الياقوتة الحمراء
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين الي يوم الدين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد اخبرني من يجب علي طاعته بمشاجرة وقعت بينه و بين بعض المتعنتين في و انا اقل من ان يتشاجر في مثلي لقلة بضاعتي و كثرة اضاعتي و كون نفسي عندي مثل الذرة بل اقل و ما عسي ان يكون دعاوي من كانت حقايقه دعاوي و ما يحتمل ان يكون مساوي من يكون محاسنه مساوي فاخبرني انه قد وقع بينه و بين رجل تشاجر في ما اكتب في اجوبة المسائل الواردة علي من المعضلات و حل ما يسئل عني من المشكلات و لعله ذكر عنده ان فلانا يجيب عن كيت و كيت فانكر عليه ذلك المتعنت غفلة عن قولهم عليهم السلام ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا ، و عن قولهم عليهم السلام ما من عبد حبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل عن مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة ، فتعنت عليه ان فلانا كيف يقدر ان يجيب عن حقيقة لون هذا البساط و كان تحته [ص 3] بساط احمر اللون من وبر و كيف يقدر ان يكتب في ذلك رسالة و المتعنت و ان لميكن له جواب عندنا الا ان المخبر ادام الله تأييده امرني ان اكتب في حقيقة الحمرة و كيفية انصباغ ذلك البساط بالحمرة كلمات و حتم علي و كان ممن لايسعني التخلف عن حكمه و يجب علي امتثال امره لازال مؤيدا بتاييدات الله و عونه فبادرت الي الجواب مستعينا بالله الجواد الوهاب و ها انا اشرح ذلك علي ما يسنح بالبال بالهام الله المتعال و اجعل رسالتي هذه مبتنية علي مقالتين و خاتمة ، فالمقالة الاولي في معني اللون و حقيقته و المقالة الثانية في معني الحمرة و كيفية خلقتها و نزولها من الخزائن العالية التي اشار الله سبحانه اليها بقوله و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و اذكر ان شاء الله في هذه المقالة ظاهر الحمرة و تاويلها و باطنها و باطن تاويلها و تاويل باطنها و لعلي اشير الي باطن باطنها علي نهج الايماء اذ لايحل علي عالم التصريح به و الخاتمة اذكر فيها كيفية انصباغ الوبر بلون الحمرة و كان حمرة ذلك البساط من اللك و سميتها بالياقوتة الحمراء .
في معني اللون المطلق و حقيقته ، و انما قدمت هذا المعني لانه لايفهم حقيقة الحمرة الا بعد فهم حقيقة اللون و هذا المعني من المبادي القريبة و الا فالمبادي البعيدة اكثر من ان تحصي [ص 4] في كتاب واحد و في هذه المقالة فصول :
فصل - اعلم ان حقيقة اللون قد خفيت علي الحكماء الاعلام و تاه فيه عقول العلماء الفخام حتي ان منهم من زعم ان الاجسام من حيث انفسها لا لون لها و انما الالوان تحدث من اشفاف الجسم و الهواء و الضياء و عدمها و ضعفها و شدتها فالجسم الشفاف اذا انقسم الي اجزاء صغار ثم ارتكمت و تعاكس الانوار من جزء الي جزء يري ابيض كالزجاج المسحوق و الزبد في الماء و اذا كان الامر بعكس ذلك يري اسود و هذا القول بمعزل عن التحقيق بداهة فان الفضة بيضاء و ليست بشفافة و لا اجزاء صغار مرتكمة بل هي جسم صلب متلزز و كذا الاحجار البيض الصلبة و منهم من جعل الماء سببا للسواد حيث راي ان التراب اذا بل صار اسود و الثلج اذا غمص في الماء مال الي السواد و زعم ان الماء يدخل خلل الجسم و يخرج الهواء المشف و سد منافذ الضياء فيسود فيبطل علي هؤلاء قولهم وجود لبن العذراء و ذات الرغوة و المحلولات المسترسبة فانها تبيض في جوف الماء بل محلول الفضة المسترسبة ابيض ما دام في الماء فاذا صب عنه الماء اسود قليلا و علاه ظل الفضة و منهم من زعم ان اللون هو السواد لانه لاينسلخ و البياض عارض ينسلخ و يبطل علي ذلك قوله انسلاخ سواد شعر الشاب و ابيضاض الشيب و سواد خبث الحديد اذا حل و استرسب و صيرورة الفحم رمادا و امثال ذلك مما لايحصي و منهم [ص 5] من ذهب الي ان الاجسام لها استعدادات اذا اشرق عليها ضوء ظهر اللون و صار بالفعل و قبل الضوء ليس لها الوان بل اللون فيها بالقوة و الي ذلك ذهب الشيخ في الشفاء بعد اضطراب عظيم و اقرار منه في كثير من المواضع انه شاك ظان في امر الالوان و اقر في مسئلة الهالة انه جاهل بالوانها و اطال الكلام من غير طائل و ذكر ما حاصله ان الجسم علي قسمين شاف و حاجب و الحاجب من ذلك علي قسمين قسم يري بذاته فهو المضيء و قسم يري باشراق غيره فهو الملون و اللون بالفعل يحدث بسبب النور فان لميكن كان اسود فقط لكنه بالقوة ملون و استدل علي ذلك بان اللون لو كان موجودا في الظلمة لكان يري فان الهواء المظلم مشف بل الظلمة و السواد حال ما يقبل الاستنارة فعند عدم النور لونه السواد و ليس فيه لون بالفعل و اكد الاستدلال بان النور يري و المشف لايري و لا لون له فالظلمة لون الحاجب و قد خبط في المسئلة خبط عشواء فانا لانسلم قوله ان اللون لو كان موجودا لكان يري فانا نقول ان الشئ علي ثلثة اقسام اما يكون لطيفته اكثر من نفسه فهو المضيء فذاك يري بنفسه و يري غيره بفضل لطيفته و اما يكون لطيفته بقدر نفسه فهو الظاهر بنفسه كالجمرة فهي تري و لو في الظلمة و لاتري غيرها لانه لا فاضل لها يشرق علي غيرها و اما يكون لطيفته اقل من نفسه فلايظهر و انما يحتاج في الظهور الي فضل وجود غيره و هذا التقسيم باب من العلم يفتح منه الف [ص 6] باب فاحفظه فالاجسام الغير الضيئة لطيفتها اقل من نفسها فلاتظهر بنفسها لا انها لا الوان لها فالالوان تحتاج في ظهورها الي ضياء يكملها حتي يظهرها لا في وجودها فان وجودها من طبيعة الجسم كما ياتي و اما قوله الظلمة ليست بلون الهواء لانه مشف و انما هو لون الحاجب فذلك ايضا قول خابط و استدل علي ذلك بانك لو كنت في غار تري ما كان مستنيرا خارجا و وجه الخبط ان الظلمة بنفسها شئ موجود و ليست محض عدم النور لقوله سبحانه جعل الظلمات و النور فهي شئ مجعول قد تعلق به مشية الله سبحانه و اوجده الا انها ليست بجسم حاجب و انما هي لون مشف يعرض الهواء المشف فلاجل ذلك لايحجب ما كان خارج الغار مستنيرا فالهواء يعرضه الظلمة كما تعرض الاجسام الحاجبة بلا تفاوت هذا و الذي يري من جوف الغار اشباح الالوان المستنيرة و تلك الاشباح ايضا نيرة تنير ما تقع عليه من الهواء علي انا قد حققنا في علم المناظر ان الرؤية بالانطباع و ورود الصور لا بخروج الشعاع من العين فالصور النيرة الواردة تنير الهواء و ترفع ظلمته و سبب عدم رؤية الالوان في الظلمة قلة لطيفتها لا عدم وجودها اصلا و علم من ذلك ان تخصيصه الالوان بالاجسام الحاجبة ايضا خبط فان الجسم كما سنذكره له لون الا ان الجسم المشف لونه مشف فلايري و الجسم الحاجب لونه حاجب فيري اذا استنار فتبين و ظهر ان قول الشيخ من مبدئه الي منتهاه فاسد [ص 7] لميصدر عن تحقيق و من راجع الشفاء عرف انه قد ذكر جميع ما ذكر عن ظن و شبهة و مثله ابنهيثم علي ما نقل عنه في شرح التجريد فانه صرح بان ما اختاره من اشتراط وجود اللون بالضوء انما هو بالحدس و يجوز ان يكون اللون طبيعة غير مشروط بشئ من مراتب الضوء فيوجد تلك الطبيعة في الظلمة فيوجد اللون في ضمنها الا ان الحدس يحكم بما ذكرنا فظهر لمن نظر ان الفحول قد تحيروا في امر اللون و جهلوا معناه و انما يذكرون ما يذكرون بالحدس و الظنون لا بمشاهدة العيون و منهم من قال ان الاسطقصات كلها مشفة و انها اذا تركبت حدث منها البياض علي الصفة المذكورة من قول الاولين و بان يكون ما يلي البصر سطوحا مسطحة من المشف فينفذ فيها البصر و ان السواد يعرض اذا كان ما يلي البصر من الجسم زوايا يمنع الاشفاف و هذا القول ايضا بمعزل عن التحقيق لمكان البياض في غير الشفاف و كون التراب الموجود غير مشف و تركب المركبات من هذا التراب و غيره الاتري البياض في بعض المعادن و الاحجار و النباتات و الحيوانات و ليس شئ منها بمشف و منهم من اقر بان الجسم لايخلو من لون الا انهم انكروا الاجسام المشفة و زعموا ان رؤية ما ورائها لمسامات فيها و هذا القول ايضا باطل فان المسامات خلوة عن جسم شاف فيلزم الخلاء او مشغولة فيثبت الشاف هذا و المسام الذي يري منه ما ورائه كيف حجب عن العين في البلور و الالماس و الياقوت و الشاف [ص 8] المستدير يشف عما ورائه من كل جهة و من كل جزو فاذا كان جميعه المسام فما الجسم و فيما الصلابة و الوزن فتبين و ظهر ان جميع هذه الاقوال خارجة عن الاعتدال معزولة عن التحقيق و الحق في المسئلة ان المركب له لون سواء كان في الاجسام الظاهرة الزمانية ام الاجسام المثالية البرزخية ام الاجسام الدهرية النفسانية ام المركبات الجبروتية و تختلف مراتب اللون بحسب اختلاف مراتب المركب فان المركب ان كان لطيفا كان اللون لطيفا و ان كان كثيفا كان كثيفا و لنا علي ذلك استدلالات من الكتاب و السنة و الحس الظاهر و العقل الباهر .
فصل - الذي يدل علي وجود اللون للمركبات من كتاب الله المجيد آيات فمنها قوله سبحانه و من آياته اختلاف السنتكم و الوانكم حيث اضاف الالوان الي الاشخاص فلو كان اللون شيئا يحدث من تعاكس الانوار من الاجسام الشافة في الهواء لكان لون الهواء او لون الضياء المتعاكس او كان امرا خياليا لا حقيقة له كما زعمه بعضهم و كلام الحكيم محمول علي الحقيقة لايجوز صرفه عنها الا بقرينة دالة و اذ لا قرينة في الكلام وجب صرفه الي الحقيقة بداهة فالاشخاص ذووا الوان و هي من آيات الله سبحانه خلقها و ليست بامر خيالي حدث من اختلاط الهواء و الاشعة و لو كانت كذا لكانت صفة الاشعة و الوان الاشعة و لكان ينبغي ان يقول اختلاف السنتكم و الوان الاشعة و منها قوله المتر ان الله [ص 9] انزل من السماء ماءا فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها و من الجبال جدد بيض و حمر مختلف الوانها و غرابيب سود و من الناس و الدواب و الانعام مختلف الوانه فاضاف في جميع ذلك الالوان الي الاجسام و وجب صرفه الي الحقيقة و قال ما ذرأ لكم في الارض مختلفا الوانه و قال يخرج به زرعا مختلفا الوانه ثم يهيج فتراه مصفرا الآية ، و قال شراب مختلف الوانه و قال من الشجر الاخضر نارا الي غير ذلك من الآيات الباهرات الواضحات و الذي يدل علي وجود الالوان في العوالم العالية قوله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و الالوان اشياء موجودة فلها خزائن نزلت منها و تصعد اليها فلها خزائن عالية من لدن المشية الي هذا العالم و هي الوان في جميع تلك الخزائن و مزيدا علي ذلك قوله سبحانه في صفة شراب الجنة بيضاء لذة للشاربين و قوله في لباسهم يلبسون ثيابا خضرا و في متكآتهم رفرف خضر و عبقري حسان و قال عاليهم ثياب سندس خضر و استبرق و قال يوم تبيض وجوه و تسود وجوه فمن تدبر في هذه الآيات الباهرات علم ان الالوان ثابتة في جميع العوالم كما ذكرناه و سنبرهن عليه فيما بعد ان شاء الله .
فصل - و اما الاستدلال علي ذلك من الاخبار فقول الصادق عليه السلام في حديث مفضل حيث يقول جعل لكل حاسة محسوسا تعمل فيه و لكل محسوس حاسة تدركه و مع هذا فقد جعلت اشياء [ص 10] متوسطة بين الحواس و المحسوسات لاتتم الحواس الا بها كمثل الضياء و الهواء فانه لو لميكن ضياء يظهر اللون للبصر لميكن البصر يدرك اللون و لو لميكن هواء يؤدي الصوت الي السمع لميكن السمع يدرك الصوت فهل يخفي علي من صح نظره و اعمل فكره ان مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس و المحسوسات بعضها يلقي بعضا و تهيئة اشياء اخر بها تتم الحواس لايكون الا بعمد و تقدير من لطيف خبير الخبر ، انظر في هذا الحديث الشريف كيف ابان عن حقيقة الامر و قال لو لميكن ضياء يظهر اللون و لميقل يوجد اللون او يحدثه و كيف صرح ان الضياء غير اللون حيث قال تهيئة اشياء اخر بها تتم الحواس فجعل الضياء شيئا غير اللون و قال بها تتم الحواس و لميقل المحسوسات فليس الضياء من تمام وجود اللون بل هو سبب ظهوره كما صرح به فظهر لمن اعتقد كون آلمحمد عليهم السلام اعلم الخلق بعد الخالق ان الضياء سبب ظهور اللون لا وجوده و انه شئ غير ذلك اللون البتة واسطة بين الحاس الذي هو البصر و المحسوس الذي هو ذلك اللون هذا في الظاهر و اما في العوالم الغيبية فالاخبار في وجود الالوان فيها اكثر من ان تحصي في صفة الجنة و بدء الخلق و انوار العرش و ساير العوالم لايحتاج الي ذكرها فثبت للعالم المسلم بالكتاب و السنة ان الالوان موجودة في جميع العوالم و انها موجودة في المركبات علي حسب طبايعها و انما [ص 11] الضياء مظهر لها لا موجد و علة تمام الادراك لاتكون اللون و اخراجه من القوة الي الفعل كما ذهب اليه الشيخ في الشفا و في الحقيقة بعد الكتاب و السنة لايحتاج الي دليل آخر الا انا نزيلهما بساير الادلة ايضاحا ان شاء الله و اما القوم فمعذورون عن عدم الاطلاع علي الكتاب و السنة و عن عدم تطبيقهم عقايدهم بهما فانهم لميشترطوا في حكمتهم مطابقة الشرع و مقرون بذلك علي انفسهم و فرقوا بين الحكمة و الكلام باشتراط المطابقة و عدمه و لكنهم و ان شرطوا في الكلام المطابقة لكنهم لميفوا به و ذهبوا مذاهب الكفرة و المشركين و النواصب من الاشعرية و المعتزلة و اليونانيين و امثالهم و تركوا الرجوع الي الكتاب و السنة مع ان الله سبحانه يقول و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول ، و روي ما من امر يختلف فيه اثنان الا و له اصل في كتاب الله بالجملة لنا ديننا و لهم دينهم لانسأل عما يفعلون و لايسألون عما نفعل .
فصل - و اما الدليل علي ذلك من المحسوسات انه لا شك ان الحدث يحدث من بين الفاعل و القابل و يختلف الحدث وجودا باختلاف الفاعل و ظهورا باختلاف القابل و نحن نري عيانا في اجسام متضادة الصفة و القابلية في انوار مختلفة القوة لونا واحدا كما انك تري البياض في الصلب كالفضة و الرخو كالثلج و في المتصلة الاجزاء كالحجر الابيض و المنفصلة الاجزاء كما اذا سحق ناعما و في الكثيف الحاجب كالكافور و اللطيف الشفاف كالبلور المسحوق و في [ص 12] الماء كلبن العذراء و خارجه كالاسفيداج و في الجمادات و المعادن و النباتات و الحيوانات و السفليات و العلويات فلو كان اللون من صبغ الضوء الحاصل من استعداد الشئ لماكان يتفق الوان هذه الاجسام المختلف الاستعداد في نور واحد و كذلك يوجد ساير الالوان في اجسام مختلفة كذلك و لو كان شئ من تلك الاقوال صادقا لماكانت الالوان توجد في جميع انحاء الاجسام كما تشاهد و لو كان السواد في غير الشفاف لماكان الزجاج الاسود اسود بل اذا دق يكون ايضا اسود و كذا الماء الملون بالسواد المشف اذا ازبد كان زبده ايضا اسود في الجملة و لو كان البياض في الشفاف لا في غيره لماكان الغاريقون مثلا ابيض و لماكان الاسفيداج ابيض و لو كان خروج الهواء و دخول الماء سبب السواد لماكانت المحلولات المسترسبة ابيض فلما رأينا الاجسام المتضادة في الصفات من الرخاوة و الصلابة و التلزز و التخلخل و تشاكل الاجزاء و اختلافها و الملاسة و الخشونة و الصقالة و الكدورة و الذوب و الجمود و في الماء و خارجه و التركيب من اللطيف و الكثيف و السفلي و العلوي علي لون واحد عرفنا ان اللون ليس بشئ حادث من ما ذكروه فانه لايطرد شئ من اقوالهم في جميع الموارد فلو كان الامر كما زعموه لكان ينبغي اذا وجد لون في جسم علي صفة يكون لون جسم آخر علي ضد صفته علي ضد لونه هذا و كل احد اذا راجع فطرته من غير استيناس بكلمات القوم يري بالفطرة ان علي الجسم المرئي [ص 13] شيئين نور هو من اثر المنير و ظله و لون هو من صفة الجسم الا ان الافهام اذا تغيرت فطرتها بالشبهات يشكل عليها الامر الاتري ان الشئ الابيض اذا نظرت اليه تراه ابيض سواء ضعف النور او اشتد و اذا اشتد يشتد بريق اللون و لمعانه لا اصل اللون و في الضوء الواحد يقل لون الشئ الواحد و يزيد و من الناس من يميز باقل ضياء و لو من الكوكب الوان الاشياء و يقرؤ الخطوط و منهم من لايري في الظلمة شيئا و هذان دليلان مونسان مقربان مؤيدان في الجملة و تشكيك من يقول لولا النور لميكن لون بعينه كتشكيك من يقول لو لمينظر احد الي السماء لايكون سماء و لو لمينظر احد الي ظل الشخص في الشمس لا ظل اصلا و الوجدان يعرف خلاف ذلك فكذلك الوجدان يعرف ان البريق و اللمعان صفة غير اللون و ان البريق يعرض علي اللون فيجعله براقا و لاجل ذلك قد تتوجه الي البريق فلاتري اللون و قد تتوجه الي اللون فلاتري البريق و تري بالبداهة ان البريق يظهر اللون و لايوجده و هل بعد العيان من بيان فمن كان صحيح الوجدان يكتفي بالتنبيه و من كان مختل الوجدان فليراجع الي ما مر من الدليل و البرهان و ياتي ان شاء الله .
فصل - و اما الدليل العقلي علي ذلك فوجهه خفي لايدرك الا برسم مقدمات و لو علي نهج الاختصار فالاولي ان تعرف ان العالي اي المؤثر معري عن حدود الداني منزه عن كثراته فلايجري عليه ما [ص 14] هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فهو احدي بالنسبة الي آثاره فلاينتهي الي ذوات آثاره و لا الي صفاتها فهو نافذ باحديته في جميع امكنة وجودية آثاره فلاجل ذلك صار اظهر من جميع ظهوراته كما روي في تفسير قوله تعالي : اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد ، يعني موجود في غيبتك و حضرتك و في الدعاء ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون الآثار هي التي توصلني اليك و ايضا في الدعاء لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك و الثانية ان تعرف ان للظهور معنيين احدهما الظهور الكوني و هو نفس الكون في الخارج لانه ظهور المكون فهذا الظهور يعم النور و الظلمة الظاهرين و الخفاء و البدو و الغيب و الشهود لانها كلها ظهور المؤثر و في الدعاء يا من الظلمة عنده ضياء و ثانيها الظهور الشرعي و نريد به ظهور اثر لاثر و هذا الظهور يضاده الخفاء بخلاف الظهور الاول فانه لا ضد له اذ العدم ليس محض و ليس بموجود فلايخفي عليه خافية في الارض و لا في السماء و لايعزب عن علمه مثقال ذرة و اما الظهور الثاني فضده الخفاء اذ كل شئ حضر عندك فهو ظاهر لك و ما غاب عنك فهو خفي عليك و الثالثة ان تعرف ان الشئ لايظهر لك الا ان لايكون بينك و بينه حجاب يستره من جسدك او خارج جسدك او مانع من نفس الشئ فان نفسك الدراكة في غيب بدنك [ص 15] و الاشياء لها صفات فمن الاشياء الصوت و جميع بدنك ساتر بينه و بين نفسك و لا طريق لها اليه الا من باب الاذن و الرايحة و جميع بدنك ساتر بينها و بينها و لا طريق لها اليها الا من باب الانف و هكذا و من الاشياء اللون و جميع بدنك ساتر بين نفسك و بينه و لا طريق لها اليه الا من باب العين فان كان باب النفس الي الشئ مفتوحا و لا حجاب بينها و بينه تدركه و الا فلا و الرابعة ان تعرف ان الشئ ان كان لطيفته اي اثر العالي الاحدي الظاهر زائدة علي نفسه او مساوية له يكون له ظهور و نور و اشراق و الا فلا و ذلك الظهور هو انبساط المثال العالي الملقي في هوية الاثر كما قال عليه السلام القي في هويتها مثاله و اظهر عنها افعاله و هي تلك الظهورات و الاشباح فالنفس و ان كانت دراكة و الباب مفتوحا و الحجاب مرتفعا فما لميكن للشئ شعاع و ظهور ليس يظهر للمدرك لوجود المانع من نفس الشئ الاتري ان الصوت ان كان ضعيفا لاتكاد تسمعه و ان كانت نفسك دراكة و اذنك صحيحة و كذلك اذا كان الشئ دقيقا جدا لاتكاد تدركه و ان كانت نفسك دراكة و عينك صحيحة و الضياء قويا فلا كل لون يدرك و ان كان الضياء موجودا قويا و العين صحيحة و النفس دراكة فانه مع ذلك لا بد و ان يكون لطيفته قوية بحيث يظهر لك و الخامسة ان تعرف ان الشئ اما لطيفته في نفسه قوية فيظهر بنفسه و لايحتاج الي تكميل مكمل كالشمس و اما تكون ضعيفة خفية فان كمله مكمل [ص 16] آخر بفضل لطيفته ظهر و الا بقي علي خفائه و هذا شان كل خفي و ضعيف في اثره فذلك كجرم القمر يظهر بفضل نور الشمس اذا اشرقت عليه الشمس و الا خفي عن البصر .
فاذا عرفت هذه المقدمات نقول ان اللون هو كيفية من شانها الظهور للبصر كما ان الرايحة كيفية من شأنها الظهور للشم و الطعم كيفية من شانها الظهور للذوق و الصوت اثر من شأنه الظهور للسمع و هكذا و لا ظهور لشئ الا للعالي المؤثر فانه الاحد النافذ باحديته الغير المتناهي كما عرفت فكل شئ من الآثار يظهر و ينبسط علي مقدار ما حكم له المؤثر من انبساطه و ظهوره فكل اثر يكون اقرب الي المؤثر يكون اشد ظهورا و انبساطا و اعظم نورا و شعاعا و كل اثر يكون ابعد عن المؤثر يكون اضعف ظهورا و انبساطا و نورا و شعاعا و الاثر بجميع شؤنه و حدوده و كمه و كيفه و ما يضاف اليه مستمد من مؤثره و المؤثر يمده من فضله علي حسب قابليته و ذلك المدد الذي هو الظهور الكلي البسيط ينصبغ في تلك الشؤن و الحدود علي حسبها فيسطع عن الشئ من حيث الجهات انوار شتي فمنها ما يظهر للسمع و منها ما يظهر للعين و منها ما يظهر للشم و منها ما يظهر للذوق و منها ما يظهر لللمس و منها ما يظهر للحواس البرزخية الباطنة و منها ما يظهر للنفس و منها ما يظهر للعقل و كل ذلك فضل ظهور المؤثر العالي الملقي علي مرايا قوابل شؤن الشئ و حدوده فصح انه لايكون لغيره من الظهور ما ليس له و صح انه [ص 17] لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك فافهم ما اقول لك و انظر فيها بنظر الانصاف لا الجحود و الاعتساف فاللون في الظاهر هو ما من شأنه ان يظهر للعين بفضل ظهور المؤثر فان كان هذه الكيفية قريبة من المبدء في غاية القرب كانت اكثر بساطة و اشد ظهورا فتسمي بالضوء و ان كانت بعيدة عنه في غاية البعد تكون لونا غير ظاهر بنفسه و يحتاج في ظهوره الي تكميل لون آخر كامل قوي الظهور من عرضه فالضوء لطيف اللون و قويه و اللون ضعيف الضوء و كثيفه و هما متغايران شخصا و نوعا و هما من جنس واحد و لذلك تري الضوء ينصبغ باللون لما فيه من سر اللون و يتقوي اللون به لما فيه من سر الضوء فلو كانا غير متجانسين لماكان يقع بينهما التفاعل كما ان الضياء لاينصبغ بالرايحة و الرايحة لاتتقوي به ابدا و انما ذلك لانهما غير متجانسين و ما لميكن الشيئان في صقع واحد لميؤثر احدهما في صاحبه و لاجل ذلك صار الضوء واسطة بين البصر و اللون و صار الضوء بنفسه ظاهرا للبصر و اللون يتكمل به فيظهر افهم ما اقول لك فانه دقيق دقيق بالتعمق فيه حقيق و لميتنبه لما ذكرته لك احد من الحكماء و العلماء الا من شاء الله و الحمد لله فالضوء روحانية اللون و هو لون متروح و اللون جسدانيته و هو ضوء متجسد فهما شيئان شخصا و نوعا و شئ واحد جنسا و مثلهما الروح و الجسد فهما شيئان من حيث و شئ واحد من حيث آخر و قد نقل عن بعض [ص 18] العلماء كلمات ناقصة في هذا الباب فقال ان الضوء في الشمس شدة ظهور لونه و اللون اذا بهر البصر لشدة ظهوره رؤي بريق و لمعان يخفي اللون لعجز البصر لا لخفائه في نفسه و قال بعضهم ان الضوء هو اللون و ليس علي سطح الجسم الا لون بياض او سواد قد ظهر للحس و قالوا الظهور المطلق هو الضوء و الخفاء المطلق هو الظلمة و المتوسط بينهما هو الظل و يتفاوت مراتب الظل بحسب القرب و البعد من الطرفين فتلك كلمات ناقصة يصدق علي الناطقين بها قول الشاعر : علمت شيئا و غابت عنك اشياء ، و كلمات الذين ردوا عليهم اكثر نقصانا و اشد ضعفا فانهم ردوا علي هؤلاء بان البلور اذا اشرق عليه ضوء و انار ما يواجهه بلحكه يري ضوء و لا لون و لعمري هو كلام لميصدر عن حكمة فان للقائلين بان الضوء هو اللون الظاهر ان يقولوا انا نقول ان كل ضوء هو لون ظاهر سواء كان ضوء النيرات العلوية او النار و انت من اين جئت بنور يشرق علي البلور لميكن بلون و ذلك اللحك هو بنفسه ضوء و لون اما ابيض او اصفر او احمر او اخضر غاية الامر انه رقيق المتلتفت الي نور الشمس انه اصفر بالمقايسة الي نور القمر و هو ابيض بالمقايسة الي نور الشمس و نور السراج و النار اصفران بالنسبة الي الشمس فهذا البريق الذي بالنهار علي الاجسام اصفر و انت لاتري لونا بحقيقته بل كل لون تراه مشيب بالصفرة البتة و اعتبر ذلك بثوب آسمانجوني اذا نظرت اليه في ضوء السراج فتراه اخضر [ص 19] البتة و انما ذلك لمخالطة صفرة نوره مع زرقة الثوب و كذلك يغير الالوان نور الشمس لصفرته الا ان الصفرة لما صارت عامة في كل الالوان صرت لاتدركها و لاتميزها لعدم خلو لون و مكان منها فصرت تقايس نفس الالوان فلو قست البياض المرئي في ضوء الشمس ببياض لميكن تحته لرأيت الابيض تحت الشمس اصفر و اعتبر ذلك بالمناظر الخضراء فانك اذا الفت عينك بخضرتها لاتكاد تدرك بعد الخضرة و تميز الالوان و تقيس بعضها الي بعض و لكن اذا نظرت من خارج المنظرة الي لون و من المنظرة الي مثله رأيته في المنظرة مشيبا بالخضرة فهذه الاضواء كلها ملونة و من اين جاء هذا الانسان الراد بنور خال عن اللون و منهم من رد القول بان السواد و البياض متشاركان في الضوء متخالفان في ماهيتهما و ما به الاشتراك غير ما به الاختلاف و لعمري لميفهم المراد و ارسل في غير سدد فان الذي يقول الضوء هو اللون لايقول الضوء المشرق عين اللون المشرق عليه بل يقول ان ضوء الشمس عين لونها و ضوء القمر عين لونه و اشتراك الشمس و القمر في الضوء و اختلافهما في البياض و الصفرة لايصير سبب نفي كون قوة ظهور اللون ضوءا فانه لاينكر احد ان زيدا انسان و عمروا انسان و ان كان صورة شخصية احدهما غير صورة شخصية الآخر فكذلك لون القمر ضوء و لون الشمس ضوء و هما مشتركان في الضوئية و الخصوصيات مميزات فيصدق علي الصفرة انها لون و علي البياض انه لون لان الكلي يعطي تحته [ص 20] حده و رسمه و اسمه و يلزم هؤلاء ان يقولوا ان الصفرة و البياض غير اللون فان اللون هو ايضا الحد المشترك بينهما و يختلفان في الماهية الشخصية في الوجود الخارج بالبداهة فهما ليسا بلون ايضا و لايكادون يقبلون ذلك فكما انهما لون هما ضوء و لا غرو و منهم من استدل بتغايرهما بالحس فلعمري هو ايضا رد من غير فهم المراد فان حسهم يقول ان الضوء المشرق علي الجدار غير الجدار كما صرح به القوشجي في شرح التجريد و قال ان الجسم الابيض او الاسود اذا وقع عليه ضوء الشمس شهد الحس بوجود شيئين علي سطحه احدهما ظاهر بنفسه و الآخر ظاهر له بسبب الاول و كلام الرجل في ان ضوء الشمس عين لونها و لونها عين ضوئها لا ان ضوؤها عين لون الجدار او الجسم الابيض او الاسود و لااظن عاقلا يقول ان جميع الالوان ضوء فتبين و ظهر ان كلام القائلين بان ضوء الضيء عين لونه كلام ناقص و رد الرادين عليهم اشد نقصانا و القول الفصل في ذلك ان الضوء و اللون من جنس واحد الا ان الضوء اقربه الي المبدء و احكي لظهور العالي حتي انه صار ظاهرا بنفسه و اللون ابعده عن المبدء و لايحكي ظهور المبدء فهو كالميت مثال ذلك ان السماء جسم و الارض جسم الا ان السماء لقربها من المبدء صارت حية متحركة شاعرة و الارض لبعدها عن المبدء صارت ميتة ساكنة غير شاعرة و كذلك اللون اذا قرب من المبدء صار ظاهرا بنفسه ككمودة زحل و بياض المشتري و حمرة المريخ و صفرة [ص 21] الشمس و اذا بعد عن المبدء صار خاليا عن الظهور بنفسه و يحتاج في ظهوره الي فضل من الالوان المشرقة كما يحتاج الارض في حيوتها الي الروح الحيوانية الفلكية و ذلك باب ينفتح عن مسائل كثيرة اذ هو سر ترتب جميع الموجودات ماتري في خلق الرحمن من تفاوت .
فصل - اذا عرفت ان اللون هو كيفية من شانها الظهور للبصر بلا واسطة كالضوء اي اللون القوي اللطيف او بواسطة كاللون الضعيف الكثيف فنقول ان هذه الكيفية تحدث في الشئ من امتزاج اجزائه و بسائطه و الاثر لا بد و ان يكون مربع الكيفية عند حدوثه من مؤثره و ذلك ان الاثر شبح منفصل من فعل المؤثر و حركته الايجادية و من البين ان الحركة تحدث الحرارة و اليبوسة فالاثر من حيث الاعلي اي الصدور من حركة الفاعل الايجادية حار يابس و من حيث نفسه من حيث هو هو بارد يابس لان الحركة كلها من الفاعل و هو من حيث نفسه مفعول و المفعول ساكن و السكون يقتضي البرودة و اليبوسة و الحرارة و اليبوسة حيزها مما يلي الفاعل و الاعلي و البرودة و اليبوسة حيزها مما يلي نفس المفعول و الاسفل فالحرارة و اليبوسة بنفسها صاعدة و البرودة و اليبوسة بنفسها نازلة و هما ضدان في جميع الخصال و لاتزعم انهما مشتركتان في اليبوسة كما زعمه الطبيعيون فان يبوسة النار هي الاستقرار في ظل المؤثر لاتخرج منه الي غيره كما في الدعاء باسمك الذي استقر في [ص 22] ظلك و لايخرج منك الي غيرك و ليس هذه اليبوسة منها عدم المطاوعة و سرعة التشكل فانها اطوع شئ للفاعل و ارق مراتب الاثر جسما الاتري ان كرة النار ارق من كرة الهواء بل هي ارق منها بسبعين مرة فهي اطوع للفاعل من الهواء بسبعين مرة و اما يبوسة جهة النفس فهي يبوسة عدم المطاوعة و عدم الامتثال لفعل الفاعل فانها غاية ظهور الفعل و منتهاه فصارت يابسة بمعني عدم المطاوعة فسمع الطبيعيون ان النار يابسة و التراب يابس و لميعرفوا حقيقة المراد و النار ارق من التراب بسبعينالف مرة فهي اسرع تشكلا من الماء بسبعمائة مرة فان كانت الرطوبة سريعة التشكل و المطاوعة فالنار رطبة و بهذا اللحاظ قال الله سبحانه من الماء كل شئ حي و روي اول ما خلق الله الماء و النار اول ما خلق من مراتب الاثر فهي من باب الرقة و اللطافة و سرعة التشكل و كونها المبدء و حيوة كل حي ماء و من باب انها اول صادر عن الحركة الايجادية نار بالجملة لما كان الجهة العليا حارة يابسة صاعدة و الجهة السفلي باردة يابسة نازلة لميمكن في الحكمة ارتباطهما الا بالقسر و هو لايصدر عن الغني فلميقع التناكح و التفاعل و الامتزاج و الاقتران بينهما و حصل الشقاق بينهما و الجهة العليا هي الذكر لغلبة جهة الفاعل فيها و الجهة السفلي هي الانثي لانها جهة المفعول فلميمكن الائتلاف بينهما و الوفاق و حصل الشقاق و جري عليهما قوله تعالي ان خفتم شقاق [ص 23] بينهما فابعثوا حكما من اهله و حكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما فبعث الله سبحانه من رأفته بخلقه بين الجهتين حكمين حكما من اهله اي من جنس جانب الفاعل المؤثر و هو الحار الرطب فمن جهة انه من اهله حار و من جهة انه حكم رطب و حكما من اهلها و هو البارد الرطب فحكم من جهة الرطوبة و من اهلها من جهة البرودة فجلسا فيما بين هذين الزوجين مشتركين في الحكومة و هي الرطوبة المؤلفة متمايزين بالحرارة و البرودة فالحكم من اهله تعلق به من جهة الحرارة و تعلق بالحكم الآخر من جهة الرطوبة و الحكم من اهلها تعلق بها من جهة البرودة و تعلق بالحكم المتعلق به اي بالرجل من جهة الرطوبة فلما ارادا اصلاحا و حصول الضم و الاستنتاج وفق الله بينهما فمنع التراب الذي هو المرأة النار التي هي المرأ من الصعود لتعلقه بها و منع المرأ المرأة من النزول لتعلقه بها فحصل بينهما التعانق و التضام و الزواج و الالتيام فتولد من هذين الابوين ولد المركب و هو الامر الخامس فالنار هي الرجل و جهة زوجيته الهواء و التراب هو المرأة و جهة زوجيتها هي الماء فلاجل ذلك تقول لهما زوجان و كل واحد منهما زوج الآخر و انت تعلم ان الزوج فردان و الزوجان اربعة افراد فكيف يكونان اربعة و هذا هو سر اربعيتهما فزيد قبل تزوجه زيد و ليس بزوج الا اذا نكح امرأة و وقع عليه ظلها فهو و ذلك الظل اي النسبة زوج و تلك النسبة لها [ص 24] جهتان جهة انها ظل المرأة و جهة وقوعها علي زيد بخصوصه فتلك النسبة الواقعة التي هي بمنزلة الهواء الحار الرطب مع زيد زوج اي فردان و زينب مثلا قبل تزويج نفسها زينب ليست بزوجة فاذا وقع عليها ظل زيد اي نسبته بها صارت زوجة و تلك النسبة بمنزلة الماء فالنار زيد و الهواء زوج و التراب زينب و الماء زوجة او نقول ان النار ذات و الهواء ظهورها بالفاعلية و التراب ذات و الماء ظهورها بالانفعال لدي فعل الفاعل بالجملة الاثر لايتحقق الا في هذه الكيفيات الاربع و يعبر عنها في الطبيعيات بالنار و الهواء و الماء و التراب و النار هي مبدء بسايطه و اقرب اجزائه الي المبدء ثم يليه الهواء ثم الماء و ابعد مراتبه عن المبدء هو التراب فالنار تحكي صفة المؤثر العالي للطافتها و رقتها و لاتحجب شيئا منها فهي اشدها ظهورا و اشفافا و رقة و وحدانية و تشاكلا من حيث الاجزاء ثم يليها الهواء فهو ايضا لانه فاعلية المبدء و من جهته و هو حار يشاكل صفة المؤثر و لايحجب العالي فله ايضا ظهور و اشفاف و رقة و وحدانية و تشاكل من جهة الاجزاء الا انه في كل ذلك اكثف ثم يليه الماء فذلك ايضا لرطوبته المايلة الي المبدء المنفعلة عن فعله المتصلة به صار يحكي ظهور المبدء و صار شافا و رقيقا و له وحدانية و تشاكل الا انه في غاية الضعف و اما التراب فلبعده عن المبدء و عدم تشاكل اجزائه و وحدانيته و عدم ظهور المبدء فيه و كونه علي خلاف [ص 25] المبدء كما روي في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و في العلوي تجلي لها بها و بها امتنع منها صار يحجب ظل المبدء و ظهوره فلميبق فيه حيوة و لا نور فتبين و ظهر ان النار اشد ظهورا و اقوي بروزا من الهواء ثم الهواء من الماء و الماء غاية الظهور و نهاية النور و اما التراب فهو مقام الظلمة لحجبه انوار المبدء و ظهوراته فعلي ذلك مراتب النور ثلثة و مرتبة الظلمة واحدة فاصول الاضواء ثلثة و اصول الالوان اربعة و ليس الامر كما زعموه ان جميع الالوان يحدث من بين البياض و السواد فان البياض ان اختلط السواد يحدث الكدرة ثم الغبرة ثم الدكنة ثم الرمادية ثم القتمة ثم الدهمة ثم الاسود و لايحدث فيه لون غير ذلك بالبداهة فساير الالوان لا بد و ان يكون لها اصول غيرهما فاصول الالوان البياض و الصفرة و الحمرة و السواد كما يأتي ان شاء الله .
فصل - اذا عرفت ان الاثر لا بد و ان يكون له هذه الكيفيات الاربع و هو مركب منها فاعلم ان العالي بنفسه و ذاته ليس يظهر في رتبة الداني ابدا و لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير فمشاعر الآثار لاتحيط بذات العالي اذ الآلات تشير الي نظائرها و الادوات تحد انفسها و جميع انحاء الادراك يدور علي ثلثة اقطاب ادراك بالانطباع و الورود و هو فرع الصورة و ليس للعالي صورة تنطبع في مشاعر الداني لانه احد و ادراك [ص 26] بالاحاطة و هو ادراك المؤثر للاثر و العالي ليس اثرا للداني و ادراك بالاتحاد و هو ادراك الشئ نفسه و ليس العالي نفس الداني فامتنع ادراك الداني للعالي الا من حيث الظهور و الوجه ففي عالم الاقتران و الاضافات و الادراكات الانطباعية ليس يظهر العالي الا في اشياء تدرك بالحواس و ينطبع صورها فيها فما كان في الاداني من مراتب قريبة من المبدء كان بسيطا بالنسبة شافا لطيفا و كانت صورته ايضا شافة لطيفة لاتظهر للعيون الكثيفة لعدم المناسبة الا بعد ان يتكثف بكثافة كثيف مجانس للعين فعلي هذا لاينبغي ان يكون للاجسام العلوية و لا النار و لا الهواء و لا الماء ظهور للعين المخلوقة من التراب الا بعد انصباغها بصبغ التراب و لولا الانصباغ لايكاد يدرك شئ منها بادراك العيون المخلوقة من التراب فلاجل ذلك لاتري اجسامها و تكون شفافة لطيفة تشف عما وراءها و اما الكواكب العلوية فهي لتلزز اجسامها و تراكم اجزائها تري و ان كانت من جنس الافلاك الشافة كما تري الزجاج المسحوق و ان لميداخله شئ من غير جنسه و الماء المزبد يري و ان لميداخله شئ و انما ذلك لتراكم الاجزاء الشفافة و تعاكس انوارها فترتكم و تظهر للعين فالكواكب في الافلاك بمنزلة قطع الزبد في البحر فتري بيضاء نقية مع ان ماء البحر شفاف فالافلاك في انفسها ضيئة نيرة الا ان ضياءها للطافتها لاتدرك بالاعين الترابية فاذا تلزز اجزاء منها و تراكمت و شابهت الكثافة [ص 27] الترابية التي للعين لتراكمها و كثافتها و تعاكس النور عن كل جزء علي كل جزء و تراكمت الانوار رؤيت لزوال الاشفاف و انما ذلك لان الاشفاف يحصل في الجسم اذا كانت متشاكلة الاجزاء في الذات و الصفات متصلا بعضها ببعض فاذا تلززت الاجزاء و تراكمت غلظت و رؤيت و آية ذلك ظاهر في المعادن المحلولة في المياه الحادة الرائقة فانك اذا حللت الذهب في الماء الحاد المسمي بالكواريس تراه ينفصل عن الذهب دائما صفايح رقيقة مشفة الي ان ينحل كله في الماء و لايتفاوت ترويق الماء و اشفافه ابدا فهو بعد الانحلال ماء مشف براق لايحجب ما وراءه فاذا طيرت عنه الماء تراه ترابا اصفر مرتكمة الاجزاء حاجبا لما وراءه مرئيا للعين فاذا اذبته في البوطق صار ذهبا ابريزا كالاول فعرفنا من ذلك ان اجزاء المشف اذا ارتكمت و تلززت رؤيت فجميع الذهب المرئي من اجزاء مشفة لطيفة و انما رؤيت اذا تلززت و يؤيد ذلك ما يحكي عن الحكماء الاولين انهم حفروا الارض الي ان وصلوا الي مرتبة كانت تقلهم و تعمل فيها معاولهم و تثقل الدلاء اذا جعلت فيها و ما كانت تري بالعين و انما صارت تري بعد التركيب بساير العناصر و هي كلها مشفة بالبداهة و المقصود ان الاجزاء اللطيفة اذا تراكمت و تلززت تري فالكواكب ايضا تري لتلزز اجزائها بتقدير الحكيم الخبير العزيز العليم و اما ساير اجزاء الافلاك فهي كمحلول الذهب لاتري و كذلك النار و الهواء و الماء و الارض [ص 28] البسيطة كالزجاج و البلور فلما كانت هذه الاجسام الشافة لطيفة كانت الوانها و اضواؤها ايضا لطيفة لاتدرك لا انها لا اضواء و لا الوان لها و كيف و الضوء و اللون هو ظهور العالي في الداني و كلما يقرب من المبدء يكون اشد ظهورا و نورا و اقوي لونا و كلما يبعد يكون اضعف فالضوء و اللون في الاجسام المشفة اقوي و اشد الا ان قوة اللون و شدته ليست بالرؤية و عدمها بعدمها بل هما بالقرب و البعد كما عرفت نعم اذا انصبغ الضوء اللطيف باللون الكثيف رؤي و كان ضوءا بالمعني الظاهر و اول حده الابصار و ان يكون الكثافة بقدر بدو الظهور للعين في اقل مراتبها و كلما قوي الكثافة ضعف النور حتي بلغ مبلغا خفي النور لغلبة الكثافة و حصلت الظلمة اللازمة للكثافة الغير الحاكية للمبدء فالضوء اي المشرق المرئي هو ظهور المبدء المصبوغ في كثيف يصير سبب رؤيته و يختلف ذلك بحسب الصبغ الكثيف و قوة الابصار و ضعفها اعتبر ذلك من الشعلة التي دخانها كثيف كدخان التبن و الزبل و الشعلة التي دخانها من دهن مروق لطيف براق فانك تجد الشعلة الحاصلة من الدهن اشد بريقا و لمعانا من الشعلة الحاصلة من التبن و كذلك الفحم فانه المظهر الكثيف و لما كان في غاية الكثافة صار الضوء المصبوغ به احمر فمن اجل ذلك اختلف مراتب الاضواء و ادناها الحمرة ثم اذا رق المظهر و نعم و صفي صار الضوء اصفر ثم اذا رق و لطف اكثر صار الضوء ابيض كما يأتي شرح ذلك فيما بعد [ص 29] في المقالة الثانية ان شاء الله و الذي نريد بيانه هنا ان الجسم الشفاف ما دام شفافا له ضوء و لكن لايري و له لون غير مرئي فاذا انصبغ بكثافة حاصلة في نفسه من تلزز اجزائه و تراكمها او من مظهر آخر رؤي علي حسب المظهر اعتبر من الفضة المحلولة فانها ماء مروق لا لون له في العين فاذا طير الماء ابيضت و كذا اذا سبكت و انما ذلك لتراكم اجزائها فالزجاج الذي يمثلون به في حدوث البياض و الماء المزبد فان البياض يحدث فيهما لانهما ابيضان في انفسهما الا انهما ما داما مشفين لايري لهما لون فاذا حصل فيهما التكثر و التراكم ظهر ذلك اللون اللطيف للعين و غلظ فرأي ابيض الاتري ان كل عاقل يصف الماء و البلور الصافي بالبياض بالفطرة فلو كان بلور اصفر او ماء اصفر فسحق ذلك و ازبد الآخر لميبيض البتة و صار اصفر غليظا كما كان و آية ذلك الذهب المحلول هو ماء اصفر شفاف كالزيت الصافي فاذا طير ماؤه صار ترابا اصفر علي لون الذهب و لايبيض فبطل ما اصلوه و جعلوه عماد استدلالهم فحاصل هذا الفصل ان الجسم الشاف لايظهر له ضوء و لون الا بعد الكثافة الحاصلة له او المكتسبة و قد ثبت و ظهر لمن نظر و ابصر و تعمق فاعتبر و الحمد لله ما اردنا ايراده في هذا الفصل .
فصل - و نريد ان نذكر في هذا الفصل ان لكل جسم بل لكل مركب لونا يري ام لايري فاصغ لما اقول و ترقب المأمول . اعلم ان كل [ص 30] اثر له جهتان جهة الي ربه و هي حيث اثريته و مشاكلته لصفة الفاعل و جهة الي نفسه و هي حيث مخالفته لها اي لصفة الفاعل و هي هويته و طبيعته المشار اليها في حديث علي عليه السلام القي في هويتها مثاله و في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي فجهته الي ربه هي مثال الرب و ظهوره له به و به لغيره و جهته الي نفسه هي حيث خفائه لانه لا ظهور الا للرب جل شأنه كما في الدعاء ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك و هاتان الجهتان متحادتان متداخلتان و يمثل لهما في الاجسام بالكرتين المتداخلتين او المخروطين المتداخلين و في السطوح بالمثلثين المتداخلين فقاعدة جهة الرب عند المبدء و رأس مخروطها عند قاعدة جهة النفس و قاعدة جهة النفس عند المنتهي و رأس مخروطها عند قاعدة جهة الرب كما رسمناه في الهامش
فلا شئ من جهة الرب الا و له جهة النفس و لا شئ من جهة النفس الا و له جهة الرب لقول الرضا عليه السلام ان الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه ، فجهة الرب قائمة بجهة النفس قيام ظهور و جهة النفس قائمة بجهة الرب قيام تحقق فلولا جهة النفس لماظهرت للحواس جهة الرب و لولا جهة الرب لماتحققت جهة النفس فظهور جهة الرب و مثاله بجهة النفس لا بنفسها لانها علي طبق صفة الرب الخفي عن درك الابصار لا من جهة ضعفها بل [ص 31] لشدة ظهورها فان الشئ اذا تجاوز الحد خفي عن الحس المميز للاشياء بحدودها فاذا اقترن ذلك الظهور الغير المحصور بحدود جهة للنفس امكن تميزه و ادراكه فقوة ظهوره يدور مدار الحدود فكلما كانت الحدود اوسع و الطف كان خفاء ذلك اكثر و كلما كانت اضيق و اكثف كان الظهور الذي هو فرع التمييز اكثر في القدسي كنت كنزا مخفيا يعني قبل الخلق لشدة الظهور و فرط الاحدية النافذة فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق اي الحدود الخلقية حتي اتجلي لها بها و يتقدر ظهوري بقدرها لكي اعرف في تلك الحدود بتلك الحدود فلولا الخلق اي جهة الخلق كان الرب اي جهة الرب مخفيا لفرط الظهور فتبين ان الظهور للحس المحدود لايكون الا بالتجلي في الحدود و كلما كان الحدود اغلظ كان الظهور ابين الاتري ان الشمس ما لمتشرق علي كثيف لميظهر نورها فالهواء الازرق المعروف بالسماء مظلم لعدم كون كثافة فيه و عدم ظهور النور عليه مع ان نور الشمس موجود فيه بلا شك لعدم جواز الطفرة فتبين ان جهة الرب التي هي مثاله و علي طبق صفته لاتظهر الا في الحدود اي حدود جهة النفس و جهة النفس صارت جهة الحدود لبعدها عن المبدء الاحدي الواسع فهي متقدرة متكثرة و هذه التقادير اصولها ستة وقت و مكان و جهة و رتبة و كمية و كيفية فجهة الرب من حيث الرب ليس لها شئ من هذه التقادير لانها مثال الاحد و اما جهة النفس فهي مقدرة [ص 32] بهذه التقادير و ليس كلامنا في هذه الرسالة في ساير الحدود و انما المقصود بيان الكيفية و لما كانت هذه الجهة مركبة من اربع كيفيات نار و هواء و ماء و تراب في كل رتبة بحسبها حدثت لها من كل واحدة كيفية فالكيفية الحادثة له من جهة النار هي اللون و لاجل ذلك لايدرك البصر المخلوق من اجزاء لطيفة نارية الا الاضواء و الالوان و الكيفية الحادثة له من جهة الهواء هي الصوت و لاجل ذلك لايدرك السمع المخلوق من الاجزاء الهوائية الا الصوت و الكيفية الحادثة له من جهة الماء هي الريح و لا ريح الا من اجزاء لطيفة مائية متبخرة و لاجل ذلك لايدرك الشم المخلوق من الاجزاء المائية الا الريح و الكيفية الحادثة له من جهة التراب هي الطعم و لا طعم الا في الاجزاء الترابية اللطيفة المنحلة في الماء و الا فالماء تفه و الهواء لا طعم له كالنار فلاجل ذلك لايدرك الذوق المخلوق من الاجزاء الترابية الا الطعم و حدثت من تركيب الجميع له كيفيات مشتركة كالملاسة و الخشونة و الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و الحركة و السكون و الصلابة و الرخاوة و امثال ذلك فلاجل ذلك لايدرك اللمس المخلوق من جميع الكيفيات الا هذه الكيفيات و كل كيفية تحدث عند غلبة احد الطبايع بالجملة اللون و الضوء كيفية موجودة في كل مركب لما فيه من جهة الطبع الناري المتقضي للبروز و الظهور و كما انه لايخلو مركب من هذا الطبع كما عرفت آنفا لايخلو من ضوء و جميع الاضواء [ص 33] التي في الاشياء من جهة ما فيها من عنصر النار كما عرفت فلما القي العالي مثاله في الداني و ظهر به انصبغ ظهوره في كل طبع من طباع الداني فظهر بكل طبع منه لمدرك من المدارك خلق من ذلك الطبع فظهر الرب الخفي جل شأنه في طبع الاشياء الناري لمدرك البصر المخلوق منه و ذلك لقول اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها فلميدرك الضوء الذي هو ظهور الرب بما في الاثر من الطبع الناري الا البصر المخلوق من ذلك الطبع و لكن لما كمنت الطبايع في التراب و انصبغت بصبغه و خلق البدن من التراب الا ان كل عضو منه من فعلية طبع كامن فيه صارت المشاعر الجسمانية غليظة الا ان كل عضو منسوب الي طبع و صارت لاتدرك الا مدركات غليظة فلاجل ذلك صار العين لاتدرك المشفات و الاضواء اللطيفة الا بعد تغلظها و تكثفها بنفسها او بغيرها حتي يحصل التشاكل فلمتدرك الاجرام العلوية و النار و الهواء و الماء الا بعد تغلظها بنفسها او بكثافة التراب فلمتدرك للمشفات الوانا و اضواء و تدرك للحواجب الوانها و اضوائها علي ما تري و الا فكل اثر و مركب له لون و ضوء البتة سواء كان المركب من الاجسام او من الامثلة البرزخية او من الصور المجردة الدهرية او من المعاني العقلية و لاجل ذلك قلنا ان العقل ابيض و الروح اصفر و النفس اخضر و الطبع احمر و المادة اغبر و المثال ادهم و الجسم اسود و وردت بذلك الاخبار و شهد [ص 34] به صحيح الاعتبار و ورد ان العرش له اربعة انوار نور ابيض منه ابيض البياض و نور اصفر منه اصفرت الصفرة و نور اخضر منه اخضرت الخضرة و نور احمر منه احمرت الحمرة و ورد في وصف الجنان و النيران و الآخرة و البرزخ الوان عن اهل العصمة و الطهارة عليهم السلام و تري في منامك الوانا في عالم المثال و نشير ان شاء الله في المقالة الثانية الي كيفية تولد الالوان في الشهادة و الغيب ثم لما كانت هذه الكيفيات ناشئة من تلك الطبايع فتكون شرافتها و خساستها و صفاءها و كدورتها علي حسب مراتب الطبايع ففي عالم الشهادة و الملك تكون خسيسة كدرة و في عالم الملكوت و الغيب تكون شريفة صافية فلعلك تعرف بذلك شرافة الوان الجنة و صفاء اضوائها و حسن نغماتها و طيب ارواحها و نعامة اجسامها و ملابسها و لذة طعومها و لولا ان بناء هذه الرسالة علي ذكر محض اللون بل الحمرة لاسمعتك تغريد الورقاء علي الافنان بفنون الالحان الا ان لكل مسئلة جواب و مع كل مخاطب علي حسب مسئلته خطاب و لو زدتم في السؤال حرفا واحدا لزدنا في الجواب حرفا واحدا فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و تفكر و اعتبر حقيقة معني اللون و مراتبه في العوالم و سره ما لميسطر في كتاب و لميجر ذكره في خطاب و لاتعرف مقدار ما ذكرت من الجواب الا بعد ان تراجع كتب المتكلمين و الحكماء و الاصحاب فتعرف تحيرهم و عدم عضهم علي المسئلة بضرس قاطع و اختلاف كلماتهم الكاشف عن [ص 35] عدم كونها من عند الله كما قال سبحانه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و هذا طريقتنا و طريقتهم فلايعلمون والله الا ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و هذه كتبهم التي قد سطروا فيها اشرف ما يعلمون تشهد بما ذكرنا ان افتريه فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون .