و اما علة وضع كل شئ في العرض في محله و حده كوقوع زيد في السنة المعلومة و عدم وقوعه قبلها و بعدها فاعلم ان الله سبحانه هو القادر الذي لايعجزه شئ و العادل الذي لا جور في حكمه و السلطان الذي لا راد لقضائه و لا مانع من امره و الغني الذي لا افتقار له الي شئ و الازل الذي لا تغير له و لا تبدل و الاحد الذي ليس فيه اقتضاء لشئ و انتساب الي شئ و ارتباط بشئ و ليس فيه حيث و حيث و جهة و جهة و اعتبار و اعتبار و لايجري عليه البداوات و لايستفزه الميولات و لايستخفه الشهوات فهو احد ازل غني عادل عالم حكيم جواد يجيب اذا سئل و يعطي اذا طلب علي حسب طلب الطالب و سؤال السائل قد استوي علي عرش الرحمة الواسعة ليس شئ اقرب اليه من شئ جل عن المباشرة و عن المساورة و تعالي عن معاناة الاشياء و تقدس عن [ص 30] مقارنته بالامور فابي ان يجري الاشياء الا بالاسباب و الاسباب الا بالاقتضاء و الاقتضاء من نفس الاشياء في حدها عند خلقها حال ايجادها لا قبلها و لا بعدها فلما سأل كل شئ بلسان حده في الحد الذي هو فيه عند الحد الذي هو فيه ان يجعله اياه حكم له به بامره و حكمه المستعلي علي الخلق علي حسب استعداد خلقه المقترن بالايجاد عند الايجاد فوضع كل شئ في حده و محله و كل شئ هو هو اذا كان علي ما هو عليه فان لم‌يكن هو علي ما هو عليه فلم‌يكن هو هو و كان غيره و لايكون علي ما هو عليه الا ان يكون في كم و كيف و جهة و رتبة و وقت هو فيها هو و هو بها هو و هذه الحدود بالتعين الخاص الذي به كان ذلك الشئ هو هو ليس في تمام الملك الا في شئ واحد و ليس الا مقام خاص معين من الملك فكيف يجوز تقدم الشئ عن حده هذا مع ان تمام الملك مرتبط بعضه ببعض لو تغير جزء واحد منه تغير الكل مثلا وقوعك في هذه السنة الخاصة و انت انت علي كمك و كيفك و جهتك و رتبتك و مكانك ليس يحصل الا في هذه السنة و هذه الحالة التي انت فيها و هذه السنة ليس يمكن ان تكون غيرها و هذه الحمرة و الصفرة و اللون الذي انت عليه و هذه الكيفية الخاصة التي انت عليها و هذه الكمية الخاصة و الجهة الخاصة و الرتبة الخاصة التي انت عليها ليس يحصل الا في هذا الجزء الذي انت فيه فان قصر اجلك مثلا سببه دورة القمر فلايكون [ص 31] الا في دورة القمر و دورة القمر لاتكون الا بعد دورات الكواكب السابقة عليه و لو تقدمت عليها لجرت علي خلاف الاقتضاء و الحكمة التي يجب ان يكون فعل الله عليه و جعل خلاف الحكمة الحكمة خلاف الغني المطلق و الحكمة فوجب ان يكون قصر عمرك في دورة القمر فتعينت الدورة و يجب ان يكون بياض لونك في الاقاليم الباردة الشمالية لان البرد سبب بياض اللون و جعل الحر سبب بياض اللون خلاف الحكمة و اعتدال طبعك من مقتضيات الاقليم الثالث و الرابع فلايكون في غيرها و اخلاقك المعينة من مقتضيات البرج المربي لبلدة يزد و الكوكب المربي لها فلايكون في غيره و كونك من العناصر السفلية لايحصل في الافلاك و ضعف بنيتك من مقتضيات اواخر دورة القمر لا اوائلها و بعض خصوصيات بنيتك من مقتضيات سنة من دورة القمر يكون طالعها برج كذا و كوكب كذا و درجة كذا و الكواكب في بروج كذا و درجات كذا و السهام في بروج كذا و درجات كذا فجميع الخصوصيات المقتضية لجميع ما انت عليه ليس في عالم الملك الا في موضع واحد و جزء واحد من الزمان فلو جعلت في غير هذا الجزء لكنت بلا اقتضاء من الاسباب و العلل و جريت علي خلاف الحكمة و خلاف الحكمة من الغني محال و قد عرفت ان كل الزمان لايمكن فيه التقدم و التأخر حتي يقع كل هذه الخصوصيات في موضع خصوصيات اخر لانه ليس ورائه مكان ممهد و لا زمان ممتد يصح [ص 32] التقدم فيه و التأخر عنه و الزمان و المكان مساوقان مع الملك فمكانه تلك القبضة الامكانية التي حلت الصورة الملكية عليها و زمانه امتداد تركيبه و كل ذلك مع الملك و ليس وراء الملك مكان و لا زمان و قد عرفت ذلك مفصلا فتقدم الكل و تأخره غير معقول و تقدم البعض و تأخره خلاف الحكمة فلايجوز تقدم وجودك الذي هو من مقضيات اسباب خاصة ليس في جزء خاص من الزمان فوجب في الحكمة ان تقع في مكان خاص و زمان خاص و جهة خاصة و رتبة خاصة و كم خاص و كيف خاص انت بها انت و لولاها لم‌تكن انت انت و كل شئ من اجزاء العالم سبب شئ و مسبب شئ و دليل شئ و مدلول شئ و علة شئ و معلول شئ و مقتضي شئ بالكسر و مقتضي شئ و حاصل من شئ و محصول شئ و يخرج من شئ و يخرج منه شئ و يلد شيئا و يولد من شئ و يوجد بشئ و يوجد منه شئ و علي شئ و عليه شئ و قبل شئ و بعد شئ و صفة شئ و موصوف شئ و اثر شئ و مؤثر شئ و فاعل شئ و مفعول شئ و ظاهر شئ و باطن شئ و عرض شئ و معروض شئ و هكذا و ليس شئ هو هو الا ان يكون علي ما هو عليه و لايكون علي ما هو عليه الا باسبابه و دلائله و علله و مقتضياته و محصله و مخرجه و والده و هكذا و هكذا كل جزء جزء فاذا وسعت صدرك و اجلت فكرك عرفت انه ليس يمكن ان يكون الخلق الا هكذا و لايكون الخلق علي نظم الحكمة الا ان يكون في [ص 33] الظهور الناقص قبل التمام و الصغر قبل الكبر و الحاصل قبل المحصول و الفاعل قبل المفعول و هكذا و اجر ما ذكرنا في كل شئ شئ و انظر الي ما يحتاج فيما هو عليه اليه و تصور تقدمه عليه و هكذا تدبر في تلك الاسباب و ما تحتاج في ما هي عليه اليه و تصور تقدمه عليه و هكذا حتي تجد كل شئ في موضعه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين حتي تتثبت ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير .

و اما قولكم في السؤال مع انه غير محتاج الي تحصيل الاسباب الخ ، فاعلم وفقك الله تعالي ان الاسباب ليس لحاجته سبحانه اليها لانه كامل لا نقص فيه و قادر لا عجز له و لكن الخلق يحتاجون في انفعالهم الي الاسباب و لايطيقون تلقي الامر من الله سبحانه من دون سبب و لو لم‌يكن السبب لفني المسبَب و لاحرق سبحات وجه المسبب بالكسر ما انتهي اليه بصره من المسبب بالفتح فالسبب لاجل تمكين الموجَد لا الموجد بالكسر و لو جعل الموجَد بالفتح بحيث يتحمل نور الموجِد و يتلقي امره لم‌يكن الموجَد ذلك الموجَد و انما كان غيره و خلاف الحكمة ليس يكون موافق الحكمة و الغني الحكيم لايجعل خلاف الحكمة الحكمة لانه ليس بحكمة و لا حاجة اليه و هو عبث الاتري ان نور الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي و انت لاتتحمل ضوء الشمس و حره فكيف لك بضوء الكرسي و اما الشمس فتتحمله و لاتتحمل نور العرش لان [ص 34] الكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش و لكن الكرسي يتحمل نور العرش فلو جعلت الشمس بحيث تتحمل نور العرش لكانت بقوة الكرسي و صفائه و لطافته فكانت بضوئه و قوته و احرق الارض باشراقه لان الارض لاتطيق نور الكرسي فكانت الشمس اذا كرسيا لا شمسا علي ما هي الآن عليه فان هذه البنية لاتطيق ازيد من نور الكرسي فالعرش ليس بمحتاج الي الكرسي في الاشراق و انما المحتاج الي وساطة الكرسي الشمس اذ لولاه لانعدم و احترق جرمه و ليس الكرسي محتاجا الي الشمس في الاشراق و انما المحتاج الي الشمس الارض فلولا الشمس و اشرقت الكرسي علي الارض من غير واسطة لانعدمت و احترقت الارض و مابقيت و ليس الخالق كالمخلوق و الفاعل كالمفعول و سبب هذا السؤال انك قست الله سبحانه بنجار يحتاج في قطعه الخشب بالمنشار و في ثقبه اياه بالمثقب فالنجار محتاج الي الاسباب في فعله و ذلك لان ما يطلب حدوثه في الخشب ليس من خلقه و اثره و انما هو بتكميله و لو كان اثره لعدم بموته و هو يموت و ما حدث في الخشب باق فمثل هذا يحتاج الي اسباب فتصورت الله كالنجار و علمت بالفطرة انه لايحتاج الي الاسباب فتحيرت ان النجار الذي لايحتاج في القطع الي منشار لم لايقطع الي ان يؤتي بالمنشار و اذا كان لايحتاج في الثقب الي مثقب لم لايثقب حتي يؤتي بالمثقب فسألت و اذا تركت التصور لله سبحانه و لم‌تصوره [ص 35] كما قال علي عليه السلام في جواب من سأله عن التوحيد التوحيد الاتتوهمه و قال كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، و علمت غناه المطلق ثم نظرت الي اصناف خلقه و عرفت اختلافهم في القوة و الضعف في جميع ما لهم و بهم و فيهم و منهم و اليهم و تدبرت في فعل الغني انه لا حاجة له الي شئ فيجعل كل شئ علي ما يقتضيه علمت ان الخلق يحتاجون الي الاسباب فالضعفاء منهم في كل مقام يحتاجون الي توسط الاقوياء في الاستمداد من بارئهم و لايوجدون الا بوساطة تلك الاسباب فاذا كان المخلوق يحتاج الي الاسباب يتأخر ايجاده الي حدوث اسبابه حتي يوجد و ليس في تأخر ايجاده ينتظر الله حلول وقت ايجاده فان كل شئ عند الله موجود في حده و محله كما عرفت و انما تمر انت علي شئ بعد شئ و تلتفت الي شئ بعد شئ كالذر الذي يمشي علي ثوب مقلم و انت ناظر من فوقه علي كل الثوب فتري جميع القلمات بمحضر واحد و هو لايري الا القلم الذي هو فيه و يزعم حدوث قلم بعد قلم و ينتظر حدوث قلم بعد قلم و ذلك مثلك في السير في مقلمات الليالي و الايام و جميعها حاضر عند الله سبحانه موجود لديه لاينتظر حدوث شئ منها فوضع كل شئ في وقته و مكانه بوضع واحد و عرصة العالم هو اللوح الذي كتب الله بقلم الابداع فعن ابي‌عبدالله عليه السلام ان الله سبحانه بعد ما [ص 36] خلق القلم قال للقلم اكتب قال يا رب و ما اكتب قال اكتب ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة فكتب القلم في رق اشد بياضا من الفضة و اصفي من الياقوت ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم علي فم القلم فلم‌ينطق بعد و لاينطق ابدا فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها الخبر ، و في حديث آخر فهو بين يديه موضوع ما شاء منه زاد و ما شاء نقص منه و ما شاء كان و ما شاء لايكون الخبر ، فهو سبحانه لاينتظر حدوث شئ بعد شئ بل ماكان ينتظر احداث الملك قبل احداثه ابدا فانه لم‌يكن في وقت كما مر فالتأخرات المشهودة ليست بالنسبة الي الله سبحانه و ليس الله سبحانه اخر الايجاد او قدم و انما خلق الخلق دفعة و وضع كل شئ في حده و محله علي ما اقتضت انيته .

و اما قولكم ان شأن الفياض علي الاطلاق هو الافاضة في كل عالم بتمامه الخ ، فاعلم ان الله سبحانه فياض بلا شك الا انه يفيض علي كل شئ بحسب اقتضاه و قابليته لا بحسب ذاته سبحانه فانه هو المستوي علي عرش الايجاد و ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و هو نسبته مع كل شئ علي السواء فقربه الي محمد صلي الله عليه و آله و الي الشيطان علي حد سواء الا ان محمدا صلي الله عليه و آله هو اصفي و احكي لانوار الله سبحانه و مثلهما مثل المرآة و الطابوقة في الشمس فنسبة الشمس اليهما علي حد سواء و لكن المرآة تحكي انوار الشمس و الطابوقة لاتحكي و المرآة اقرب الي [ص 37] الشمس و انسب اليها و ذلك قوله عليه السلام في الدعاء انت لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك ، فهو سبحانه اذا صار نسبته مع كل شئ علي السواء يكون افاضته ايضا علي حد سواء كاشراق الشمس فانها تشرق علي الارض الطيبة و علي السبخة علي حد سواء و لكن الاشياء في استفاضاتها تختلف فمنها ما تنفعل بذلك الفيض اولا و منها ما تنفعل ثانيا و منها ثالثا و هكذا مثال ذلك اذا استولت نار علي اجمة علي حد سواء فيحترق ما كان من القصبات يابسا اولا ثم يجف الذي له قليل رطوبة في اوقات احتراق الاول فاذا احترق الاول بلغ الثاني جفافه و يبسه حد الاحتراق فيحترق و يجف الثالث و ييبس في اوقات احتراق الاول و الثاني حتي اذا احترق الثاني بعد الاول بلغ يبسه مبلغ صلوح الاحتراق و هكذا و النار المستولية واحدة و نسبتها الي جميع الاجمة علي حد سواء و لكن القوابل تختلف في سرعة الاجابة و بطئها بحسب اليبوسة المستعدة و الرطوبة المانعة و كذلك ان الله سبحانه اشرق بنور كلمته التي انزجر لها العمق الاكبر فاضاء به جميع عرصة الامكان فاستضاء به اولا ما لم‌يكن لوجوده شرط و لا سبب آخر غير فاعله فلبي قبل كل شئ فانه لم‌يتوقف الا علي الداعي و الداعي قد دعا فاجاب و استضاء و تأخر عنه بدرجة ما كان وجوده مشروطا بالداعي و المخلوق الاول الذي هو العقل ثم تأخر عنه بدرجة ما كان [ص 38] وجوده مشروطا بالعقل و الروح مثلا و هكذا و الحكمة في ذلك لمن القي السمع و هو شهيد ان الله سبحانه احد قائم بنفسه غني عن غيره و خلقه مختلف المراتب لتكثره فما كان منه قريبا من المبدء كان اغني بربه و ما كان منه بعيدا كان افقر الي غيره فالمخلوق الاول اغني المخلوقات بربه عن غيره فلايقف وجوده علي غير بارئه و كل ما يتنزل الخلق يشتد فيه الفقر و الحاجة الي الشروط و الاسباب و العلل و المكملات و المتممات فلايلبي دعوة الداعي الا بعد حصول تلك الاسباب انظر الي كتابتك انها بحركة يدك و حركة يدك موجودة لاتنقص عن حرف و لاتعجز عن كتب شئ و لكنك اذا وضعت قلمك علي الصحيفة يرتسم النقطة لانها لاتتوقف علي تقدم شئ من الحروف فاول ما يلبي هو النقطة و اما الالف فلاتلبي الا بعد النقطة فان وجودها تتوقف علي احداث نقطة فنقطة فنقطة متصلة بعضها الي البعض و الباء لاتقبل الوجود الا بعد حدوث النقطة و جريان تلك النقطة الي الالف و انبساطها و الجيم لاتوجد الا بعد النقطة و الالف المائلة و الالف المنبسطة و هكذا ساير الحروف و الكلمة لاتوجد الا بعد ايجاد الحروف و الآية لاتوجد الا بعد انوجاد الكلمات و السورة لاتوجد الا بعد انوجاد الآيات و الكتاب لايوجد الا بعد انوجاد السور فكل شئ لا بد في وجوده من شروط و قيود لا بد و ان يوجد بعد حصول اسبابها و شروطها فالكتاب ليس الا مجمع السور [ص 39] فوجوده فرع وجود السور و السورة ليست الا مجمع الآيات فوجودها فرع وجود الآيات و الآية ليست الا مجمع الكلمات فوجودها فرع وجود الكلمات و الكلمة ليست الا مجمع الحروف فوجودها فرع وجود الحروف و الحروف ليست الا الحاصل من النقاط فوجودها فرع وجود النقاط و النقطة غير متوقفة علي حرف و انما هي فرع حركة اليد فلاتكون الا بعد حركة اليد فهذا آية ما يمكن في الامكان من الاكوان فكل ما يمكن في الامكان لو كان غير متوقف علي شئ آخر لكان امرا واحدا و هو العقل اذ هو الذي لايتوقف علي كون آخر الا علي امر الله سبحانه و لو كان متكثر لكان مختلفا و اذا صار مختلفا لاختلف مراتبه باختلاف التوقف علي العلل و الاسباب فتأخر متأخر و تقدم متقدم و وقع الدعوة علي الكل علي نهج واحد و منهم من تقدم في الاجابة و منهم من تأخر في الاجابة و المتقدم الغير المتوقف علي شئ يسمع الدعوة و يري اشارة الداعي لقوة حسه فيجيب و المتأخر المتوقف علي سابق لايسمع الدعوة الا من لسان السابق و لايري اشارة الداعي الا من كم الفرط فمتي ما سمع اجاب الاتري انه لو كان رجل بقربك و رجل ابعد بمقدار غلوة سهم و رجل آخر علي رأس ميل فاذا دعوت و ناديت يسمع الذي بقرب منك اول و يجيب ثم يتخطاه الدعوة حتي يصل الي الذي علي غلوة سهم فيجيب ثم تتخطاه حتي يصل الي الذي علي رأس ميل مجملا يجيب من يسمع متي [ص 40] ما سمع و يحترق من يحس بالاحراق عند ما يحس و ذلك لاختلاف مراتب الممكنات و لو كان كلهم يسمعون الصيحة لكان آذانهم علي حد واحد و لكانوا اذاً واحدا و عند ذلك كان الفيض محدودا منقطعا غير جار الي ما لا نهاية له من مراتب الامكان قال الله سبحانه انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان الله سبحانه ملأ فيضه جميع اطباق الوجود طولا و عرضا فلايخلو منه مكان الا انه تجلي فيضه في كل مكان علي حسبه كما بينا و ليس فضاء آخر لايكون فيه الامكان و لم‌يبق في عالم الامكان فضاء لايكون فيه كون و ليس الا الله و خلقه و في خلقه ليس الا امر و خلقه و في خلقه هذا ليس الا الجبروت و الملكوت و الملك و تمام الجبروت مشحون بالجبروتيات و تمام الملكوت مشحون بالملكوتيات و تمام الملك مشحون بالملكيات و قد ملأ اطباق كل عالم من العوالم الثلثة من جزئياته و وضع كل جزئي جزئي بعد علله و اسبابه و شروطه و ما به قوامه و ثباته و وضع كل جزئي جزئي في كمه و كيفه و جهته و رتبته و وقته و محله و وضعه و اجله الذي هو به هو و لولا واحد منها لم‌يكن هو هو فلو قدم شئ منها عن حده او اخر لم‌يكن هو هو فان الخلق مرتبط بعضه ببعض و تقدم ما لايحتاج و لايتوقف الي المتأخر و تأخر ما يحتاج الي المتقدم فافهم راشدا موفقا فان التدبر في هذه المسئلة و فهمها يحتاج الي صدر [ص 41] واسع يسع الآيات البينات كما قال سبحانه بل هي آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و مايجحد بآياتنا الا الظالمون احفظ حدود ما بينت لك فقد جمعت لك كل شئ تريد و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال سلمه الله : السؤال الثاني - و كأنه من تتمة السؤال الاول - ما معني قوله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري او اول ما خلق الله العقل ما هذا الاول و ما المراد منه و كم مضي منه و ما كان قبله في عالم الامكان او لم‌يكن قبله شئ .

اقول اعلم ان هذه الاولية ليست باولية زمانية بل هي اولية رتبية يعني كان مقام محمد صلي الله عليه و آله قبل كل شئ بحيث لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع فخلقه الله قبل ان يكون سماء مبنية و لا ارض مدحية و قبل الغيب و الشهادة و الدنيا و الآخرة و قبل العوالم كلها لم‌يكن معه احد و هو الآن واحد فرد في مقامه ليس معه احد يسبح الله و يقدسه و يهلله و يكبره و لا حاس و لا محسوس غيره ثم خلق الله الخلق بعده صلي الله عليه و آله في الرتبة و لم‌يصاقعه ما سواه بعد ما خلق و لم‌يكن في رتبته و كان تحته في الرتبة بما شاء الله .

و اما قولك كم مضي منه فعن محمد بن سنان قال كنت عند ابي‌جعفر الثاني عليه السلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال ان الله لم‌يزل فردا متفردا في وحدانيته ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة [ص 42] فمكثوا الف الف دهر ثم خلق الاشياء و اشهدهم خلقها و اجري عليها طاعتهم و جعل فيهم منه ما شاء و فوض امر الاشياء اليهم منهم قائمون مقامه يحللون ما شاؤا و يحرمون ما شاؤا و لايفعلون الا ما شاء الله فهذه الديانة التي من تقدمها غرق و من تأخر عنها محق خذها يا محمد فانها من مخزون العلم و مكنونه انتهي ، و قد عرفت مما سبق ان كل دهر مائة الف سنة كل سنة مائة الف شهر كل شهر مائة الف اسبوع كل اسبوع مائة الف يوم كل يوم مائة الف ساعة كل ساعة مائة الف دقيقة كل دقيقة منها يساوي مائة الف سنة من سني الدنيا فهم عليهم السلام مكثوا متوحدين الف الف دهر و لا حاس و لا محسوس ثم خلق الله سبحانه العوالم و هي الف الف عالم كما روي عن ابي‌حمزة الثمالي قال سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول ان الله خلق محمدا و عليا و الطيبين من نور عظمته و اقامهم اشباحا قبل المخلوقات ثم قال اتظن ان الله لم‌يخلق خلقا سواكم بلي والله لقد خلق الله الف الف آدم و الف الف عالم و انت والله في آخر تلك العوالم انتهي ، و هذه العوالم الالف الالف كلها تحت رتبتهم عليهم السلام و هم قد خلقوا قبل جميعها بالف الف دهر علي ما بينا و هذا التحديد تحديد الطول في العرض للتفهيم و التفهم و الاشارة الي المراتب و الا فلو صار الرتبة الدنيا كلها لوحا مسطحا بسمائها و ارضها و برها و بحرها و جعل بحار سماواتها و ارضها [ص 43] مدادا و جميع اشجارها اقلاما و كتب بتلك الاقلام من ذلك المداد في تلك اللوحة الوف سنين تقدم العليا علي الدنيا ماوفي بها قال الله سبحان قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و ذلك لان الداني كائنا ما كان بالغا ما بلغ ظهور العالي و الظهور لايحكي من العالي الا بقدر ما ظهر له به و لم‌يتجل العالي في الداني الا من حيث ظهوره للداني في رتبة الداني و له شئون و اطوار ذاتية لايمكن ظهورها في رتبة الداني و لنعم ما قال ابن‌الازري :

ما عسي ان اقول في ذي معال علة الدهر كله احديها

فاياك ان تسأل تعنتا و تجربة و عما لايعنيك و عما لم‌تحط به علما و ما روي في الاخبار عن الائمة الاطهار سلام الله عليهم غير هذا المقدار من المقادير فذلك لاختلاف المقامات و اختلاف الملاحظات كما روي عن احمد بن حنبل عن رسول الله صلي الله عليه و آله كنت انا و علي نورا بين يدي الرحمن قبل ان يخلق عرشه باربعة‌عشر الف عام ، و من طرقنا عن جابر عن الباقر عليه السلام ايضا هذا المقدار و كذا عن غيره عن غيره عليهم السلام و عن ابن‌عباس قال كنا عند رسول الله صلي الله عليه و آله فاقبل علي بن ابي‌طالب فقال له النبي صلي الله عليه و آله مرحبا بمن خلقه الله قبل ابيه باربعين الف سنة الخبر ، و عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عن اميرالمؤمنين [ص 44] عليه السلام قال ان الله خلق نور محمد صلي الله عليه و آله قبل خلق المخلوقات كلها باربعمائة الف سنة و اربعة و عشرين الف سنة و من الاختصاص عنهم عليهم السلام ان الله خلقنا قبل الخلق بالفي الف عام الخبر ، فهذه المقادير اختلفت بحسب اختلاف مراتبهم و تنزلاتهم في العوالم فكل مقدار اقل من رتبة ادني و كل مقدار اكثر من رتبة اعلي او هي من باب عد المقدار الواحد بتعبيرات مختلفة بحسب التقاسيم و الكسور فتقول مرة اربعون و مرة عشرون لانه عشرون اثنان و مرة تقول عشرة لانه عشر اربعات و مرة تقول ثمانية لانه ثمان خمسات و مرة تقول خمسة لانه خمس ثمانيات و مرة تقول اربعة لانه اربع عشرات و مرة تقول اثنان لانه عشرونان و مرة تقول واحد فانه اربعون واحد و ليس باربعينين فاختلاف المقادير بحسب اختلاف الانظار و ليس انه لايمكن استخراج وجوه كل واحد من هذه المقادير بل يمكن باتم وجه الا انك سألت عما لايعنيك و انا في شغل كثير و هم جليل ليس لي فرصة و لو تمكن الملاقات لاخبرتك بوجه استخراجها حتي تعرف كيفيته و التوجه الي الجواب عما يعنيك اولي فللدهر عوائق غائلة .

قال ايده الله : الثالث - لايخفي ان الغرض الاصلي من هذا الايجاد هو الافاضة و الجود فما معني الخلود في النار دائما فان كان لتشفي قلوب اوليائه فقد يحصل باقل من ذلك كالف [ص 45] سنة مثلا او اعدام الكافر بالكلية فان قلنا بعذب العذاب كما في سمندر فهو خلاف الكتاب و السنة و اجماع الشيعة .

اقول لا شك ان الغرض الاصلي من هذا الايجاد هو الافاضة و الجود و لكن يجب ان يعرف معني الجود و معني الافاضة فمعني الجود ان يعطي الجواد كل ذي حق حقه و يسوق الي كل طالب طلبته فيعطي كل سائل ما سأل لا ما يريد لاسيما اذا كان الجواد لا اقتضاء له من حيث نفسه و كان غنيا عن العطاء و المنع و ان الجواد بالطبع من كان في طبعه داع مهيج الي العطاء كغلبة البلغم الداعي الي الدفع و العطاء و غلبة الرقة في القلب فهو يعطي بطبعه و يتلذذ بما يفعل لانه يجري منه علي حسب طبعه و الله سبحانه جواد لا باقتضاء طبع منه داع الي العطاء و الجود بل هو غني مطلق و كامل حق فيعطي كل من يسأله بما يسأله به حين ما يسأله ما يسأله و لايسأله الا ما يجوز ان يحكم له به من اشعة انوار رحمته الواسعة و لايجوز ان يحكم له بشئ الا بما يسأله و يقتضيه فبما حكم لهم سألوا و بما سألوا حكم لهم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الله سبحانه كامل و لا نهاية لكماله فلو كان لكماله غاية لكان محدودا يستدعي الزيادة و ما يستدعي الزيادة يقبل النقصان و القابل للزيادة و النقصان ممكن حادث و هو سبحانه قديم و قد عرف نفسه بذلك في مقدوراته الامكانية فجعل الامكان بلا غاية و لا نهاية [ص 46] و ليس في الامكان ما يمكن ان لايقدر الله عليه فهو علي طبق قدرته فلايعقل ان يظهر القدرة فيما لايمكن فجميع مقدوراته و لا نهاية له ممكن و جميع الممكنات مقدور له سبحانه و مظهر قدرته سبحانه مشيته التي خلق بها الامكان فهي حاد الامكان و الامكان حاد لها فليس في المشية ما لم‌يكن ممكنا و ليس في الامكان ما لم‌يكن مشاء و لما كان كل ممكن زوجا تركيبيّا مركبّا من جهة الي ربه و جهة الي نفسه و جهة الرب هي جهة النور و الخير و الكمال و النعيم و جهة النفس هي جهة الظلمة و الشر و النقص و العذاب المقيم صار جهة الرب لا نهاية لها و لا غاية و جهة النفس لا نهاية لها و لا غاية لان الفيض دائم مستمر و المدد ابدي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فيمد الله سبحانه جهة النور بما تسأله كما تسأله و الا لم‌تكن هي هي و يمد جهة الظلمة بما تسأله كما تسأله و الا لم‌تكن هي هي فلو امد النور بالظلمة انقطع النور فكانت ظلمة صرفة فكانت جهة نفس حادثة و لا جهة رب و لو امد الظلمة بالنور انقطعت فكانت نورا صرفا فكانت جهة رب حادثة و لا جهة نفس و كلاهما محالان فانه لا بد في الحادث منهما و لايوجد الا بهما فاذا كان في وجوده لا بد منهما و لا بد لهما ان يمدا بما يشاكلهما و كل ما دخل في عرصة الوجود لايخرج منها ثبت دوام النور في نورانيته و دوام الظلمة في ظلمانيته و دوام الخير في خيريته و دوام الشر في شريته [ص 47] و دوام الكمال في كماليته و دوام النقص في نقصيته و دوام الراحة في كونها راحة و دوام التعب في كونه تعبا و دوام النعيم في كونه نعيما و دوام الشقاء في كونه شقاء فان كل شئ لايسأل الا بلسان ما هو عليه فلايمد الا بما هو عليه فالبياض حين هو بياض لايسأل من ربه الا ان يمده بما به بقاؤه و ثباته و ليس بقاؤه الا بما يناسب كينونته فلايمد الا بما يناسب كينونته و ذلك ان السنة الاشياء في السؤال حدودها الخاصة و ما به هي هي فلسان البياض حدوده الخاصة التي بها تميز من الحمرة و لسان السواد حدوده الخاصة التي بها تميز من الصفرة مثلا و ميل كل شئ الي ما يجانسه و يوافقه لا ما يضاده و يخالفه و اوفق الاشياء بالشئ نفسه فيميل الي ما به بقاؤ ذاته بالذات و الي ساير المجانسات بالتبع لاجل المجانسة لمحبوبه و هو ذاته فلايسأل البياض بلسان قابليته الا ما به بقاؤ ذاته و هو البياضية فالبياض يسأل البياضية ما دام هو بياض و لايمد الا بما يسأل فيمد بالبياضية ابدا و لنعم ما قال الشاعر :

مسئلة الدور جرت بيني و بين من احب لولا مشيبي ماجفي لولا جفاه لم‌اشب

فلولا سؤاله البياضية لم‌يمد بها و لو لم‌يمد لم‌يدم فبالمدد دام و دائما سأل فكان البياض ابدا بياضا و السواد ابدا سوادا و العوج ابدا عوجا و الاستقامة استقامة قال الله سبحانه مايبدل [ص 48] القول لدي و ما انا بظلام للعبيد و قال كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و قال لا تبديل لخلق الله فالسعيد ما دام سعيدا لايسأل الا الرحمة و المغفرة و النعيم فلايمد الا بها فبالمدد دام و دائما يسأل و لسان سؤاله سعادته و هي لايسأل الا ما هي به هي و الشقي ما دام شقيا لايسأل الا النقمة و الاخذ و العذاب المقيم فلايمد الا بها فبالمدد دام و دائما يسأل و لسان سؤاله شقاوته فلايفتر عنهم العذاب و هم فيه مبلسون اي آيسون لما عرفوا انه لا تبديل لخلق الله و انه لايبدل القول لديه فمن حكم الله له بالسعادة سعيد ما دام ملك الله و من حكم الله له بالشقاوة شقي ما دام ملك الله فعن الباقر عليه السلام في هذه الآية كما بدأكم تعودون ان الله خلقهم حين خلقهم مؤمنا و كافرا و شقيا و سعيدا و كذلك يعودون يوم القيمة مهتد و ضال قال رسول الله صلي الله عليه الشقي من شقي في بطن امه و السعيد من سعد في بطن امه و سمع الرضا عليه السلام يقول جف القلم بحقيقة الكتاب من الله بالسعادة لمن آمن و اتقي و الشقاوة من الله تبارك و تعالي لمن كذب و عصي انتهي ، فالسعادة الاصلية لايخاف زوالها اتكالا علي فضل الله و وعدا منه و الشقاوة الاصلية لايرجي زوالها بتا من الله سبحانه عليه نعم بعد ما ثبتت السعادة و الشقاوة في عالم الذر و تزيلوا نزلوا من ذلك العالم الي دار [ص 49] البلي و الاختبار فاختلط الابرار و الفجار فتلطخ الفجار بالابرار و الابرار بالفجار و احتيج الي الاختبار للتمييز ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه علي بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون فعن الصادق عليه السلام عن ابيه عليه السلام قال خرج رسول الله صلي الله عليه و آله قابضا علي شيئين في يده ففتح يده اليمني ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من الرحمن الرحيم في اهل الجنة باعدادهم و احسابهم و انسابهم مجمل عليهم لاينقص منهم احد و لايزاد فيهم احد ثم فتح يده اليسري فقال بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من الله الرحمن الرحيم في اهل النار باعدادهم و احسابهم و انسابهم مجمل عليهم الي يوم القيمة لاينقص منهم احد و لايزاد فيهم احد و قد يسلك بالسعداء طريق الاشقياء حتي يقال هم منهم هم هم ما اشبههم بهم ثم يدرك احدهم سعادته قبل موته و لو بفواق ناقة و قد يسلك بالاشقياء طريق اهل السعادة حتي يقال هم منهم هم هم ما اشبههم بهم ثم يدرك احدهم شقاه و لو قبل موته بفواق ناقة فقال النبي صلي الله عليه و آله العمل بخواتيمه العمل بخواتيمه العمل بخواتيمه انتهي ، فما كان من شقاء و سعادة بالعرض يزول و يفني فينقطع الامداد العرضية النازلة عليه و يلحق ذلك العرض باصله يوم يعيد الله كل شئ الي عنصره فتلحق اعراض الشقاوة [ص 50] بالاشقياء و معها امدادها النازلة و لا ظلم و تلحق اعراض السعادة بالسعداء و معها امدادها النازلة و لا ظلم قال الله سبحانه الطيبات للطيبين اي الاعراض الطيبة للطيبين فتلحق بهم و الخبيثات للخبيثين اي الاعراض الخبيثة للخبيثين فاذا تزيلوا و رجع كل شئ الي اصله يبقي الذي ذاته طيبة سائلا من ربه الطيب الخالص فتجري عليه النعم لا مقطوعة و لا ممنوعة و يبقي الذي ذاته خبيثة سائلا من ربه الخبث فتجري عليه العذاب لايفتر عنهم و هم فيه مبلسون قال الله سبحانه ان المجرمين في عذاب جهنم خالدون لايفتر عنهم و هم فيه مبلسون و ماظلمناهم و لكن كانوا هم الظالمين و نادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال انكم ماكثون فالله سبحانه ليس عذبهم باقتضاء منه سبحانه او عداوة او بغض او شفاء غيظ و انما هي نارهم اوقدوها علي ظهورهم و يشبونها في كل طرفة عين بنفخ سؤالاتهم فيمدهم الله سبحانه علي حسب سؤالهم و ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و الذاتي لايتغير فلايغير الامداد الذاتية ابدا و ليس ما يسألونه من العذاب الدائم بالذات محبوبهم لانه من جنسهم بل هي مبغوضهم و يتعذبون به لاجل المخالفة و ان قلت انك قلت آنفا ان كل شئ لايسأل الا ما يوافق ذاته و ما يوافق ذات الشئ هو محبوبه و مجانسه و هيهنا تقول ان ما يسألونه بالذات مبغوضهم فما التوفيق اقول و بالله التوفيق [ص 51] ان اهل الجنة هم الذين يكون الغالب عليهم جهة الرب الواحدة و ما فيهم من جهة النفس مقهورة مغلوبة فهم و ان كان لهم شئون كثيرة و اطوار مختلفة الا ان الغالب في الكل جهة الرب و كلها مؤتلفة متفقة لغلبة جهة الوحدة عليهم فهم و ان اختلفوا من جهة الصورة و اختلفت شئون اعمالهم و احوالهم و صفاتهم الا ان الغالب علي الكل نور الله الذي خلقوا منه و النية الخالصة لله سبحانه التي هي روح اعمالهم فجهات تكثرهم و تكثرها بالعرض و كل واحد يري من صاحبه و من عمله نور الله الذي خلق منه و تلك النية الخالصة التي هي تجلي نور الله في اعمالهم و محبوبهم ذلك النور و هو المتجلي من كلهم و من كلها فيلتذ كل واحد منهم من اخيه و من اعماله و صفاته لما يري فيهم و فيها من تجلي المحبوب و ان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض الا الذين آمنوا و قال الله سبحانه و نزعنا ما في صدورهم من غل و قال اخوانا علي سرر متقابلين و قال سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم فلهم نعيم مقيم خالدين فيه ابدا و كلهم ناظرون الي شئ واحد طالبون لشئ واحد و ذلك الواحد غالب في الكل كما قال الشاعر :

رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر

فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر

و معاذ الله ان يحب المؤمن غير ربه او يلتذ بغير ما فيه رضاه و اما [ص 52] اهل النار فلما كان الغالب علي كل واحد هواه و فيهم شركاء متشاكسون كل يدور حول نفسه و هواه و طبعه و عادته و شهوته و غضبه و اهوائه المختلفة و آرائه المتشتتة و لهم ارباب متفرقون و آلهة متعددون و الغالب عليهم جهة النفس مبدء الكثرة و الاختلاف و تلك الجهات المتعددة مضادة مختلفة و تجري لكل دائما مدد يناسبه صار يتأذي كل واحد من اقترانه بالآخر و من اقترانه باعماله و احواله و صفاته المختلفة التي ليس لها روح واحد و لايلحظ فيها روح واحد فشهوته تنافي غضبه طبعا و صفة و عادته ينافي طبعه و طبعه ينافي عادته و بخله ينافي اسرافه و اسرافه ينافي بخله و حلمه ينافي سفاهته و سفاهته ينافي حلمه و هكذا لما كان المستولي علي الشقي اصناف الشياطين و هم عند قاعدة الكثرة و الاختلاف و التضاد و التنافر و التخالف و التباين و التعادي و التباغض كما قال الله سبحانه و ان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض و قال لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، و في الدعاء اعوذ بك من نار تأكل بعضها بعضا و يصول بعضها علي بعض ، و قال سبحانه الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين يا عباد لا خوف عليكم و لا انتم تحزنون و قال كلما دخلت امة لعنت اختها حتي اذا اداركوا فيها جميعا قالت اخريهم لاوليهم ربنا هؤلاء اضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف و لكن لاتعلمون و قال سبحانه ان للطاغين [ص 53] لشر مآب اي لبني‌امية جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم و غساق و آخر من شكله ازواج اي من شكل فوج الذائقين ازواج و هم بنوالعباس يقال للطاغين هذا فوج مقتحم معكم في غصب حق آل‌محمد و في النار فيقول بنوامية لا مرحبا بهم انهم صالوا النار قالوا اي بنواالعباس بل انتم لا مرحبا بكم انتم قدمتموه لنا اي غصب حق آل‌محمد و النار فبئس القرار قالوا اي جميعهم ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار دعوا علي الخلفا الضالين فانهم قدموا لهم و قال الله سبحانه اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب و قال الذين اتبعوا لو ان لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله اعمالهم حسرات عليهم و ما هم بخارجين من النار بالجملة اهل النار في تضاد و تخالف و تبري من اخوانهم و اعمالهم و احوالهم و تضادهم سبب تأذيهم فيقول يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين و جميع تأذيات العالم من جهة التنافر و كمال التنافر و غايته منهم و قد قرن مع ذلك بعضهم ببعض فيتأذي من ريحه و نتنه و قيحه و صديده و لونه و شكله و نوع عذابه بحيث لا راحة له و يتمني الموت و يأتيه الموت من كل مكان و ما هو بميت نعوذ بالله اللهم اني اسئلك بولاية محمد و آل‌محمد عليهم السلام الاتخرجنا من ولايتهم كما انعمت علينا بها و ثبتنا عليها و احشرنا عليها و آية ما ذكرنا لك [ص 54] مشهود في الدنيا ان المؤمنين مع اختلاف بلدانهم و احوالهم و لغاتهم يأتلفون كأنهم اخوان من بطن واحد و نعم ما قال الشاعر :

احب قصي الرحم من اجل حبكم و اهجر فيكم زوجتي و بناتي

و المنافقون تحسبهم جميعا و قلوبهم شتي ذلك بانهم قوم لايؤمنون فاذا اجتمعوا في دار او في بلد او علي امر يتكالب بعضهم علي بعض و يبغي بعضهم علي بعض و يؤذي بعضهم بعضا و يتحاسدون و يتباخلون و يتعادون و يتناكرون و يصول بعضهم علي بعض و يعض بعضهم بعضا بحيث لا راحة لهم و لا قرار و تفرقهم اروح لهم من اجتماعهم قال الله سبحانه افرأيتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و قال ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فكيف اذا اجتمع منافقوا الاولين و الآخرين في دار ضنك باختلاف اهوائهم و آرائهم و طبايعهم و عاداتهم و شهواتهم و طغياناتهم و لكل واحد اعمال و آراء و صفات مختلفة متضادة و شياطين مختلفة من جميع الاراضي باختلافها فلا راحة لهم و لا قرار نعوذ بالله فلاجل ذلك صارت الامداد النازلة علي تلك الشئون و الاحوال و الاوضاع سبب اذيتهم و تعبهم و عذابهم الدائم المقيم نستجير بالله فافهم .

قال سلمه الله : الرابع - لا شك ان كل موجود كما وجد سعيدا [ص 55] و شقيا انسانا و حيوانا و نباتا و جمادا و عقولا كلها كانت بالقابليات و ان القابلية مستحدثة موجودة كذيها و لا شك ان القابلية ليست بالقابلية و الا لزم الدور و التسلسل و هو باطل فما الحكمة في اختلاف القابليات و من اين جعل تلك الاختلافات بينوا لنا بعبارة واضحة و ادلة ظاهرة حتي يرفع الشبهة .

اقول ان في العبارة ركاكة و لما لم‌نكن بسدد تصحيح العبارة او اظهار لحنها لم‌نتعرض لها و المراد واضح فاعلم ان الكلام في هذه المسئلة بحقيقته منهي عنه فقد سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن القدر فقال بحر عميق فلاتلجه ثم سئل ثانيا فقال طريق مظلم فلاتسلكه ثم سئل ثالثة فقال سر الله فلاتتكلفه و قال عليه السلام الا ان القدر سر من سر الله و حرز من حرز الله مرفوع في حجاب الله مطوي عن خلق الله مختوم بخاتم الله سابق في علم الله وضع الله عن العباد علمه و رفعه فوق شهاداتهم لانهم لاينالونه بحقيقة الربانية و لا بقدرة الصمدانية و لا بعظمة النورانية و لا بعزة الوحدانية لانه بحر زاخر مواج خالص لله عز و جل عمقه ما بين السماء و الارض عرضه ما بين المشرق و المغرب اسود كالليل الدامس كثير الحيات و الحيتان يعلو مرة و يسفل اخري في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سره و ستره و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس [ص 56] المصير ، فالكلام في حقيقة ذلك مضروب دونه حجب الغيوب نعم يمكن للعلماء فهمه في المعاني السفلي و هو حظ اولي الافئدة فلا غيرهم يفهم كلامهم في ذلك و لا كل ما يتمني المرء يدركه بل رب مقام من مقامات هذه المسئلة لايجوز لهم التصريح به لان من ليس له مدرك الفؤاد يحمل العبارة علي متفاهم العقل و النفس و غايتهما ادراك المعاني و الصور المجردة و هما معزولان عن مقام الحقيقة فلايزداد بذلك الا بعدا بل ربما يزداد المطلب خفاء بسبب ترديد العبارة لان السر يزداد استتارا بسبب الكثرة فان السر لايفيده الا السر و لكن لايسقط الميسور بالمعسور و لعل مراده ايضا ليس الا ظاهر هذا الامر كما يفيده آخر كلامه فنقتصر فيه بظاهر الامر اذ ما لايدرك كله لايترك كله فنقول ان منشأ الاختلاف لايخلو اما ان يكون هو الله سبحانه او الخلق او هما معا و لا ثالث لانه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما كما قاله الرضا عليه السلام فان قلت ان سبب الاختلاف هو الله سبحانه و هو مجري جميع الاختلافات من عنده من غير اقتضاء من الخلق يلزمك ان يكون الله سبحانه مختلفا متكثرا في ذاته و يكون مركبا ذا جهات عديدة و حيوث متكثرة و اعتبارات متشتتة و اجزاء متفرقة بعدد اختلاف الخلق حتي يقتضي بكل جهة و حيث و اعتبار و جزء شيئا من مختلفات الخلق و لااظنك ان ترضي بذلك و مع احديته سبحانه بكل جهة لايستقيم حصول هذه [ص 57] الكثرات و الاختلافات منه سبحانه هذا مع انه لو كان هو ذو الاقتضاء لكان القاضي غيره و كان القاضي هو الله سبحانه و المقتضي خلقه لان المقتضي هو طالب القضاء عليه من القاضي لكل ذي حق حقه و كان جميع المقتضيات بفتح الضاد حينئذ فيه سبحانه بل كان حينئذ هو انية الخلق فان المقتضي يقتضي القضاء و يحكم له بالقضاء و القضاء هو المطلوب المقبول و المقتضي هو الطالب القابل فاذا يكون الله سبحانه هو الانية و القابلية و لها مقبول هو القضاء المفاض عليها فكان هو الخلق و من هذا كان يقال ان المقتضي بالفتح لايتخلف عن المقتضي بالكسر و ان كان فيه المقتضي فهو ان كان قديما فيتعدد القدماء و ان كان حادثا كان الله سبحانه محلا للحوادث و كلاهما باطلان فظهر بطلان كون الاقتضاء للخلق مطلقا متفردا و متعددا من الله سبحانه و ان كان الاقتضاء لهذه الكثرات من الله سبحانه و من الخلق بالشراكة سواء كان الاقتضاء منه في بعض و من الخلق في بعض او كان من كليهما في الكل لزم ما قدمنا بعينه من تعدد القدماء او حدوث الذات فليست الذات الاحدية بنفسها مقتضية للخلق و ليست باقتضاء و لا اقتضاء فيها و لذلك صار سبحانه غنيا بحتا غير مرتبط بشئ و لا منتسب الي شئ فاذ لم‌يستقم ان يكون الله سبحانه هو المقتضي للايجاد او فيه اقتضاء الايجاد وجب ان يكون الاقتضاء في الخلق و من الخلق و لايسع الحكيم [ص 58] ان يقول كالجهال انه ما المانع من ان لايكون الاقتضاء في ذات الله و يخلق جميع الكثرات و الاقتضاءات بلا اقتضاء منه فانه في الحقيقة يوجب اقتران الذات بالكثرات و الترجيح من غير مرجح و القول بان الارادة مرجحة كلام قشري ليس فيه رايحة من الحكمة فان ارادة المريد هي بعينها محل الكلام لانها بنفسها حادثة و اختلاف الارادات ايضا يحتاج الي مرجح و هو سبحانه اجل من الاقتران و الترجيح من غير مرجح و الذي يقول ذلك يحسب الله سبحانه كقصاع في فضاء فيقول ما المانع من ان يصنع هذا القصاع قصعات متعددة بارادة منه من غير حاجة اليها و هو غافل من ان ذلك موجب للاقتران بالكثرات و وقوع الصانع في عرض المصنوع و يمكن الترجيح بلا مرجح من المخلوق و لا امتناع فيه او هو مختلف النسبة بالنسبة الي المتعددات و الله سبحانه علي عرش الملك مستو ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و ارادته بالنسبة الي جميع الاشياء علي السواء و هو لو قدم شيئا علي شئ من غير مقتض من نفس ذلك الشئ يكون منه سبحانه ترجيحا من غير مرجح و هو عمل الجاهل و العابث و المحتاج و هو سبحانه عالم حكيم غني لايفعل شيئا من ذلك فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الاقتضاء للكثرات ليس من الله سبحانه و ليس هو المقتضي و لايفعل بغير المقتضي فانحصر الامر ان يكون المقتضي من الخلق اذ لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و هو قوله سبحانه [ص 59] قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فهو من الخلق و غايته لاتدرك كيفية كونه من الخلق و ما لانفهمه و نقطع بثبوته كثير كاكثر امور الآخرة مثلا و لكن لاجل انك سألت عن الكيفية و لكل سؤال جواب مقدر فلااحب ان اترك سؤالك بلا جواب و اذكره لك و لكن علي نحو المجادلة بالتي هي احسن علي ما تريد فاعلم وفقك الله لمرضاته ان هيهنا اشكالان الاول انه لا شك و لا ريب ان الاقتضاء من الخلق و الاقتضاء اثر المقتضي كما ان الضرب اثر الضارب و الاثر لايتحقق من غير مؤثر و الا لم‌يكن اثرا كما ان الشعاع لو كان و لا شمس او و لا سراج لماكان اثر السراج و كان غنيا عن السراج و الغني عن الشئ لايتوقف وجوده علي وجود ذلك الشئ فلا بد و ان يكون الاقتضاء بعد المقتضي و المقتضي هو نفس الحادث كما عرفت اذ لا ثالث و قد ذكرنا ان الشئ لايوجد الا بالمقتضي و هذا بحسب الظاهر الذي يفهمه العوام مستبعد و كذلك لا شك ان الاقتضاء لو كان قديما لتعدد القدماء و قد ثبت بطلانه في محله و لو كان حادثا ننقل الكلام اليه فنسئل عنه هل هو باقتضاء او بغير اقتضاء و هكذا و هذا ثاني الاشكالين ، فهذان اشكالان واردان و لكن يردان قبل جوابنا فاذا اجبنا عن المسئلة يرفع الاشكال و يتضح الحال بعون الله المتعال فاعلم انه لا شك و لا ريب ان الاقتضاء من الخلق و هو حادث الا ان لكل حادث لا بد من ايجاد و انوجاد فلو لم‌يوجد لم‌يكن و لو لم‌ينوجد لم‌يتحقق و القابل [ص 60] هو نفس الوجود الذي اثره الانوجاد اي قبول الوجود و المقبول هو الوجود الناشي من الايجاد اي قبله القابل فكل شئ لا بد فيه من ركنين ايجاد و انوجاد و الوجود هو قائم بالايجاد قيام صدور و بالانوجاد قيام ظهور و الانوجاد هو قائم بالوجود قيام تحقق و بمشية الله قيام صدور و الشئ قائم بهما قيام ركن و الايجاد هو فعل الله سبحانه و ان كان ظهوره بالانوجاد و الانوجاد هو فعل نفس الوجود و ان كان ظهوره بالله سبحانه و مثل ذلك كالكسر و الانكسار فان الكسر فعلك يصدر منك و لكن يظهر في الخارج بالانكسار فلولا الانكسار لم‌يظهر الكسر ابدا و لولاك لم‌يصدر الكسر من احد و الانكسار هو فعل الزجاجة التي هي مثل نفس الكسر فالانكسار فعل الزجاجة فانها تنكسر و هي الفاعل و لولا الكسر لم‌يتحقق الانكسار و ليس يظهر الكسر قبل الانكسار طرفة عين و لايتحقق الانكسار قبل الكسر طرفة عين و الكسر حاد للانكسار و الانكسار حاد للكسر و ليس بينهما تفاوت ابدا و الانكسار هو قابلية الكسر و الكسر هو مقبولها و ليس واحد منهما قبل الآخر حتي يلزم المحذور كما عرفت فايجاد الله سبحانه للحوادث مساوق لقابليات الاشياء و لم‌يكن شئ من القابليات قبل الايجاد لوجودات الاشياء فانها من نفس الوجودات و لم‌يكن شئ من الوجودات ظاهرا قبل القابليات فانها لا ظهور لها الا بالقوابل بل لم‌تكن قبل القابليات فان الله [ص 61] سبحانه غني لايقتضي بنفسه شيئا فلم‌يقتض الايجاد قبل الاقتضاءات و لم‌تكن الاقتضاءات قبل الايجاد و انما كانا معا كالكسر و الانكسار و مهما اشكل عليك شئ من ذلك تدبر في الكسر و الانكسار و الفعل و الانفعال و الاصل في ذلك كله ان لاتتصور الله في فضاء وحده و لا شئ معه ثم بدا له في احداث الاشياء فقال كن فانتثر الخلق حوله و قاموا بحضوره فان ذلك صفة المخلوق و ان هذا الفرض هو الذي يورث الحيرة لجل الناس و لو علموا ان الله سبحانه ليس في صقع خلقه و لا خلقه في صقعه و انما هو في الازل و خلقه في الحدوث و هو من نور صفاته سبحانه و اسمائه كما اشرنا اليه في اوايل الرسالة لم‌يسأل عن ذلك ابدا و اظنك لو فهمت ما قدمنا هناك استغنيت عن هذا السؤال فان ما مر كان علي نهج دليل الحكمة .