قال : المسئلة الثانية - بينوا لنا بالبرهان المذكور برهانا علي وحدة الواجب تعالي غير ما في كتب العلماء مزبور و في السنهم مذكور .
اقول اتفق من اقتران هذا السؤال بالسؤال الاول ما يقتضي بحثا و هو انه بعد ما ثبت ان ما لا حد له لا برهان له و قد ثبت في محله ان الله سبحانه ليس بمركب و لا حد له و لا مادة و لا صورة فينبغي ان لايكون له برهان فكيف يطلب له البرهان و يقام له و الجواب عنه انه كذلك ان كنه الذات الغيبية غير مركب و لا محدود و كذلك لايقام له برهان يكشف عن كنهه و [ص 31] البرهان الذي ينفي بنفي الحد هو العلة الذاتية و الله سبحانه موجد كل علة فلا علة له فلا برهان لكنه غيبه كما قال عليه السلام صفة استدلال عليه لا صفة تكشف عنه و ان قلت انما يقام الدليل علي وجوده سبحانه و وجوده عين كنه ذاته قلت ليس كذلك فان الوجود المثبت بالبرهان المدرك بالعقل ليس هو كنه ذاته الغيبي و انما هو الوجود الحق الخلقي الذي تجلي لخلقه به و عرفهم نفسه به فهو عنوانه سبحانه لا من حيث العنوانية قال علي عليه السلام دليله آياته و وجوده اثباته ، و نفي في الدعاء ان يكون هذا الوجود عينه سبحانه فقال السجاد عليه السلام لميمثل فيكون موجودا ، فالوجود المثبت بالبرهان مثبت و المثبت موصوف و كل موصوف مصنوع فلا برهان لكنهه الغيبي تعالي عزه و ما له برهان من مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان كما في الدعاء و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، فاذا عرفت ذلك فنقول في البرهان علي وحدة الواجب انه يجب عليك اولا ان تتبين مدرك معرفة هذه المسئلة فانك لو رمت ان تعرف شيئا بغير مدرك يناسبه لنتصل اليه ابدا لان كل اداة تحد نفسها و كل آلة تشير الي نظيرها كما ان من رام معرفة صوت و استعمل عينه و طلب البراهين العينية عليه و اقامها المبرهن ليست تفيد [ص 32] معرفته ابدا و بذلك وقع القوم في التيه حيث لميتبينوا اولا مدرك المسئلة و ملأوا الطروس و صاحوا في الدروس و خالفوا الله سبحانه في الناموس في قوله و أتوا البيوت من ابوابها فاتوها من ظهورها فضلوا و اضلوا كثيرا عن سواء السبيل فاني اعظك ان تكون من الجاهلين فاقول ان لمداركك ثلث مراتب تنحل الي خمس مقامات :
المقام الاول مقام مداركك الجسمانية الخمسة المعروفة فلا شك و لا ريب ان الواجب سبحانه ليس مما يدرك بالحواس الخمسة الظاهرة فان الحواس الخمسة لاتدرك الا صفات الاجسام و صورها المتممة و تلك الصور اعراض قائمة بمعروضاتها لا بانفسها و هي كلها مفتقرة الي محالها و هي بكلها تنقلب و تتغير و تفني و تحدث غيرها كما تري ان ما تري بالعين نور و ظلمة و الوان و اشكال و الاوضاع و الحركة و السكون و كل واحد منها يتغير و يتبدل فيخلف النور الظلمة و الظلمة النور و ينقلب الالوان و الاشكال و الاوضاع و يخلف كل شئ منها اضدادها و يخلف الحركة السكون و السكون الحركة و كل شئ منها عرض غير قائم بنفسه بل قائم بمحله محتاج اليه متغير منفعل من قوي يغلب عليه و ما يسمع بالاذن الاصوات و هي هيئات عارضة للهواء تنمحي و تنقلب و تفني و تخلفها غيرها و هكذا ما تشمه و تذوقه و تلمسه فان كلها اعراض غير قائمة بنفسها كما هو مشاهد من زوالها و تخلف غيرها عنها و هي كلها صفات محالها تتصف بها و نهايات وجود [ص 33] جواهرها تنتهي اليها فليس شئ منها ذات قائمة بنفسها فاذ لميكن الواجب من جنس المحسوسات الجسمانية فلاينبغي ان يستعمل لمعرفته هذه المشاعر و لا ان يبرهن عليه ببراهين هذه المشاعر فانها لاتدل الا علي حادث مثلها فتركنا هذه المشاعر .
و المقام الثاني مقام المشعر البرزخي ما بين الباطن و الظاهر و هو المعبر عنه بالحس المشترك و انت تعلم ان جميع ما تدرك بهذه الحاسة من حيث التعلق بالمواد الخارجة صور منطبعة فيها من الخارج علي الاصح كالشبح في المرآة و الوجود الخارجي كالشبح لها و لسنا بسدد بيان تفاصيل هذه المقدمات فانا لو بنينا علي شرح جميع ما يبتني عليه المسئلة لفني العمر قبل ان تفني المسئلة فجميع الاشباح الواقعة في الحاسة قائمة بشواخصها قيام صدور و بتلك الحاسة قيام ظهور و ما يكفيك في هذا المقام انك لو شئت تغيير الصورة التي في ذهنك فعلت و تراها في ذهنك علي ما غيرت فان الصورة تتغير بتغير المرآة فان كانت من الشواخص الخارجية فقد عرفت حال الخارج فهي اشد حدوثا و افتقارا بالغير و ان لمتكن كما قيل فهي بنفسها منقلبة متغيرة كما انك تقدر ان تصور المتصل منفصلا و الواحد متكثرا و المتحرك ساكنا و الموجود معدوما و هكذا تقدر ان تصور كل صورة علي خلاف ما هي عليه بلا نهاية كما تري من انقلاب الاشياء في المنام عن هيأتها فجميع ما في مدركك البرزخي متغيرة حادثة ممكنة [ص 34] و ليس الواجب من جنسه فلاتدركه ابدا و لاينبغي استعماله في معرفته و لا ان يبرهن ببراهينه عليه فان هذه الحاسة لاتدل الا علي جنسها و لاتثبت بها الا شكلها و الذين يتصورون وجود الهين نقول لهم تصوَرْ وجود ثالث فيتصور ثم نقول لهم تصور عدم الثاني فيتصور ثم نقول له تصور عدمهما بالكلية فيتصور فنقول له كيف تطلب دليلا علي وجوب هذا الذي تصورته علي زعمك و تعقلته و هو مما يمكن وجوده و يمكن عدمه و كيف تطلب الدليل علي وحدة شئ يمكن تعدده بل هو متعدد ممكن بالفعل و انما سميته الها واجبا فانما هو مثل ان تسمي زيدا واجبا ثم تطلب الدليل علي وجوب ذاته و امتناع تعدده و تري في نفسك انه لايمتنع عدم زيد هذا و لايمتنع تعدده فانك تأتي بعمرو و تقيمه معه فيكونان اثنين و هكذا الامر في ما تصورته و سميته الها مرة تطلب البرهان علي اثبات الواجب فاذا اقامه المقيم تتصور امكان عدمه و مرة تطلب البرهان علي وحدة الواجب فاذا اقامه المقيم تتصور امكان تعدده و عدم امتناعه و الحق معك من وجه و ليس الحق معك من وجه اما في انه حادث يمكن تصور عدمه و تعدده فالحق معك فلايدل دليل علي امتناع عدم الممكن و لا عدم تعدده و لزوم وحدته و ليس لاحد ان يأتي بدليل قاطع علي ذلك و اما من حيث انك امحلت فهو من حيث انك لمتأت البيت من بابه و تريد اقامة البرهان علي وجوب الممكن و وحدته بل هذا الذي تصورته وجود [ص 35] شخصي و اقامة الدليل علي الوجود الشخصي الجزئي مما لايمكن فلايقبل فهمك دليلا ابدا و اصل هذا الخطا في انك تصور الاله الواجب فاللازم ان تطفئ سراج هذه الحاسة و لاتستعملها في هذا المقام ابدا و لذا قال علي عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و قال انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و قال الرضا عليه السلام في خطبة له فليس الله من عرف بالتشبيه ذاته و لا اياه وحد من اكتنهه و لا حقيقته اصاب من مثله و لا به صدق من نهاه و لا صمد صمده من اشار اليه و لا اياه عني من شبهه و لا له تذلل من بعضه و لا اياه اراد من توهمه كل معروف بنفسه مصنوع و كل قائم في سواه معلول الخطبة ، فضل الشاكون و تاه الجاهلون لما ارادوا تصوير القديم و طلبوا الدليل علي وحدته فاذا اقيم الدليل رأوا انه لميفد امتناع التعدد لان ما في ذهنهم لايمتنع تعدده .
المقام الثالث النفس المجردة الدهرية و هي ايضا صورية مدركة للصور الجزئية المجردة عن المواد الجسمانية لا الدهرية بمشاعرها التي هي الفكر و الخيال و الوهم و العلم و العقل الجزئي باعتبار و ليست هي ايضا مدرك معرفة الواجب جلت عظمته لانها ايضا محدودة ممتازة مركبة من مادة دهرية و صورة دهرية و مادتها غير صورتها بالبداهة و صورها نهايات مادتها و صفاتها القائمة بها المحتاجة اليها فالصور المجردة ايضا حادثة لشهادة كل [ص 36] صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع عن الازل من وجهين الاول ان الاقتران قائم بهما فلولاهما لميكن اقتران بالبداهة فليس الاقتران قائما بنفسه دونهما فهو حادث و انما الموصوف موصوف و الصفة صفة بعد الاقتران فالصفة و الموصوف حادثان بالبداهة و الثاني ان الاقتران صفة انفعالية في كل واحد منهما بالبداهة و كل منفعل حادث بالبداهة فليست النفس ايضا مدرك معرفة الواجب فمن رام ادراك الواجب بالنفس فقد اخطأ هذا و ان النفس ليست الا حقيقة الشخص المعبر عنها بانا و المضاف اليها كل ما هو لها و هي ممتازة عن عمرو و بكر و خالد و غيرهم بالصورة الزيدية الخاصة و هي الحقيقة الخاصة بالنسبة الي ما في عرضها الكلية بالنسبة الي ظهوراتها السارية في جميع حالات زيد مثلا من بدو كينونته الي ما هو موجود في ملك الله المعطية كل حال منه اسمها و حدها و ذلك لانها هي الزيدية المطلقة و هي غير العمروية و البكرية فهي حقيقة كل حادث اي هي حقيقة كل شئ حادث لا من حيث الكلية و مشاعرها الحواس الباطنة المدركة للصور المجردة كما مر فهي ايضا مدركة لمثلها و هو حادث مثلها و يجري عليه ايضا ما عرفت فيما يدرك بالحس المشترك المسمي ببنطاسيا من التغيير و التبديل و امكان الوجود و العدم و التفرد و التعدد فراجع في المقام الذي مضي آنفا فالذي [ص 37] يتصور مخلوق و محال ان يكون واجبا و ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و لا لله في معناه تعظيم و لا لجلال قدسه فيه تكريم و لا برهان علي وجوبه و لا علي وحدته فافهم .
و اما المقام الرابع فهو مقام عقل الشخص و هو مدرك للمعاني المجردة عن الصور الملكوتية و المثالية و المواد الملكية و هو نور انطبع في مرآة نفسه عن السراج الانور و البدر الازهر العقل الكلي و هو ايضا تراه يتزايد و يتناقص و يختلف في الاشخاص بالقوة و الضعف بما لايتناهي و هو ايضا يعلم شيئا و يغيب عنه اشياء و يتزايد شيئا بعد شئ و يكثر تعمقه و معرفته بالاشياء شيئا بعد شئ و يتقوي بنفسه شيئا بعد شئ لانه في الاول مطبوع ثم يترقي و يصير مكتسبا ثم يصير مستفادا ثم عقلا بالفعل علي الاصح و قلته و كثرته علي حسب مقدار التراب الذي يموثه الملك في النطفة الامشاج و عينه التي بها يعقل الاشياء العاقلة المتعلقة بما في الانسان من جنس فلك زحل و به يعقل ما يعقل كما حققناه في محله فاذا كان هذا حال العقل في الزيادة و النقصان و الصفاء و الكدورة فهو ايضا حادث فكل ما يدركه الحادث حادث مثله فليس ما تعقل بواجب كما قال الرضا عليه السلام كل معروف بنفسه مصنوع و قال علي عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و قال كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، فليس بواجب ما تعقلته و لايمتنع تعدد [ص 38] المعقولات فلايمكن اقامة برهان عقلي علي وجوب المعقول و امتناع تعدده فليس العقل مدرك معرفة هذه المسئلة ايضا و لنعم ما قال الشاعر في هذا المقام :
تالله لا موسي الكليم و لا المسيح و لا محمد كلا و لا جبريل و هو الي محل القدس يصعد
عرفوا و لا النفس البسيطة لا و لا العقل المجرد من كنه ذاتك غير انك اوحدي الذات سرمد
فليخسأ الحكماء عن حرم له الاملاك سجد من انت يا رسطو و من افلاط قبلك يا مبلّد
و من ابنسينا حين يذهب ما اتيت به و شيّد ما انتم الا الفراش رأي السراج و قد توقد
فدني و احرق نفسه و لو اهتدي رشداً لابعد
فاذا انحصر مدرك فهم هذه المسئلة في نور الله البسيط المجرد عن الصورة و المعني و الكثرات و الاختلافات و التعددات فان جميع ذلك تحصل بالصورة و هو مجرد عن الصورة و هو الوصف الفحواني الذي وصف الله نفسه لعبده به و عرفه نفسه به و هو العين التي اعاره الله اياها ليراه بها كما قال الشاعر :
اذا رام عاشقها نظرة و لميستطعها فمن لطفها
اعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها
و هو عنوان الوجود الحق في مقام من غير ملاحظة العنوانية و لذلك [ص 39] روي اعرفوا الله بالله و في الدعاء يا من دل علي ذاته بذاته ، و هي الذات المخلوقة المشار اليها في الخبر و هي ذات الله العلياء و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و هو منتهي المخلوق و ملتجاه الذي لا طريق له الا اليه و لا سبيل له الا فيه و هو غاية المرام و نهاية الكلام و وجه الله ذو الجلال و الاكرام و هو المشار اليه في قول علي عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة و قال محو الموهوم و صحو المعلوم و قال جذب الاحدية لصفة التوحيد و قال هتك الستر لغلبة السر ، الي غير ذلك من الاسماء الواقعة المقصودة منها فمن رام معرفة التوحيد بهذا العين الالهية و الحقيقة الربانية فهو من اهل التوحيد و يمكن ان يكلم او يصغي اليه و اما كل من هو غير هذا فلايمكن الكلام معه و الاصغاء اليه فانهم يصفون مخلوقا مركبا و يتكلمون في مخلوق و يستدلون علي مخلوق و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين .
فاذا استعمل الانسان هذه العين الوحدانية و هذه الحقيقة الصمدانية في معرفة مقام الصانع القديم و الخالق الكريم اني يدرك تعددا حتي يثبته في ربه و اني يكون في هذا المقام مجال الكثرة و الاختلاف او الاتفاق و الايتلاف هيهات هو لايجد في نفسه تعددا و لا اختلافا و لا حيثا و حيثا و لا اعتبارا و اعتبارا و لا جهتا و جهتا بل يفقد نفسه حيث يجدها فكيف يجد في صانعه احتمال التعدد الاتري ان الآذان اذا تصدين [ص 40] لمعرفة الالوان و هن لايدركن الا ما يناسبهن فتري اذنا تقول ان لون الشمس كصوت الرعد و منها من تقول ان لون الشمس كصوت الانسان و منها من تقول هو صوت حسن و منها من تقول هو كنغمة البربط و هكذا يجعلن امرهن بينهن زبرا و يملأن مثلا طوامير و كتبا كل واحدة منهن تقول ان لميكن كذا يلزم كذا و تلك ترد و تلك تستدل بغيره و تلك تعترض و هكذا تشتعل بينهن نائرة الخلاف و الشقاق و الاختلاف و مثلهن في القال و القيل كمثل العميان و الفيل و يحسبن انفسهن علماء اعلاما و حكماء كراما و كلهن علي الخطاء لانك قد عرفت ان مدرك ادراك اللون ليس الاذن جملة واحدة و لما كن يتكلمن بغير لسانه و ينظرن بغير عينه خبطن خبط عشواء و اتين شوهاء خرقاء و اللازم فتح عين البصر و النظر بها فاذا نظر الناظر اليها بالعين تري انه لايلزم شئ من اقوالهم و لايرد شئ من ابحاثهم و كلها اباطيل و اضاليل و لايتمشي شئ منها في معرفة التوحيد و اني اعظك ان تكون من الجاهلين فافتح مدرك التوحيد و انظر به بنظر التفريد تجد صحوا بلا غبار و صفاء بلا اكدار و استرح دفعة واحدة من شبهات القوم و شكوكهم و علومهم و كتبهم فانهم لميأتوا البيوت من ابوابها و لميمشوا في طريقها و تركوا آلمحمد عليهم السلام و راموا معرفة معالم دينهم بكتب اليونان فوالله لميفدهم ذلك الا ظلمة علي ظلمة و بعدا علي بعد و الشيعي اذا [ص 41] علم و ايقن من كلامهم في الزيارة من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم و سمع في الزيارة السلام علي الذين من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و سمع في الحديث يا سلمان و يا جندب معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي و سمع قولهم عليهم السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و سمع قول الحسين عليه السلام كما روي عن الصادق عليه السلام عنه عليه السلام كما في العلل قال خرج الحسين عليه السلام علي اصحابه فقال ايها الناس ان الله جل ذكره ماخلق العباد الا ليعرفوه فاذا عرفوه عبدوه و اذا عبدوه استغنوا بعبادته عن من سواه فقال له رجل يا بن رسول الله بابي انت و امي فما معرفة الله قال معرفة اهل كل زمان امامهم الذي تجب عليهم طاعته ، الي غير ذلك من الاخبار فالشيعي اذا علم بهذه الاخبار و جاس خلال الديار و جانب الاغيار عرف ان معرفة الله لايمكن الا من حيث معرفة آلمحمد عليهم السلام و الا ان يدخل من حيث دخلوا و يخرج من حيث خرجوا فوا عجبا اليس عارا علي آلمحمد عليهم السلام ان نسمي انفسنا لهم عبداً رقاً ثم نسأل باكفنا في امر الدين و الدنيا اعدائهم النصاري و الكفار و الزنادقة و النواصب و المخالفين فنكفف علي ابوابهم فنأخذ من بعضهم الصرف و من بعضهم النحو و من بعضهم المعاني و البيان و من بعضهم المنطق [ص 42] و من بعضهم الحكمة الطبيعية و من بعضهم الحكمة الالهية و من بعضهم اسرار المبدء و المعاد و من بعضهم اصول الفقه و من بعضهم ساير العلوم المكنونة و المعروفة و هكذا اليس عارا عليهم ان نكون عبدهم و نتكفف علي ابواب اعدائهم فاذا ليس خاصية وجودهم سلام الله عليه الا بيان خيار بيع الحمار و احكام سؤر الكلب و الفار و نكاح الشغار مثلا نعوذ بالله بل اذا اخذنا تلك المقدمات عن اعدائهم و فرعنا عليها فروع احكامهم لاتبع الاصول الفروع لانا ندخل في كلماتهم بهداية تلك العلوم و دلالتها و نأول كلماتهم عليها فلميبق لنا اول و لا آخر اين قولهم ليس العلم الا ما خرج من هيهنا ، هل ادعوا الامامة و تركوا الرعية يحتاجون الي اليهود و النصاري و المجوس و النواصب و الضلال في المبادي و المنتهيات اين انهم خزان علم الله اين انهم حملة علم الله اين انهم مفاتيح غيب الله و علي اي حال نرجع الي ما كنا فيه فاذا عرفت ان مدرك كل شئ ما يناسبه و مدرك معرفة الله الفؤاد لا الحواس الظاهرة و لا الحاسة البرزخية و لا الحواس الملكوتية و لا النفس الملكوتية و لا العقل الجبروتي فان كلها مؤلف متغير متبدل حادث و انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و انما مدرك معرفة الله ما خلقه الله لاجل ذلك و هو الفؤاد الذي وصف الله نفسه به و هو النفس التي قال النبي صلي الله عليه و آله من عرف نفسه عرف ربه و قال علي [ص 43] عليه السلام اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و في الانجيل علي طبق ما في الاسلام يا بن آدم اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا ، و هو نور الله سبحانه و وصفه العنواني و مثاله الفحواني و انما حظ العبد الممكن في كينونته معرفة صفة الله سبحانه فان الله بذاته لاينزل الي مقام الحوادث فيشاهدوه و لايترقي الحوادث الي مقام الذات البحت البات فيلاقوه و انما يعرفون ربهم من حيث عرفهم و لايتحقق التعريف الا ان يمكنهم معرفته و لايمكنهم معرفته الا ان يكون في رتبتهم و لايناسب ذلك الوصف مما في رتبتهم الا حقيقتهم المعراة عن التعدد و الاختلاف و الكثرة المعنوية و الصورية فوصف نفسه لهم به و عرفهم نفسه به فمن عرف نفسه عرف ربه و ان قلت هذا الفؤاد ايضا حادث لايدرك الا الحادث فكيف يمكن لنا ان نعرف به الله سبحانه قلت قد اشرت في ما سبق ما يكفيك لهذا القول و نزيد عليه ان الفؤاد من مبدء تكونه الي منتهي تعلقه له مراتب ففي مبدء تكونه و هو حيث الآئية بلا ملاحظة الآئية هو آية الله و عنوانه بحيث لايعتبر فيه الآئية و العنوانية فاذا لمير فيه غير وصف الله سبحانه جاز معرفة الله به فانا قلنا ان الله سبحانه لايعرف من حيث الذات و انما يعرف من حيث الوصف و ما وصف الله نفسه به انه ليس كمثله شئ و انه واحد احد صمد لميتخذ صاحبة و لا ولدا و هكذا فاذا رأيت وصف الله سبحانه في الفؤاد عرفته به من غير ملاحظة [ص 44] الفؤاد الاتري انك تري الارض و تعرفها و تسميها و لكن الهواء مع انه موجود لايريك نفسه و لاتريه و انما يريك ما وراءه فلاتري الا ما وراءه و كذلك الفؤاد و ان كان حادثا موجودا الا انه لايري لكثرة اضمحلاله و تلاشيه في جنب مثال الله الملقي في هويته بحيث لايكون ظهور الا لذلك المثال المتحد بهويته من حيث الآئية بلا ملاحظة الآئية فبذلك المدرك يمكن معرفة الله سبحانه و ما حصل به هو غاية الغايات و نهاية النهايات و منتهي الطلبات و المطلوب من السؤلات فاذاً ما لميفتح الانسان ذلك المدرك ليس من اهل التوحيد و لايفهم لسان اهل التفريد و نحن نذكر هنا اولا علي لسانهم لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و ان كفي ما ذكرنا لاهله و لكنا نزيد توضيحا ان ما سوي الاحد الحقيقي مثني و كل مثني مجزي و كل مجزي حادث لان المركب من الاجزاء غير الاجزاء البتة كما تري ان الطعم الحاصل من بين الخل و الدبس غير طعم الخل و الدبس البتة و مزاجه غير مزاجهما و اثره في مزاج الانسان غير اثرهما و لونه غير لونهما و كمه غير كمهما و كيفه غير كيفهما البتة و الاكسير الحاصل من العقاقير غير كل واحد من الاجزاء لان كل جزء ليس بفعال البتة و ليس كل واحد بصابغ و لا ذائب و لا ممازج و لا نافذ و لا ثابت البتة و انما الحالة الحاصلة بعد تركيب الاجزاء حالة حادثة بعدها مفتقرة اليها في كيانها و وجودها و لولاها لمتكن البتة و هكذا ليس [ص 45] كل واحد من العناصر معدنيا ذائبا منطرقا و لا نباتا ناميا و لا حيوانا متحركا حساسا و لا انسانا ناطقا دراكا و انما الحالة الحاصلة منها بعد تركيبها حالة حادثة مفتقرة اليها في وجودها كما هو ظاهر فكل مركب مفتقر في وجوده الي اجزائه و الحالة الحاصلة غير الاجزاء البتة كما هو مشاهد من حدوث حالة في كل مركب يترتب عليها الآثار ما لميكن قبل فاذا صار كل مركب مفتقرا في وجوده الي غيره حادثا يمتنع ان يكون قديما قائما بنفسه فالقديم لايصلح ان يكون مركبا فاذا امتنع ان يكون القديم مركبا امتنع ان يكون متعددا فان المتعددون لا بد و ان يكون بينهم امر مشترك و امر مميز فانهم ان لميشتركوا و لو في الوجود او القدم كان غير الموجود معدوما و غير القديم حادثا و ان اشتركوا و لو في الوجود فهو احد اجزاء التركيب ثم ان لميكن امتياز بينهم فلا تعدد و ان كان امتياز فما به الامتياز غير ما به الاشتراك البتة فكل واحد منهم مركب مما به الاشتراك و مما به الامتياز فاذا جاء التركيب جاء الحدوث و اذا جاء الحدوث امتنع فيهما القدم فتبين و ظهر ان القديم القائم بالنفس الغني عما سواه لايعقل الا الاحد و لايعقل تعدد الاحد و نقول ايضا اذا جاء التعدد فاما انهم يمتازون في الذات فاحدهما موجود و الآخر معدوم او في الصفات فثبت لهم الصفات و من البين ان الصفات حادثة قائمة بالذوات و الا لمتكن صفة و كانت ذاتا مستقلة و ان ذا الصفة مركب من مادة [ص 46] و صورة و ذا الصفة مقترن بصفته و الا لميكن موصوفا و الاقتران قائم بالموصوف و الصفة بداهة فاذا الصفة و الموصوف حادثان و لذلك قال علي عليه السلام كمال التوحيد نفي الصفات عنه و قال الصفة علي نفسها تدل و في شكلها تحل ، و نقول ايضا ان القديم لايجوز ان يكون شبيها بالحادث لتباين ذاتيهما و لان الشباهة في الصفة و الصفة مناسبة للحادث و يمتنع في القديم اذ لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و اما كونها مناسبة للقديم فلايعقل لعدم تعقل الصفة في القديم تعالي شأنه فلايمكن ان يكون القديم مشابها للحادث بوجه و مشابه الحادث حادث و التعدد من صفات الحوادث فلايجري في القديم تعالي شأنه و ليس اذا نفينا عنه التعدد يكون واحدا شخصيا او نوعيا او جنسيا و ليس اذا نفينا عنه الوحدة العددية و قلنا انه احد غير مركب يعني انه جزء صغير لايقبل التجزية في الخارج و الذهن نعوذ بالله بل هو احد قد طوي باحديته جميع الكثرات و هو محيط واسع عليم و لكن جل ما تكلموا و استدلوا يرد علي الوحدة العددية و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و لما لميكن في سؤالكم ازيد من اثبات الوحدة لمنتعرض لها و لو زدتم في السؤال حرفا واحدا لزدنا في الجواب مثله و لكن الآن نقتصر علي ما اردتم فما ذكرنا من البيان نحو دليل الحكمة علي اثبات الوحدة علي حسب نظر [ص 47] اصحاب الافئدة و انما ذلك علي نحو الحقيقة حظ الخصيصين و انت ايضا ان فهمت المطلب من كلامي من غير مفاهيم الكلام و معانيها فانت وارد موردهم و عالم بلغتهم و الا فذره في سنبله حتي اورد عليك من القسمين الآخرين و هو الدليل علي نحو الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن ان شاء الله .
فاقول اما الاستدلال علي ذلك من نحو الموعظة الحسنة فانظر اولا في هذا العالم و ردد طرفك فيه مرة بعد اخري و كرة بعد اولي و انظر في بنائه المتقن و امره المحكم و انظر و تبصر انه بمنزلة بيت منضد و السماء سقفه و الارض فراشه و النجوم قناديله و الجبال خزائنه و البراري فضاؤه و البحار حياضه و الانهار جداوله و المعادن ذخائره و الغنم فرشه و الخيل و البغال و الحمير حمولته و الانسان هو صاحب البيت المخول له قد خول كل هذه الدار بما فيها و سخر له ظاهرها و خافيها ثم اذا نظرت في كل جزء من اجزاء هذا العالم تراه علي احسن نظم و اتقن حكم قد حار فيه عقول الحكماء و افهام العلماء و اعترفت بالعجز السنة البلغاء عن وصف عشر من معشار ما فيه من الحكم و اقرت بالعي افهام الفضلاء عن ادراك جزء واحد من ظاهره فضلا عن خافيه بحيث لميختلف في اتقان الصنع احد من الاولين و الآخرين و لمينكره احد من السابقين و اللاحقين و اي دليل ادل من تمام الحكمة و اتقان الامر من بلوغ كل مخلوق مرامه و يعيش مقضي الحاجة ايامه قد هيئ لكل واحد واحد من [ص 48] اجزاء العالم جميع ما يحتاج اليه من ما به قوامه و اعد لكل شئ جميع ما به عيشه و نظامه لا شئ منها يفقد ما ينبغي له قد اعطي ما اعطي بحكمة و منع ما منع بحكمة و احسن القول قوله سبحانه في ذلك ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير و قال ان في خلق السموات و الارض و اختلاف الليل و النهار لآيات لاولي الابصار و ليس اقدر الآن علي عد حكمه سبحانه بل لو ملأ دفاتر من ما اودع الله سبحانه في خلق ذرة من العالم لبقي فيها حكم كثيرة لمتبلغها العقول فكيف لنا ببيان حكم العالم علي سبيل التفصيل نعم قد تكفل بنوعها التوحيد المروي عن المفضل بن عمر رضي الله عنه عن الصادق عليه السلام فراجعه فانك تجده شفاء من كل داء و امانا من كل خوف و حفظا من كل سوء و علما من كل جهل و يحصل لك العلم بنوع حكمة العالم و ذلك مما لايخفي علي كل غبي و جاهل و عالم و فاضل و ان خفي بعض منها فلدقة علة الصنع فيها او لانها قد ملأ الاسماع و الابصار و القلوب و المشاعر فخفيت لشدة ظهورها و استترت لعظم نورها و لو صنع رجل واحدا من هذه الحكم لملأ الآفاق شهرته و اطبق الاصقاع قدرته الحاصل حكمة العالم ظاهرة و اتقانه باهر لمن نظر بعين العبرة و تفكر من وجه البصيرة و من تلك الحكم خلقة المعادن و النباتات و الحيوانات و الاناسي فانظر فيها كيف اعطي كل ذي حق [ص 49] منها حقه و سيق الي كل مخلوق منها رزقه و كيف اوجد المعدن علي ما ينبغي و وفر بعضها لحاجة الخلق اليها في آلاتهم و ادواتهم و صنائعهم و قلل بعضها ليكون عليه مدار معاملاتهم و معاوضتهم و لايعسر عليهم حفظ معونات كثيرة و اموال غزيرة ثم كيف جعل النبات علي الاختلاف فمنها ما هو حطبهم و وقودهم و منها ما هو غذاء حمولاتهم و فرسهم و دوابهم و منها غذاء لهم و منها ما هو دواء لهم و فيها منافع اخر من صرفها في منافعهم و آلاتهم و ادواتهم و بيوتهم و استظلالهم و امثالها مما يطول بها الكلام ثم كيف جعل الحيوان منه حمولة لهم و منه غذاء لهم و جعل بعضا منها غذاء بعض و جعلت لمنافع العباد كلها ثم منها ما ينتفع منه و ان كان واحدا واحدا متفرقا و منها ما لاينتفع منه الا اذا كان منه اشخاص كثيرة مجتمعة فهم مع ذلك مدني الطبع كالنحل فانه لاينتفع من كل واحد واحد منها انتفاعا يعتد به فجعلت في الحكمة مدني الطبع و جعل لهم امير يجمعهم يصدرون عنه و يردون اليه و يجتمعون عليه و لايخالفون حكمه و منها ما لا بد من كونه مجتمعا الا انه مكلوء محفوظ بغيره كالغنم و الفرس و البغال و الحمير و دود القز و امثالها فجعلت ضعيفة العقل مسخرة لراعيها ليست تتفرق عنه ابدا و يكون بعضها مع بعض ثم انظر في الانسان كيف جعل مدني الطبع لا بد من كون جميع افراده معا مجتمعين يتحمل كل واحد منهم حاجة و يتكفل [ص 50] كل واحد منهم امرا و يكتسب كل واحد منهم مكسبا و لو كانوا متفرقين كالوحوش لماعاشوا ابدا لكثرة حوائجهم و عدم تحمل خلقتهم لأواء التوحد و التفرق كالوحوش فجعل مدني الطبع ثم خلقوا مختلف الطبع و السلق و الامزجة و الاحوال و الطبايع ليتحمل كل واحد منهم صنعة من الصنايع المناسبة لطبعه و مزاجه و يقدر ان يسكن ارضا تناسب مزاجه فانهم بجميعهم مع كونهم مدني الطبع لايقدرون ان يسكنوا بلدة واحدة لكثرتهم و لتفرق ما يحتاجون اليه في اطراف الارض فلا بد و ان يسكنوا شرق الارض و غربها لينالوا حوائجهم المناسبة لهم و تسعهم القري و الدور و البلدان فاذا خلقوا مدني الطبع لكثرة حوائجهم و ضعف بنيتهم و مختلف الطبايع ليتمكنوا من تحصيل الحوائج صار يحدث فيهم الفساد المنبعث من اختلاف طبايعهم فلا بد في الحكمة من تأديبهم و تعليمهم ما به صلاح معاشهم و معادهم و من الحكم بينهم اذا ثار بينهم فساد و الاخذ بنواصيهم الي طريق بالسلوك فيه يعيشون و بالعمل به يديمون هذا مع انه اقتضت الحكمة الالهية ان يخلقوا اولا جهالا لايعلمون شيئا لحكم كثيرة يطول بذكرها البيان فلا بد و ان يكون فيهم من يعلمهم و يسددهم و يحكم فيهم فصار وجود الحكام و المعلمين فيهم واجبا لازما و الا لاختل النظام و فسد الدوام و الصانع الذي احكم في خلق العالم كما سمعت لايخل به كما لميخل بشئ يسع احدا ان يقول لو كان [ص 51] كذا كذا لكان احسن فلميخل الصانع الحكيم بهذه الحكمة التي لولاها لفسد جميع العالم و كانت خلقته بلا غاية و لو كانت لصلح جميع العالم و ثبتت غايته و علة ايجاده فلما لزم في الحكمة وجود المعلم الحكيم الحاكم فلزم ان يكون من وضع الصانع الحكيم و لما كان من وضعه لا بد و ان يكون معصوما مطهرا عن كل فساد حتي يحكم بالعدل و يعلم الحق و يدعوهم الي ما فيه نجاتهم و نظام معاشهم و صلاح معادهم كما تري انه بعد ان قدر ان يكون للنبات و الحيوان اعضاء و اجزاء كثيرة و احتيج في خلقتهما الي طبع واحد متوسط بين تلك الاعضاء و الاجزاء يحكم بينها بالطبع فيعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل عضو رزقه صار معصوما في عالمه و مقامه لايغلط ابدا في حكم و لايجور ابدا في قسمة و لايشير ابدا الي ما يضره حتي قيل ان الطبيعة لاتغلط فكما احتاج في وجودهما و وجود كل فرد من افراد الانسان الي طبع واحد حاكم او قلب واحد حاكم معصوم لايغلط ابدا فكذلك لما احتيج في هذه الافراد الي حاكم و لزم ان يكون من وضع الحكيم العالم بالصلاح و الفساد لزم ان يكون معصوما لايغلط و لايجور و لايخون ابدا فلذلك خلق الانبياء و الرسل و الاوصياء و النقبا و النجباء بينهم يحكمون اذا حكموا بالعدل و يقولون بالعدل و يعلمونهم من الجهل و يعرفونهم ما فيه صلاح معاشهم و نظام معادهم و انت تعلم انه لو اخل بهذا الامر العظيم لمااخضر [ص 52] للخلقة عود و لماقام لها عمود لاجتماع الجهال و تصادم الضلال و لانقرضوا في يوم او بعض يوم و ما تري الآن في بعض المحال انهم يعيشون مثلا اياما و لو في مر فانما ذلك بعد ان جاءهم مائة الف و اربعة و عشرون الف نبيا و وصيا و جاءهم المعلمون و النذر و علموهم و عرفوهم كثيرا مما فيه صلاحهم و انت لو شئت ان تعرف صدق ما اقول تدبر في ان يخلق انسان من تراب جاهلا لايعلم شيئا ثم يخلق له زوجة جاهلة مثله ثم افرض ان حصل بينهم نتاج اليس انهم لايعرفون لسانا و لا صنعة و لايدرون الضار من النافع و لا الخير من الشر و لايدرون ما يصلحهم و لايفسدهم بل صاروا اذاً اضل من الحيوان لان الحيوان لميخلق مدني الطبع فجعل في طبع كل فرد علم ما يصلحه و ما يفسده طبعا و الانسان خلق مدني الطبع و اريد في الحكمة ان يكونوا مضطرين الي الرجوع الي العلماء و الحكام طبعا حتي انك تري كل احد من الناس كائنا من كان طالبا لان يتصل بمن يكفله و يكون اقوي منه و اعلم و يعلمه ليكون الحجة عليهم ابلغ و يكون الرجوع الي الانبياء مجبولا في طباعهم فخلقوا في بدو الامر ضعيف العقل و الفهم و العلم و القوة و البدن و الروح و كل شئ فيه خلق ضعيفا يحتاج الي من يكفله و يعلمه و يقويه و يعطيه و هكذا فاذا لميلجئوا الي ركن وثيق و معلم شفيق و حاكم حقيق صاروا اضل من الحيوان و ان شئت ان تجرب ذلك سرح ولد حيوان صغير و ولد انسان صغير في [ص 53] فلاة ثم عد اليهما بعد مدة فتري الحيوان مهديا الي ما يصلحه و يفسده و عايشا و تري ولد الانسان اضل و اخسر و ربما لايعيش ابدا الي ان تراه فاذا يكون اللازم في الخلقة وجود الانبياء و الحكام بين الخلق و بدونه يكون الخلقة عبثا ناقصا كما عرفت فاذا ان تدبرت في هذا العالم تري قد جاءت الانبياء و الرسل و الاوصياء المبعوثون من عند الله المعصومون الصادقون المصدقون و قد دعوا الخلق الي اله واحد و صانع واحد علي التتالي و التواتر فدعوا من بدو الخلقة الي ختمها الخلق الي اله واحد و جاؤا بعلوم و آداب و مكاسب و معايش و شرايع ينتظم بها المعاش و يصلح بها النظام و جرت علي ايديهم علي حسب الحكمة خوارق عادات لزم في الحكمة ان تكون علي يد المبعوث الحق ليمتاز عن المفسدين و لميأت الخلق نبي يدعو الي اله آخر و يحكم بالحق بين العباد و ينظم معاشهم و يصلح نظامهم فلو كان لنا اله آخر و هو عالم بنا حكيم في صنعنا لارسل الينا من يدلنا عليه و يهدينا اليه و يحكم بيننا بالحق و يرفع الفساد من بيننا فاذا لميأتنا غير هذه الانبياء و لميبلغنا حجة فلا حجة علينا اذا لمنقر باله آخر و لمنعمل بعمل آخر و لله الواحد القهار حجة علينا اذ بعث فينا انبياء و هدانا سبله و شرايع دينه علي نحو الحكمة و الصواب و اجري علي ايديهم الخوارق للعادة و لما عرفنا بالادلة السابقة ان الانبياء لايكذبون كما ان الطبيعة لاتكذب اذا ارادت [ص 54] الماء او الغذاء مثلا فانها من وضع الحكيم و كذلك الانبياء لايكذبون فان الكاذبين مفسدون و المفسد لايكون من وضع الحكيم و هم قد دعونا ليلا و نهارا و سرا و جهارا الي الواحد القهار و ندبونا الي الشرايع الموضوعة عرفنا ان الهنا واحد لا شك فيه و لا ريب يعتريه قال الله سبحانه يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم و انزلنا اليكم نورا مبينا و اعظم البراهين و اشرفها و اجلها و اسناها هو محمد صلي الله عليه و آله قد جاءكم و انزل معه نور مبين هو خليفته الذي هو نوره لان الشمس ضياء و القمر نور كما حقق في محله و كونهما اعظم البراهين لان البرهان قول مؤلف من يقينيات تنتج يقينا و هو اي ذلك القول ليس بقديم بل هو حادث فالبرهان حادث يدل باستقامته و صفائه علي المدلول المنطبع فيه بلا امتراء فهو صلي الله عليه و آله اعظم البراهين علي وجود الصانع الحكيم و وحدته و ساير صفاته و اسمائه و هو برهان قاطع ناطق بلسان و لايقصر البرهان اذا نطق عن كونه برهانه فها هو برهان ناطق باذن الله قد جاء بمعجزات دليلا علي انه برهان يقيني و ساير براهين الناس ليس بناطق و ليس له معجز فافهم هذا البرهان الالهي و الدليل الصمداني الذي قد اقمناه و لعمري انه دليل لا شك فيه و برهان لا ريب يعتريه قد اتت به الانبياء المرسلون و دعا به الاوصياء المقربون و هو قول فصل ليس بالهزل لايحتمل فيه الخطاء [ص 55] و الريب و ليس فيه وصمة عيب و هو طريق واضح للسالكين و مشرب صاف للواردين و لو كانت براهين الفلاسفة و اليونانين برهانا موصلا لاختارها الانبياء المرسلون و الاوصياء المقربون و لدعوا الناس به الي الله سبحانه و تلك البراهين والله اثمها اكبر من نفعها و شكوكها اكثر من يقينها و ضلالاتها اكثر من هدايتها و شبهاتها اكثر من بيناتها و غلطها اكثر من صحيحها و خطاؤها اكثر من صوابها و انها لميوصل احدا ابدا الي الحق و هي منهي عنها محرم الوغول فيها و اصحابها من هذه الامة شرار الناس و لذلك لمتورث فيهم اتقاء من محارم الله و خشية من سطوة الله و رجاء الي الله و حبا لله و لو كانت حقا و كانت اقرب الطرق لكان يختاره الله في كتابه و اختارته الانبياء في دعواتهم بل نهوا عنها اشد النهي و انا قد اقمنا بابا في كتابنا فصل الخطاب علي حرمة مراجعتها و عدم جواز النظر و التكلم فيها نعم بعد ما اخذنا بدعوات الانبياء و اتبعنا سبلهم كل ما وافق من الادلة العقلية اقوالهم و طابق آثارهم و قام شاهد عليه من اخبارهم و كتاب ربهم ركنّا اليه و ايقنا انه دليل حق موصل الي الحق و لكن القوم لما سموا الادلة الالهية سمعية اعرضوا عنها بزعمهم الي الادلة العقلية و تاهوا حيث تركوا اعلام الهدي و سلكوا سبل الردي و ضلوا و اضلوا عن سواء السبيل و لميعلموا ان الدليل العقلي ما يورث اليقين و هذا الذي ذكرنا [ص 56] و امثاله يورث اليقين و تلك الادلة ادلة علمية مورثة لحصول صورة في الذهن تعجز النفس عن الاعراض عنها و الرد عليها فتزعمها يقينا قد حصل لها و هو خطاء صرف و ليس من اليقين بمراح و لا مغدي و لذلك قلنا ان الانسان ربما يعجز عن الرد علي برهان و الاعتراض عليه فتسلم و هي مع ذلك ربما تتوهم مطابقتها للواقع و ربما تشك و ربما تستيقن فالعلم غير اليقين و تلك الادلة ادلة علمية نفسانية لا يقينية عقلية فافهم و راجع ما قدمنا في صدر الرسالة و فيما ذكر كفاية لاهل الدراية .
و اما دليل المجادلة بالتي هي احسن فكثير قد شحن به كتب القوم و لكنا امتثالا لامر السائل نذكر منها ما يكون علي النهج الاحسن و يطابق الكتاب و السنة فاعلم انه لو كان الهين اثنين فلايخلو اما ان يكون كل واحد منهما غنيا بالذات او يكونا فقيرين بالذات او يكون احدهما فقيرا و الآخر غنيا اما كونهما معا فقيرين محتاجين بالذات فينافي الالوهية لانهما حادثان محتاجان الي استفادة الوجود من غيرهما و من كان كذلك لايكون الها يرجع اليه ما سواه و يسد حاجتهم و يغني عائلهم علي نهج الاستقلال بل هو آلة في يد الغير و سبب من الاسباب به يعطي القديم بالذات و يمنع فهو عبد و خلق غاية الامر انه واسطة و آلة كالمنشار في يد النجار و ان كان احدهما غنيا و الآخر فقيرا فالفقير المحتاج بالذات ليس باله لما مر و ان كانا غنيين بالذات بالفرض يلزم نقصهما معا و احتياجهما الي غيرهما [ص 57] فان كل واحد منهما لو كان و يحتاج اليه الآخر لكان اكمل و اقدر و اوسع البتة فاذا لميكن كذلك لكان اقل كمالا و قدرة و وسعة البتة فان ما اذا زيد عليه شئ صار ازيد فمع عدم الزيادة يكون انقص من حال الزيادة البتة فهو اذا ناقص و كل ناقص فاقد لما ليس له و كل فاقد لما ليس له فقير الي ما ليس له البتة و عاجز عن تحصيله بنفسه البتة فهما معا فقيران الي مكمل غيرهما فهما حادثان و الآخر المحتاج اليه هو القديم المهيمن عليهما و نقول ايضا ان كانت آلهة متعددة لكان كل واحد منهم محصورا محدودا و المحصور المحدود معدوم في غير حده لان حده نهاية وجوده فهو مما يمكن وجوده في حده و عدمه في خارج حده و عدمه ايضا موجود لان كل واحد منهم عدم الآخر فيعقل وجود كل واحد و عدمه و يمكن وجود كل واحد و عدمه اذ لايسعك ان تقول يجب وجود كل واحد و عدمه فهم اذا كساير الممكنات التي يمكن وجودها و عدمها و الواجب ما يكون عدمه ممتنعا و هؤلاء عدمهم موجود و ان قلت ما المانع من ان نقول يجب ان يكون كل واحد منهم موجودا في حده و يمتنع ان لايكون موجودا في حده و يجب ان لايكون موجودا في غير حده و يمتنع ان يكون موجودا في غير حده قلت اليس ان كل واحد منهما عدمه و وجوده موجودان و اليس تقول له في حده هذا وجوده و للذي في غير حده هذا عدمه و تضيف العدم اليه فتلاحظه في العدم موصوفا بالعدم و لذا [ص 58] تسميه و تصفه و تقول له معدوم و تلاحظه في الوجود موصوفا بالوجود و لذا تصفه بالموجود فهو موصوف فهو في الواقع ان لميكن موصوفا بالعدم فليس بمعدوم و ان كان موصوفا بالعدم كما هو موصوف بالوجود الا ان كل وصف في حد و في مقام فكل واحد منهم موصوف بالوجود و العدم و قابل للاتصاف بهما غاية الامر ان العدم غير الوجود و في الحوادث ايضا كذلك فالشئ الواحد القابل للاتصاف بوصفين متضادين كالوجود و العدم ممكن غاية الامر انه اتصف بالوجود في حد و بالعدم في حد فهو في نفس ذاته قابل لهما فهو ممكن كزيد فانه موجود في حده معدوم في غير حده و هو قابل لهما فلما كان ذاته قابلة للوصفين امكن اتصافها بالوصفين و لايمكن ان يكون كل واحد منهما واجبا لانهما وصفان للذات قائمان بها و الوصف القائم بالغير حادث نعم من كان وجوده عين ذاته لا وصفا طاريا عليها كالحوادث امتنع عدم ذاته و لما كانت الذات غير محدودة فوجودها الذي هو عينها غير محدود فامتناع عدمه غير محدود فهو موجود واحد حق واجب يمتنع عدمه فكل واحد من المتعددين حادث ممكن الوجود و العدم موصوف بهما و من ليس بواجب الوجود حادث و الحادث لايكون الها لانه كالآلة في يد الغير لا حراك له من نفسه و ليس بمعط و لا مانع و ليس بمستقل فان وجوده مستفاد من الغير و ما كان وجوده مستفادا من الغير كان جميع ما له و به و عنه و منه و فيه [ص 59] مستفادا من الغير فهو واسطة و الاله هو الواجب المستقل و هذه الادلة اذا قطع النظر عن مفاهيم الالفاظ و معانيها و نظر اليها بنظر الحقيقة كان كلها من دليل الحكمة فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و يكفي ما ذكرنا للطالب المرتاد للحق الغير المجرب المتعنت و السلام علي تابعي الحق و سالكي السبيل .