[ص 1]

رسالة في جواب الحاج ملا حسن اليزدي الكثنوي

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله موجد كل موجود و شاهد كل مشهود و فاقد كل مفقود ليس دونه معبود اله الكرم و الجود و الصلوة علي اسم الحميد و قدرة المجيد سر الوجود محمد المحمود و علي آله الذين هم علي جميع العوالم شهود و وجه الله المعبود و الهداة الذين هم مظاهر اسم الله الودود الطائفين حول جلال الكبرياء الركع السجود و لعنة الله علي قرناء اصحاب الاخدود النار ذات الوقود الذين هم علي ما يفعلون بالمؤمنين شهود و مانقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد .

و بعد فيقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد سألني العالم الفاضل و العامل الواصل و الحبر الكامل المولي المؤتمن الحاج ملا حسن اليزدي الكثنوي ابن المرحوم الملا علي ادام الله عزه و علاه عن مسائل معضلة و مطالب مشكلة لم‌يجر اكثرها في خطاب و لم‌يرسم في كتاب بل ليس لها عند العلماء جواب و انا في غاية تبلبل البال و اختلال الحال و اشتغال القلب بهمّ الارتحال و لما كان جنابه احسن الله مآبه من العلماء الحكماء و الاكرمين الاتقياء اوجبت علي نفسي اجابته و اسعاف طلبته بقدر [ص 3] الميسور فانه لايسقط بالمعسور و ما لايدرك كله لايترك كله هذا مع انه ايده الله لجلالته في العلم يكتفي بالاشارة و لايحتاج في جواب مثله الي تطويل العبارة فاقتصرت بالميسور مستعينا بالله سبحانه في الهام الصواب فانه المستعان في كل باب و جعلت عبارة سؤاله كالمتن و جوابي له كالشرح .

قال سلمه الله : السؤال الاول - بينوا لي مقدار طول مدة السرمد و الدهر و الزمان و كيفية ذلك و ان الحكمة التي اقتضت اظهار اللطف و ابرازه في هذه النشأة من خلق الانبياء و الاوصياء عليهم السلام و غيرهم من الموجودات في هذا الجزو من الزمان بهذا النحو اعني من زمن آدم عليه السلام الي زماننا هذا مثلا و ارسلهم و انزل عليهم الكتب دون ما قبله مع انه غير محتاج الي تحصيل الاسباب و رفع الموانع ما هي تلك الحكمة و ان كانت تلك النعم موجودة في كل عالم بحسبه الا انه في كل عالم من العوالم بجزء عرضي منه كهذا العالم دون الجزء الطولي مع ان شأن الفياض علي الاطلاق هو الافاضة في كل عالم بتمام اجزائه و افراده طولا و عرضا بحيث لايخلو منه شئ من تلك الفيوضات الجليلة فما حكمة التخصيص بالعرض في كل عالم دون الطول و بعبارة اخري ان القادر المختار الذي لا اول له و لا آخر لاي شئ اختار الافاضة في تلك الجزء الخاص من العالم و في تلك الازمنة الخاصة دون ما قبله بحيث يكون في ذلك الوقت زمان الحشر [ص 4] او الخلود في الجنة و النار او تأخيرها بحيث يكون الآن اول زمان خلقة آدم عليه السلام مثلا مع انه تعالي لايحتاج بالضرورة الي انتظار الاسباب و رفع الموانع البتة .

اقول سؤاله ايده الله يتحلل الي سؤالين : الاول السؤال عن مقدار طول مدة السرمد و الدهر و الزمان و هذا السؤال حقيقة مقدمة لسؤاله الثاني فانه يريد ان يقول ان كان الزمان مثلا له مدة طويلة فلم وقع الخلق في هذه الاجزاء المعينة منه و لم‌يتقدم و لم‌يتأخر مع ان الله سبحانه قادر مختار لا راد لحكمه و لا مانع لقضائه و السؤال الثاني ما ذكرنا من سبب وقوع الخلق في هذه الاجزاء المعينة من الزمان و الدهر و السرمد .

اما الجواب عن السؤال الاول و عليك بالتوجه و الاقبال حتي يتبين لك الحال ، اعلم ان الله سبحانه احد لايثني لا كما و لا كيفا و لا جهة و لا رتبة و لا وقتا و لا مكانا و لا فرضا و لا حيثا و لا اعتبارا اذ ليس له شئ من الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان و الفرض و الحيث و الاعتبار و ليس له شئ من ذلك علي حسب الملك و لا علي حسب عالم الملكوت و لا علي حسب عالم الجبروت و لا علي حسب عالم السرمد و جميع ذلك صفة خلقه و مما قد اجراه بفعله و ابداه بمشيته و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فهو احدي المعني لاينتظر حدوث وقت بعد وقت و هو باحديته محيط بالاوقات الغير المتناهية و هو كامل في جميع صفاته [ص 5] لاينتظر حدوث صفة لنفسه فانه لو انتظر حدوث صفة لكان في صقع الاوقات و صار من الحوادث المنقلبة في الاوقات المتغيرة بمرورها و جميع صفاته غيره و هو منزه عنها كما قال تعالي سبحان الله عما يصفون ، و قال علي عليه السلام كمال التوحيد نفي الصفات عنه ، و صفاته سبحانه كماله و هو كامل ابدا فصفاته موجودة في محالها بتجليه سبحانه ابدا اذ هي تجليه لا غير و ليس بينه و بين تجليه فصل اذ العدم المحض لايفصل بين شيئين و ليس وجود غيره سبحانه و غير تجليه فلا فصل بينهما و كذا لا وصل لعدم المناسبة و عدم اتحاد الصقع و عدم الرابطة لان الرابط لا بد و ان يكون مناسبا بين المرتبطين و لا شئ مناسب للقديم و الحادث و ما ليس بواجب جايز و ما ليس بجايز واجب قال الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، فلا وصل ايضا فليس بين الله سبحانه مدة فاصلة يكون الله فيها وحده ثم يوجد خلقا في جزء منها و ليس بينه و بين خلقه مسافة ممهدة يكون الله سبحانه في اولها و يوجد الخلق في آخر جزء منها فاستدام الفيض و استمر الجود و دام الملك في الملك و في الدعاء اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود ، و وجه حدوث الخلق مع استمرار الجود و استدامة الملك افتقاره الي بارئه و قيامه بامره و ان اردت ان تبصر امرك رأي العين انظر الي السراج و انواره فان السراج ليس خلوا من نوره و النور حادث به مفتقر اليه رتقه [ص 6] و فتقه بيده بدؤه منه و عوده اليه و نور السراج تجليه و صفته فالخلق قائم بامر الله سبحانه مفتقر اليه مستمد منه و ليس الله سبحانه خلوا من ملكه و ملكه خلوا منه و هو هو رب قديم غني و خلقه خلقه مربوب حادث مفتقر و لكنه حادث حقي لا حقيقي و الحدوث الحقي اشد اضمحلالا و دثورا و انقلابا من الحادث الحقيقي الف الف مرة فالحادث الحقي حادث ذاتا لا في مدة اذ لا مدة اذ المدة من الحوادث الذاتية فالخلق له ثلث مراتب كلية و جزئياتها لايحصي .

الاول مرتبة السرمد و امتداد عالم الامر و هو لا غاية له و لا نهاية اي لا اول له و لا آخر و ذلك لان كل ما سوي الاحد الحقي لا بد و ان يكون مركبا من جزئين و ذلك قوله سبحانه و من كل شئ خلقنا زوجين ، و قول الرضا عليه السلام ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه ، و قول الحكماء كل ممكن زوج تركيبي و ذلك لان كل ما سوي الاحد مثني و كل مثني مجزي مركب من جزئين فاذا جاء التركيب جاء المدة و الوقت فان مرادنا بالوقت امتداد بقاء كل واحد من الجزئين مع الآخر من اول اقترانهما الي آخره فامتداد بقاء الجزئين معا هو الوقت و يحدد ذلك الامتداد في كل عالم باجزائه فانها مظاهره و قد جرت العادة بتحديد مدد كل عالم باطولها بقاء و هو فلك كل عالم فيحدد وقت كل عالم بحركة افلاكه و لذلك اشتبه الامر علي كثير من الحكماء فزعموا ان [ص 7] الزمان هو حركة الافلاك او منتزع عنها و ليس كذلك فانه لو اسكن الفلك نبي باعجازه و هو امر ممكن غير ممتنع كما رده علي عليه السلام و شقه رسول الله صلي الله عليه و آله يمر علي الاجسام وقتها و ليس الآن الثاني عين الاول بالبداهة و انما حركة الفلك كحركة الساعات الافرنجية التي يحدد بها الاوقات و كذلك دوران الافلاك و طلوع الشمس و غروبها محدد للاوقات فسميت دورة الشمس بالسنة و دورة فلك الافلاك باليوم و ضوء الشمس بالنهار و ظل الارض بالليل و دورة القمر بالشهر و نفس هذه الاشياء المذكورة زمانية لها اوقات و لما كانت الافلاك اطولها بقاء و اكثرها استمرارا و ابعدها عن الدثور و الاضمحلال قيس مدد ساير الجسمانيات بها فحركة الافلاك مقياسة لمعرفة الاوقات كالساعات و اصل الوقت هو امتداد كون جزء المركب مع الآخر و لما كان الامر خلقا حادثا و كل خلق مركب من جزئين حصل له ايضا امتداد و يقاس ذلك الامتداد بافلاك عالم الامر و هي دائرة علي نفسها حركة الكرة علي قطبها و لما كانت الحركة علي القطب و كان القطب في ذلك العالم عين الكرة لانه علي ابسط ما يمكن في عالم الامكان اذ جميع الكثرات قد احدثت به و لايجري عليه ما هو اجراه استمر الدوران بلا نهاية و وجه الاستمرار بالحركة علي القطب انه اذا لم‌يتوقف وجود الشئ علي غير خالقه القديم و نفسه و نفسه هو و هو نفسه و هو مستمد من ربه بنفسه و هو [ص 8] ممد له بها و ليس لكينونته شرط غيرها يوجد بوجوده و يعدم بعدمه لانه اول ما خلق الله فليس فوقه شئ و ما بعده ليس شرطا لوجوده اذ هو شرط كل موجود فاذا صار كذلك يصير الشئ دائما لا محالة اذ المقتضي موجود و هو نفسه و ما سواه معدوم و الخالق الباري قديم فلاجل ذلك استمر وجود الامر و استمر دوران افلاكه عليه فلا مبدء لاوله و لا غاية لآخره و ان الله سبحانه خلق الف الف عالم فلو صب في فضاء كل عالم من خردله حتي يملأ اطباق ارضه و سمائه و انت سرت في جميع العوالم و حملت علي غاية الضعف حبة حبة و سرت من المشرق الي المغرب و رميت بها ثم رجعت و حملت حبة اخري و هكذا الي ان يتم و انت تعد في كل هذه المدة بلسان ذلق يكون اسرع حركة من العرش عدد قرون السرمد يكون ذلك اقل مما مضي منها بعدد اضعاف هذه الخردل بما شاء الله فاحسب ان كنت تحسن ان تحاسب كيف و هو الازلية الاولي و القديم الاعلي و السرمدية الكبري مع كونه حادثا بالذات فهو لا غاية لامتداده و لا نهاية و ليس فوقه امتداد يتقدم فيه او يتأخر فان كل ما سوي الله سبحانه مخلوق به فهو في محله و وقته لايمكن فرض التقدم فيه و لا فرض التأخر و قد عرفت ان امتداد تركيبه وقته و حركة افلاكه عليه محدده و قد ملأ فضاء الامكان عرضا و طولا و وقتا و حاده بحيث لا شئ من الامكان فارغا منه و لا شئ منه [ص 9] خارجا من الامكان و البرهان علي ذلك واضح و الاشارة اليه ان السرمد وقت امر الله و مشيته فكما انه ليس شئ من الامكان خارجا من تحت المشية فيكون مخلوقا بغيرها و ليس شئ من المشية خارجا من الامكان فيكون قد شاء الله و لا مشاء كذلك يكون السرمد مع الامكان فان السرمد امتداد تركيب الامر و هو اين ما هو هو هو فليس موجودا بغير وقت فلذلك تحادّت هذه الثلثة الامكان و السرمد و الامر و ليس شئ سوي القدم و الامكان حتي يكون وقتا او مكانا يمكن التقدم فيه او التأخر و ان شئت الوجه الفلسفي في هذا المطلب فاعلم ان المركب يقبل التفكيك ما كان فيه مغاير لاجزائه الاصلية فيفرق ذلك الاجنبي بين الاحبة و اما اذا ذهبت الاغيار و زالت الاكدار تعانق الاحبة تعانقا ليس له انضجار مدي الدهور و الاعصار لعدم كون ما يوجب التنفر لكل واحد منهما في كل واحد منهما فكأنهما نفس واحدة و لاينضجر الشئ من نفسه ابدا لعدم المنافرة بينه و بينها فكذلك كلما يطهر اجزاء المركب من الاغيار يصير كل واحد من الاجزاء الصق بالآخر و اشد امساكا له و التزاما به و لذلك حتم الموت علي اهل الدنيا لوجود الاغيار في اجزائهم فاذا تفككت اجزاؤهم في التراب و طهرت الاجزاء من الغرائب تطايرت بعضها الي بعض و تعانق بعضها مع بعض تعانقا لا فراق له ابدا و ذلك قوله عليه السلام خلقتم للبقاء لا للفناء و انما تنتقلون من دار الي دار ، فعند ذلك [ص 10] يذبح الفراق علي هيئة كبش املح فينادي اهل الجنة و اهل النار بانه خلود و لا موت فعند ذلك يقول اهل الجنة مستبشرين افما نحن بميتين الا موتتنا الاولي و ما نحن بمعذبين الحمد لله رب العالمين فالامتداد يختلف بحسب طهارة الاجزاء من الغرايب و لطخها بها و قبول الغرائب يختلف بحسب قوة البنية و ضعفها فان البنية اذا كانت قوية تدفع عنها الغرائب و اذا كانت ضعيفة تعجز عنه و القوة و الضعف يختلفان بحسب القرب من المبدء و البعد عنه فكلما كان الشئ اقرب الي المبدء كان اقوي و كلما كان اقوي صار امنع للغرايب و ادفع لها و صار اصفي و كلما صار اصفي صار اشد تركيبا و الصق بالآخر المجانس و كلما صار اشد تركيبا صار ابعد انفكاكا من صاحبه و كلما صار ابعد انفكاكا صار اطول بقاء و طول هذه المعية هو الوقت و يحدد هذه المعية بافلاكها لانها اصفي المركبات في كل عالم و ابعدها تفككا فيقاس بها جميع ما هو اضعف تركيبا منها فان جميع ما سويها تتصرم مدته و هي باقية حتي يبلغ الكتاب اجله فاذا جاء وعد ربي جعله دكاء و كان وعد ربي حقا فلما كان الامر اقرب الخلق الي الله سبحانه و اشرفه و ابسطه و الطفه و اقواه و اطهره من الغرايب و الاجانب بحيث كاد ان يصير احدي المعني لان جميع التنافرات و التباينات صار مخلوقا به و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و ليس فيه تكثر الا من حيث التعلق و التزييل الفؤادي [ص 11] صار ادوم جميع ما خلق الله من شئ و لم‌يكن له مبدؤ و لا منتهي و لا تصرم و لا انقطاع و لعلك تعرفت مما بينا سر قدم الذات انه قديم لاجل انه احدي المعني ليس معه غيره فلا تنافر و لا تثنية له و اقل مراتب التنافر التثنية فان التثنية ليست تتحقق الا بالتمايز و التمايز ليس تتحقق الا بالتخالف و التخالف هو سبب التنافر و التنافر سبب التفكيك حينا ما و كلما ينقطع يوما له مبدؤ لامحة فان كل ما له مقطع له مطلع لامحة و ذلك قوله سبحانه كما بدأكم تعودون و لان ما ظهر انقطاعه ظهر تركيبه و ما ظهر تركيبه ثبت تقدم المركب عليه و ما ثبت تقدم المركب عليه ثبت ان له بدءا فكذلك كل ما له مطلع له مقطع لامحة و ذلك جار في كل مركب و بين المطلع و المقطع امتداد الكون فكل مركب ذو مدة لامحة و تختلف المدد علي ما ذكرنا حتي يبلغ الامر الي اول المركبات الذي تركب من بسيطين و لما كان البسيطان غير موجودين الا مركبا عدم التنافر بين الاجزاء و دام التركيب و ذلك قوله سبحانه كل من عليها فان لتركيب بسايطه و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام لبساطة بسائطه و عدم التنافر و ادراك ما ذكرنا هنا حظ اولي الافئدة و من كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فافهم راشدا موفقا فليس لاحد ان يحدد السرمد و هو عند الله غير محدود و الله محيط بما لايتناهي بما لايتناهي و هو يعلم الغير المحدود بعلم غير محدود و لايلزم من علمه به [ص 12] تحديده اياه فان ذلك شأن العلم المحدود .

و اما الدهر فهو وقت المجردات و امتدادها و مبدؤها العقل و منتهاها المثال و مراتبها الكلية ستة و هذا الامتداد اقصر من امتداد السرمد لتركيب بسائط المجردات و كون كل جزء منها مركبا من جهتين جهة الي ربه و جهة الي نفسه فاقل المركبات اجزاء ما كان فيه جزءان و لكل جزء جهتان و هي الحلان و العقدان اللذان لا بد منهما في كل واحد واحد من الاكوان فمرادنا بالمجرد ما كان مجردا من المواد العنصرية و المدد الزمانية لا المجرد عن التركيب مطلقا فاعلي المجردات العقل و هو الطفها و اشرفها و ينتهي الدهر طولا اليه من جهة الاعلي و اسفلها المثال و ينتهي الدهر اليه من جهة الاسفل و امتداد الدهر في البقاء و الفنا بين السرمد و الزمان فهو غير متناه بالنسبة الي الزمان و لذا قيل ان الدهر هو نسبة المتغير الي الثابت و للدهر مقامان الجبروت و الملكوت فالجبروت هو عالم العقل و ينتهي الي اوساط الروح و الملكوت مقام النفس و الطبع و المادة و من حيث الاعلي يصعد الي اوساط الروح و من حيث الاسفل ينتهي الي اوساط المثال و المثال بوجهه متوجه الي الملكوت و بظهره مسند الي الملك فهو اذا اضيف الي الاجسام ملكوتي و اذا اضيف الي المادة ملكي فالمجردات حقيقة مركبات من موادها و هيئاتها و لغلبة جهة المبدء عليها قل تنافي موادها و هيئاتها و كثرت التيامها [ص 13] فغلب تعارفها و ضعف تناكرها فدام تعانقها و التصاق بعضها ببعض الا انها بقدر الاثنينية و التمايز و التخالف علي حسبها صار امتدادها اقل من السرمد الا انها اطول من الزمان و لا تفكك لاجزاء الدهر الي عند نفخة الصور فيتفكك اجزاء كل مركب حتي لايبقي الا وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و هو غير مركب بسائطه من اجزاء و انما هو مركب من بسيطين يمتنع تحقق احدهما الا بصاحبه فلا سبق لجزئيه عليه و لم‌يوجدا الا معا مركبا بل لايمكن تصوير تفككهما في الذهن و الاعتبار ابدا و ذلك قوله تعالي كل شئ هالك الا وجهه و الحكمة فيه ما ذكرنا فلاتذهب نفسك الي ما لايعنيك و لايسمن و لايغني من جوع و لما عرفت ان الدهر هو امتداد المجردات و عرفت ان لها مراتب و مقامات لعلك تعرف ان كل مرتبة عليا منها ادوم و اثبت و كل مرتبة دنيا منها اسرع فناء و اقرب دثورا فاشدها دواما العقل ثم الروح ثم النفس ثم الطبع ثم المادة ثم المثال و كل دنيا منها يفني قبل العليا و هكذا فاول ما يفني و يتفكك بعد الزمان المثال ثم يتفكك المادة ثم يتفكك الطبع ثم يتفكك النفس ثم يتفكك الروح ثم يتفكك العقل و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام ثم اول ما يبدؤ في التركيب العقل و هو اول ما خلق و يخلق ثم الروح ثم النفس و هكذا علي الترتيب و وجه الله الذي لايفني هو نور الله المشار اليه بقوله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و هو [ص 14] النور الذي خلق منه و هو فؤاده و هو وجه الشئ الي الله و وجه الله اليه فاياً ما فسّرت وقع علي الفؤاد و نور الله الذي به يتوجه الشئ الي الله و يتوجه الله اليه و بالجملة امتداد الدهر يختلف باختلاف لطافة الدهريات و كثافتها و شدة تركيبها و ضعفها و اما طول الدهر من اوله الي آخره فان كنت تحسن ان تحاسب فهو مائة الف سنة كل سنة مائة الف شهر كل شهر مائة الف اسبوع كل اسبوع مائة الف يوم كل يوم مائة الف ساعة كل ساعة مائة الف دقيقة كل دقيقة منها يساوي مائة الف سنة من سني الدنيا فيكون سني الدهر مائة الف الف الف الف الف الف الف الف الف الف الف احدي‌عشر مرة من سني الدنيا و يحدد ذلك بحركات افلاكها لانها اطولها بقاء في عالمها و ابعاضها يتصرم قبل ان يتصرم افلاكها و افلاكها اذ ذاك تتحرك علي المحور من حيث ظواهرها و ان كانت تتحرك علي القطب من حيث الباطن اي السرمد .

و اما الزمان فهو وقت الاجسام و امتدادها و مبدؤها محدد الجهات و جسم الكل و منتهاه التراب و تختلف مراتب الزمان بحسب شدة التركيب و ضعفه فكلما قرب من المبدء يكون اشدها تركيبا و اطوله بقاء و ابعده عن الانفطار و التفكك و كلما بعد عن المبدء يكون اضعفها تركيبا و اقصرها بقاء و اقربه من الانفطار و التفكيك و انما ذلك لكثرة تنافر اجزاء البعيد و قلته في اجزاء القريب الاتري كثرة اختلاف [ص 15] اجزاء التراب و تنافر بعضها من بعض و شدة تشابه اجزاء الماء بالنسبة الي التراب ثم شدة تناسب اجزاء الهواء بالنسبة الي الماء ثم شدة تشاكل اجزاء النار بالنسبة الي الهواء ثم شدة تشابه اجزاء الافلاك حتي زعمتها الحكماء بسائط و زعمتها الملكوت و عرصة القيمة و زعمت امتناع الخرق فيها و امتناع الدثور و الاضمحلال فيها و غلطوا و الاسلام ابطل هذه الاقوال و انشق القمر و ردت الشمس و تطلع من مغربها في آخر الزمان و تبطئ في حال العدل و تسرع في حال الجور و صعد اليها النبي صلي الله عليه و آله و تطوي كطي السجل للكتب و تبدل بالجملة كل ما في الاجسام مركب من مادة و مدة و لكل واحد عناصر علي حسبه و شدة تركيب و ضعف تركيب و كلما كان من الاجسام الطف و اشبه اجزاء بعضها الي بعض يكون ادوم و كلما كان منها اكثف و اشد تنافرا في اجزائها كان اقل بقاء و اسرع دثورا علي ما بينا و شرحنا و كررنا و تمام مدة بقاء هذا التركيب اي تركيب الاجسام مائة الف سنة علي ما وردت به الاخبار و دل عليه صحيح الاعتبار ثم يتفكك بعد ذلك بين النفختين و هذه المائة الف سنة يكون عشرون الفا منها دولة الباطل و ثمانون منها دولة الحق و ذلك ان العالم هو الانسان الكبير و لا بد و ان يستكمل في ايام عمره الدورات الاربعة و يكمل فيه طبايعه الاربع التي خلق منها و هي النار التي هي فيه بمنزلة الصفراء في الانسان [ص 16] الصغير و الهواء الذي هو فيه بمنزلة الدم في الانسان الصغير و الماء الذي هو فيه بمنزلة البلغم في الانسان الصغير و التراب الذي هو فيه بمنزلة السوداء في الانسان الصغير و كما يكون للانسان في عمره اربع مراتب يكمل في كل مرتبة منه خلط من هذه الاخلاط كذلك للانسان الكبير في عمره اربع مراتب يكمل في كل مرتبة منه خلط من اخلاطه التي بنيت بنيته منها فالربع الاول من عمر الانسان الصغير ربع الربيع و هو ايام الصبي و وقت سلطان الدم عليه و ايام نمائه و زيادته عرضا و طولا و لهوه و لعبه و الربع الثاني من عمره ربع الصيف و هو ايام الشباب و سن الوقوف و ايام سلطان الصفراء و قوته و طيشه و الربع الثالث هو ربع الخريف و سن الكهولة و الكمال و ايام سلطان البلغم في الباطن و السوداء في الظاهر و الربع الرابع سن الهرم و الانحطاط و ايام سلطان السوداء في الباطن و البلغم في الظاهر و فصل الشتاء منه و لكي لايعلم من بعد علم شيئا و غايته الموت و تختلف مدد هذه الارباع بحسب الاعصار و الامصار و ضعف التركيب و قوته فالحد المعتدل في هذه الارباع خمسة و عشرون سنة اذ يستكمل في كل سنة في كل فصل مرتبة من مراتبه الخمس و العشرين و هي عناصره الاربع و افلاكه السبعة و الواحه الثلثة و قلبه و جسمه الكلي و مثاله و مادته و طبعه و نفسه و روحه و عقله و فؤاده و اسمه و مسماه فيتربي و يترقي في كل سنة مرتبة من هذه المراتب الاربع فاذا تم [ص 17] ربيع هذه المقامات ينتقل الي صيفه و يتربي و يترقي في كل سنة منه ايضا مرتبة من مراتبه و هكذا في الفصلين الآخرين ففي ذلك تمام مائة سنة و لما كان الانسان الكبير ايضا من اول نشوه الي موته ايضا له فصول اربع و في كل فصل يستكمل عناصره الاربع و افلاكه السبعة و الواحه الثلثة و عرشه و جسمه الكلي و جواهره السبعة و اسمه و مسماه صار عمره مائة الف سنة و صار كل سنة من الصغير الف سنة من الكبير لانه مقام التفصيل و الانسان الصغير مقام الاجمال و انطواء الكبير فيه و هو حقيقة ايضا موجود فيه هذه المراتب ايضا الا انها منطوية فيه انطواء الاعداد المتكثرة في الواحد فالانسان مقامه مقام الواحد و نزل الي الفعل و الظهور و المظهر فكان الفا فصار عمر الدنيا مائة الف سنة عشرون الف سنة منها دولة الباطل و هو ايام استكمال عناصره الاربعة و افلاكه السبعة و الواحه الثلثة و عرشه و جسمه الكلي و اربع من جواهره في فصل ربيعه و ايام صباه و اما الخمسة الاخر فهي مما يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و ليس فيه طاعة الشيطان و الثمانون الف من عمره يصرف في طاعة الرحمن و اكتساب الجنان لمضي سن الصبي و مجيئ سن الشباب و قوة العقل و البدن و وقوع التكليف و تحليل الرطوبات المائلة الي المعاصي و غلبة الحرارة و اليبوسة الصيفية التي هي من جهة المبدء عليه و غلبة سلطان الحرارة التي هي جهة الرب عليه [ص 18] فافهم ما ذكرناه راشدا موفقا فانه من موحشات البيان و عجايب الزمان و يمضي يومنا هذا من اول عمره و يومنا هذا العشرون من شهر شوال سنة احدي و ستين بعد المأتين و الالف ست‌عشر سنة و اربعمائة سنة و سبعة آلاف سنة و تسعة اشهر و عشرون يوما و هذا الحساب علي ما روي في رواية ابي‌لبيد عن الباقر عليه السلام بالجملة صار مدة طول الزمان مائة الف سنة لشدة الاختلاف الحاصل في بسايطه المورثة لسرعة التفكيك فاذا مات العالم عند نفخة الصعق الكلية و دفن اربعمائة سنة و ذهبت الاكدار و زالت الاغيار و تطايرت اجزاؤه و تركبت ثانيا تركيبا الهيا ايتلافيا و دارت افلاكه علي القطب بقيت مدي السرمد بلا غاية و لا نهاية فحينئذ تدور جميع الكرات علي القطب و لم‌يكن غروب و لا طلوع و لا ليل و لا نهار و لا اكدار و لا اغيار و بقيت اهل النار معذبين في دار البوار بلا زوال و بقيت اهل الجنة منعمين في دار السلام بلا زوال و لعل في ما ذكرنا كفاية لفهم الاطوال الثلثة و العلة في اختلافها .

و اما الجواب عن السؤال الثاني و ان كان تبين لمن كان له قلب من الجواب عن السؤال الاول الا انا نريد ان نوضحه ايضاحا بقدر الميسور اعلم انك بعد ما عرفت ان ما سوي الله صفات الله سبحانه كما قيل ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و صفاته من كماله و هو سبحانه لاينتظر لنفسه حدوث كمال لعلك تعرف ان جميع خلقه سبحانه موجود [ص 19] كل في محله و وقته و حدوث الكل كما بينا حدوث حقي لا حقيقي و الحدوث الحقي اشد افتقارا الي محدثه من الحقيقي و قد مثلنا لك بالسراج و اشعته و كون الاشعة ثابتة في محالها ابدا شعاعيا مع انها حادثة مفتقرة الي السراج و قد بينا ذلك آنفا و يدل عليه مزيدا علي ما مر ما قاله الرضا عليه السلام لعمران الصابي حيث سأله و قال يا سيدي اليس قد كان ساكنا قبل الخلق لاينطق ثم نطق قال الرضا عليه السلام لايكون السكوت الا عن نطق قبله و المثل في ذلك انه لايقال للسراج هو ساكت لاينطق و لايقال ان السراج ليضيء فيما يريد ان يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و انما هو ليس شئ غيره فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به فبهذا تستبصر امرك الخبر ، و هذا معني ما يروي انه سئل علي عليه السلام هل العالم حادث فقال عليه السلام لو كان حادثا كنت تكون ، و قوله عليه السلام كنت تكون استفهام انكار اي ماكنت تكون و ذلك لان الواحد الاحد لو كان و لا خلق في حده و مقامه ابدا ينبغي ان لايكون خلق ابدا فانه سبحانه بنفسه لايتغير عن كيانه و لاينتقل عن حاله و لايبدو في ذاته شئ لم‌يكن هو علي ما كان فان كان سبحانه و لا خلق اي كان بلا كمال كان ذلك النقص له سبحانه قديما مستمرا و ان كان هنالك خلق اي كان كاملا كان ذلك الكمال له سبحانه مستمرا فلو كان و لا خلق في وقته و محله ينبغي [ص 20] ان يستمر تلك الحالة و لايكون شئ لان الله سبحانه لايتغير عن كيانه و لايحدث فيه اقتضاء لم‌يكن و لا شئ هناك حتي يقتضي الايجاد بل لو كان لكان قبل الاقتضاء و كان الاقتضاء فعله فكان قديما خلقيا و هو ما ذكرنا او واجبا و هو محال و ان لم‌يكن شئ فلا شئ حتي يقتضي فيجب ان لايحدث شئ ابدا و ان قلت انك جوزت الاحداث بلا اقتضاء من الله سبحانه و لا من الخلق فما الذي يضر لو كان الله سبحانه و لا خلق ثم يحدث الخلق بلا اقتضاء اقول هذا الكلام حق من وجه و باطل من وجه فان اريد به ان الله سبحانه كان و لا خلق في ذاته ثم احدث الخلق و اريد بثم تأخر رتبة الخلق عن الخالق فهو كذلك كان الله و لا خلق ثم احدث و ان اريد بثم التراخي و التأخر في مدة فذلك باطل لان المدة من خلقه و ذاته لا مدة لها و الكلام يجري في تلك المدة الحاصلة انها كيف كانت هل كان قبلها مدة فاصلة ام لا فان لم‌تكن مدة فاصلة فما تقول فيه نقول في الكل و ان كانت مدة فاصلة اخري يجري الكلام فيه و لايبقي للكلام حد ينتهي اليه بالجملة ان الله سبحانه كان و لا شئ معه في ذاته و الخلق في رتبة الخلق خلق قائم به سبحانه قيام صدور بلا كيف و لا ربط و لا نسبة و هو منشئه بلا كيف و ليس وراء الخلق مسافة يتقدم فيه الخلق او يتأخر و لا مدة يمكن التقدم فيه و التأخر كما قال الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث [ص 21] غيرهما ، فاذ لم‌يكن ثالث فتمام الخلق في محله و وقته فلايسئل عن سر وقوع الخلق في موقعه اذ لا مدة و لا مسافة غير نفس الخلق يمكن التقدم فيهما و التأخر و غير الخلق هو الله سبحانه و لايدخل الخلق في ذات الله سبحانه فليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و لا لله سبحانه في معناه تعظيم فافهم ذلك بتدبر و تعقل ثم قسم هذا الخلق الي قسمين امر و خلق كما قال الله سبحانه له الخلق و الامر تبارك الله رب العالمين و عالم الامر محيط بعالم الخلق من كل جهاته و سار في جميع مراتبه و مقاماته و نافذ فيه نفوذ الاحد في الاعداد بحيث لايخلو منه مكان و ليس محدودا بمكان و ذلك الخلق قائم بذلك الامر قيام الشعاع باضائة المنير و قيام الكلام بتكلم المتكلم و ذلك قوله عليه السلام كل شئ سواك قائم بامرك ، و قوله تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره اي سماء المقبولات و ارض القوابل فالامر و الخلق واحد عيانا و منظرا لان الامر غيب الخلق و اثنان مخبرا لان الخلق اثر الامر قائم به قيام صدور و هو شعاعه و نوره و انت تعلم ان الشئ لايتجاوز ما وراء مبدئه فكما لم‌يجز هناك لما سوي الله سبحانه ان يتقدم او يتأخر لانه لا مدة و لا فضاء غير نفس الخلق حتي يجوز التقدم فيه و التأخر كذلك لا فاصلة بين الامر و الخلق من وقت ممتد او مكان ممهد حتي يجوز تقدم الخلق فيه و انما هو امر و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما [ص 22] فان غيرهما ينبغي ان لايكون بامر الله و لا خلقه و ليس شئ كذلك و كل ما سوي الامر خلق و كل ما سوي الخلق امر نعم لو كان الامر في وقت ممتد و لا خلق كان يسئل انه لم تعلق بالخلق في ذلك الجزء من ذلك الوقت و لم‌يتعلق في ذلك الوقت و اما اذا كان الامر و لا مدة صالحة ان يكون فيه الامر و يقع فيه ما يحدث كيف يجوز السؤال عنه و انا اخبرك ان سبب السؤال ما هو و امثل لك في الظاهر مثلا ثم ابين الباطن ان النفس لما كانت مدركة للصور الجزئية عاجزة عن ادراك ما ليس بمعني و لا صورة لاسيما اذا انهمك في عالم المثال الذي هو اغلظ منه و اربط بالمواد الجسمانية اذا ارادت فهم هذا المقام لا بد و ان تستعمل في ذلك مشعر الخيال و التصور لانهماكها في ذلك مع انها لو ارادت ان تدرك ذلك بنفسها ايضا لكانت كذلك الا انها كانت الطف فاذا استعملت مشعر الخيال تصورت فضاء فارغا و تتصور الله سبحانه في مقام من ذلك الفضاء في جهة من الجهات من يمين ذلك الفضاء او يساره او امامه او ورائه او فوقه او كهواء مالئ جميع ذلك الفضاء و الفضاء الذي يدركه المثال مرتبط بالاجسام و يمر عليه وقت لان عالم المثال برزخ بين الدهر و الزمان و له غداة و عشي فيتصور الله سبحانه انه كان في ذلك الزمان برهة من تلك المدة ثم خلق الخلق بعد مدة مديدة كان وحده و لا سواه فيتحير الانسان عند ذلك ان الخالق القادر الذي كان [ص 23] يقدر ان يخلق الخلق قبل هذا الوقت لم اخر الخلق الي هذا الجزء من هذه المدة و ربما يتصور مع ذلك وقوع الخلق في بقعة من ذلك الفضاء ثم يتحير انه سبحانه مع قدرته علي ان يخلق في بقعة اخري لم خلق في هذه البقعة و لم‌يكن شئ غيره حتي يسأله ايقاع الخلق في هذا الجزء من هذه المدة و في هذه البقعة و الله سبحانه بنفسه ايضا لا اقتضاء له و هو حكيم لايرجح شيئا من غير مرجح و لا شئ هناك حتي يترجح و يرجحه الله سبحانه بترجحه فيتحير و لو استشعر الانسان انه لو كان الامر هكذا لكان ذلك الفضا محيطا به سبحانه يسعه و يسع خلقه و هو ان كان عين ذاته فكيف يقع ظرفا للخلق و ان كان غير ذاته فهو خلقه و كلامي في خلق الخلق و كيف يحل سبحانه في فضاء و اي فضاء يمكن ان يقع فيه الخلق و يحل فيه الخالق و كذلك لو كان مدة و كان الله سبحانه فيها و كان برهة منها و لا خلق ثم خلق الخلق في جزء منها فانه حينئذ يكون تلك المدة مشتركة بينه سبحانه و بين ما خلق و لايشتركان في مدة الا ان يكونا من جنس واحد كما ان الجسمين يشتركان في الزمان و النفسين تشتركان في الدهر و ذلك لما بينا آنفا ان الوقت امتداد تركيب المركب و لايشترك الشيئان في نحو التركيب الا اذا كانا من جنس واحد كما عرفت فاذا مر علي الله برهة من الوقت ثم خلق ما خلق في جزء منه كان الله سبحانه و خلقه من جنس واحد اشتركا به في نحو [ص 24] الامتداد و لاجل ذلك يتصور النفس كيفية الايجاد و يسئل عن ذلك و من هذا تستبصر امرك لو تدبرت و اذا صرت رجلا تعرف الشئ من غير ان تصوره بخيالك فعساك تعرف ما اريد ان اذكره لك ،

و من كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فيأخذه عنا

فمنه الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما وهبناكم عنا

و ذلك لان بيان هذه المسئلة فوق المشاعر و ليس يدرك ما فوق المدرك بالمدرك كما قال علي عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، و قال الله سبحانه و لكل منا مقام معلوم و السبب في كون هذا البيان فوق مشاعرك لانه بيان كيفية خلقة المشاعر و هي لم‌تكن قبل خلقها حتي تعرف انها كيف خلقت فدرك حقيقة ذلك شأن من اشهده الله خلق نفسه و اما ما سوي ذلك فيعرفونه في المعاني السفلي فاستمع لما يتلي عليك فانه من ينبوع العلم النبوي و معدن الحكمة العلوي و لا قوة الا بالله العلي العظيم فاذا عرفت ما بينا من عدم مكان ممهد و وقت ممتد بين الله سبحانه و بين جميع خلقه و بين الامر و الخلق فاعلم ان الله سبحانه قسم بعد ذلك الخلق الي ثلث مقامات الجبروت و الملكوت و الملك و هي المشار اليها بقوله سبحانه بسم الله الرحمن الرحيم و المشار اليه في الحديث المروي في الكافي في باب حدوث الاسماء و الجبروت و الملكوت [ص 25] وقتهما الدهر الا ان وقت الجبروت ادوم و الطف و اعلي و اشرف من وقت الملكوت و وقت الملكوت اخس و ادني و اكثف كما اشرنا اليه آنفا و تمام الدهر سرمدي و هو محل المشية الكونية و ليس بينه و بين السرمد الذي هو عالم الامر وقت و لا مكان يحتمل تقدم الدهر فيه و التأخر فاذا قسم الدهر علي قسمين وقع الاعلي منه في حده و محله و الاسفل في حده و محله فلو كان الاعلي الاسفل لم‌يكن اعلي و لو كان الاسفل الاعلي لم‌يكن اسفل فالاعلي اعلي و الاسفل اسفل كل في حده و محله لايجوز تقدم الاعلي و تأخره لما عرفت و لايجوز تقدم الاسفل فيقع في الاعلي و يكون اعلي لا اسفل و لايجوز تأخره فيكون ماديا لا مجردا فالملكوت اذا صعد فرضا هو جبروت لا ملكوت صاعد و الجبروت النازل ملكوت لا جبروت نازل افهم ما اذكره لك و استعمل مدركه لا خيالك و نفسك و عقلك فتزداد تحيرا انما تحسب نفسك في صحن البيت و تجوز صعودك علي السطح و انت انت فتسئل عن سبب كونك في صحن الدار لا في السطح و هذا تخيل بمدرك خيالي و شتان ما بين الخيال و ما اقول لك و انما مثل ذلك الشعلة و الاشعة و مثل صعود الملكوت الي الجبروت صيرورة كينونة الاشعة شعلة و مثل نزول الجبروت الي الملكوت صيرورة كينونة الشعلة اشعة فاذا الشعلة شعلة و الاشعة اشعة و لاتكون الشعلة شعاعا صار شعلة و لايكون الشعاع شعلة صارت اشعة فهو اذ ذاك [ص 26] شعلة و لا شعاع و هذا اذ هو شعاع و لا شعلة فلو خلق البياض سوادا لكان سوادا ابتدائيا لا بياضا صار سوادا و لاينقلب البياض الي السواد الا ان يعدم و يدخل لجة الامكان ثم يخرج الي فضاء الاكوان و هو سواد و هو سواد ابتدائي فانه بعد ما دخل لجة الامكان صار امكانا لا تعين فيه فهو اذ ذاك صالح لكل شئ و نسبة كل لون اليه علي السواء فاذا خرج الي ساحل الاكوان و خلق سوادا خلق سوادا هو سواد ابتدائي لا بياض صار سوادا لو كتبت الفا و محوتها و كتبت بمدادها باء ليس هي الف انقلب باء و الا كل الف باء انقلب اليها و الا كل شئ منقلب كل شئ لانك بعد ما محوت الالف ادخلته في لجة المداد الغير المتعين الصالح لكل حرف فصار كهيئته يوم اول فاذا كتبت به الالف خلقتها ابتداء فافهم ما اكرره لك و اريك من آيات الآفاق و الانفس المحكمات و رد اليها متشابهات تصويراتك و اطفئ السراج فقد طلع الصبح فالملكوت اذا صعد الي الجبروت هو جبروت لانه لايثبت بامكانه الجبروت الا ان يمحي كونه الملكوتي ثم يدخل في لجة الامكان الراجح ثم يخرج الي ساحل الاكوان جبروت فاذا عقل جبروتي لا نفس ملكوتي و كذلك لايثبت بامكان الجبروت الملكوت الا ان يمحي كونه الجبروتي و يدخل في عرصة الامكان الراجح ثم يخرج الي فضاء الملكوت بعد خلق جبروت مقدم عليه فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر انه لايجوز تقدم الملكوت و تأخره [ص 27] و لا تقدم الجبروت و تأخره و لعلك من هذا البرهان ايضا تتفرس استحالة تقدم الامر مطلقا فاذا كل واحد منهما في حده و محله ثابت طولا و كذلك حكم الملك الذي وقته الزمان فلايجوز تقدمه في الملكوت لما عرفت آنفا لانه اذا ملكوت لا ملك متقدم في الملكوت و لايجوز تأخره لانه ليس وراء عبادان قرية و الله من ورائهم محيط و هو غاية الخلق و نهاية الوجود و الملك في بطن الملكوت اي هو ظاهر الملكوت و الملكوت غيبه المحيط به و الملكوت في بطن الجبروت اي هو ظاهر الجبروت و الجبروت غيبه المحيط و هو في بطن عالم الامر اي هو ظاهره و هو اي الامر غيبه المحيط به و هو غيب الغيوب و غاية الغايات و نهاية الاشارات فاني يتأخر الظاهر و اني يتقدم تدبر راشدا موفقا مستبصرا ناظرا بالفطرة التي خلقك الله عليها غافلا عن القواعد و الرسوم و ما سمعت من العلوم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ، صبغة الله و من احسن من الله صبغة و هذا الذي حققنا و شرحنا و بينا كان في الطول علي نهج الحكمة و ان شئت ان نبين ذلك علي نهج المجادلة بينا و لكنه يورث الالتزام دون بلوغ المرام و لكن نشير اليه لئلايبقي لك كلام و ينتفع به من قصر عن درك المقام .

اعلم انا نقول ان الخلق اي ما سوي الله اذا تقدم او تأخر عن حده و محله لايخلو اما يتقدم في مكان او وقت او لا في مكان و لا في وقت اما الشق الاخير فهو [ص 28] خلاف المعقول و انا نتكلم في ما نعقل و نكلف بما نعقل و احتمال جواز تقدم او تأخر في لا مكان و لا زمان احتمال سوفسطائي لايفيد شيئا هب انا نقول لا مكان و لا زمان اليس يتقدم في شئ صالح للتقدم فيه او يتأخر في شئ صالح للتأخر فيه و لايسعك ان تنكر ذلك فسم ذلك الشئ ما شئت فهذا الشئ لايخلو اما انه قديم او حادث فان كان ذلك الشئ قديما و هو ذات الله سبحانه فقد صار محلا لغيره من الحوادث و محل الحادث حادث كما حقق في محله و ليس هيهنا موضع بيانه و لو شئنا ان نستقصي جميع ما يتعلق بالمسئلة ليفني العمر قبل ان يشرح المسئلة المسئولة و ان كان هو غير ذات الله فقد تعدد القدماء و ان كان حادثا فننقل الكلام اليه فنسئل عنه بل هو من اجزاء ما كنا نتكلم فيه فان كلامنا في ما سوي الله سبحانه و هو مما سوي الله فثبت ان غير الله اي ما سوي الله لايجوز ان يتقدم عن حده و لايتأخر عن محله و هكذا الكلام في العوالم الثلثة المشار اليها فان عالم الجبروت اذا تقدم يجب ان يتقدم في شئ يجوز التقدم فيه فان كان ذلك الشئ نفس عالم الامر فوجب ان يصير الخلق امرا حتي يجوز دخوله في عالم الامر و يصير المؤثر اثرا و يوجد الشئ قبل كونه و هو محال و ان كان غير الامر و غير الجبروت فلا ثالث بين الامر و الخلق فقد قال الله سبحانه له الخلق و الامر و اول صادر عن الامر هو عالم الجبروت فانه عالم العقول [ص 29] و اول ما خلق الله العقل و ان كان هو ايضا من عالم الجبروت فهو هو و هو من اجزاء ما يكون الكلام فيه و كذا لايجوز تأخره عن حده و محله فان ما دونه صفته و الموصوف لايصير صفة فان الموصوف بالنسبة الي صفته قائم بنفسه و الصفة قائمة بالموصوف فلو نزل الموصوف الي عالم الصفة لكان صفة و لم‌يكن موصوفا نازلا فافهم و الكلام في الملكوت و الملك كالكلام في الجبروت و العقليات لاتخصص فتدبر و هذا الذي ذكرنا في الطول و قد ثبت ان كل شئ واقع في رتبة لايجوز التقدم له عليها و لا تأخره عنها .