصق المفصل بحيث لم‌يبق فيه منفذ فلذلك سمي الدرزان قشريان لانهما غير متعمقان كتعمق الثلثة فهيئة الشان معلومة و لكن لا انفراج لعدم الحاجة اليه و الزايد في الخلقة لغو و هو لايصدر من الحكيم فلذلك صارت الثلثة صادقة و الاثنان كاذبين و الدرز الكاذب لاينحصر بهذين بل تحت الجمجمة حيث تلتصق بالقاعدة ايضا درز من كل جانب كذينك الدرزين و لكنه ليس يعد مع هذه الخمسة فذلك الدرز من الامام علي الحاجبين و من الجانبين يكون من اللامي الي الاكليلي تحت الحجريين و اما من المؤخر فهو تحت الدرز اللامي علي الوتد و يصل بين طرفي اللامي فشكل المجموع هكذا كما في الهامش فهذا مختصر من علة التسمية بالكاذب و الصادق و تقسيم الدروز و بيانه و ان اردت التفصيل فاطلب كتب القوم الموضوعة في هذا الشأن و ان كنا قد ذكرنا لك جميع تشريح عظام الرأس بحيث لايحتاج الناظر الي غيره .

و ما ذكرت من ان نبين ذلك بالادلة المسطورة و قصدت بها القياسات فاعلم ان مبني علم التشريح علي الرؤية [ص 66] و الحس و لم‌يهتدوا الي ما ذكروا و شرحوا بالادلة العقلية و انما حصل لهم ذلك بالمشاهدة بعد سلخ الجلود و اذابة اللحوم و غير ذلك و اما ما يفسد بالسلخ و الاذابة فاعتقادي انه بتعليم الانبياء و الاوصياء و اهل الكشف فسبيل معرفة امثال ذلك ايضا السماع و مشاهدة الآثار بموافقة المعالجات و وقوع الآفات و لا سبيل للقياسات الاقترانية و الاستثنائية اليها نعم يمكن للحكماء الربانيين ان يذكروا للاحكام الاصلية و الخلقة الفطرية الالهية ادلة علي نهج الكلية لا الخصوصية فاذا انتهي الكلام الي هيهنا فاعلم ان العقل مدرك يدرك به المعاني الكلية قبل ظهورها و بعد ظهورها في افرادها و ليس يهتدي به الي الاشخاص الجزئية الا بالنفس المدركة للجزئيات بعد ظهورها في مشاعرها اللهم الا انه يمكن الاهتداء بالعقل الي اشخاص لم‌يغيرهم العوارض عن فطرتهم الاصلية و عن كينونتهم الالهية و قد ظهروا في عالم الشهادة كما كانوا في عالم الغيب فحينئذ يمكن الاستدلال بالعقل عليه و تعيين جميع ما له و به و منه و فيه و غير ذلك مثلا يمكن معرفة خاتم النبيين و اوصيائه عليهم السلام باشخاصهم و القابهم و كناهم و اعمارهم و احوالهم و اولادهم الاصلية و غير ذلك لانهم لم‌يغيروا فطرة الله و اما غيرهم فالانبياء يعرف احوالهم النوعية و الصنفية و ربما يعرف في بعضهم الشخصية ايضا و اما في غيرهم فربما يعرف الحكم النوعي و الصنفي و لكن الحكم الشخصي غير ممكن [ص 67] نعم يعرف الجزئيات من ملأ الله به جميع مراتب العوالم بحيث لا تعطيل لهم في كل مكان فهم يعرفون جميع الجزئيات بما هي عليه معرفة احاطة لا اخبار و لذلك هم يعلمون الشرايع الجزئية و غيرهم لايعلم ابدا و يجب عليه ان يأخذ عنهم نعم يعرف بالحكمة الحكم الذاتي في الشئ قبل التغيير و التبديل و اما بعد لحوق العوارض فليس يمكن الا لمن اشهدهم الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم فالمسائل الجزئية الشخصية ليس يقام عليها الدليل الكلي العقلي و دليلها المشاهدة و الآثار او السمع لا غير ذلك .

قال : المسئلة الرابعة - ان تبين لي بالبرهان المسطور ما حقق في علم الموسيقار ان التعدي من طرف احد بعد ذي الاربع اعني نغمة ح موجب للتنافر و لهذه الجهة ثلثة ابعاد ط علي التتالي و اربعة ابعاد علي نسبة ج موجب للتنافر المزبور و ان الجمع بين الابعاد الثلثة اللحنية في بعد ذي الاربع و ان جعل طرف احد بعد ب اثقل د و ان تتالي البعدين علي نسبة بعد ب موجب للتنافر .

اقول اني ماتعاطيت هذا العلم الي الآن و ليس عندي من كتب هذا الفن كتاب استخرج منه شيئا و انظر في حله و اوزنه بالموازين الكلية التي عندنا و لو كان عندي من كتبه ربما سهل لي بعون الله استخراج ما يكتفي به المكتفي و لكن الاصطلاحات الخاصة شئ لايعرف بالادلة العقلية فلا بد و ان اذكر علي النهج [ص 68] الكلي علي مقتضي الحكمة امورا يندرج تحتها هذه المسئلة و غيرها من هذا العلم و ارجو من الله ان يلهمني الصواب انه كريم وهاب .

اعلم ان الصوت هو حركة دفعية تحدث في الهواء بسبب قرع جسم علي جسم يخرج من بينهما الهواء دفعة او قلع جسم عن جسم يدخل بينهما الهواء دفعة او انضغاط الهواء و خروجه بشدة من ثقبة ضيقة او بين جسمين يسحب احدهما علي الآخر او بسبب شق الهواء و تفرق اجزائه بجسم دفعة فاي هذه الامور حصل يتحرك منه الهواء تحركا دفعيا شديدا بالنسبة فيموج ساير الهواء علي حسب شدته و ضعفه و ثقله و حدته الي ان يدخل الهواء الاذن فيقرع العصبة المفروشة تحت ثقبة العظم الحجري فتدركه القوة السامعة المتعلقة بذلك العصب و كيفية الادراك ان الهواء يقرع ذلك العصب و ذلك العصب حامل للروح النفسانية في خلله و فرجه و هي بعينها هي الروح البخارية الجسمانية الا انها تلطف بعد صعودها الي الدماغ فاذا قرع العصب و تحرك علي حسب تحرك الهواء انفعلت الروح البخارية المتخللة فيه و تحركت علي نحو حركة العصب التابعة لحركة الهواء و تلك الروح البخارية المتخللة هي الحس المسمي ببنطاسيا و هي برزخ بين الجسم الظاهر و النفس فيؤدي بنطاسيا تلك الهيئة الي النفس و هي دراكة بالذات فتدرك ذلك الصوت بالاحاطة عليه [ص 69] و المشاهدة له فاذا اجتمع اصوات عديدة حتي حصل لها امتداد و لبث زمانا سواء كانت حادة او ثقيلة تسمي بالنغمة فاذا اجتمع نغمتان مختلفتان في الحدة و الثقل بان يكون احديهما حادة و الاخري ثقيلة فهو البعد و اذا اجتمع نغمات عديدة فهو الجمع فاذا كان الجمع علي نسبة تأليفية فهو اللحن ثم اعلم ان الصوت يختلف اقسامه بحسب اختلاف بواعثه فانه اما حيواني او غير حيواني فالاول اما منطقي او غير منطقي و الثاني اما آليّ او غير آليّ و علي اي حال هو علي اقسام من حيث نفسه صغير و كبير و بطيء و سريع و حاد و غليظ و جهير و خفي ● و متصل و منفصل فاذا عرفت ذلك فاعلم ان النفوس علي اقسام فمنها ما هو علي نهج الاعتدال و الاستقامة و منها ما هو منحرف لانحراف المحل فالمنحرفة بانحراف المحل اما هي راكنة اليه طالبة له و اما هي متنفرة منه متأذية طالبة للتخلص منه و كل قسم من هذه الاقسام الثلثة يلتذ بما يجانسه و يتأذي بما يخالفه فالمعتدلة تلتذ بكل مدرك معتدل متناسب الاجزاء علي حسب اعتدالها و تحب التوجه اليه و الاقتران به و حضوره لديها بل تتقوي بميله اليه للمشاكلة و تتأذي بكل منحرف عن الاعتدال و تفر منه بل تضعف بادراكه للمخالفة و المضادة و المنحرفة الغير الراكنة طالبة لمخالف جهة [ص 70] الانحراف للمشاكلة الذاتية مشتاقة الي ادراكه ملتذة بالتوجه اليه متقوية به من باب دفع المرض بضد المرض و ضد المرض موافق لاصل الطبع و اما المنحرفة الراكنة فهي ناسية للعهد القديم و صارت العادة لها طبيعة ثانية فتلتذ بكل منحرف للمشاكلة بل تتقوي به و تتأذي بكل معتدل بل تضعف به و ذلك لا اختصاص له بمحسوس دون محسوس بل هو حكم جار في كل المحسوسات و لذلك تحصل الالتذاذ و التأذي للنفس بكل واحد من المحسوسات من كل حاسة و ذلك لان عالم الاجسام تنزل عالم النفوس و تفصيلها و هي علي هيئته و انما التفاوت في الكثافة و اللطافة فجميع ما في عالم الاجسام نازل من عالم النفوس قال الله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم ، و قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية ، فجميع ما في هذا العالم من البسايط و المركبات و الكميات و الكيفيات و الجهات و الرتب و الوقت و المكان علي طبق عالم النفوس الا ان هناك الطف و هيهنا اكثف حتي ان نسبة ظاهر الشئ الي هذا العالم نسبة باطنه الي باطن هذا العالم فكما ان في هذا العالم نور و ظلمة و لون و شكل و صوت و روايح طيبة و غير طيبة و طعوم و حرارة و برودة و رطوبة و يبوسة و خشونة و ملاسة و حركة و سكون و غير ذلك كذلك للنفوس كل ذلك و كما ان الجسم المركب مركب من [ص 71] العناصر الاربع كذلك النفوس موجودة في عالمها من عناصرها و يتبعها جميع ما يتبع العناصر في هذا العالم و انما التفاوت في الكثافة و اللطافة حتي ان من النفوس حارة و منها باردة و منها رطبة و منها يابسة و منها ثقيلة و منها خفيفة و منها لينة و منها خشنة و يعرف جميع ذلك من آثارها فاذا صارت النفوس علي طبق الاجسام فتتقوي و تلتذ بادراك ما يشاكلها فان كان المحسوس اقوي يشتد اثره في النفس و ان كان اضعف يضعف اثره و لذلك يشاهد للنفوس صرعات و انتعاشات و تغيرات و تكملات بسبب المحسوسات مما لايخفي حتي قيل ان المرء علي دين خليله و نراها يهيج ما فيها من الحب بسماع ذكر الحبيب و رؤيته و يهيج ما فيها من البغض سماع ذكر العدو و مشاهدته و ربما يبلغ المحسوس المنافر مبلغا يخرج النفس باحساسه و تترك البدن و ربما يبلغ المحسوس الموافق مبلغا ينجذب اليه النفس فتخلع بدنها و تأثير المحسوسات في النفوس مما لايخفي و لاتتعجب من تأثير الادني في الاعلي فان الادني الاقوي يؤثر في الاعلي الاضعف لامحة و ليس كل نازل تنزل كل عال فلعله تنزل عال اقوي من ذلك العالي فبذلك تستكمل بالاقتران به و يخرج ما كمن فيه من جنس الداني بسبب الاقتران كما تتقوي النفس و تتقوي بسبب الادوية و الاغذية .

فاذا عرفت ذلك فاعلم ان من تلك الاسباب الملذة و الموذية الاصوات فانها حركات حادثة في الهواء تحرك [ص 72] العصب المفروش تحت الصماخ و تتحرك بسببه الروح البخاري و تؤديه الي النفس فان كانت تلك الحركات مؤلفة علي التناسب و علي نهج الاعتدال صار احساسها ملذا للنفس المعتدلة الموزونة التي هي ميزان هذا العلم و اذا كانت مؤلفة علي خلاف التناسب و علي خلاف نهج الاعتدال صار احساسها موذية للنفس و تصير سبب تنفره و معلوم ان الصوت بسيط لايوجب التذاذا و كذلك النغمة الواحدة بسيطة و ان كانت مركبة من الاصوات الا انها متشاكل الاجزاء فلاتوجب التذاذا للنفس المركبة و انما تحصل الالتذاذ بسبب تركيب النغمات و تأليفها فمهما تركب النغمات المختلفة في الحدة و الثقل علي نهج التناسب صارت ملذة و لما كانت الاصوات لمراتبها كميات قدرت بالكميات و عرفت تناسبها بتناسب الكميات و معلوم ايضا ان الترقي من الكم الاقل الي الكم الاكثر البعيد دفعة علي خلاف الطبيعة حتي انه ربما يورث دهشة تكون نفسه فيها و ذلك كصوت الصاعقة و الصيحة فلعله يموت السامع باستماعه فلما صار اعلاه ثقيلا فيتدرج التنافر الي ان يفني و يأتي التناسب و الالتذاذ و كذلك التنزل من الكم الكثير الي الكم القليل البعيد دفعة علي خلاف الاعتدال فيوجب دهشة و تنافرا فمهما صار الترقي و التنزل علي حسب التدرج في الدرجات القريبة صار انسب ثم التدرج اما يكون بجزء قليل لايحس بترقيه و تنزله النفس كأن تكون احدي النغمتين [ص 73] واحدا و الاخري واحدا و جزء من مائة جزء مثلا لاتحس به النفس و يكون البعد الحاصل منهما كالنغمة الواحدة المتصلة عندها و اما يكون بجزء او كم بيّن يحس به النفس و لكن لايكون خارجا عن حد الاعتدال كأن يكون احديهما واحدا و الآخر اثنينا فانه يحس به النفس و تلتذ به البتة او يكون احديهما واحدا و الآخر واحدا و نصف مثلا او ما يقرب من ذلك من الابعاد فانه يحصل الالتذاذ القليل و لكنه يحتاج الي زيادة توجه و الاحسن ان يكون زيادة احديهما بالضعف و يكون الآخر نصفا حتي لايحتاج النفس الي كثرة توجه و تعرفه من غير كلفة فان كلفتها في الادراك مملة لها فالانسب ان يكون نسبتها نسبة الواحد و الاثنين و الاربعة و الثمانية و هكذا فلو تخلف عن ذلك و عما يقرب من ذلك من الابعاد و يشبهه و لو في الجملة اورث كلفة او تنفرا للنفس و كذلك يختلف الالتذاذ بحسب اختلاف الامزجة فان لكل صوت و نغمة مزاج خاص يهيج احساسه ما يشاكله في النفس فالصوت الحاد حار يابس و الثقيل بارد رطب و البطيء بارد يابس و السريع حار رطب و كلما قويت هذه الصفات قوي طبعها و كلما ضعفت ضعف فاذا روعي المزاج و تناسب التأليف كما مر و الوقت و المكان و الاشخاص و الكم و الكيف و الوضع و ساير القرانات يوجب التذاذا عظيما للنفس و تغيرات عجيبة حتي انه يمكن معها معالجة الامراض العسر البرء في زمان قليل و يمكن معها احداث [ص 74] صفات غريبة في النفس من الحب و البغض و الضحك و البكاء و السرور و الحزن و النوم و اليقظة و امثال ذلك و لما كانت النفس معها تتوجه الي الجهات الخلقية و تحصل لها الالتذاذات النفسية حرم في الشرع فان عند استماعها تنجذب اليها و هي علي خلاف جهة المبدء فتصير ممن قال الله فيهم وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و ما زعمته الفلاسفة ان النفس بها تميل الي مبدئها سفه من رأيهم فان مبدء النفس هو العقل منه بدأت و اليه تعود و النفس تكون ملتفتة الي المبدء اذا غفلت عما سوي الله و اضمحلت و تلاشت عند سطوع انوار العظمة لا اذا انهمكت في شهواتها و ملاذها فتوبوا الي بارئكم و اقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم و تكميل النفس بمخالفتها فان الجنة حفت بالمكاره و النار حفت بالشهوات و لو كان التذاذ النفس سبب ترقيها لماابتلي الله الانبياء و المؤمنين بالبلايا و الامراض و المحن و المصائب الموجبة لمقتهم للدنيا و اعراضهم عنها و اقبالهم الي الله و لكان يؤتي اليهم ما يديم الذاذ نفوسهم نعوذ بالله من سفه الاحلام قال الله سبحانه و لايحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و قال و لولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون و لبيوتهم ابوابا و سررا عليها يتكؤن و زخرفا الآية ، و لما زعمت الفلاسفة ان الافلاك هي عالم الآخرة [ص 75] و العناصر هي عالم الدنيا زعموا ان النفس ما دامت ملتفة الي الاعراض السفلية هي ملتفة الي الدنيا و ليس لها لذة اخروية و اذا هذبت بسبب التعليمات و العلوم التي هي من شأنها صارت من اهل الجنة و المغفرة و زعموا ان علم المنطق و الرياضي و الطب و العلم الطبيعي مثلا يكون سبب تهذيب النفس و من ذلك الغنا فان النفس تتقوي بذلك و تذكر عالمها و تتوجه اليها و كذبوا ليس شئ من ذلك يهذب النفس و لو كان كذلك لكان نفس الكفار الحاذقين في هذه العلوم اقوي النفوس و لماحرم الشارع الكلام و الغنا و السحر و الكهانة و الرياضات الغير المشروعة و لدعي الشارع الغير التارك للاولي الناس اليها و انما يحب الله ان يعبد من حيث امر و ان يدخل عليه من بابه و بابه هو الذي فتحه و جعل باطنه هو الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فلايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون بالجملة هذا الذي ذكرنا في جواب سؤالكم كان من باب ان لكل سؤال جواب و كان علي حسب قواعد الحكمة و اما الاصطلاحات الخاصة باصحاب هذا العلم فماتعاطيته الي الآن و لم‌يكن عندي منهم كتب اراجعها فافصل بين حقها و باطلها لاسيما و كان سؤالكم علي نهج الاجمال و الاختصار فلو كان مفصلا لكان يمكن بيان الحق و الباطل فيه فاتيت بما كان عندي علي حسب ما يقتضيه الوقت و لا قوة الا بالله .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الخامسة - ان المعروف ان شعاع [ص 76] الشمس اذا لم‌تكن تام الانكساف يظهر من وراء الشبك و الفرج الضيقة علي طبق انكساف الشمس يعني انه اذا كان الشمس قد انكسف نصفه يكون الشعاع علي هيئة نصف ما كان عليه لو لم‌تكن الشمس منكسفة و ان انكسف ثلثها فالثلث و ان انكسف ربعها فالربع و هكذا فالمرجو ان تبين ان هذا الامر واقع ام لا و علي فرض الوقوع فالملتمس ان تبينه بالبرهان المزبور و القمر ليس شعاعه حين اختلاف اشكاله كذلك و التمس من كريم بابك ان تجيبني في هذه المسائل علي نحو ما استدعي و اريد و ان لم‌يكن واجبا عليك و لا من شأنك جوابها ، الي آخر ما قال .

اقول ان تحقيق هذه المسئلة يحتاج الي رسم مقدمات من علم المناظر و المرايا فنقول قد ثبت في ذلك العلم ان المنير اذا كان اكبر من الكثيف و كان من وراء الكثيف صار ظل الكثيف علي هيئة المخروط حتي ينتهي الي نقطة ثم يعدم فاذا نظر الناظر الي الكثيف و هو في داخل المخروط يريٰه و ان كان حيث ينتهي المخروط و ابعد لايراه ابدا و لما كان الارض اصغر من الشمس صار ظلها علي هيئة المخروط و ينتهي الي قريب من فلك الزهرة و هنالك لا ليل و لاتري ارض ابدا و كذلك اذا انت اخذت جسما قريبا من الارض في الشمس يكون له ظل عليها و كلما ابعدته يدق الظل و يصغر الي ان لايبقي له اثر فيكون الارض تحته نورانية كساير اجزائها فاذا كلما كان الجسم اكبر يكون مخروط [ص 77] الظل اطول حتي انه لو كان كثيف بكبر الشمس علي الشمس او اصغر منها بقليل لطال مخروط ظله الي الارض و يري ذلك الكثيف و لاجل ما ذكرنا من انتهاء ظل الكثيف الصغير يري شعاع الشمس الواقع من خلل اوراق الاشجار علي الارض مستدير اذا كانت الخلل ضيقة مع عدم استدارتها الحقيقية لانتهاء ظل تضاريسها و عدم تبينها عند الارض بسبب بعدها و اما اذا وضعت جسما ذا ثقبة مثلها علي الارض او امسكته قريبا منها لتبين الشعاع علي هيئة الثقبة و هذه احدي المقدمات التي احببنا تقديمها .

و الثانية ان المرئي من الاجسام هو نور منصبغ في صبغ ذلك الجسم و متشكل بشكله و لايري غير النور فان غير النور ظلماني و ليس يري و لما وقع النور الظاهر في نفسه علي ذلك الصبغ و الشكل انصبغ و تشكل علي حسب المحل فرأي علي ذلك الصبغ و ذلك الشكل كالماء المنصبغ المتشكل في الاناء علي حسب صبغه و شكله و لذلك لايري الاشياء علي الوانها الحقيقية في الشمس و في القمر و في السراج فانا جربنا ان اللون المائي يري في السراج اخضر لان لون السراج اصفر و يختلط مع المائي فيحدث لون اخضر و لو كان المرئي نفس ذلك اللون لماتغير و كذلك يري الثوب الابيض في الشمس مشيبا بالصفرة و الحمرة و في القمر اشد بياضا و اللون المائي في القمر اقرب الي البياض منه في الشمس و الثوب الابيض الذي نصفه في القمر و نصفه في السراج نصفه الذي في [ص 78] القمر اشد بياضا و نصفه الذي في السراج اشد صفرة و كذلك الثوب الابيض في الشمس و الظل يختلف لونه و هكذا جرب تجد فالمرئي من الالوان و الاشكال هو النور المنصبغ المتشكل لا غير و لذلك ينعكس من الانسان المستنير بنور الشمس او غيرها في المرآة الوان و اشكال و من البين ان نفس الالوان و الاشكال لاتنعكس في المرآت و انما الواقع في المرآت شعاع النور الواقع المنصبغ المتشكل في كل عضو منه علي حسبه و ذلك العكس و الشعاع منعكس من كل مستنير دائما فان قابله شئ صيقلي من وجه و كثيف من وجه يظهر فيه الشعاع و ان كان صيقليا من وجهين ينفذ فيه الشعاع و يخرج منه كالهواء و البلورة و الزجاجة و ان كان كثيفا من وجهين ينطبع فيه و لكن ان كان الكثيف بنفسه في الضياء يغلب الضياء علي العكس المنطبع لانه بكثافته لم‌يظهر الشعاع كل الاظهار و كان فيه ضعيفا فغلب في الضياء و خفي الاتري ان النور الواقع علي المرآة ابين منه علي الجدار الكثيف فكذلك عكس الاجسام المستنيرة فانه نور و يكون في الصيقلي ابين منه في الكثيف فاذا قابلت الجدار يقع شبحك فيه البتة الا ان الانوار الواقعة عليه المنصبغة بصبغه يغلب شبحك فلايدعه ان يظهر و لو لم‌يكن الانوار علي الجدار و كان النور الواقع عليه منحصرا بشبحك الواقع لتبين شبحك عليه كما في المرآة حرفا بحرف و لا بد في ظهور النور الواقع علي الكثيف من فضل قوة ليظهر [ص 79] لضعف القابل فالنور يظهر عليه البتة الا انه اضعف مما في المرآة بقليل بقدر صقالة المرآة و كثافة الجدار و بقدر لون الجدار من نفسه المغير لما يقع عليه و عدم لون للمرآة من نفسها و ان شئت ان تعرف صدق ما اقول فاوقف رجلا بازاء الشمس حتي يستنير وجهه و ليكن في مقابل وجهه بيت مبيض و يكون لذلك البيت كوة بازاء وجه الرجل فانه يقع شبح الرجل من تلك الكوة علي الحائط المقابل من داخل البيت حرفا بحرف بسواده و بياضه و حمرته و خضرته و اعضائه كلها كما في المرآة و قد جربنا ذلك و كان كذلك و ينبغي ان يكون البيت مظلما لايدخله نور الا من تلك الكوة فمن ذلك علم ان الشبح يقع علي الكثيف ايضا فان غلبه نور يضمحل و يخفي و الا يظهر و هذه مقدمة اخري لهذا المطلب فاضبطها .

فنقول اذا كان ثقب مستدير مثلا يخرج منه شعاع الشمس و يظهر علي الارض مستديرا فاذا وضعت من فوق الثقب جسما يغطي نصف الثقب او ثلثه او ربعه يري الشعاع من ورائه ناقصا من الاستدارة علي حسبه البتة فاذا رفعت ذلك الجسم شيئا بعد شئ علي محاذاة ما كان يصغر ظله كما بينا و كلما صغر صار ظله الواقع من الثقب علي الارض اصغر الي ان يفني و يعود الشعاع مستديرا كأن لم‌يكن حاجب و اما اذا صار الحاجب كبيرا بحيث لايفني ببعده يكون الشعاع النافذ من الثقب ناقصا علي حسب حجبه البتة فافرض الحاجب القمر اذا ستر الشمس فكما يري الكسف يكون [ص 80] له ظل البتة لما قلنا في المقدمات فاذا كان له ظل لا بد و ان يحجب نصف الثقب البتة فيتبين الشعاع من وراء الثقب علي الارض نصف الثقب و اذا كان الكسف ثلثا او ربعا يكون الشبح ثلثا او ربعا علي حسبه كما يتبين في المرآة بعينه فبعين ذلك السبب الذي ينطبع في المرآة علي هيئة انكسافه يجب ان ينطبع من الثقب علي الارض علي هيئة انكسافه و اما ظهوره من وراء الثقب و عدم ظهوره في ساير العالم لما قلنا ان غلبة النور يستر شبح الحاجب فالعالم مستنير بالباقي من الشمس و قوة ذلك النور تحجب ظل الساتر الاتري انك حال انكسافها اين ما وضعت مرآة علي الارض تريٰها منكسفة علي حسبها و قد قلنا ان الشبح مثل ما ينطبع في المرآة ينطبع في الكثيف الا ان غلبة النور و كثافة الكثيف الصابغة للشبح يمنع من الظهور و اما اذا كان من وراء ثقبة ضيقة و كان النور يدخل من ذلك الثقبة فقط و باقي ما وراء ذلك الجسم المثقب ظلماني او اقل نورا من الشبح الواقع يتبين الشبح علي حسب الشمس حرفا بحرف و هذا الامر لايختص بالشمس بل القمر في انكسافاته و اختلاف اشكاله في اوقات الشهر ايضا كذلك الاتري انه ينطبع في المرآة علي شكله فلا بد و ان يكون منطبعا في الكثايف ايضا كذلك الا ان المانع من ظهور ضعف نور القمر و ضعف ظل الحاجب او الباقي من جرم القمر الغير المستنير فلو كان له قوة نور لكان ايضا كذلك حرفا بحرف و قد [ص 81] قلنا ان المانع من ظهور الشبح علي الكثيف اما ضعف الشبح من نفسه او ضعفه عند النور الواقع من غيره علي الكثيف بل هذا الامر في اللطيف الصيقلي ايضا كذلك فانك ان وقفت مدبرا للشمس و اخذت المرآة بازاء وجهك مواجهة للشمس لايتبين شبحك فيها مثل ما اذا كان الامر بالعكس لغلبة نور المرآة و ضعف نور وجهك عنده فلما كان نور القمر ضعيفا ليس يتبين مقدار ظلمانيته و نورانيته في الثقب و غلبة ظلمة الليل و ضعف الشبح يمنع من الظهور و اما المرآة لصقالتها يظهر فاين ما وضعت المرآة علي الارض و لو من وراء ثقبة يتبين القمر ايضا فيها علي حاله و انما المانع من ظهور الاشياء اما ضعف الفاعل او ضعف القابل و في القمر كلاهما موجودان و في الشمس الفاعل قوي فيظهر و ان كان القابل ضعيفا و في ما ذكرنا كفاية و بلاغ لذي الفهم ان شاء الله .

بقي شئ انه اذا كان الثقب مقابلا للاجزاء المستنيرة من الشمس او القمر بحيث اذا نظر الناظر من ذلك الثقب لايري الا الاجزاء النورانية او اذا وضع مرآة تحت الثقب و لاينطبع فيه الا الاجزاء المستنيرة فليس يقع الشبح علي هيئة الانكساف البتة و اذا كان الثقب مقابلا للجزئين يقع علي حسبه فذلك يختلف بحسب بعد المحل المنطبع فيه من وراء الثقب عن الثقب و قربه منه فكلما كان اقرب ينطبع فيه من الجزئين اكثر و كلما كان ابعد يصير ما ينطبع فيه اقل فيمكن تخصيصه بجزء دون جزء فيمكن ان لاينطبع في المحل المنطبع [ص 82] فيه الا الجزء النوراني اذا كان المحل بعيدا و يكون مواجهاً للجزء المستنير الا ان بعد الشمس و القمر يهون الخطب فانه كلما بعد الطرف المقابل يكون المواجهة الي كله اسهل و كلما قرب كان تخصيص المواجهة اسهل فلبعدهما صار في اغلب الحالات يكون الانطباع علي حسب الانكساف و اشكال القمر فافهم راشدا موفقا فانه دقيق و بالتوجه حقيق .

قال سلمه الله : و ايضا استدعي من جنابكم ان تبين لي بالبرهان المذكور وجه انحصار السلسلة الطولية في الثمانية فاني مارأيت في كتب الشيخ و السيد اعلي الله مقامهما برهانا علي ذلك و المأمول ان لاتطردني من بابك فاني و حق علي بن ابيطالب عليه السلام من جملة المخلصين و العبيد الطالبين المسترشدين .

اقول هذا آخر مسائله ايده الله و هذه المسئلة من معضلات المسائل و مشكلاتها لم‌يجر البرهان عليها في خطاب و لم‌يذكر في كتاب غير ان الشيخ اعلي الله مقامه قد خالف الجمهور في ذلك و وشح كتبه الشريفة بذلك و اقتفا اِثْره السيد الجليل و الاستاد النبيل اجل الله شأنه و انار برهانه و لم‌يذكرا لذلك دليلا يكشف لثامها و يفض ختامها و يبين ما فيها و يظهر خافيها حتي اني سألت السيد اجل الله شأنه عن هذه المسئلة و سألته ان يكتب في ذلك رسالة يبرهن عليها بالبراهين ما يزيل الظن و التخمين و الححت عليه مدة خمس سنين او ازيد [ص 83] و راودته بكتب و رسائل و التماس و وسائل فمنعه المقدور عن الجواب حتي اجاب دعوة الله الوهاب و لم‌افز منه بجواب و لم‌يشرفني في ذلك بخطاب و كان ذلك الي ان سألتني عن ذلك و التزمت اجابتك لعلل شتي فها انا ذاكر لك هذه المسئلة علي ما يقتضيه الحال علي غاية الاجمال بتوفيق الله المتعال فاعرف قدرها و اغل مهرها فانها حسناء لم‌يكشف لاحد لثامها و لم‌تعلل احدا بكلامها فهي عذراء لم‌يطمثها انس و لا جان و لم‌ازفها اليك ان شاء الله الا بسلطان و اعلم ان الذي جري في السن المشايخ العظام و اللضالض الفخام انها تسعة و القول بانها ثمانية عد مراتب الخلق ان صدر عن عالم و غلط و سهو ان كان من جاهل كما ستعرف و هذا ابان الشروع في المقال لكشف الحال علي نحو الاجمال بعون الله المتعال .

اعلم ان هذه المسئلة تنحل الي ثلث مسائل الاولي بيان معني التأثير و التأثر و الفرق بينه و بين التكميل و التكمل و هذه مسئلة عجيبة غريبة قد زل فيها الاقدام و ضل فيها الاعلام و تاه فيها الاكثرون و مابرحوا عليها خابطين عاثرين الثانية هل اختلاف مراتب الوجود في الطول علي نحو الاثرية و المؤثرية فتكون اختلافها بالمادة ام علي نحو التدرج علي صفة مراتب التشكيك فهي موادها واحدة و انما الاختلاف في الصورة و في القوة و الضعف الثالثة اذا صار اختلاف المراتب علي نحو الاثرية و المؤثرية فكم مرتبة هي و لم كان يقال انها [ص 84] تسعة مع عدم تناهي فيض المبدء و قوته و جماله و كماله فنبين ذلك في ثلث فصول .

فصل - اعلم ان الله سبحانه كان اذ لا كان فخلق الامكان لا من شئ قد كان و انما اخترعه اختراعا و ابتدعه ابتداعا لا من اصول ازلية و لا من حقايق قديمة فان ذلك محال و ليس في محال القول حجة فخلق الامكان بمشيته الامكانية و ذلك الامكان هو نفس تلك المشية المخلوقة بها لا غير اذ لو تقدمت المشية علي الامكان لكان قديما فهما مساوقان مصاقعان حادان في الوجود و معهما السرمد كذلك كمحادة المحدد و الجهات و المكان و الزمان حرفا بحرف فلايفضل احدها علي صاحبه بجزء ابدا و الامكان هو بحر سيال في الخارج حقيقة كوجود المداد قبل الحروف و الماء قبل الامواج فهو وجود كوني في نفسه لنفسه و امكان لما يصاغ منه و يصنع مثل الماء انه موجود في الخارج وجودا حقيقيا و يصاغ منه الامواج علي اختلافها فكذلك الامكان مخلوق اولا لا من شئ ثم جميع ما صيغ منه بعده فمن شئ و ذلك الشئ الامكان انظر الي الجسم المطلق حيث انه لم‌يصنع من مادة جسمانية اخري و اما جميع ما في عالم الاجسام مصنوع من الجسم و صورة شخصية عارضة عليه و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فكذلك الامكان خلق اولا لا من شئ فانه ليس سواه الا [ص 85] الواجب و هو لايصير مادة الحوادث و الممتنع غير قابل للايجاد فاذاً هو لا من شئ و هو امر وجودي و بحر سيال متشاكل الاجزاء و لاتصغ الي الذين يزعمون انه امر ذهني انتزاعي و ليس له وجود في الخارج فان الامكان ان لم‌يكن في الخارج لم‌يقدر الذهن علي انتزاعه فانه لايدرك و لايوجد في نفسه ما لم‌يوجده الله سبحانه و لتحقيق هذه المسئلة محل آخر فذلك الامكان بحر سيال متشاكل الاجزاء كل جزء منه صالح لان يصاغ منه نبي و انسان و جن و ملك و حيوان و نبات و جماد و جواهر و اعراض و اكوان و اعيان و غير ذلك كما تري من صلوح المداد لان يكتب منه اسم طيب و اسم خبيث و اسم دني و اسم فاضل و اسم عال و اسم دان و هكذا و الهواء صالح لان يصاغ منه كل قول حسن و قبيح و كلمة كفر و ايمان و لا شك انك اذا اردت ان تكتب كتابا تهيأ اولا مدادا صالحا لان تكتب منه ما شئت ثم توجد الحروف منه علي حسب المصلحة و الحكمة فكان ذلك الامكان صالحا لجميع الاشياء و لا نهاية لصلوحاته و لما كان كل موجود من الامكان الصالح لكل موجود فصار و