[ص 1]

رسالة في جواب عباس ميرزا ملك‌آرا

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين الي يوم الدين .

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد اتاني كتاب كريم و خطاب جسيم من صاحب الرياستين السيف و القلم و مالك الولايتين العلم و العلم غرة ناصية المجد و الفخار و تاج رأس العز و النجار ذي الرتبة السنية و الدرجة العلية ابن السلطان بن السلطان بن السلطان و اخ سلطان الزمان نائب السلطنة البهية عباس ميرزا لازالت رايات مجده مرفوعة و اعلام عزه منصوبة و عمر الله دينه و دنياه و جعل اخراه خيرا من اولاه و قد امرني في كتابه بشرح مسائل مشكلة و مطالب معضلة و لولا انه قد امرني بان اسلك سبيل اختصار غير مخل و اجانب التطويل الممل لكان تعوقني كثرتها عن الجواب مفصلا و لكن لما اعانني بامره ذلك بادرت الي الجواب راجيا من بقية الله عجل الله فرجه الهام الصواب و كان سؤالاته دام مجده فارسية و لما كرهت الجواب بالفارسية لقصورها عن اداء المراد ترجمت سؤالاته بالعربية مع تهذيب عما لا مدخل له في المسئلة و جعلت سؤالاته كالمتن و جوابي له [ص 3] كالشرح ليتضح جواب كل مسئلة .

قال دام مجده : ما تمام حديث فيه قوله عليه السلام ان منهم قوما نصابا الخ ، مع رواته .

اقول ذاك حديث في تفسير العسكري عليه السلام في تلو قوله تعالي و منهم اميون لايعلمون الكتاب الا اماني الآية ، في حديث طويل الي ان قال عليه السلام قال رجل للصادق عليه السلام فاذا كان هؤلاء القوم من اليهود لايعرفون الكتاب الا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم الي غيره فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم و هل عوام اليهود الا كعوامنا يقلدون علماءهم فان لم‌يجز لاولئك القبول من علمائهم لم‌يجز لهؤلاء القبول من علمائهم فقال عليه السلام بين عوامنا و علمائنا و بين عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة و تسوية من جهة اما من حيث استووا فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذم عوامهم و اما من حيث افترقوا فلا قال بين لي يا بن رسول الله قال عليه السلام ان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصريح و باكل الحرام و الرشا و بتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات و عرفوا بالتعصب الشديد الذي يفارقون به اديانهم و انهم اذا تعصبوا ازالوا حقوق من تعصبوا عليه و اعطوا ما لايستحقه من تعصبوا له من اموال غيرهم و ظلموهم من اجلهم و عرفوهم بانهم يقارفون المحرمات و اضطروا بمعارف قلوبهم الي [ص 4] ان من فعل ما يفعلونه فهو فاسق و لايجوز ان يصدق علي الله و لا علي الوسايط بين الخلق و بين الله فلذلك ذمهم لما قلدوا من عرفوا و من قد علموا انه لايجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكاية و لا العمل بما يؤديه اليهم عما لم‌يشاهدوه و وجب عليهم النظر بانفسهم في امر رسول الله صلي الله عليه و آله اذا كانت دلائله اوضح من ان تخفي و اشهد من ان لاتظهر لهم و كذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب علي حطام الدنيا و حرامها و اهلاك من يتعصبون عليه و ان كان لاصلاح امره مستحقا و بالترفرف بالبر و الاحسان علي من تعصبوا له و ان كان للاذلال و الاهانة مستحقا فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فاما من ركب من القبايح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلاتقبلوا منهم عنا شيئا و لا كرامة و انما كثر التخليط فيما يتحمل عنا اهل البيت لذلك لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه باسره لجهلهم و يضعون الاشياء علي غير وجوهها لقلة معرفتهم و آخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم الي نار جهنم و منهم قوم نصاب لايقدرون علي القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند [ص 5] شيعتنا و ينتقصون بنا عند نصابنا ثم يضيفون اليه اضعافه و اضعاف اضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن برءاء منها فيقبله المستسلمون من شيعتنا علي انه من علومنا فضلوا و اضلوا و هم اضر علي ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد علي الحسين بن علي عليهما السلام و اصحابه فانهم يسلبونهم الارواح و الاموال و هؤلاء علماؤ السوء الناصبون المتشبهون بانهم لنا موالون و لاعدائنا معادون يدخلون الشك و الشبهة علي ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم من قصد الحق المصيب لا جرم ان من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام انه لايريد الا صيانة دينه و تعظيم وليه لم‌يتركه في يد هذا الملبس الكافر و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به علي الصواب ثم يوفقه الله القبول منه فيجمع الله له بذلك خير الدنيا و الآخرة و يجعل علي من اضله لعن الدنيا و عذاب الآخرة .

قال دام مجده : و حديث ليس العلم بكثرة التعلم .

اقول هذا الخبر رأيته في كشكول الشيخ البهائي فيما اظن و نقل من الاثني‌عشرية لمحمد بن محمد بن حسن الشهير بابن‌قاسم العاملي و روايته عن عنوان البصري عن الصادق عليه السلام و هو حديث طويل موضع الحاجة منه قال عليه السلام يا اباعبدالله ليس العلم بالتعلم انما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك و تعالي ان يهديه فان اردت العلم فاطلب اولا من نفسك حقيقة العبودية و اطلب العلم باستعماله و استفهم الله بفهمك [ص 6] الخبر .

قال دام مجده : ظهور الامير عليه السلام في دشت ارزن .

اقول القصة مشهورة معروفة لاتنكر الا اني لم‌ار حديثها في كتب الاخبار الا في مشارق الانوار علي نحو الاشارة و هذا لفظه حيث يعيب علي منكري الفضائل قال فمن ذلك انكارهم لحديث سلمان و دشت ارزن و ان اميرالمؤمنين خلصه هناك من الاسد حين استغاث به و قالوا اين كان علي هناك و كيف كان قبل ان يكون انتهي ، و هذا القول يعطي شهرة الحديث و عدم جواز انكاره و لكني لم‌اره مع قلة ما في يدي من الكتب نعم قد رواه محمدصالح الترمدي من العامة في كتاب المناقب نقلا من احسن‌الكبار ان عليا عليه السلام كان يوما جالسا علي غرفة يأكل الرطب و سلمان كان جالسا تحتها يخيط خرقة فرماه علي عليه السلام بنواة و هو ابن سبع و عشرين سنة فقال سلمان انت شاب و انا شائب لاينبغي ان ترميني بنواة فقال علي عليه السلام انت شائب و انا شاب انسيت دشت ارزن و من نجاك من الاسد فتحير سلمان فقال بين يا علي قصتها فقال كنت في الماء و تجزع من شر الاسد فدعوت و انا كنت امر في ذلك الصحراء و علي درع و في يدي سيف فجئت و ضربت الاسد بسيفي و قطعته نصفين فقال سلمان و لها علامة اخري فاخرج علي عليه السلام طاقة ورد من كمه و قال هذا ما اهديته الي ذلك الراكب فازداد تحير سلمان و تفكر فناداه هاتف [ص 7] ايها الشائب التقي اذهب الي رسول الله و اخبره فذهب الي رسول الله صلي الله عليه و آله و قال له اني قرأت نعتك في الانجيل و كنت احبك و اخفي حبك عن ابي الي ان حكي له قصة دشت ارزن الي ان قال و يمضي من ذلك الوقت ازيد من ثلثمائة سنة و لم‌ابرزه الي احد و اظهره اليوم ابن عمك فممن تعلم الغيب فقال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس امثال هذه الامور عجيبا عن علي عليه السلام و رأيت اعجب من ذلك منه لما وفدت سدرة المنتهي و تخلف عني جبرئيل و مضيت الي عرش رب العالمين و كنت اسار ربي و يسارني فرأيت اسدا فتأملته فاذا هو علي و لما رجعت اخبرني علي بجميع ما اسر الي ربي يا سلمان لم‌يبتل نبي و ولي و صالح و تقي من لدن آدم الي يومنا هذا ببلاء الا و منجيه علي هذا مختصر ما نقله في المناقب من كتاب احسن الكبار و رواه من اربعين علاءالدولة السمناني و قال انها اشهر من الشمس و كفي شهادة العامة في ثبوتها .

قال ايده الله : ما حديث في اوائل تفسير القمي يدل علي امكان فهم البطون من اعداد الحروف .

اقول الذي في اول تفسير القمي هو الاستدلال بالحروف لا بالعدد و هو الحديث المشهور في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم الباء بهاؤ الله و السين سناء الله و الميم ملك الله و لم‌ار غيره .

قال ايده الله : لا شك ان الطفرة في الوجود باطلة و الفيض يصل [ص 8] الي العالي ثم الداني فما السبب في انك تقول في كتابك في السلسلة الطولية ان ذلك في التشريع لا في التكوين .

اقول من العجب غفلة الاكثرين عن وضع هذا الكتاب فاعلم ان شيخنا الاجل اعلي الله مقامه ذكر في كتابه سلسلتين نورانية و ظلمانية و قال في النورانية ان الجمادات الطيبة شعاع النباتات الطيبة و هي شعاع الحيوانات الطيبة الطاهرة المحللة و هي شعاع الملئكة و هم شعاع الجن المؤمنين و هم شعاع مؤمني الاناسي و هم شعاع الانبياء و هم شعاع الحقيقة المحمدية و ذكر في السلسلة الظلمانية اضداد هؤلاء فسألني عنهما سائل فذكرت في ذلك الكتاب ان هاتين السلسلتين في التشريع لا في التكوين فانه في التكوين ليس سعادة و لا شقاوة و لا نور و لا ظلمة و لا مؤمن و لا كافر فسلسلة النور في اهل عليين و سلسلة الظلمة في اهل سجين و ليس في الكون عليون و لا سجين و انما هما في الشرع و لم‌اقل انه ليس في الكون سلسلة طولية مطلقا و كيف ينكر احد الطول في الكون و يري الكلام و المتكلم و الفعل و الفاعل اقلا و لكن القوم ماعرفوا مرامي و نوهوا باسمي مع الجهل بالمراد فلما شاع ذلك بين اخواننا و اشتبه عليهم اضفت الي ذلك الكتاب اوراقا و اكدت و صرحت بالمراد حتي لايشتبه الامر علي اهل الوداد .

قال ايده الله : كيف يوصل الشيعة الرزق الي من دونهم و هم وسائط في اي شيء .

[ص 9] اقول لانقول بانهم يوصلون الرزق الي من هو غيرهم و انما نقول انه يصل الرزق الي من دونهم بهم و الفرق ان الموصل هو الذي يوصل عن عمد و ادراك و اما من يرزق الناس به فلايجب ان يكون هو الرازق بل لاجل انه في الناس و الناس اسباب قوام وجوده و عيشه و يريد الله حفظه فيحفظ اسباب وجوده و انك لو تدبرت لوجدت جميع الخلق مرتبطا بعضه ببعض و كل احد هو او بدله شرط وجود الآخر فلما كانت الشيعة في الدنيا هم محل العناية و السايرون اسباب قوام وجودهم و حيوتهم و معاشهم في الدنيا يرزق الله الاسباب لحفظ المسبب هذا في الظاهر و اما في الباطن فهم سابقون في الوجود و انما ينزل الفيض اليهم اولا فما اشرق عليهم يشرق منهم علي من سويهم و لايجب ان يكون بعمد و ادراك منهم الاتري ان فيض العلم ينزل الي العالم اولا و هو يعلم الناس و كم من ناس جالسين بحيث لايراهم العالم فيفاض علي الجاهلين بواسطة العالم و هو غير مطلع عليهم مع ان فيض العلم وصل الي العالم اولا ثم وصل به الي الجاهل و العامد المطلع علي الكل هو الكلي لا غير و يشهد بذلك ما رواه في البحار بسند متصل عن علي عليه السلام قال خلقت الارض لسبعة بهم يرزقون و بهم يمطرون و بهم ينصرون ابوذر و سلمان و المقداد و عمار و حذيفة و عبدالله بن مسعود قال علي عليه السلام انا امامهم و هم الذين شهدوا الصلوة علي فاطمة و لاتشك ان عبدالله [ص 10] و حذيفة كانا من الشاكين بعد وفاة النبي صلي الله عليه و آله الي ان استبصروا و من كان هكذا لايليق بان يكون رازقا خالقا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه ذم رجلا فقال لاقدس الله روحه و لاقدس مثله انه ذكر اقواما كان ابي ائتمنهم علي حلال الله و حرامه و كانوا عيبة علمه و كذلك اليوم هم عندي مستودع سري و اصحاب ابي حقا اذا اراد الله باهل الارض سوء صرف بهم عنهم السوء هم نجوم شيعتي احياء و امواتا هم الذين احيوا ذكر ابي بهم يكشف الله كل بدعة الخبر ، و لا شك انهم لم‌يكونوا صارفي السوء عن العباد عن عمد و ادراك و انما ذلك علي ما ذكرنا و علي ذلك هم لسبقهم وسائط كل فيض و خير و مدد و لايجب ان يكون الوصول الي الخلق ممن دونهم عن عمد و ادراك منهم البتة فانهم جزئيون لايحيطون بمن دونهم و انما هم بمنزلة النجوم في السماء و ان كانت النجوم اسبق في الوجود من التراب و لكن كل واحد منها لايحيط بالارض و لايطلع علي جميعها و لكل درجات مما عملوا و ليس كل من لايحيط بكل شيء لايطلع علي شيء و الاوقات مختلفة و الانظار متفاوتة و الله العالم بحقيقة الحال .

قال ايده الله : يقول الشيخ رفع الله درجته في شرح و اجسادكم في الاجساد في رد الشيخ عبدالله : لانه نقل الاقوال و قدر فيها بميزانه و كل احد كذلك لان العيار الذي يزن به العلماء واحد لايتعدد و انما يتعدد بحسب افهامهم و لو خلص الحق لم‌يخف [ص 11] علي ذي حجي . ما المراد من هذا الميزان و لو كان الامر كذلك لزم ان لايختلف العلماء .

اقول ليس في العبارة اشكال و فيها جواب عن السؤال فانه اعلي الله مقامه قال ان الشيخ عبدالله صنع كما يصنع اغلب العلماء في المسائل يعني نقل الاقوال ثم قدرها بميزان ظاهر الشرع و ضرورة الاسلام و المذهب فما وافقها صدقها و ما خالفها كذبها و صاحب كل قول مراده ان يفعل ذلك لكن مختار كل قول يزعم ان قوله موافق للعيار و ساير الاقوال مخالفة فليس التفاوت في العيار و انما التفاوت في الافهام التي تميز موافقة القول و مخالفته و انما ذلك لايوقف الشخص علي فهم الحقيقة لان الدار دار لطخ و خلط و لكل شيء حيوث و جهات و الانظار الي الشيء مختلفة فمنهم من يراه قريبا و منهم من يراه بعيدا و منهم من يراه موافقا و منهم من يراه مخالفا و لو خلص الحق عن الخلط و اللطخ لم‌يخف علي ذي حجي فاذا نظر ذو حجي الي الشيء من حيث الاعلي قبل اللطخ و الخلط لم‌يخف عليه و اذا نظر من وراء استار الخلط و اللطخ جاء الاختلاف و الاحكام الشرعية اليوم احكام عالم اللطخ و الخلط دون غيره فلايجوز تحصيلها من عالم اعلي عار عن اللطخ و الخلط و لايحوز الحكم علي المرضي بحكم الاصحاء فنظر مشايخنا في الاحكام بنظر اللطخ و الخلط في عالمهما الي الاشياء المخلوطة الملطوخة دون الحقيقة فنظر كل الي جهة و وازنوا الامر بذلك [ص 12] المعيار فاختلف المقدار و جاز ذلك ما دام الغبار فعمل كل بما اختار و لا حرج فاذا طهر الديار عن الاغيار و زال الغبار اتحد المختار .

قال ايده الله : ما المراد مما قال الشيخ اعلي الله مقامه ان وضع لفظ الصلوة علي الدعاء و الصلوة المخصوصة من باب التشكيك .

اقول اعلم ان الحقيقة الواحدة اذا كانت مختلفة المراتب بحسب الصور بحيث تكون علي نحو التدرج يقال لها التشكيك لانه بمعني الضم و يقال لضم الشيء بالشيء التشكيك فلما كانت مراتبها قد ضم بعضها ببعض سميت بالتشكيك فالصلوة لفظ موضوع علي الدعاء حقيقة و الدعاء هو الطلب فالدعاء من الله سبحانه هو الطلب من الله و يخص الدعاء بصوت لاهل الاذن و لو اشرت الي ذي عين ان تعال فهو دعاء و اطلاع الله علي خلقه لايختص بنحو دون نحو و انما يطلب ما عند الله سبحانه باستعمال ما انعم فيما احب و هو الشكر و لئن شكرتم لازيدنكم فاذا كان الطلب هو الدعاء و الدعاء هو استعمال ما انعم فيما احب فيختلف مراتب الدعاء فاستعمال العقل فيما احب الله فوق استعمال الروح فيما احب و هو فوق استعمال النفس و هو فوق استعمال الجسد فيما احب الله بلا شك و استعمال جميع المراتب فيما احب الله فوق استعمال بعض المراتب و هكذا فمراتب الدعاء مختلفة [ص 13] متدرجة علي نحو التشكيك في القوة و الضعف و اكمل الادعية الصلوة ذات الاركان لانها استعمال جميع المراتب و الاعضاء فيما احب الله علي اكمل وجه و استمداد منه بجميع المراتب و يمد الله المصلي في جميع مراتبه و لذلك صارت اقامتها اقامة الولاية و روي عن علي عليه السلام من اقام الصلوة فقد اقام ولايتي و اما الدعاء باللسان فهو دعاء ضعيف ناقص ببعض المراتب و الاعضاء فاذا دلالة الصلوة علي ذات الاركان و علي الدعاء باللسان علي نحو التشكيك و كذا دلالة الدعاء عليهما و ذلك لان الدعاء باللسان في ذات الاركان باطن موجود علي نحو الكمال و هي دعاء عام بجميع المراتب و الاعضاء و ذات الاركان باطن موجود في الدعاء باللسان و لكن علي نحو الخصوص يعني حقيقتهما واحدة الا انها ظهرت في ذات الاركان علي العموم و في الدعاء باللسان علي نحو الخصوص .

قال ايده الله : ان كانت الحقيقة المحمدية هي محل المشية فكيف يقال ان الامكان هو محل المشية و هل هما واحد ام لا .

اقول انا نطلق الامكان علي معنيين امكان فعل و امكان انفعال اما امكان الفعل فهو الامكان الراجح و هو امكان يعني يمكن ان يظهر بهذا و بهذا و بهذا لا انه يمكن ان يصير هذا و هذا بخلاف امكان الانفعال فانه يمكن ان يصير هكذا و هكذا و مثلهما كحركة يدك و المداد فحركة يدك يمكن ان يكتب بها الالف [ص 14] و الباء و الجيم و المداد يمكن ان يصير الفا و باء و جيما و هذا الامكان هو الامكان الجايز فالمداد امكان الحروف و الحروف فيه بالقوة و اذا صارت بالفعل صارت مكونة و ليست الحروف في الحركة بالقوة و لاتصلح الحركة للحروف و لاتخرج الحروف من قوتها الي الفعلية نعم يمكن ان تتعلق باحداث كل حرف فاذا لا تنافي بين الامكان و بين الحقيقة المحمدية اذا كانت صالحة للتجلي بكل الحوادث و مع ذلك هي في نفسها كون فهي ممكنة التجلي كائنة في نفسها و مقامها و اعلم ان كل شيء هو هو اذا كان مستجمعا لمحدوده و حده و ان فككتهما فليس هو هو و لايبقي اجزاؤه في رتبته مثلا ان الماء مركب من مادة و صورة بهما يكون ماء زمانيا و اما مادته فليست بزمانية و صورته ليست بزمانية فان الزمان يتحقق بتحقق تركيبهما فمادة الاجسام من الدهر و كذلك الدهر موجود مع تركيب الدهريات و اذا فككتها فلايبقي دهر فيحسب اجزاؤها من عالم السرمد يعني انت اذا فككت مادة العقل عن صورته فليس يبقي دهر و جبروت فان الدهر وقت العقل المركب و الجبروت رتبته و اما مادة العقل فليس من الدهر و الجبروت فهي من السرمد فالحقيقة المحمدية اي وجوده و فؤاده هي مادة العقل الكلي و اول الدهر العقل فانه عرش الدهر و ليس فوقه من الدهر شيء و مادة العقل ليس من الدهر و انما تضاف الي السرمد كما تضاف الطبيعة و الهباء الي عالم الغيب و تضاف مادة [ص 15] الجسم الزماني الي الدهر فالحقيقة المحمدية ليست من الدهر فهي من السرمد و قد تعلق بها المشية حيث خلقها و هي محلها و الوجود هو امكان العقل و مادونه من المراتب فانه المادة و كل مادة امكان انفعال لما يصنع منه فالمشية المتعلقة بها هي المشية الامكانية لان الحقيقة امكان عقل الكل و ما دونه من الكليات الي الجسم فهي اي الحقيقة لمراتب نفسها امكان انفعال و لساير الآثار امكان تجل و ظهور و علي اي حال لا تنافي بين القولين .

قال وفقه الله : ما الجمع بين قوله تعالي لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء و بين قوله كل شيء احصيناه في امام مبين .

اقول قوله تعالي لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء ليس المراد منه العلم الذاتي اذ هو بكله مجهول للخلق و الاستثناء المنقطع خلاف الفصاحة فهو العلم الامكاني بلا شك فما خرج من الامكان بمشيته سبحانه يحيطون به فانه اذا خرج فبهم خرج و اما ما لم‌يخرج فهو في عرصة عدم الكون اذا الامكان هو عدم الكون و ليس بخزانة اعيان الاكوان بل هو عدمها و ليس العدم بقابل لان يصير متعلق علم كائن انما تحد الادوات انفسها فلايحيطون بما في الامكان بوجه الا بما شاء الله كونه و صار كائنا و اما الله جل و عز فهو فوق الامكان و جميع ما يخرج من الامكان عنده كائن و يعلم كل شيء في حده و مقامه و ما سيكون عند الله موجود و عند الخلق معدوم و عند الله خارج عن الامكان و عند [ص 16] الخلق بعد في الامكان فالله الخارج عن حدود الامكان و الاكوان يعلم و غيره المحدود بحدود الاكوان لايعلم و اما قوله تعالي كل شيء احصيناه في امام مبين فالمراد بالشيء المشاء لقوله عليه السلام انما سمي الشيء شيئا لانه مشاء فكل شيء يعني كل مشاء و هو المراد الا بما شاء و اما تسمية الله ما في الامكان شيئا فانما هي بالنسبة اليه و ليس ما في الامكان بالنسبة الي الخلق شيئا قال الله سبحانه انا خلقناه من قبل و لم‌يك شيئا فالانسان في الامكان لم‌يك شيئا و الله يقول و كل شيء احصيناه في امام مبين و الاحصاء لايقع الا علي معدودات ممتازة و هي الكاينة و الامكان عدم و العدم لايعد و الامام في مقام البيان لايسمي بالامام حتي يصح ان يقال كل شيء احصيناه في امام و الآية علي عكس ما فسر نعم الامام يعرف الامكان علي الامكانية و الكون علي الكونية و معرفة الامكان علي الامكانية ليست علم احصاء و هو بمنزلة ان تعلم ان الله يعلم اكثر منك فلا اشكال في الآيتين و لا تناقض .

قال ايده الله : و ما معني كون الائمة عليهم السلام العلل الاربع .

اقول العلة و المعلول من الالفاظ المتضايفة فلا علة ما لايلحظ معلول معه و لا معلول ما لايلحظ علة معه و قد حققنا في علم الاشتقاق ان جميع المصاغات من عناصر متصاقعة البتة فجميع ما صيغ من عناصر الضاد و الراء و الباء كضرب و الضرب و الضارب [ص 17] و المضروب و غيرها كلها في صقع واحد اي صقع يوجد فيه الضاد و الراء و الباء كما تري انه لايمكن ان يوجد مركب من النار و الهواء و الماء و التراب في صقع لاتوجد فيه فاذا العلة و المعلول كلاهما في صقع يوجد فيه العين و اللام و الا فلا فليس ذات الحق جل و علا بعلة لشيء اذ لا معلول معه و لا عين و لا لام و الا لكان جميع المشتقات معه و اذا لخرج عن الاحدية و صار متكثرا حادثا فاذا ليس ذات الله بعلة لشيء مطلقا و لذا روي في الدعاء كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة فاذ لم‌يكن الذات علة فالعلة خلقه اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و اول خلقه حقيقتهم لانها خلقت بنفسها ثم خلقت الاشياء بها فحقيقتهم هي علة جميع المعلولات كما روي نحن سبب خلق الخلق ثم هل هي علة الاشياء بذاتها ام بظهورها بل بظهورها فانها لو كانت علة بذاتها لكان جميع المعلولات معها في رتبتها لما عرفت فهي علة للاشياء بظهوراتها و هي ظهوراتها فهما متصاقعان اما العلة الفاعلية فاعلم ان مرادنا بالفاعل في هذا المقام اسم الفاعل لا المراد من الفاعل فان المراد من الفاعل هو ذات الحق جل و علا من دون ملاحظة فعل معه كما روي له معني الخالقية اذ لا مخلوق و اما اسم الخالق فهو مشتق من الخلق بالاتفاق و الخلق هو المشتق من خلق علي الاصح كما هو مذهب الكوفيين الآخذين عن اميرالمؤمنين عليه السلام و الظاهر يطابق الباطن و المناسبة بين [ص 18] الالفاظ و المعاني ذاتية بالوضع فاسم الخالق في عرصة الخلق مع الخلق فان كان خاء و لام و قاف تولد منها المشتقات و الا فلا و هم عليهم السلام اسماؤ الله كما روي نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها فهم اسم الفاعل لله سبحانه و الله هو الفاعل لا شريك له و لا غرو ان يكونوا اسماء حادثة لله جل و عز و لا ضير و ان الله سبحانه يفعل ما يفعل باسمائه كما وردت به ادعية متضافرة و لو راجعتها لوجدتها بحيث لاتنكر من كثرتها و منها اسألك باسمك الذي تقول به للشيء كن فيكون بقدرتك يا الله و منها اسألك باسمك الذي خلقت به و احييت جميع خلقك بعد ان كانوا امواتا بذلك الاسم اذ قلت في كتابك كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون و هكذا باسمك الذي تميت به جميع خلقك و باسمك الذي تحيي به جميع خلقك للقيام بين يديك و باسمك الذي تحشر به جميع خلقك ، الي غير ذلك فالله جل و عز يفعل ما يفعل باسمائه و هم اسماؤه فالاسماء علة فاعلية اذ العلة المضافة الي المعلول المقترنة به هي الاسماء لا الذات و كمال التوحيد نفي الصفات و من وصفه فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه و من ثناه فقد جزاه و من جزاه فقد الحد فيه فان اردت المراد فالفاعل الحقيقي هو الله و هم الفاعل مجازا و ان اردت الاسم و الصفة فهم الفاعل حقيقة و الله جل و عز منفي عنه الصفات و اما العلة الغائية فهي هم فان الله جل و عز غني عما سواه لايتغير [ص 19] عما كان عليه و لايظهر بعد خفاء و لايخفي بعد ظهور و انما الغاية المعرفة لقوله تعالي ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و اول عبادة الله معرفته و كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و المعرفة مخلوقة لله سبحانه و هي بما عرف نفسه لخلقه و لم‌يعرف نفسه الا بهم لهم اولا و بهم لغيرهم ثانيا كما روي لولانا ماعرف الله و روي نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا فهم العلة الغائية علي ان معرفتهم معرفة الله و الجهل بهم جهل بالله و في زيارة الحسين عليه السلام من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و في الخبر ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي و في القدسي اشارة لاهل الاشارة اذ قوله فاحببت ان اعرف فالمعرفة هي الحبيب فخلقت الخلق لكي اعرف اي لاجل المعرف اي لاجل الحبيب فحاصل المعني كنت كنزا مخفيا فاحببت الحبيب فخلقت الخلق لاجل الحبيب و في الدعاء لا حبيب الا هو و اهله فاحبهم الله عز و جل فخلق الخلق لهم فهم العلة الغائية حقيقة و اما العلة المادية فهي هم فان الله جل و عز خلق جميع الخلق من نورهم كما تضافرت بذلك الاخبار و الكتب منها مملوة راجع تجد فاذا كان نورهم سلام الله عليهم مادة جميع الخلق قد خلقوا من نورهم و شعاعهم و من لاتدخل الا علي المادة كما تقول صغت الخاتم من فضة فهم العلة المادية صلوات الله عليهم بنورهم [ص 20] و ظهورهم و اما العلة الصورية فهي هم لان جميع الخلق من انوارهم و نور كل منير علي صفته كما ان نور الشمس علي مثال الشمس و نور القمر علي مثال القمر و نور السراج علي مثال السراج فنورهم علي حسب مثالهم فهم العلة الصورية و الكل علي صور شؤنهم و كمالاتهم و حكاة فضائلهم و رواة خصالهم و كمالاتهم تكوينا و الابرار علي صورة باطنهم اي الرحمة بمقتضي صبغه في رحمته و الفجار علي صورة ظاهرهم الذي من قبله العذاب و هي صبغ النقمة بحكم المقابلة فعلي اي حال هم العلة الصورية لجميع العالم تشريعا ايضا و لولا امره دام مجده ان اسلك سبيل التوسط لاطلقت عنان القلم قليلا و لكن امره العالي حملني علي الاختصار و ذكاوته اغنتني عن الاطناب هذا و انا اضع اشارة الي كثير من الحقايق في كلامي و ان حسب الناظر فيه اني اتكلم علي الظاهر و الاجمال هذا و يمنعني كثيرا من البسط اني كاتب في اغلب ما يأتيني من المسائل من الاطراف كتابا مستقلا او علي نحو البسط في كتاب آخر و كثرة المشاغل و الهموم ايضا تمنعني عن البسط و التكرار ثانيا بل و ثالثا و رابعا .

قال ايده الله : ربما ينسب الكتابة الي زيد و ربما ينسب الي القلم فايهما حقيقة و ايهما مجاز .

اقول قد اشرنا الي هذه المسئلة في المسئلة السابقة . اما نسبة الكتابة الي الذات فلاجل انها غيبت الصفات و هي اظهر في [ص 21] ظهورها من ظهورها و هي اوجد منها في امكنتها و اولي بها منها فالنسبة الي الذات حقيقة لا مجاز و ليس لكم الذكر و له الانثي تلك اذا قسمة ضيزي و اما نسبة الكتابة الي اليد او القلم فلا شك انها ايضا علي الحقيقة اذ هي المباشرة و هي مرئية ظاهرة و لاينكر كتابتها و لايصح السلب عنها اللهم الا مع ملاحظة الشعور و العمد فحينئذ يكون النسبة اليهما مجازا و مع عدم الملاحظة و ارادة صرف العمل فحقيقة البتة كما اذا القي زيد نارا في بيت عمرو فيقال زيد احرق بيت عمرو حقيقة و النار احرقت حقيقة لا شك في ذلك و لا ارتياب اذ علائم الحقيقة بكلها موجودة و النسبة صحيحة شرعا و عرفا و النسبة واقعة في الكتاب و السنة و كلام الفصحاء و الاصل في الاستعمال الحقيقة .

قال ايده الله : ان الشيخ اعلي الله مقامه قال في شرح الزيارة ان طاعة الاشياء للائمة عليهم السلام شرط تكونها و رد عليه راد بانه لو صح ذلك لم‌تجد المخالف لهم بالضرورة لان المشروط عند عدم شرطه مفقود .

اقول لقد حن قدح ليس منها و تكلم في البيت من ليس من اهله اعلم ان لهم في البرزخية و الوساطة مقامين وساطة كونية و وساطة شرعية اما الوساطة الكونية فهي مقام الاسم الذي به قال الله عز و جل للشيء كن فيكون فلم‌يأمروا هنالك الا بالكون و اجابهم و اطاعهم في ذلك المقام جميع ما دخل عرصة الكون [ص 22] و اخذ الله علي جميع القوابل الامكانية الميثاق بطاعتهم و الانقياد لامرهم فلم‌يعصهم عاص يسبح الله باسمائه جميع خلقه سبحان من دانت له السموات و الارض بالعبودية و اقرت له بالوحدانية و شهدت له بالربوبية كل قد علم صلوته و تسبيحه و المبلغون عن الله اليهم هم الوسايط المكرمون صلوات الله عليهم و هو قوله طأطأ كل شريف لشرفكم الخ ، مع ان اعداءهم في الظاهر استعلوا عليهم و قتلوهم بالبداهة فليكذب الراد امامه اولا ثم ليثن بالشيخ الاجل و اما الوساطة الشرعية فهي في مقام الامامة و قد اخذ الله ميثاقهم علي جميع الخلق فمنهم من آمن و منهم من كفر الاتري ان جميع الاشياء بمشية الله دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة و انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و ان من شيء الا يسبح بحمده و مع ذلك يكفر الكفار به جهرة و يعصيه العصاة علانية و لا تنافي فكذلك الامر في الوساطة .

قال ايده الله : و ما الذر الاول و الذر الثاني .

اقول ليس المراد بالذر النمل الصغار و انما المراد حقارة الخلق عند جلال عظمته و كبريائه في الدعاء ما انا و ما خطري انا مثل الذرة بل اقل و عالم الذر هو عالم تمايز فيه الاشخاص الجزئية لاخذ الميثاق و اول التمايز عالم النفوس فان الخلق هناك تمايزوا و اخذ عليهم الميثاق و منهم من آمن و منهم من كفر [ص 23] ثم اماتهم الله و كسرهم و دفنهم في ارض الطبايع ثم اخذ منها حصصا و صورها بصور الاظلة في عالم المثال و هو الذر الثاني فاخذ عليهم الميثاق ثم اماتهم و كسرهم و دفنهم في طبايع الزمان ثم اخذ منها حصصا و صورها بالصور الزمانية و اخذ عليهم الميثاق فمنهم من آمن و منهم من كفر و هو الذر الثالث و له اعتبارات اخر و يمكن عد بعض العوالم الاخر في عوالم الذر و لكن بوجوه اخر يحتاج الي بسط و في كل هذه العوالم الخلق عند سطوع نور عظمته و جلال كبريائه كالذر في الحقارة و لك ان تريد بالذر الهباء فالخلق يخلقون اولا اهبية كونية ثم يؤخذ عليهم الميثاق الشرعي فيمثلون اما بصور الطاعة و اما بصور المعصية و لكل وجه وجيه .

قال ايده الله : ما المراد بالحقيقة بعد الحقيقة .

اقول اعلم انهم قسموا كلا من الوضع و الموضوع علي قسمين و مرادهم بالوضع نظر الواضع و ملاحظته فقالوا ان كلا منهما اما عام و اما خاص فهما يحصران في اربعة اقسام الوضع العام مع الموضوع له العام فهو كالرجل فان الواضع نظر الي معني عام و وضع عليه لفظا و الوضع الخاص مع الموضوع له الخاص فهو كزيد فان الواضع نظر الي معني خاص و وضع له لفظا و هذان مما لا خلاف فيه و اما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقالوا انه كالضماير و الاشارات فان الواضع لاحظ معني عاما مثلا الحاضر عند المخاطب ثم وضع اللفظ علي كل فرد فرد و انما حملهم علي ذلك ان الانسان [ص 24] المتناهي ذاتا و ادراكا لايقدر علي ملاحظة غير المتناهي و استحضاره و افراد المخاطبين غير متناهية فلايمكن ملاحظتها للواضع فيلاحظ معني عاما و هو الحاضرية عند المخاطب فيضع لفظا لكل مخاطب مخاطب فلاجل ذلك تقول انت لكل فرد فرد من المخاطبين الحاضرين عندك و نحن اذا قلنا بان الواضع هو الله سبحانه و هو فوق ما لايتناهي بما لايتناهي فلايعجز عن ملاحظة الافراد غير المتناهية فيلاحظها و يضع لكل فرد لفظا فهو من باب الوضع الخاص و الموضوع له الخاص ايضا فلايعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات و لا في الارض و اما الوضع الخاص و الموضوع له العام فذلك قالوا مما لايكون اذ لا حاجة اليه و هذا عندنا كائن و هو علم صعب لايتحمله كل احد و لايعرفه كل عالم و لذلك انكروه و ذلك كاحد مثلا فان الواضع جل و علا نظر الي معني الاحد و هو معني خاص فوضع لفظ الاحد و وقع علي جميع الاعداد غير المتناهية فانه اذا كان في الدار واحد و قلت في الدار احد صدقت و كذا اذا كان اثنان او ثلثة او ازيد الي ما لا نهاية له و لا شك ان ذلك ليس من باب الوضع الخاص و الموضع له الخاص فان حقيقة الاحد معني واحد و الاعداد معان ممتازة متباينة يعرف ذلك كل احد و ليس اطلاق احد علي الاعداد كاطلاق لفظ زيد علي الشخص المعين او اشخاص معينين فان شخصية الواحدين اسمها اثنان و شخصية ثلثة آحاد اسمها ثلثة و الاثنان غير الثلثة و يطلق [ص 25] عليهما معا الاحد مع ان المفهوم من الاحد امر وحداني و لوحظ في كل الاعداد ذلك الامر الوحداني فليس من باب الاشتراك اللفظي ايضا البتة و ليس من باب الوضع العام و الموضوع له العام لشخصية معني الاحد فليس اطلاقه عليها من باب الاشتراك المعنوي و ليس ايضا من باب الوضع العام و الموضوع له الخاص بالبداهة لشخصية معناه و ليس من باب الحقيقة و المجاز لانه في الكل علي الحقيقة و ليس من باب النقل و الغلبة و ساير الوجوه التي يذكرونها في اقسام الالفاظ فهو من باب الوضع الخاص و الموضوع له العام فان معني الاحد شخصي قد لحظه الواضع و وضع اللفظ فوقع علي جميع الاعداد لان ذلك المعني الشخصي اوجد من الاعداد في مكانها و اولي بها منها و مثل ذلك اطلاق الشمس علي القرص السماوي و علي النور الواقع علي الارض فان الشارع قد لاحظ القرص فوضع عليه الشمس فوقع علي نورها و نور نورها و نور نور نورها الي ما شاء الله و ليس ذلك من باب الاشتراك المعنوي اذ لا جامع و اللفظي لملاحظة الاول في الباقي و لا الحقيقة و المجاز لتبادر في الكل و لا الغلبة لعدم هجر الاول و لا النقل لعدم ترك الاول و عدم الحاجة الي القرينة في الاول و الآخر فليس ذلك الا من باب الوضع الخاص و الموضوع له العام و هذا الذي انكروه موجود بل لا لفظ الا هكذا فان المعني ان كان خيرا فآل‌محمد عليهم السلام اصله ان ذكر الخير كنتم اوله [ص 26] و اصله و فرعه و ان كان شرا فاعداؤهم اصله و لفظ ذلك الخير يقع علي المبدء و عليه فلوحظ المبدء و وضع له اللفظ و وقع علي مسمي بذلك الاسم و لفظ ذلك الشر ايضا كذلك بالنسبة الي مبدئه و فروعه فلا لفظ الا و يستعمل من باب الوضع الخاص و الموضوع له العام و هذا هو الحقيقة بعد الحقيقة اي يستعمل لفظ الشمس علي القرص السماوي علي الحقيقة اولا ثم يستعمل علي النور الواقع علي الارض ثانيا علي الحقيقة و هكذا علي كل نور بعد نور علي الحقيقة بعد الحقيقة و ليس استعماله عليها من باب ساير الالفاظ كما اشرنا اليه علي نهج الاختصار كما امرتم و قد كتبنا ذلك في غير موضع من رسائلنا و حرموا عن ذلك مع انه باب يفتح منه الف باب من العلم .