[ص 1]

رسالة في جواب الشيخ محمدجعفر القزويني

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و ذريته الطيبين و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين الي يوم الدين .

و بعد فيقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد ارسل الي جناب لب الالباب و سلالة الاطياب العلام الفهام الاعز الافخر الشيخ محمدجعفر بن الحاج ملا محمدتقي البرغاني لازال مؤيدا محروسا من دار السلطنة اصبهان لازالت محروسة عن الحدثان بمسائل قد طلب مني جوابها و الحّ في السؤال و انا في غاية تبلبل البال مع ان بعضها من علم لم‌اتعاطاه و لاينبغي استعماله و لكن لما الح علي في السؤال و كان حقيقا بالنوال لم‌استحسن رد سؤاله عليه و اكتفيت في جوابه بما هو الميسور و علي الله التكلان في جميع الامور و ارجو الله ان لايكون سؤاله تعنتا و لا تجربة و امتحانا لي في الباطن كما هو في الظاهر فانهما منهي عنهما كما في حديث عنوان البصري و علي اي حال اجعل فقرات سؤاله كالمتن و جوابي له كالشرح كما هو عادتنا .

قال سلمه الله : لما غاب بدر الدجي و افل شمس الهدي و ايتمنا [ص 3] الدهر بممات سيدنا السند و ركننا المعتمد و صرنا بعده روحنا لتربته الفداء حياري كالسائمة الضالة عن راعيها لاندري اين المفر و الي من يومئذ المستقر و هداني الله بفضله ان الهمت بان المقتبس من الشمس هو القمر و وجه ضيائها البدر الانور و انت يا مولاي ذلك القمر و النور الازهر فوفدت عليك و توجهت اليك سائلا من عميم فضلك و راجيا من كريم بابك ان يمن علي بالجواب بعض المشاكل و حل معضلات القول من المسائل التي اشكلت علي من بعض العلوم مما اثبت العلماء في كتبهم و دونوه في زبرهم علي ما اصطلحوا عليه و بلسان تكلموا فيه علي نهج الاستدلال بالبرهان العقلي الخالص من طور الاقيسة الاقترانية او الاستثنائية العقلية القضايا التي تفيد النتيجة بعد سلامة مقدمتيها بحل شاف و بيان كاف و اقسم ذلك الجناب بالنورين النيرين اللذين لهما شأنا عظيما و مقاما رفيعا عنده و لايعرفهما علي ما هما عليه الا هو ان لايحرمني من بابه فاني ككلب ملتجي بحضرة ذلك المولي الاولي و انا يا سيدي متمني منك الجواب و ان لم‌اكن اهلا للخطاب فان الكريم لايخيب سائله و لايطرد نائله اسأل الله تيسير الاسباب للاستفادة من حضرتك من اليوم الي يوم المآب حشرنا الله و اياكم في محضر محمد و آله الاطياب عليهم سلام الله الملك الوهاب .

اقول اراد ايده الله و سدده بغيبوبة بدر الدجي و افول شمس [ص 4] الهدي توفي السيد السند و المولي المعتمد كافل ايتام آل الله الحامي حوزة دين الله آية الله في العالمين و حجته في الارضين اعني الحبر العامل الكامل العالم و الولي الفاضل الباذل من آل هاشم السيد كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي اجل الله شأنه و انار برهانه فانه انار الله الدهر بانواره عاش ما عاش للدين حاميا و للمسلمين كافيا كان يشد اليه الرحال و يفد اليه الرجال يحمل اليه المعضلات و يحمل عنه كلمات حلالة للمشكلات يرد اليه الصعاب و يصدر عنه الجواب فعاش الناس تحت ظلّ حمايته زمانا و استراحوا تحت فيء رعايته اوانا بل كانوا لايظمأون ابدا لوثوقهم بالماء المعين و لم‌يلجأوا بوجوده الي تميز الغث من السمين فكانوا بوجوده محروسين بحراسة الله محميين بحماية الله من كيد الابالسة و الشياطين و من شر تحريف الغالين و انتحال المبطلين و لما تولي عنهم غير ملوم و توفي حميدا سعيدا غير مذموم آل الناس الي اهواء متشتتة و آراء متفرقة و اتخذ كل رهط رؤساء جهالا و وجوها ضلالا ناسين للسيرة تاركين للوتيرة لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فماتغن النذر و انما ذلك فتنة ارادها الله سبحانه بعده و تلك سنة الله التي قد خلت من قبل و لن‌تجد لسنة الله تبديلا و لن‌تجد لسنة الله تحويلا و انما ذلك ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و ليخرج منها من دخل فيها بغير روية و انما [ص 5] ذلك كان عهدا معهودا و تُرّاً ممدودا قد اخبر به الصادق الامين المجيد و الاستاد العليم السديد و لقد صدق اجل الله شأنه و انار برهانه قد آل الحال علي حسب ما قال و اعظم تلك الفتنة و ادهاها فتنة خوار العجل الفارسي و اثارة غبارها السامري ،

فدع عنك نهبا صيح في حجراته و لكن حديث ما حديث الرواحل

و هلم الخطب خطب هذا العجل المفحم ذي الخوار و انثيال الناس عليه كالفراش المبثوث من كل دار انه مع فحومة لسانه و عي بيانه و عدم تميزه الهر من البر و النفع من الضر قد تقدم علي القوم و كساهم بتقدمه عليهم كساء العار و اللوم ليت شعري الم‌يروا انه لايكلمهم و لايهديهم سبيلا اتخذوه و كانوا ظالمين و لعمري انهم قد اوضحوا لنا طرق عمل الماضين و نفوا عجبنا من سيرة السابقين حيث كنا نتعجب من اتخاذ القوم العجل بدل رب العالمين و استبدال السامري برسول الله الجليل المبين و استعواضهم ابن ابي‌قحافة من خاتم الوصيين و تمكينه من جلوسه مجلس النبي الامين عليه صلوات المصلين فوا عجبا هل يستخلف الماء السراب و هل يتخلف عن السماء الحباب الم‌يروا نور السيد الانور و بهاءه الازهر و مقاماته العلية و مراتبه السنية و علومه الكافية و بياناته الشافية الم‌يروا تلك الاحوال الم‌يعتبروا بتلك الافعال اَنَسوا تلك الاقوال ما انساهم تلك السيرة و ما اغفلهم [ص 6] عن تلك الوتيرة حتي ارضوا انفسهم بهذا الرجل عنه خلفا و عن ذلك الطود الاعظم بدلا اي والله و لا عجب اي والله و لا غرو ، الناس من حسب التمثال اكفاء ، اعاذنا الله و اياكم من مضلات الفتن و فوادح المحن و ثبتنا و اياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة انه بعباده المنقطعين اليه رؤف رحيم ، و الي هذه النفثة اشار سلمه الله بقوله و صرنا بعده روحنا لتربته الفداء حياري كالسائمة الضالة عن راعيها لاندري اين المفر و الي من يومئذ المستقر .

و اما زعمه اني الذي تحملت علمه و حملت اعباء فضله فاستغفر الله لي و له من هذا الزعم فاني لو وصلت الي قطرة من بحار فضله و رشحة من لجج يم علمه لافتخرت علي العالمين و استغنيت عن جميع الكاملين و اني و متي ما انا و ما خطري انا مثل الذرة بل اقل في جنب سماء جلاله و عرش عظمة كماله من انا حتي اسري في هذه المسالك و ما خطري حتي اهجم في تلك الممالك كفاني فخرا ان اعد منسوبا اليه او من تلامذته الادنين لديه و علم الله و شهد انا استفدنا منه كاستفادة الغرفة من البحار و بلغنا منه ما تبلغ العين من القمر السيار .

و اما قوله سلمه الله علي نهج الاستدلال بالبرهان العقلي الخالص من طور الاقيسة الاقترانية او الاستثنائية العقلية القضايا الي آخر ما قال فليعلم اولا ان مشاعر الانسان ثلثة و كل مشعر منها مدرك لما يجانسه و قد قال علي عليه السلام انما تحد الادوات انفسها [ص 7] و تشير الآلات الي نظائرها ، فمن رام ان يدرك بكل مشعر غير ما يجانسه فقد رام محالا و لنفسه اتعب و لمسئوله انصب و ذلك لان للموجودات ثلث مراتب الاول مقام الصورة سواء كانت مقترنة بالماديات او مفارقة لها و الثاني مقام المعني و الثالث مقام الحقيقة المجردة عن المعني و الصورة و لا رابع لها و ان الله سبحانه قد خلق الانسان انموذج العالم الكبير و قد جعل فيه من كل رتبة و مقام ما يجانسه فجعل للانسان مدركا من جنس الحقايق اللاهوتية لكي يدركها به و مدركا من جنس المعاني الجبروتية لكي يدركها به و مدركا من جنس الصور بمقاميها لكي يدركها به فخلق في الانسان فؤداً مجرداً عن الصورة و المعني فبه يدرك الحقايق و الامثلة الملقاة في هويات الاشياء علي ما هي عليه بقدر قوته و استعداده و هو نور الهي مجرد عن حدود الصور الجزئية و المعاني الكلية و هو المشار اليه في قوله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و به يعرف الله سبحانه لا بغيره من المشاعر فان الله سبحانه ليس بمعني و لا صورة و لايدرك المجرد عنهما المصور المقترن بهما ابدا فمن رام معرفة الله سبحانه بغيره من المشاعر فقد عرف حادثا مخلوقا و سماه ربا فان عرف قدما فقد عرف القدم الوقتي و هو امتداد وقت بلا بداية و لا نهاية و ان عرف وحدة فقد عرف وحدة جنسية او نوعية او شخصية و ان عرف غيرهما من الصفات فهي من الصفات الخلقية المعنوية او [ص 8] الصورية و لايليق بجنابه تعالي شئ من ذلك و لتعرفنهم في لحن القول و الله يعلم اسرارهم و ذلك كما انك تري يسأل احدهم عن دليل الوحدة و دليل القدم و دليل ساير الصفات و هذا السؤال بعينه دليل انهم يرومون معرفة ذلك بالمشعر المعنوي و الصوري لان ما يمكن ان يكون و يمكن ان لايكون و يمكن ان يكون واحدا او ازيد و يمكن ان يكون كذا و يمكن ان يكون كذا فهو حادث فلما رأيناهم يجوزون ذلك و يسألون عن الدليل علي احد طرفي الامكان عرفنا انهم لم‌يدخلوا البيت من بابه و راموا معرفته سبحانه بالمشاعر الخلقية الممكنة و لو طلب الناس اولا مدرك ما يريدون معرفته ثم استعملوا مدركه لزال عنهم الاختلاف و عرفوا مطلوبهم من غير خلاف مثال ذلك ان الرجل اذا اراد ان يعرف علم الهيئة فليفحص اولا عن مدرك هذا العلم فاذا عرف ان مدرك هذا العلم هو العين فليعالج عينه و ليستعملها حتي يدرك المقادير بها و اذا اراد تميز النغمات و الالحان الملذة من الموذية فليستعمل اذنه و ليصغ باذنه حتي يعرف فلو كان الرجل اصم و فتح عينه و لم‌ير صوتا و يري بعض الناس يحسنون صوتا و بعضهم يقبحونه فليمسك عن الكلام فيه و الدخول مع واحد منهم او فليعالج اذنه اولا ثم ليخض فيما يخوضون فيه و لكن الناس غافلون عن ذلك و يأتون البيوت عن ظهورها كما نهي الله و لايأتونها من بابها كما امر فضربهم الله بالاختلاف [ص 9] و التنازع و التشاجر فجعلوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فتري الاعمي يتصرف في معرفة الالوان و الاشكال و الاصم يتصرف في معرفة الاصوات و من لا ذائقة له يتصرف في المطعومات و من لا شامة له يتصرف في الروايح و من لا لامسة له يتصرف في الكيفيات الملموسة فلا جرم لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون و لايزالون مختلفين الا من رحم ربك فاني اوصيك ايها الطالب للحق ان تطلب اولا مدرك مسئلتك ثم تستعمله في معرفتها حتي تفوز بما فاز به الفائزون و تدخل البيوت من حيث دخل الداخلون و لاتعزم علي من تسأله ان يبين لك المبصرات بالادلة السمعية و الاصوات بالادلة العينية و هكذا و خلق للانسان عقلا و هو نور مجرد عن الصور المجردة و المادية و هو نور جبروتي معنوي كلي منه البدء و اليه العود و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو جوهر دراك لجميع الاشياء محيط بها من جميع جهاتها و هو وسط الكل المقلب للكل و اليه الاشارة بقوله تعالي ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد الي غير ذلك من الآيات الواردة في العقل و كذلك الاخبار فشأن العقل ادراك المعاني الكلية لا الحقايق اللاهوتية و لا الصور الجزئية فالدليل العقلي موصل الي المعاني الكلية و ليس ربنا معني و لا كليا فاني يوصلك الدليل العقلي الي معرفة من هو منزه عن المعاني الكلية و الجزئية و بذلك تاهوا [ص 10] عن معرفة الله سبحانه و ابتلوا بهذه الاختلافات و التشكيكات و خلق للانسان نفسا و هي نور مجرد ملكوتي مدرك للصور الجزئية المفارقة بنفسه و للصور البرزخية آلاتها و ادواتها و للصور المادية بواسطة الآلات و الادوات المهياة لها و لكن كل ذلك من اقسام الصور الجزئية و من اعلي مقامات الصورة الي اسفل مراتبها عشرون مقاما لكل واحدة منها مدرك يختص بها و يكون علي حسبها من اللطافة و الكثافة و المقارنة و المفارقة و البرزخية و العلوية و السفلية فان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها فمن رام ادراك الصور المثالية البرزخية بالادوات المادية الظاهرية من الحواس الخمس فلن‌يصل اليه ابدا و لا بد في ادراكها من الحواس الباطنية البرزخية و كذلك من رام ادراك الصور المجردة بالقوي المثالية فلن‌يصل اليه ابدا فان كل شئ يقترن بشكله و يدرك جنسه و تميز مدرك المسئلة قبل الخوض فيها و السؤال عنها من اعظم الوصلات و الاسباب الي معرفة تلك المسئلة و بدون ذلك ليس يعرف شيئا منها ابدا كما عرفتك .

ثم اقول ان لكل واحد من هذه الثلثة دليلا يهتدي به الي مدركه اذ لا بد من المناسبة بين الدليل و المدلول عليه و لما كان مطلوب النفس ادراك الصور الجزئية و تميزها فما كان ضروريا لها عرفتها بآلتها من غير حاجة الي دليل و اما ما كان لها نظريا احتاجت الي دليل يدلها عليه فلزم ان يكون الدليل مما يمكنها ادراكه [ص 11] اذ ما لم‌تدركه لم‌تدرك ما يدل عليه و قد علمت ان النفس لاتدرك الا الصور الجزئية فلا بد و ان يكون دليل تستدل به لغيرها او يستدل به غيرها لها من الصور الجزئية حتي يمكنها ادراكه اولا ثم الاهتداء به الي المطلوب فلاجل ذلك صارت ادلة النفس كلها من المفهومات اللفظية علي القواعد المنطقية المضبوطة في كتب القوم فان مبني جميعها علي المفاهيم اللفظية و التصورات الخيالية و التصديقات العلمية و القضايا المركبة من التصورات و الاقيسة المترتبة من القضايا و جميعها من عالم المفاهيم اللفظية التي مدركها النفس لانها من الصور المجردة او المادية كما هو معلوم عند الخائضين فيها فلاجل ذلك لايفيد تلك الادلة للنفس الا العلم و هو حضور المعلوم عندها و يقابله الجهل و هو خفاء المعلوم عنها و لعمري ليس يوجد اليقين عندها فان غاية ما يحصل من الادلة العلمية النفسية هو التزام الخصم و عجزه عن الرد و الاعتراض و التزام النفس و عجزها عن ردها و الاعتراض عليها و اما اذا راجعت نفسها بعد العجز و تخلي بها و استنبط ما فيها ليس يجد فيها و لها الا العلم و مع ذلك يحتمل ان يكون ما حضر لديها اي معلومها مخالفا للواقع لما يحتمل في الفاظ الادلة من الاحتمالات من الحقيقة و المجاز و النقل و الاشتراك و الوهم في بديهياتها و مسلمياتها فان بديهي قوم عند قوم من المخفيات و مسلم قوم عند قوم مما تنوزع فيه و ربما يسلم الانسان [ص 12] شيئا من اجل غفلته عن المخالف او يكون بديهيا في بادي النظر لاجل عدم تعمقه فيه و هكذا يحتمل في كل لفظ منها ما لايحصي و لاجل ان اهل الاصول كان مدارهم علي الالفاظ و رأوا انه يحتمل فيها كل هذه الاحتمالات عدلوا عن ادعاء اليقين في المسائل و اكتفوا بالظن و التخمين مع انهم يستدلون في علم الاصول بالادلة المنطقية و القياسات المعروفة و العقلية علي زعمهم و مع ذلك كلهم مختلفون في المسائل فلو كانت هذه القواعد مما يحفظ العقل عن الخطاء في الفكر لكان يحفظ المتدربين فيها الشاقين للشعر في مسائلها و ان قلت ان هذا الاختلاف لاجل عدم مراعاتهم للقواعد فلو راعوها لمااختلفوا قلت ليس كذلك بل انهم مراعون لذلك و لكن لما كانت تلك القواعد لاتدرك الا بالعقل فاولا لا بد و ان يدركوها ثم يرتبوها علي ترتيبها حتي تنتج لهم ما تنتج و من العجب قولهم ان المنطق يصون الذهن عن الخطاء في الفكر و لايتفطنون ان كتاب المنطق ليس يصون الذهن و مسائله في علم الله او في علم غير الشخص ليس يصون ذهن الشخص كما هو ظاهر و انما هو يصون اذا كان صائنا بعد فهم الشخص اياه و تصوره و تصرفه له و فيه فاذا كان الفهم مخطئا فانه يخطئ في فهمه قبل ان يتحقق فيه و يصونه و ان كان مصيبا فلايحتاج اليه و ان كان مصيبا في بعض و مخطيا في بعض فيكفي في عدم الصيانة الخطاء في البعض و كفاك ان اختلاف الحكماء اكثر من اختلاف [ص 13] جميع اهل الفنون مع شدة مراعاتهم لهذا العلم فاذا لم‌يشف ما يسمي درياقا من اول الدهر الي آخره سليما فكيف يكون درياقا و ما ترجو منه و الي‌م تستشفي منه و كفاك في الانزجار عنه انه لو كان شرط تميز العقل و كان يبتني عليه امر من الفهم او كان نشره و ذكره اولي من تركه لمااخل به صاحب الشرع المعصوم من ترك الاولي و انما تكلم في الناس علي حسب فطرتهم و كلمهم بلسانهم و دعا الي الله سبحانه و الي دينه و الي جميع الحكم الباطنة و قد قال الله سبحانه مافرطنا في الكتاب من شئ ، و روي ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة ، فبينوا جميع العلوم من غير ان يضعوا للناس منطقا مع انهم وضعوا علم العربية اذا احتاج الناس اليه و ان قلت جميع كلام الناس عوامهم و خواصهم منطبق علي علم المنطق قلت فما الحاجة اليه اذا و انما الناس يتكلمون بالفطرة علي الوضع الالهي و كفاك كون هذا العلم من علوم النصاري و اليونانين و لم‌يكن في الاسلام منه ذكر الي عهد المأمون و قد جاؤا في عهده بكتب اليونانين و ترجمه العالمون بلغتهم و انتشر في الاسلام بالجملة مدار النفس علي الالفاظ و المفاهيم و دليلها منها و هي لكثرة الاحتمالات فيها ليس يورث يقينا و انما يورث التزام النفس و عجزها عن الرد فلما عجزت عن الرد و حضر عندها صورة حاصلة عن الادلة ركنت اليه و اتخذته رأيا له و قولا و هو علم لا يقين فان العلم هو الصورة الحاضرة عند العالم سواء طابق الواقع و ايقن [ص 14] انه مطابق للواقع او لم‌يوقن فيجتمع العلم مع اليقين و الظن و الشك و ضده الجهل و قد يستعمل الناس لفظ العلم في معني اليقين و حينئذ مرادف مع اليقين و ليس من صفات النفس و انما هو من صفات العقل كما سنبينه ان شاء الله و اما العقل فهو فوق النفس و هو مدرك للمعاني الكلية فاذا كانت ضرورية له يدركها من غير حاجة منه الي دليل يدل عليها و اما اذا كانت نظرية احتاج الي دليل يتوصل به اليها و يجب ان يكون دليله من المعاني الكلية فانه لايدرك الا اياها و لايصاقعه و لايجانسه الا هي فليس يستنبط دليله من مفاهيم الالفاظ و التصورات اللفظية و التصديقات العلمية و انما يستنبط دليله من المعاني الكلية .

و هنا دقيقة و هو انه سبيل القاء المستدل ما عنده من الدليل علي المستدل عليه في هذه الدنيا لايكون الا بالالفاظ سواء كان الدليل نفسيا او عقليا او فؤاديا لكن النفس تتبع مفاهيم الالفاظ من حيث الجزئية و من حيث الارتباط بالالفاظ و اما العقل فليس يتبع المفاهيم من حيث الارتباط بالالفاظ و الخصوصيات اللفظية و لكن يتبع بما يحصل له من تمام الالفاظ معا من غير ملاحظة خصوصية الالفاظ و يأخذ بحاصل الكلام ان كان يقينيا يقطع بمطابقته للواقع و يترك ما يخالف الواقع و هو معني كلي عقلي يحصل له حين اصغائه للكلام و ذلك ان الفاظ الدليل تطرق الاذن و تنفعل منها بنطاسيا و تؤديها الي الخيال و الفكر و تدركها [ص 15] النفس بنظرها الاعلي من حيث العقل فتدرك خلاصة ذلك و تؤديها الي العقل فيدرك معناها الكلي فان رآه مطابقا للواقع سكن و الا تلجلج و تردد فان كان علائم المطابقة غالبة ظن و ان كانت علائم المطابقة مغلوبة و علائم المخالفة غالبة وهم و ان تساوتا شك و ليس يلتفت الي خصوص الالفاظ ابدا و انما نظره الي الحاصل من الكل لا من حيث حصولها من الالفاظ بل من حيث مطابقتها للواقع بخلاف النفس فانها ملتفتة الي خصوص الالفاظ ثم قد يكون الاختلال من جهة الناظر فانه قد لاينظر بعينه العقلي و يروم درك المعني الكلي بعين نفسه او يشوب عقله بنفسه و لاجل ذلك لايحصل له اليقين و ان كان الدليل سليما مورثا للقطع ثم قد يكون العقل غالبا فيظن و قد يكون النفس غالبة فيوهم و قد يتساويان فيشك و ان كان العقل صرفا فيوقن و ان كانت النفس صرفة فيعلم و قلما استدل العلماء بالدليل العقلي علي ما ذكرنا و جل ما يستدلون به و يتكلمون فيه الادلة العلمية النفسية و سموها عقلية و بعد اطلاعك علي ما فصلنا و شرحنا لعلك تلتفت الي صدق ما ذكرنا بخلاف الاستادين السنادين اعلي الله مقامهما انهما جل ما يستدلان به من الدليل العقلي و الفؤادي كما سنذكره ان شاء الله و لذلك يورث كلامهم اليقين و المعرفة و يورث كلام القوم العلم لا غير و اما الفؤاد فانه نور الهي ناظر بعين لاهوتية الي حقايق الاشياء فقد يكون قويا و يعلم الحقايق [ص 16] بالمعاينة و قد يكون ضعيفا فيحتاج الي دليل يدله عليه و لما كان الفؤاد مدركا للحقايق المنزهة عن لوث المعني و الصورة فلايدرك بنفسه الا الحقائق المنزهة فلا بد و ان يكون دليله مما يدركه ليوصله الي ما لايدركه فلا بد و ان يكون دليله من الحقايق اللاهوتية ليدركه ثم ليوصله الي مطلوبه فلايوصله الي مطلوبه الادلة النفسانية و العقلانية و لايدركهما بنفسه بل لايدلان الي معرفة شئ بحقيقته لان اليقين بوجود شئ لايورث معرفة ذلك الشئ بكنهه كما انك تتيقن بوجود جبرائيل و لاتعرفه او تعلم ان فطرس مثلا موجود و لاتعرفه فالعلم و اليقين غير المعرفة و الدليل الدال عليهما غير مؤدّ لها و لكن وصول الفؤاد الي مطلوبه من معرفة الدليل الموصل له الي ما لايعرفه لايمكن في عالم الشهادة الا بواسطة الالفاظ فهو يعرف الدليل الحقيقي من الالفاظ لكن لا من حيث المفاهيم اللفظية الصورية الجزئية و لا من حيث المعاني الكلية علي ما بينا و شرحنا و لكن يعرف منها حقيقة مجردة عن الصورية و المعنوية و الجزئية و الكلية و ان كان بواسطة طروقها الاذن و انطباعها في بنطاسيا ثم انطباع مفاهيمها في الذهن ثم اكتساب النفس منها صورا مجردة ثم استنباط العقل منها معان كلية فالفؤاد يدرك منها الحقايق لا من حيث خصوص الجزئية و لا من حيث خصوص الكلية و ان اصعب عليك فهم مثل ذلك فلاجل ان مدرك ذلك الفؤاد و لايمكن ذلك بامعان نظر [ص 17] النفس و العقل و كثيرا يستدل السنادان الاستادان انار الله برهانهما بدليل الحكمة و لكن هو من قبيل قول الشاعر :

قد يطرب القمري اسماعنا و نحن لانعرف الحانه

و قد حرم عن فهم هذا الدليل الا قليل من الحكماء و قد شحن بمثل هذا الدليل الكتاب و السنة و كتبهما انار الله برهانهما و لما كان الناس في قوس صعودهم من غاية نزولهم يتدرجون في المعارج شيئا بعد شئ و يتلطفون حينا بعد حين فيكونون في مبدء صعودهم نطفة ثم يتلطفون بحر الطباخ المعدني الي ان يصيرون علقة و مضغة ثم يتلطفون بحر الطباخ النباتي حتي ينبت عليهم العظم و اللحم ثم يتلطفون بحر الطباخ الحيواني الي ان يكون خلقا آخر و يخرج الي فضاء الدنيا ثم لا بد في تلطيفهم الي حر طباخ نفساني و ذلك ليس له انبعاث من الجسد و لا بد من العمل بمقتضي الشرايع و الاحكام و النواميس النازلة من السماء التي هي شعلات و انوار ساطعة من تجليات النفس و تلطيفهم في هذه الدورة بحر طباخ الاعمال الشرعية و انه اشد حرا من نار الطبع و نار الحيوة سبعين مرة فاذا تعلق بهم شعلاتها و ظهر عليهم آثارها انتضجوا شيئا بعد شئ الي ان يكونوا انساناً ذا نفس قدسية و بدون ذلك الطبخ لايكادون يصلون الي مقام الانسانية ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون الناس كلهم بهائم الا [ص 18] المؤمن و المؤمن عزيز ثم يتلطفون بعد ذلك بتعلق آثار العقل بهم و انواره و عملهم بمقتضاه و انفعالهم تحت سطوع اشعته و انواره فيتلطفون بحر طباخ تلك الاشعة و هو اشد حرا من النفس بسبعين مرة الي ان يظهر فيهم العقل و يكونون من اولي العقول و الالباب ثم يتلطفون شيئا بعد شئ بحر طباخ المحبة و هي نار تطلع علي الافئدة فتحرق غير المحبوب و نارها نار سبك تحرق ما سواه فتكلسهم و تفرق موصولهم و تجمع مفصولهم و تجعلهم متلاشين مضمحلين و تدكدك جبل انيتهم الي ان يظهر فيهم الفؤاد فيكونون بذلك من اولي الافئدة و ماكذب الفؤاد ما رأي و كل من قعد به حر الطباخ في رتبة من المراتب بقي غير منتضجا في تلك الرتبة فاقدا للرتبة العلياء و هو قوله سبحانه مخلقة و غير مخلقة ، و نقر في الارحام ما نشاء الي اجل مسمي فلما كان الخلق لهم مراتب مختلفة فمنهم من هو من اهل الافئدة و منهم من هو من اهل العقول و منهم من هو من اهل النفوس و منهم من هو غير مخلقة لم‌يبلغ مقام التمام و الكمال و كل واحد من هؤلاء يهتدي بما لايهتدي به الآخر و يكتفي بما لايكتفي به الآخر و الرسول هو المبعوث الي الناس كافة و ينبغي ان يكلم كل طائفة بما يقنع به و يهتدي به و يناسبه امر الله سبحانه رسوله المبعوث علي الكافة ان يدعو الناس علي ثلثة انحاء فقال ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فامر الله سبحانه [ص 19] الداعي اليه ان يدعو اصحاب الافئدة بالحكمة و هي دليل ذوقي عياني مجرد عن الصورية و المعنوية يفيد المعرفة و ان يدعو اصحاب العقول و اولي الالباب بالموعظة الحسنة و هي دليل لبي يقيني من عالم المعاني الكلية و ان يدعو اصحاب النفوس بدليل المجادلة بالتي هي احسن و هو الدليل اللفظي المفهومي المعروف من القضايا و القياسات المعروفة و لايلزم فيه ان يرتب الالفاظ و الحروف علي نهج ما قرروا في علم المنطق و انما اللازم تفهيم المطلوب باي لفظ كان و كيف ما اتفق كما كان النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام يفعلونه في مجادلاتهم و ان كان بعد التحليل ينطبق علي قواعد المنطق و يطابق واحدا من اقيسته و لكن الفطرة الالهية تجري علي ما طبعت عليه من دون حاجة الي المنطق و هو اثمه اكبر من نفعه لانه كثيرا ما يكون مخلا بالمطلب اذا راعي المستدل الاختصار في المقدمات ليصيغها علي هيئة الاشكال المقررة فيبقي المقدمات مجهولة فان وضع مقدمات و يستخرج نتيجة ثم ذهب يفصل كل مقدمة ليبين المرام فيلزم في اثبات المقدمات ايضا ترتيب المقدمات علي ما مر و ان لكم في رسول الله اسوة حسنة فان كان المنطق علي خلاف نطق الناس علي الفطرة فما لنا فيه من حاجة فان فطرة الله التي فطر الناس عليها كافية في هذا المقام لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم اي لايجوز تبديل خلق الله و انما التبديل من الشيطان كما قال [ص 20] و لآمرنهم فليغيرن خلق الله و ان كان المنطق يوافق الفطرة و كل من يتكلم ينطبق علي قواعد المنطق فنحن نتكلم علي الفطرة و هو يكون موافقا للمنطق فليركن اليه المحب للمنطق و ليس فراري منه و بغضي له من جهة جهلي به و الانسان عدو ما جهل بل لاجل ان الاسلام اغناني و الحمد لله عن علوم النصاري و حفظ ذهني عن الخطاء في الفكر الموازنة بالموازين الالهية النبوية المعصومية صلوات الله عليهم اجمعين و لم‌يبق لي حاجة اليه و اغناني الله و رسوله صلي الله عليه و آله من فضله و اني قد صنفت فيه كتابا لطيفا في اوائل تحصيلي و كنت فيه ماهرا ثم شنأته لما فتح الله عين بصيرتي بفوزي من حضرة الاستاد السناد اجزل الله اكرامه عليه و انما قدمنا هذه المقدمة لما استنبطنا من عزمك علينا ان نبين المرام بالقياسات الاقترانية و الاستثنائية العقلية القضايا كثرة ركونك اليه و هلعك فيه و ولعك به فاردنا ان يبدلك ربك خيرا منه زكوة و اقرب رحما و لاجل ان تعلم ان تلك القضايا و الاقيسة ليست عقلية و انما هي نفسية و ليست مفيدة لليقين و انما هي مورثة للعلم و ليست برهانا عقليا و انما هي براهين صورية فنحن نتكلم في مسائلك و لا قوة الا بالله بما يورثك اليقين ان شاء الله و المعرفة و يكون محشوا بالمجادلة ايضا لئلايبقي لك عذر ثم ان اهل المنطق يقولون ان جميع نطق الناس منطبق علي القواعد فليكن دلائلنا ايضا منطبقة و علي ذلك نحن مسعفون [ص 21] لطلبتك و مستدلون بالاقيسة العقلية علي زعمك فاذا يحصل المطلب علي ما طلبت و علي ما نطلب .

و اما ما نسب الي نفسه ازدراء بنفسه فانما هو من رفعة مقامه و علو شأنه و انما هو جليل الشأن رفيع البنيان عالم فاضل و عامل باذل مع انه في عنفوان الشباب قد بلغ مبلغ اولي الالباب و الحمد لله رب العالمين و انا اقول كفاء لما ذكر في مما لايليق و لست به حقيقا انا اعلم بنفسي من غيري و الله اعلم مني بنفسي اللهم اجعلني احسن مما يظنون و اغفر لي ما لايعلمون فانك انت الغفور الرحيم و هذا ابتدا مسائله .

قال سلمه الله : المسألة الاولي - بينوا بالبرهان المزبور تشارك كل من قسمي الحد التام و الحد الناقص مع كل من قسمي البرهان اللمي و الانٖي الذي قد شحن به الملا صدراء الشيرازي تجاوز الله عنه و عن تابعيه كتبه و استدل به و لكن علي نحو الاطلاق و الاجمال حيث يقول باشتراكهما في الحدود و ان ما لا حد له لا برهان له و ما لا برهان له لا حد له .

اقول معلوم عندكم ان الحد قول يحمل علي الشئ ليفيد تصوره بكنهه فلا بد من كونه ذاتيا للمحدود و هو الفصل ثم ان كان معه جنس قريب فهو حد تام و الا فهو حد ناقص و لا بد و ان يكون الحد مساويا للمحدود و اجلي فان لم‌يكن مساويا يكون الحمل كذبا و ان لم‌يكن اجلي لم‌يكن معرفا له و هذا رمز مبهم و سر منمنم لاكوه بين لحييهم و لم‌يعرفوا كنه ما يقولون فان المحمول [ص 22] ان كان مساويا في الجوهر و الصفات الذاتية المشخصة له من الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الزمان و المكان و الوضع و غيرها فهو هو لا غير فيكون الحمل هو حمل الشئ علي نفسه و حمل هو هو و ان غير اللفظ مع اتحاد المعني فهو تعريف لفظي كقولهم زمين بالفارسية هو الارض لا معنوي و المفروض ان الحد يقع في جواب ما هو او اي شئ هو في ذاته و المطلوب معرفة حقيقة ذاته و ان لم‌يكن مساويا له في الجوهر و جميع الصفات الذاتية فتكون القضية كاذبة و الحمل كذبا فان الموضوع حينئذ ليس هو المحمول ثم ما معني قولهم لا بد و ان يكون اعرف هل ينبغي ان يكون اعرف بحسب اللفظ فيكون المعرف لفظيا لايكشف عن حقيقة المسؤل او يكون اعرف بحسب الحقيقة فلايكون حينئذ مساويا للمحدود الموضوع فان الاعرف ليس يساوي غير الاعرف في الذات البتة و لا اقل من اختلاف الرتبة و الكثافة و اللطافة و القرب و البعد و ليس الداني عين العالي و ليس الكثيف عين اللطيف و البعيد عين القريب فعدم التساوي و كذب الحمل و خالفت القضية الواقع فبين لنا يا ذا المعالي و الفضل هل لهم لهذا السر المنمنم حل ام لا فان كان فما هو و لم لم‌يكشفوا في كتبهم لثامه و لم‌يفضوا في زبرهم ختامه و انا اوقفك عليه ان شاء الله تعالي .

اعلم ان القوم قالوا ان المحمول لا بد و ان يكون له جهة جامعة مع الموضوع بها يصح الحكم انه هو هو و جهة مميزة بها تحصل الفائدة اذ لا فائدة في حمل هو هو [ص 23] كقولك الماء ماء و الارض ارض و هكذا و هذا الكلام منهم غير تام فان ما له جهتان ليس بعين ما له جهة واحدة فالمحذور لايندفع بهذا القول ايضا و بيان المسئلة علي سبيل الاجمال الغير المخل و التفصيل الغير الممل ان المحمول ما لم‌يكن عين الموضوع من كل جهة لايصح الحمل البتة الا انه لا بد من معرفة الموضوع هل هو ذات الشئ من حيث هي هي او هو ظهور الشئ اما ذات الشئ فلايصح ان يحكم عليها بشئ فانها ليست الا هي و لا اسم لها و لا رسم من حيث هي هي و ليس هناك كثرة الوضع و الحمل و النسبة و الحكم ارأيت حين تلتفت الي نفسك من حيث هي هي اتذكر شيئا من هذه الكثرات حتي تنسب شيئا اليه او تحكم بشئ عليه هذا مع ان المحمول لا بد و ان يكون وصفا فان الذات القائمة بنفسها لاتحمل علي شئ فلا حمل في رتبة الذات الصرفة البحت الباتة فاذ لا حمل لا وضع فانهما متضايفان فاذ لا وضع و لا حمل لا نسبة لانها تابعة لهما و اذ لا نسبة لا حكم فامتنع ان يكون نفس الذات من حيث هي موضوعة و مزيدا علي ما ذكر عدم وجود المحمول في رتبة الذات بوجه فان المحمول صفة و الصفة ليست في رتبة الذات و كمال معرفة الذات نفي الصفات كما قال علي عليه السلام في معرفة الحقيقة كشف السبحات فمع وجود الذات في رتبتها و لا ذكر فيها للصفات و كون الصفات في رتبتها و لا ذات لايصح التساوي و لا الاتحاد و لو من جهة حتي يصح به الحمل فليس نفس الذات [ص 24] موضوعة في حال من الاحوال و ليس سوي الذات الا الصفات فلا بد و ان يكون الموضوع من عالم الصفات الا ان الصفات لها مرتبتان مرتبة الموصوف و مرتبة الصفة الاتري ان المفعول ايضا صفة للذات اذ قد يكون مفعولا و قد لايكون و لو كان المفعول عين الذات لم‌تعقل الا مفعولة مثلا تقول زيد مضروب فالمضروب صفة زيد قد تكون و قد لاتكون و لو كان المضروب عين ذات زيد لم‌تعقل الا بانه مضروب فتبين ان الموصوف ايضا صفة فان الذات قد تكون موصوفة بكذا و قد لاتكون موصوفة بكذا فالموصوف ايضا من رتبة الصفات الا ان من الصفات ما يحكي الذات لغلبة الجهة العليا فيها و هي حيث الآئية للذات و منها ما لايحكي الذات و انما الغالب عليها جهة نفسها و انما ذلك باختلاف نظر و الا فبحسب الكون الخارجي هي واحدة و لما كان الخلق في قوس الصعود ناظرين الي ظواهر الاشياء و جهاتها من انفسها و غافلين عن حقايقها و جهاتها الي ربها جهلوا الحقايق و احتاجوا في معرفتها الي الحدود و المعرفات و قد علمت ان الحد ان لم‌يكن اعرف من المحدود لم‌يكن فيه فائدة و ان لم‌يكن مساويا في الحقيقة يكون كذبا فانه غيره في الحقيقة فلاجل ذلك جعل الحكماء يحدون حقايق الاشياء بظواهرها التي هي عين تلك الحقائق في الكون الخارجي فاذا وصفوها بوصف ظاهر للسائل عرفه و قد علمت انه لايعلم الا جهة نفس الشئ فجهة نفس الشئ هي حد حقيقته [ص 25] بها يمتاز عن غيره لا غير و حدود الحقيقة نوعان حد مادي و حد صوري و مادة الشئ هي غير حقيقته فان الحقيقة من حيث هي ليست بمادة ظاهرة بالصورة و لا صورة قائمة بالمادة و انما المادة و الصورة ركنا مظهر الحقيقة قد صارا بعد اجتماعهما مظهرا للحقيقة و ان كان الظاهر و المظهر في الحقيقة شيئا واحدا في الكون الخارجي الا ان المظهر جهة نفس الظاهر فلذلك اذا سئل عن حقيقة بما هي يعرف بمادته و صورته المتساويتان لها في الحقيقة الظاهرتان عند السايل فاذا سأل السائل عن الماء عرف له بانه جسم بسيط بارد رطب سيال فالجسم البسيط البارد مادة له و الرطب السيال صورته و هما ركنان لمظهر حقيقة الماء و قد ظهر الماء في هذا العالم بهما و ليس الماء غيرهما في الحقيقة و الكون الخارجي الا انهما نفس الماء و انيته و لايظهر للناظرين الا بهما فذات الماء من حيث هي هي ليس بموضوع هذا الحد و لا سؤال عنها و لا جواب و هي لشدة ظهوره و تغييبها الصفات قد خفيت و لعظم نورها استترت حتي فاتت ابصار الناظرين و تجاوزت الحد و المحدود و طواهما حجاب احديته قال علي عليه السلام في الجواب عن الحقيقة و فيه عبرة لمن اعتبر و تذكرة لمن تذكر كشف سبحات الجلال من غير اشارة و قال محو الموهوم و صحو المعلوم ، الي آخر الخبر فانما يقع السؤال علي ظهورها اي الذات الظاهرة و يعرف بمظهرها و المظهر نفس الظهور و اظهر فمن عرف هذا السر المبهم [ص 26] و الرمز المنمنم فقد عرف موصوله و مفصوله و عرف ما به يستغني عما سواه ،

فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فيأخذه عنا

و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا

فمنه الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما تلوتم به عنا

فدع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المروي عن كعب‌الاحبار

و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري

قال الله سبحانه و لاتمدن عينيك الي ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه و رزق ربك خير و ابقي و قال في وصفهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فهذا وصف من البداية الي النهاية و ما ذكروا غير ذلك فانما هو تطويل لا طائل له و اجساد لا روح لها .

و اما البرهان فهو بلغة القوم قياس يقيني يفيد معرفة وجود شئ او هو قياس مؤلف من يقينيات لانتاج يقيني و هو علي قسمين اما هو علة التصديق بالنتيجة وحده و اما هو مع ذلك علة وجود النتيجة فالاول يسمي بالان و الثاني باللم و المراد بمطلقه اللمي و هو هو الحد الاوسط في الشكل المبرهن به و هو محمول الاصغر و صفته الذاتية كما قدمنا في الحد و موضوع الاكبر في الشكل الاول المؤلف علي نهج الحكمة و الصواب الكاشف عن حقيقة الشئ بمادته و صورته و ساير الاشكال يأتي و لما كان شأن الاوسط فيه اثبات محموله لموضوعه [ص 27] فهو علة ثبوت المحمول للموضوع اي الاكبر للاصغر ايضا فهما اي الاوسط و محموله وصفان للاصغر و ذلك يختلف بحسب اختلاف المطالب فان كان المطلب تصديق ثبوته يجب ان يكون الاوسط علة اجتماعهما في الذهن و ان كان معرفة تلازمهما في الوجود الخارجي يجب ان يكون الاوسط علة التلازم مثال الاول تقول النهار مشرق و كل مشرق انما يشرق بمنير فالنهار يشرق بمنير فقد افاد لنا هذا البرهان لزوم التصديق بان المشرق لايكون مشرقا الا بمنير و لم‌يفدنا معرفة حقيقة الامر في الخارج و علة اجتماعهما في الخارج و مثال الثاني النهار مشرق و كل مشرق انما يشرق بتأثير جسم ذي ضياء يلقي شبحه في مرآة وجوده فالنهار مشرق بتأثير جسم ذي ضياء يلقي شبحه في مرآة وجوده فافادنا التصديق و معرفة الكيفية مفصلا و علي اي حال الحد الاوسط مع محموله وصفان للاصغر الا ان الحد الاوسط في الصغري حصة من كلي قد ظهر به الاصغر كما قدمنا آنفا فمقامه مقام المادة و الاكبر محمول الاوسط و صفته و مقامه مقام الصورة النوعية للاوسط فالاوسط و محموله مادة و صورة نوعيتان للاصغر و هو ركن الحد الذي بيناه آنفا فالبرهان التام الكامل ما كان الاكبر فيه فصلا ذاتيا للاوسط بالنسبة الي الجنس الاعلي و الصورة الجنسية بالنسبة الي الادني لانه الحمل الحقيقي لا الخاصة و لا العرض العام و ذلك لتسور الكبري بالكلية فلايكون محموله الا الذاتي [ص 28] و هو الفصل او الصورة الذاتية الجنسية فاذا صح قولهم ما لا حد له لا برهان له و ما لا برهان له لا حد له فان ما لا حد له لا مادة له و ما لا مادة له لا برهان له و ما لا برهان له لا مادة له و ما لا مادة له لا حد له و ان قلت هذا في الحد التام الذي يجب فيه الجنس القريب و الحد الناقص اذا كان فيه الجنس البعيد مسلم و اما في الحد الناقص الذي لا مادة له كيف يجري ذلك قلت الفصل صفة حصة الجنس و الجنس مادة له و الصفة قائمة بموصوفها فما لا جنس له لا فصل له حقيقة فما لا برهان له لا جنس له و ما لا جنس له لا فصل له فاذا ما لا برهان له لا جنس له و ما لا جنس له ليس له حد تام و لا ناقص هذا في ظاهر المراد و اما باطنه الذي نعني به اذا قلنا ان الحد التام قد عرفت انه المميز للشئ عما سواه في النوع و الشخص او الجنس و الفصل فهو في عالم الصورة و اما البرهان فهو الحد بعينه من حيث الدلالة علي الحقيقة فان النسبة بين الشيئين اما هو عرضية او طولية فالنسبة بينهما في العرضية بينونة عزلة لايفيد معرفة احدهما معرفة الآخر بوجه و اما النسبة بينهما في الطولية بينونة صفة يعني احدهما صفة للآخر و ظهور له دال عليه من حيث الظهور اما اللذان بينهما بينونة عزلة فلايكون احدهما برهانا للآخر و اما اللذان بينهما بينونة صفة فالموصوف من حيث هو لايكون برهانا علي وجود الصفة لثبوت الاختيار علي الاصح و علي ما هو الحق الحقيق بالتحقيق فالصفة [ص 29] برهان علي وجود الموصوف و قد سمي الله سبحانه صفته برهانا فقال لقد جاءكم برهان من ربكم اي محمد صلي الله عليه و آله و قد قال علي عليه السلام الصفة علي مثلها تدل و في شكلها تحل ، فغاية دلالة البرهان الموصوف لا حقيقة الذات و لذا قال عليه السلام صفة استدلال عليه لا صفة تكشف و قال دليله آياته و قال انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، فالذي يدل عليه الصفة هو الموصوف كما مر ان المحدود بالحد هو الموصوف بالحد و قد بينا ان الموصوف ايضا صفة فما لا حد له اي الذات الغيبية لا برهان له و ما لا برهان له لا حد له فكنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه و اذا عرفت ذلك فاعلم ان ساير الاشكال ايضا كالشكل الاول في بعض الجهات فان علة ثبوت محمول النتيجة سواء كان سلبيا او اثباتيا لموضوعها هو الحد الاوسط فهو علة ذاتية مطلقة لاتصاف الموضوع بنفي المحمول او اثباته و النفي شئ كما قال الصادق عليه السلام و ذلك لان الحد الاوسط اما محمول في الصغري و الكبري معا فهو الصورة الذاتية المادية لموجبهما و عدمه صورة سالبهما او موضوع في الصغري و الكبري معا و حينئذ يكون مقامه مقام المادة لدخول السور الكلي عليه في احدهما او موضوع في احديهما و محمول في الاخري فهو مادة نوعية في احديهما و صورة نوعية لها في الاخري فعلي الاجمال ان كان الاوسط محمولا فهو صفة ذاتية لموضوع و ان [ص 30] كان موضوعا فهو مادة لمحمول و لايحمل عليه الا احد ركني النتيجة و لايوضع له الا احد ركني النتيجة و علي اي حال هو ذاتي لهما فهو ركن الحد الاعظم فما لا برهان له لا حد له و ما لا حد له لا برهان له كما مر . فيا شيخي انا قد ذكرنا ما ذكرنا من باب ان لكل سؤال جواب و من اكرام السائل عدم ترك جوابه و الا كل ذلك كصيد الخنزير يخاف منه علي النفس و لايرجي منه ما ينفع و لكن نحن لما كان قصدنا اكرامك في جوابك نرجو الثواب من الله الوهاب و الا فاثم هذه المسائل اكثر من نفعها و كلها صرف عمر في استخراج نسب الالفاظ و ارتباطاتها و قراناتها و لا طائل تحت اكثرها فلا بهذا امرت و لا لهذا خلقت فان متكلموا هذه العصابة شرار مَنْ هم منهم و لا قوة الا بالله .