في معني الحمرة و كيفية خلقتها و نزولها من الخزائن العالية التي اشار الله سبحانه اليها بقوله و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و بيان ظاهرها و تاويلها و باطنها و باطن تاويلها و تاويل باطنها و الاشارة الي باطن باطنها ففي هذه المقالة ايضا فصول هي في الحقيقة وصول الي اصول .
فصل - اعلم انك لاتجد معني الحمرة و كيفية خلقتها حتي تعرف معاني ساير اصول الالوان و كيفية حدوثها فلنذكر الالوان و كيفية تولدها و اصولها و فروعها اعلم ان من العلماء من زعم ان اصول الالوان البياض و السواد و ساير الالوان تتركب منهما و خطاؤهم ابين من الشمس و اوضح من الامس فان البياض لون معروف و السواد لون معروف و الدرجات التي بينهما معروفة فان البياض اذا اخذ في طريق السواد اغبر اولا ثم صار ادكن ثم صار رماديا ثم فيليا ثم صار اقتم ثم ادهم ثم صار اسود و لايشك احد في ان الصفرة و الحمرة و الخضرة ليست في طريق البياض الي السواد فذلك قول [ص 36] بما يخالف الحس و منهم من زعم ان اصل اللون هو السواد و اما البياض فليس بلون و انما هو شئ يحدث من الضياء و الهواء و زعم ان لذلك لاينسلخ السواد و البياض ينسلخ و يذهب و منهم من قال ان اصول الالوان اربعة البياض و الصفرة و الحمرة و السواد و منهم من انكر ان يكون البياض لونا و صبغا و القول الحق من ذلك ان اصول الالوان بالقول المطلق اربعة البياض و الصفرة و الحمرة و السواد و اصول الالوان الشافة اربعة البياض و الصفرة و الحمرة و الخضرة و يشهد بذلك من الاخبار ما رواه في الكافي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان العرش خلقه الله تعالي من انوار اربعة نور احمر منه احمرت الحمرة و نور اخضر منه اخضرت الخضرة و نور اصفر منه اصفرت الصفرة و نور ابيض منه البياض الخبر ، و المراد بالعرش جملة الملك لقوله عليه السلام في قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي علي الملك احتوي ، فالملك مخلوق من اربعة انوار و هي ما عرفت و هي الاصول التي عليها يدور رحي جميع الانوار و جميع ما في الملك من الانوار الجزئية فانما هو من تفاصيل هذه الانوار الكلية و ظهوراتها يحكي كل شئ منه علي حسب استعداده و قابليته نورا من تلك الانوار فان لاحظت اللون المطلق فالسواد من الاصول و الخضرة حاصلة من الصفرة و الزرقة المركبة من البياض و السواد و ان لاحظت اللون المشرق فالسواد ليس مما يشرق و هو واقع في الظلمة الخارجة عن النور و اما من قال [ص 37] ان البياض ليس بلون و من قال انه لون فلكل وجه فهو لون من باب انه من مقتضي الطبايع و في عرض الالوان يزول و ياتي و يشهد لهم بذلك قول احدهم عليهم السلام في انوار العرش منه ابيض البياض علي معني الانصباغ و ليس بلون من باب انه قطبها معري عن حدودها و يرد الكل عليه و لايرد علي غيره و يشهد لهم بذلك قول علي عليه السلام حيث قال احمرت الحمرة و اخضرت الخضرة و اصفرت الصفرة علي معني الانفعال و الانصباغ و في البياض قال منه البياض و لميذكره علي معني الانصباغ فهو في الحقيقة برزخ بين العالي المعري عن اللون و الداني المصبوغ بالالوان و لاجل ذلك قال في وصف النور الابيض علي بن الحسين عليهما السلام انه نور الانوار و منه ضوء النهار فهو نور الانوار و المراد بالانوار النور الاحمر و الاخضر و الاصفر كما هو في صدر الحديث و نور الكل الجامع لها النور الابيض و لاجل ذلك تراه ينصبغ بكل صبغ و لاينصبغ به شئ من الالوان فهو ابسط الالوان و ارقها و احكاها للعالي المتنزه عن الالوان و قلبها ثم يليه في البساطة الصفرة ثم يليها الحمرة ثم يليها الخضرة في الانوار و السواد في الالوان كما هو ظاهر فلون البياض اقرب الالوان من المبدء و اشبهها به ثم بعده الصفرة ثم الحمرة ثم الخضرة او السواد و تلك هي اصول الالوان تتركب منها فان اخذ الابيض في طريق الصفرة صار تبنيا اول شئ ثم اترجيا ثم زعفرانيا ثم نارنجيا ثم ناريا و ان اخذ في طريق [ص 38] الحمرة يصير ورديا اول مرة ثم شقايقيا ثم ارجوانيا ثم كبديا ثم فرفيريا و ان اخذ في طريق الخضرة يصير اول دفعة فستقيا ثم كراثيا ثم زنجاريا ثم جوزيا ثم باذنجانيا ثم نفطيا و ان اخذ في طريق السواد صار اول وهلة اغبر ثم ادكن ثم رماديا ثم فيليا ثم اقتم ثم ادهم ثم اسود و جميع هذه الالوان اذا تراكمت و تكثفت آل الي السواد الحاجب للمبدء .
فصل - اعلم انك لما عرفت مما قدمنا ان كل اثر لا بد و ان يكون مربع الكيفية يعني لايوجد اثر الا و له اربع كيفيات كيفية نارية و هي الحرارة و اليبوسة و هوائية و هي الحرارة و الرطوبة و مائية و هي البرودة و الرطوبة و ترابية و هي البرودة و اليبوسة و لكل من هذه الكيفيات مقتضاء خاص بها و استعداد اذا ظهر بها ضياء المبدء ظهر بلون خاص بها فالحرارة و اليبوسة اذا كانتا في جوهر تقتضي يبوسته التي هي استقراره في ظل مبدئه و توجهه من كل جهة اليه اتحاد حيز اجزاء ذلك الجوهر لميل الكل الي الاحد فيقتضي ذلك له الاجتماع و التضام مع الصعود بمقتضي حرارته فلاجل ذلك يكون هيئته الدقة و الرفعة و الاستقامة و اذ غلب في مركب اقتضي فيه الدقة و الرفعة و الطول فلاجل ذلك نقول ان هيئته هيئة الالف القائم و روي اول ما خلق الله القلم و انما كل ذلك لميل جميع اجزائه الي مركز واحد و حيز واحد فيتضام لامحة فيتراكم و تقتضي حرارته التلطيف و التنعيم و التكليس و الترقيق و الترويق و الاشفاف [ص 39] فاذا اجتمع هذه الخصال مع التراكم في لطافة الاجزاء لكونه اول صادر عن المبدء الاحدي اقضي الحمرة و ليست الحمرة الا هذا و لو كانت الاجزاء كثيفة كانت تقتضي الزنجارية كما ثبت في الفلسفة ان الزنجارية من شدة الحمرة في الاجزاء الكثيفة كما تري ان صدأ النحاس الاحمر زنجار و يصبغ الفضة احمر اذا القي عليها فلما كانت اجزاؤها لطيفة شفافة براقة اقتضت الحمرة و هي الشفافة مع التراكم و اللطافة فلاجل ذلك يكون لون النار احمر و لما كانت الطف العناصر و ارقها يكون لونها ايضا رقيقا يخفي عن ابصار العيون الكثيفة المخلوقة من التراب اللهم الا ان تظهر في تراب كثيف و تحيله الي لونها و تنصبغ بصبغه فحينئذ تري حمري كثيفة كما تري في الفحمة و الشعلة و الحديدة المحماة و اما الحرارة و الرطوبة فاذا كانتا في جوهر تقتضي رطوبته الانتشار و الانبساط و تفرق الاجزاء علي ضد اليبوسة و تقتضي حرارته ما ذكرناه من الدقة و الرفعة و الصعود فتتهيئ علي هيئة ثمرة الصنوبر في الاجسام و في السطوح علي هيئة المثلث هكذا
لانه من جهة الحرارة يقتضي الصعود و من جهة الرطوبة التي هي تحت الحرارة و من صفات انيته الانبساط فيتهيئ علي ما ذكر فمن حيث الاعلي يقضي التراكم و التضام و من حيث الاسفل يقتضي الانبساط فانبساطه يقتضي البياض كما ياتي و تضامه يقتضي الحمرة فيتركب لونه من بين هذين لونا برزخيا فيحدث اصفر فيكون لون الهواء [ص 40] الاصفر و هيئته هيئة ورقة الآس و ثمرة الصنوبر و القلب و اذا غلب في مركب يقتضي تلك الهيئة و ذلك اللون و لما كان رقيقا شفافا لايدرك بالعين الكثيفة الترابية الا ان ينصبغ بكثافة كثيف فيدرك كما يشاهد في الاجسام المركبة الحارة الرطبة اذا لميعرضها عارض و هو مشاهد في العلقة الصفراء التي في القلب و حمرة الدم عرضية كصفرة الصفراء في البدن و اما البرودة و الرطوبة فاذا كانتا في جوهر تقتضي رطوبته الانبساط و السعة و تقتضي برودته التسفل و عدم الصعود و الرفعة فيدور علي نفسه و يحدث منه الشكل الكري الذي هو اضخم الاشكال و اوسعها كما حقق في محله و يكون لونه الابيض لعدم مقتضي الكدورة و التضام فيه و لذلك يكون سبب تفرق نور البصر و اذا اشرق عليه ظهور المبدء ظهر بانبساط و انتشار فيحدث من ذلك اللون الابيض كما تري فيكون لون الماء ابيض الا انه لشدة رقته و صفائه لايدرك لونه بالعين الكدرة المركبة الا اذا جمد او تراكم بالازباد او يغلب في مركب كما هو مشاهد في البلغم و ساير المركبات الباردة الرطبة اذا لميعرضه عارض و اما البرودة و اليبوسة فاذا كانتا في جوهر يقتضي يبوسته التراكم و التضام و التكثر المقتضي للكدورة و لاتقتضي برودته رقة و دقة و لطافة بل تقتضي التكاثف و التسفل فيحدث بذلك اللون الاسود الحاجب لانوار المبدء فيكون ظلمانيا ميتا لا حيوة له و يكون شكله شكل متضرس ذو زوايا و شظايا عديدة حاجبا لما وراءه فذلك [ص 41] مقتضي كل كيفية و منها تتولد تلك الالوان و هي اصول الالوان و حقيقتها خذها اليك ما لاتجده في كتاب و لاتسمعه من خطاب فاذا تركب مركب من هذه الكيفيات فان كانت علي ميزان الاعتدال الكمي و الكيفي حدث منه لون برزخي بين جميع هذه الالوان و ان غلب عليه احدي هذه الكيفيات او ثنتان او ثلث حدث فيه لون بحسبه كما عرفت فهذه اصول الالوان و تواليدها و معانيها و حقايقها .
فصل - المركب لايخلو اما ان يكون كثيف الاجزاء و البسايط كالسفليات او لطيف الاجزاء و البسايط كالعلويات فان كانت لطيفة الاجزاء شفافة براقة غير حاجبة لانوار المبدء و ظهوره و تحكي سر المبدء الاحدي الذي هو اظهر من كل شئ صارت الوانه الوانا مشرقة براقة ذات لمعان و تشعشع و ينصبغ ظهور المبدء و نوره بكيفية تلك الالوان و تنبسط فيكون المركب ضيئا نيرا و هو الذي لطيفته اكثر من كثيفته و يكون له فضل ثم يختلف زيادة فضله و قلته علي حسب رقة اجزائه و غلظتها فكلما كان كيفياته و بسايطه ارق و الطف كان اشد بريقا و تشعشعا و لمعانا و كلما كان اغلظ و اكثف بالنسبة يكون اشد حجبا لنور المبدء فيكون تشعشعه و لمعانه و بريقه اقل و لكن يؤدي شدة صفاء الاجزاء الي حد لاتصبغ نور المبدء و ظهوره حتي لايري بالعين فيخفي و انما ذلك لشدة الظهور حينئذ و ذلك لما قلنا ان غلظة الاجزاء [ص 42] بالنسبة تكسر سورة الظهور و تغلظه و تظلمه في الجملة و تحده حتي تجعله مدركة للعين المحدودة و لاجل ذلك لايدرك نور العرش مع انه اضوء من الكرسي بسبعين مرة و لايدرك نور الكرسي مع انه اضوء من نور الشمس بسبعين مرة و انما يدرك نور الشمس لما قلنا من تراكم اجزائها و قد روي في الكافي عن ابيعبدالله عليه السلام الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش و العرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب و الحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر الخبر ، و لما كان جسم ما فوق الشمس لطيفا لايري بنفسه صار لايصبغ ظهور المبدء و لا نوره فلايري و من البين ان الصبغ ظلمة في الجملة فاذا ضعف الظلمة قوي النور و اشتد ظهوره فالاجسام العالية علي الشمس قد خفيت من كثرة ظهورها و استترت من عظم نورها و بذلك اعرف قوله سبحانه لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار ، و قوله في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف الخبر ، بالجملة الاجسام العلوية صارت ارق لونا و اشد نورا لاجل ذلك فان تراكمت رؤيت كالكواكب و الا فخفيت و اما الاجسام السفلية فلكثافتها حجبت انوار المبدء و لمتظهر عليها فلمتكن ضيئة نيرة الا كرة الاثير منها البرزخية بين العلوية و السفلية الاتري انها تتحرك بمشايعة الافلاك فهي لها ضوء قليل بفضل ظهور الانوار العلوية الا انها كثيفة بالنسبة الي الافلاك و اما باقي السفليات فلبعدها [ص 43] عن المبدء و كثافتها بقدر ما يحجب المبدء اللطيف الاحدي صارت ذات لون و لا بريق لها و لا لمعان الا ان الاعين لما كانت مخلوقة من التراب الكثيف و هي مركبة صارت لاتدرك البسايط الا ان تتركب فاذا تركبت و تكثفت بالتركيب و التراكم تراها و تري عليها لونا علي حسب غلبة كيفية من الكيفيات فهذه الالوان المرئية علي الاجسام ليست علي صرافتها كما في البسائط و انما هي مشيبة بظلمة التراب و سواده و بظلمة التركيب و الا فلو كانت علي صرافتها لماكادت تدرك بالاعين كما لاتري لون النار البسيطة و الهواء و الماء بل حكي عن الحكماء القدماء انهم حفروا الارض و وصلوا الي مقام ماكانوا يرون التراب بالعين و يحسون بشئ ثقيل فهذا التراب المرئي مركب بل جميع العناصر الآن مركب الا ان بعضها شديد التركيب و من الغلايظ و بعضها ضعيف التركيب و من اللطائف و دوران الافلاك و اثارتها السفليات لميدع عنصرا علي بساطته بل و حدث منه فيها اي في الافلاك تعاكس انوار و قوي لميدعها علي بساطتها و فيها ايضا اعراض ضعيفة و بها تصدر عنها بعض حركات غير طبيعية في الجملة فتبين و ظهر ان النور لون مشرق و اللون نور متكاثف و كلاهما من جنس واحد و نسبتهما نسبة الروح و الجسد فتدبر .
فصل - اذا عرفت انه لايمكن ان يصدر اثر عن مؤثره الا و له هذه الكيفيات فكل اثر له لون و ضوء سواء كان من الآثار الغيبية [ص 44] او من الآثار الشهادية فاذ قد فرغنا من بيان الآثار الشهادية فلنذكر الآن الآثار الغيبية و قد قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قد قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد يعني موجود في غيبتك و حضرتك انتهي ، فاذ قد علمت في الشهادة و العبودية فاعرفه في الغيب و الربوبية و مراتب الغيب هي الخزائن المشار اليها في قوله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فنقول ان الله سبحانه خلق الفالف عالم و الفالف آدم و انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الآدميين كما روي عن اهل العصمة و الطهارة فالشئ الذي في هذه الدنيا نازل من تلك العوالم المتقدمة و له في كلها ذكر علي حسب تلك العوالم و من الاشياء الالوان فلها حقائق و اذكار في تلك العوالم لبطلان الطفرة و عدم امكان اثر في غاية البعد مع خلو المراتب المتوسطة بينه و بين مبدئه عن ذكره فللالوان ذكر في تلك العوالم العالية التي هي لها خزائن و لاتعرف صفة تلك الاذكار الا بان تعرف ما ذكرناه في عالم الشهادة علي التحقيق و لما كانت جميع تلك العوالم اثر مشية الله سبحانه و الاثر لايوجد [ص 45] الا و له كيفيات اربع فلكل اثر في تلك العوالم هذه الكيفيات الا انها في كل عالم بحسبه من اللطافة و الكثافة و الرقة و الغلظة بحسب قربها من المبدء و بعدها و اذ قد عرفت ان نور الكرسي و العرش و الحجاب و الستر قد خفي عن درك الابصار لشدة ظهورها و قلة الظلمة فيها فبالحري ان لايري نور تلك العوالم و هي اشد ظهورا و اقل ظلمة فكيف يكون الرب جل شأنه فما اقل عقل من زعم ان الرب جل شأنه يري بنحو من الابصار و هو لايدرك نور الكرسي و العرش المتنزلين عن المبدء بالفالف مرتبة و كل عالم اعلي اقوي نورا من ادناه بسبعين مرة فتعالي الجبار ان يدرك بالابصار او يحيط به خواطر الافكار او يمثله غوامض الظنون في الاسرار بالجملة كليات تلك العوالم المتقدمة تنحصر في ثمان مراتب : اعلاها عالم الفؤاد و نور الله فتلك الاضواء فيها اضواء حقيقية منزهة عن درك العقول مبراة عن ظلمات الانيات الخلقية فهي ليست الا نور الرب الحقيقي و هناك تتحد الالوان اتحادا احديا و ليس فيها تعدد بوجه من الوجوه و شدة ظهوره تحير العقول و الالباب فلاتراه بوجه من الوجوه و هو المشار اليه بقوله عليه السلام ان لله تعالي سبعينالف حجابا من نور و ظلمة لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ، فهو لايري الا بعينه سبحانه فلنعم ما قال الشاعر :
رأت قمر السماء فذكرتني ليالي وصلها بالرقمتين
كلانا ناظر قمرا و لكن رأيت بعينها و رأت بعيني [ص 46]
قال عليه السلام اعرفوا الله بالله ، ثم من دون ذلك عالم العقول فهو عالم الكلية و المعنوية و الوحدانية الواحدية فهنالك ايضا تتحد الانوار اتحادا واحديا و فيها تكثر و تعدد معنوي لا صوري ثم من دون ذلك عالم الارواح و هناك صور رقيقة برزخية بين المعني و الصورة المحضة و هناك تتفاوت الالوان تفاوتا برزخيا و تتمايز تمايزا روحانيا فهي متحدة من جهة متمايزة من جهة ثم من دون ذلك عالم النفوس المجردة الملكوتية فهنالك تتمايز الالوان تمايزا صوريا و لكن علي نحو التجرد عن المواد الزمانية ثم من دون ذلك عالم الطبايع فهنالك تتمايز الالوان تمايزا طبيعيا جنسيا و تتفصل تفصلا حقيقيا شهاديا ثم من دون ذلك عالم الهباء فتتمايز هنالك تمايزا ماديا و تتبين مواد تلك الكيفيات بالنوعية و التبين الفصلي الشهادي ثم من دون ذلك عالم المثال فهيهنا تتميز تمايزا شخصيا صوريا واقعيا و تتشخص علي ما تراه في المنام و بالحس المشترك و اسفل ذلك العالم ما تراه في المرآة من الاشباح فان محل الاشباح اسفل عالم المثال المرتبط بالاجسام فتري بالعين اذا غلظت في المرآة و تنتزع بالحس المشترك و تحتفظ في الخيال ثم من دون ذلك عالم الاجسام فهيهنا يتميز الالوان علي ما تراه و ذكرناه ، فهذه هي خزائن الالوان التي نزلت منها و تصعد اليها و تختلف لطافتها و كثافتها بحسب [ص 47] لطافة تلك العوالم و كثافتها و اكثف تلك العوالم عالم المثال و هو الطف من عالم الاجسام بسبعين مرة و ما ذكرناه بالغ في بيان المراد لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و لو اردنا شرح هذه المطالب علي سبيل التحقيق في كل مقدمة مقدمة لفني العمر قبل ان يفني البيان فلو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا .
فصل - و اذ قد عرفت مما ذكرنا ظاهر الحمرة و انها لون قد حدث من الحرارة و اليبوسة في الجسم المقتضية لتضام الاشياء و تراكمها مع اللطافة و الرقة و الشفافة فلنذكر الآن تاويلها في هذا الفصل فاقول التاويل هو صرف اللفظ الي بعض خزائن الشئ الكونية سواء كانت شهادية او غيبية كما ياول قوله سبحانه و انزلنا من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها ان المراد بالسماء في التاويل المشية لانها مبدء الوجودات و اعلاها و هي جهة الفاعل المتحرك الممد واقعة في السمو و العلو و المراد بالماء في التاويل الوجود المقيد النازل منها و هو الماء الذي منه كل شئ حي وجودي كوني و اول صادر عن سماء المشية حامل لحيوتها و اشعتها و به يحيي موات القوابل الكونية و المراد بالاودية في التاويل القوابل الكونية فلما نزل ماء الوجود سالت اودية القوابل بقدرها القابلية الواسعة بقدرها و الضيقة بقدرها و هكذا نأول جميع الآيات و الاخبار او ياول الي غير مدلول اللفظ مما في عرضه [ص 48] كما ياول الجبل مثلا بالجسد و العناصر بالاخلاط و امثال ذلك و ليس ذلك شان كل احد و لايجوز لكل احد و انما هو جايز لمن عرف تطابق العوالم و وجوهه و اطلع علي اشارات الكتاب و السنة و عرف شواهد التاويل من التنزيل و لما كان هذا العالم هو الكتاب التدويني الذي كتبه الله بقلم الاختراع علي لوح الابداع كما روي ان اول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب قال ما اكتب قال ما كان و ما يكون الي يوم القيمة فكتب فختم علي فم القلم فلاينطق بعد نقلته بالمعني و اشار الي انه كتاب بقوله فقد لبثتم في كتاب الله الي يوم البعث و بقوله قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب و هو كلام الله المجيد الذي تكلم به فكله كتاب و اجناسه اجزاء و انواعه سور و اصنافه آيات و اشخاصه كلمات و ابعاضها حروف كما سمي الله سبحانه اصنافها بالآيات و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و اشخاصه بالكلمات كما قال في عيسي بكلمة منه اسمه المسيح و باعتبار سماه آية و قال و جعلنا ابن مريم و امه آية و سمي الكل بالكتاب كما سمعت فلما كان كذلك يكون الحمرة باعتبار حرفا من هذا الكتاب و باعتبار كلمة و باعتبار آية كما قال و من آياته اختلاف السنتكم و الوانكم فله تاويل كما يكون للكتاب تاويل فتاويل الحمرة في وجه هي الطبيعة في هذا العالم لان عالم الشهادة كلية له اربع كيفيات و اربع طبايع نار و هي الطبيعة الكونية و هواء و هو المثال الكوني و ماء و هو [ص 49] المادة الكونية و تراب و هو الجسم و ترتيب عناصر تلك العوالم علي خلاف العالم الزماني الشهادي و علي وفق عالم الغيب و لسنا الآن بصدد بيانه فالحمرة تاويلها الطبيعة الكونية المشار اليها في الخبر ان الله سبحانه خلق ياقوتة حمراء فنظر اليها بنظر الهيبة فذابت و صارت ماء فخلق من زبد ذلك الماء الارض و من بخاره السماء فالياقوتة هي الطبيعة فنظر الله اليها بنظر الهيبة فذابت و صارت ماء و هو المادة و خلق من بخاره السماء و هو عالم المثال و من ترابه الارض و هو عالم الاجسام او ناول الحمرة الي البطش و الغضب و الفتك او الي الصفراء التي في بدن الانسان او الي السباع او الي النار او المريخ او الشمس او الي الرياسة و السياسة او النقبا او الترك او السيف او النحاس او اكسير الذهب و امثال ذلك و لسنا الآن بصدد بيان وجوه هذه الامور اذ لو بنينا ان نذكر جميع ما يتوقف عليه المسئلة و نوضح جميع ما يجري علي القلم لاقتضي ذلك ان نشرح جميع فنون العلم و ذلك غير ممكن لنا في كل كتاب و من اراد شرح اكثر من ذلك فليراجع ساير كتبنا بالجملة للحمرة في هذا العالم تاويلات عديدة كما شرحنا و بينا و هي الركن الايسر الاسفل من العرش الذي هو الملك كما اشار اميرالمؤمنين عليه السلام بقوله نور احمر منه احمرت الحمرة فالحمرة التي احمرت في هذه الدنيا فهي من حمرة ذلك الركن و قد مر الحديث بتمامه فذلك احد تاويلات الحمرة و يسعنا و الحمد لله [ص 50] ان ناولها الي كل شئ في هذه الدنيا و نريها في كل شئ اياك كما تري كفك اذ كل شئ فيه معني كل شئ و لكن فيما ذكرنا كفاية و بلاغ و قد تقدم شواهد الصدق فيما مر من البيان من ذكر خزائنها .
فصل - و اما باطن الحمرة فهو سيدالشهداء روحي لتربته الفداء فان عرش الولاية المستوي عليه رحمان النبوة له اربعة اركان ركن اصفر و هو علي عليه السلام و قد اصفر حين رحلته حتي انه كان علي راسه عصابة صفراء لايفرق بينها و بين وجهه المبارك من شدة الصفرة و ركن اخضر و هو الحسن عليه السلام و قد اخضر عند موته لشدة السم في الظاهر و لغلبة سر الباطن عليه عند الرحلة و ركن احمر و هو سيدالشهداء المضرج بدمه حين رحلته و هذا هو سر ما روي انهما عليهما السلام طلبا من جدهما صلي الله عليه و آله يوم عيد لباسا فنزل لهما حلتان بيضاءتان فلميرضيا بهما الا ان تكونا ملونتين فاحضر الطست و الابريق لغسلهما بامر جبرئيل فسال الحسن اي لون تريد قال اريدها خضراء و سأل الحسين فقال اريدها حمراء فصار حلة الحسن كالزبرجد و حلة الحسين كالياقوت فتوجها الي امهما لابسين للحلتين فسر النبي و بكي جبرئيل فسئله النبي صلي الله عليه و آله عنه قال لا بد للحسن ان يسقوه السم فيخضر لون جسده من عظم السم و لا بد للحسين ان يقتلوه و يذبحوه و يخضب بدنه من دمه ، انتهي ملخص الخبر و هذا سر لبس النبي صلي الله عليه و آله الحسين حلة من زغب جبرئيل و هو [ص 51] حامل الركن الاحمر من العرش و هو سر ان قصر الحسن عليه السلام في الجنة من الزمرد و قصر الحسين من الياقوت و في الرجعة يبني الله سبحانه له قبة من ياقوتة حمراء و اما الركن الابيض فهو القائم عجل الله فرجه مجدد العالم و معيده علي ما خلقه الله سبحانه اول مرة و هو آية النبي صلي الله عليه و آله و سميه و كنيه فهو لكونه مبدء سر الولاية و آية النبوة صار صاحب النور الابيض بالجملة لسنا بصدد تفصيل غير موضع السؤال فباطن الحمرة هو الحسين عليه السلام لما ذكرناه .
فصل - و اما باطن تاويلها فاذ قد عرفت ان تاويل الحمرة الطبيعة فباطن الطبيعة هو جبرئيل الذي هو جلوة طبيعة النبي صلي الله عليه و آله و هو حامل ركن العرش الايسر الاسفل ركن الخلق و لذا روي الورد الاحمر من عرق جبرئيل و طبعه حار يابس لانه صاحب الخلق و من اعوانه الملكان الخلاقان اللذان يقتحمان من فم الام و يخلقان النطفة علي ما امرهما الله سبحانه او يفسر بالقائم باعتبار السفك و البطش و النقمة و لاجل ذلك كوكبه المريخ او بالحسين و اصحابه من حيث كثرة سفكهم فقد روي انه عليه السلام قتل بنفسه مائةالف نفس و كانوا اربعمائةالف نفس و قتل اصحابه منهم ما شاء الله او بظاهر الولي لانه باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب او يفسر باصحاب القائم لكثرة سفكهم او بالولاية لانها الاكسير الذي يلقي علي اجساد [ص 52] القلوب فيطهرها او بعلوم المحبة و المعرفة من جهة ما روي انه سئل الصادق عليه السلام عن العشق فقال نار تطلع علي الافئدة فتحرق غير المحبوب و امثال ذلك و لايسعني الآن شرح ازيد من ذلك بل لايجوز فان الناس في قلوبهم زيغ عن الحق ابدا فاذا عرفوا باب التاويل و الباطن بجميع جهاته ياولون جميع الشرايع و الاحكام علي حسب مشتهياتهم فيضلون و يضلون و هم غافلون عما روي عن الصادق عليه السلام ان قوما آمنوا بالظاهر و كذبوا بالباطن فلمينفعهم ذلك شيئا و لا ايمان ظاهر الا بباطن و لا باطن الا بظاهر انتهي ، و بذلك هلك جمع كثير من الناس حيث دخلوا في تاويلات هذا الباب باب جهنم الذي فتح علي وجه اهله في هذه الازمان و فاح عليهم فوحها و مسهم لهيبها فالتقطهم من بين العباد و البلاد كما يلتقط الطير الحب فبلعهم بلعا اوصلهم الي قعر الجحيم و كانوا يشربون من غساق تاويلاته شرب الهيم و هذا نزلهم يوم الدين و ما ربك بظلام للعالمين فاولوا جميع الشرايع و السنن و تركوها و آلوا الي بدعهم و لميهلكوا الا بهذه التاويلات التي تعلموها و لميتعلموا تمام العلم حتي يرتفع الزيغ عن قلوبهم فاتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله كما قال الله سبحانه منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله الآية ، و كلما دعوتهم ليرجعوا الي المحكمات [ص 53] و يفيئوا الي الحق جعلوا اصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم و اصروا و استكبروا استكبارا حتي اني كتبت في ردهم كتبا لعلها ستة او خمسة مبسوطة و وصل بعضها اليهم فلميفيئوا الي الحق و والله ماكانوا علي يقين من امرهم و ان كانوا الا علي حمية ركبتهم و عصبية لزمتهم و غرور منهم ساقهم الي النيران فقالوا النار و لا العار و لاتزعم ان الانسان ما لميكن علي يقين لايصبر علي القتل صبرا فان احدا من اصحاب الخوارج طعنه احد من اصحابنا برمح في صدره فخاط نفسه بالرمح و مشي الي طاعنه و الرمح ينفذ في صدره و يقرء و عجلت اليك رب لترضي و ان صالحا علي نبينا و آله و عليه السلام اوعد قومه نزول العذاب و قال يصفر وجوهكم اول يوم ثم يحمر ثاني يوم ثم يسود ثالث يوم ثم تهلكون فاصفر لونهم فلميؤمنوا و احمر لونهم فلميؤمنوا فقالوا لننؤمن بصالح و لو هلكنا فاسود لونهم فلميؤمنوا حتي هلكوا و اعلم ان النفس خلقت من ظل الربوبية و انها اذا عصت و طغت تصبر علي عذاب الابد و لاترجع عن ادعائها و ما عزمت عليها فالمرء يقتل نفسه عيانا من غيرته و يرمي نفسه من الجبل لضجره و امثال ذلك كثيرة و والله لميتبعوا هؤلاء الا ظنا و ماكانوا بمستيقنين و كلمن يتعجب من صبرهم علي قطع رؤسهم فانما هو من ضعف نفسه حيث يري من نفسه انه لو هدد بضرب عنقه ليرجع من ايمانه يرجع فيتعجب انهم كيف لميرجعوا و النفوس مختلفة فلرب نفس تقتل علي درهمين فلايخرجهما من كفه [ص 54] بالجملة لمنكن بصدد ذكر هؤلاء و لكن نفثة صدرت و شقشقة هدرت فلنرجع الي ما كنا فيه .
فصل - و اما تاويل باطنها فاذا عرفت ان باطن الحمرة هو الحسين عليه السلام فناول الحسين عليه السلام الي العقل المقهور بيد النفس الامارة فان العقل من نوره عليه السلام و النفس الامارة من ظل اعداءه فاذا تقاتلا في بدن انسان في كربلاء قلبه و غلبت النفس الامارة و ابادت اصحاب العقل اي الملئكة الموكلين بالخيرات و قتلت العقل و اصحابه بافناء آثارهم عن القلب و ابطال احكامهم فقد جري تأويل وقعة كربلا حرفا بحرف كما شرحناه في مباحثاتنا مفصلا و ان لله علي الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فالحجة الباطنة العقول و هي من شعاعهم لان شيعتهم خلقوا من شعاع نورهم و النور علي حسب المنير فاذا صار باطن الحمرة الحسين عليه السلام لانه قتل فيكون تأويله العقول التي هي من شعاعه و نوره و قد قتلت بيد النفس الامارة و اعوانها و وجوه هذه التاويلات خفية و انا في شغل من ذلك و لاسيما ان السائل متعنت و التعنت يمنع الانسان من الاقبال الي الجواب و كل ذلك كلفة و لماجب الا لحكم صدر و امر وقع و الا فلميكن لذلك عندي جواب و لو كلمة و قد قال الصادق عليه السلام اسئل العلماء ما جهلت و اياك ان تسئلهم تعنتا و تجربة هذا و لا كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و اني [ص 55] والله اغار علي علمي ان يقع الي من لايعرف قدره و يزدريه و يهينه فلميكن الا امتثال الامر و اتباع الحكم .
فصل - و باطن الباطن فقد ضرب دونه حجب الغيوب و حرام ذكره و الافصاح به خوفا من فرعون و ملائه ان يفتنهم و ان فرعون لعلا في الارض و جعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم اي المؤمنين يذبحون ابناءهم اي اهل الباطن و المعني و يستحيون نساءهم اي اهل الظاهر و الصورة فلايجوز الافصاح به و لا تعريف الذكران و الرجال فرقا من الفتك و لكن لا مانع من الاشارة احيانا و الايهام في العبارة لا بيانا و هذا هو العلم الذي قال علي بن الحسين عليهما السلام في وصفه :
اني لاكتم من علمي جواهره كيلايري الحق ذو جهل فيفتتنا
و رب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا
و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما ياتونه حسنا
لقد تقدم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا
و لكنا في فسحة من البيان فنذكر الحواشي دون المتون و نطوف حول الحمي خوفا من حرس العيون و من طاف حول الحمي فيوشك ان يقع في الحمي فنقول ان الحمرة اذا ارتفعت الي عالم الامر فتقع فيه علي الكلمة التامة التي انزجر لها العمق الاكبر اذ لها مراتب من النقطة و الالف و الحروف و الكلمة و اذا ارتفعت الي الاسم [ص 56] فاختصت بمقام الظهور التام اذا كان مقاماتها اربعة الباطن و الباطن من حيث البطون و الظاهر و الظاهر من حيث الظهور و ذلك جملة عرش الاسماء المستوي عليه الرحمن و ان لاحظته في خصوص الاسماء الكلية فالاسم المخصوص بالحمرة هو الاسم القابض اذ جميع عرش الموجودات تربي باربعة اسماء القابض البديع المميت الباعث و ذلك قوله سبحانه الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و علي هذه الاربع تدور رحي الايجاد و ترتيب الاسماء علي ما ذكرت و القابض هو الاسم المربي لركن الاحمر و في الاسماء الجزئية فالاسم المخصوص به المنتقم و المعذب و القاهر و القادر الغالب العزيز السلطان الولي المهلك المدرك و امثال ذلك و كل ذلك ذووا الوان حمر في مقامه و جميع ذلك من بواطن الحمرة و لها باطن في هذه البواطن بل بواطن في هذه البواطن و لولا تصالح الزمان علي دفع الحق لذكرت و لكني لمعذور ،
اغار عليك من غيري و مني و منك و من مكانك و الزمان
و لو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
و اعلم ان اشرف الدرجات و اسني المقامات ما يصير سبب التقرب الي خالق البريات و الفوز بالنجاة و العقول تترقي و الاحلام تتزايد فما يلقي الي الاحلام الناقصة اولا ظاهر و ما يلقي اليها بعد ترقيها و نضجها هو اخفي و ابطن ثم هكذا كلما وضعت لهم حلما رفعت [ص 57] لهم علما ليس للعلوم غاية و لا نهاية فتدبر فيما القي الي هذا الخلق شيئا بعد شئ تفز بالمراد و تنل الرشاد فافهم هذه الكليمات المختصرة فقد اشرت بها الي ما اشرت فانقلب الظاهر باطنا و الباطن ظاهرا و انما بطن باطن الباطن في البطون لظهوره في الظهور فخفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .
و الخاتمة - في ذكر ما وعدناه في صدر الكتاب من كيفية صبغ البساط . فاعلم ان الحركات الظاهرة باسرها تابعة للطبايع الباطنة اذا كان الانسان منهمكا في الطبايع و للمشتهيات الحيوانية اذا كان مقهورا في الشهوات الحيوانية و للارادات الانسانية و امتثالاته اذا كان تابعا للاوامر الالهية و النواهي السبحانية فلاتصدر حركة منه في الظاهر الا بمقتضي هذه البواعث الباطنة فان كانت البواعث الطبيعية او الحيوانية كانت تلك البواعث بمقتضي الاسباب الفلكية و كواكبها و اوضاعها و طبايعها مما هو معروف عند اهله و ان كانت انسانية كانت بمقتضي الاوامر و النواهي الشرعية التي هي تابعة للاسباب النبوية بمقتضي قوله اناتبع الا ما يوحي الي و ان كنتم تحبون الله فاتبعوني فالمتحركون في هذه الدنيا ان كانوا تابعين للطبايع جرت افعالهم علي حسب الطبيعة فكل طبع غلب عليهم بالذات او بالعرض دعاهم الي مقتضاه و طاوعته الاعضاء و الجوارح [ص 58] و ساعده التقادير الفلكية فصدر عنهم افعال بمقتضي ذلك الطبع فصبغ الحمرة من مشتهيات الصفراء بالذات و الدم بالعرض و يساعدهما المريخ علي ذلك و الشمس فاذا غلبا علي امرأ طلب الحمرة لامحة و اشتهي الثياب المضرجة و المشبعة و التجمل بها و يشتهي البسط الحمر المشرقة لامحة فلاجل ذلك اغلب من يشتهي الحمرة الاطفال و الشبان الغالب علي امزجتهم الدم و الصفراء و اذا كهلوا و هرموا يعرضون عن تلك الالوان البهية الضيئة و يشتهون الالوان الغبرة و الكدرة بالبداهة و كذا السلاطين لما كانت نفوسهم نفوسا علية لها استعلاء و استيلاء ذاتي تنقاد لهم النفوس بالفطرة و الطبع ففيهم حرارة فلكية غالبة و ان لمتكن حرارة طبيعية غالبة فهم ايضا يشتهون الثياب الحمر المشرقة و يتزينون بها و يامرون عساكرهم و خدمهم بها و يجعلون فرشهم و بسطهم حمرا و الوانا مشرقة و يتزينون بالجواهر المشرقة لاجل ذلك و يلبسون الحمر عند الغضب لظهور سلطان الصفراء و الدم عليهم فطلب الحمر من غلبة الطبيعة في اهلها و غلبة الغضب و الاستعلاء و الاستيلاء في اهلها و يساعدهم المريخ و الشمس و لاسيما اذا كان طالعهم من بيوتهما و يكون المستولي عليه احدهما فانهم يشتهون ذلك بالطبع و علي هذه فقس ما سويها من الالوان و ان كان الباعث الانساني الممتثل للاوامر الشرعية و نواهيها فانه يستكرهها لتذللها بين [ص 59] يدي الله سبحانه و غلبة الرهبة و الخوف عليه و العبودية فيلبس لبس العبيد البسة دكنة كدرة غبرة و لذلك روي الميثرة الحمراء ميثرة ابليس و روي تكره الصلوة في الثوب المشبع بالعصفر و المضرج بالزعفران في الصلوة اللهم الا ان يكون بامر الشارع و من باب و اعدوا لهم ما استطعتم من قوة الآية ، او لاجل التحديث بالنعمة لله و في الله بالجملة اختلاف الحركات باختلاف المحركات و هي علي ما سمعت فتدبر و اما كيفية صبغ ما يكون من الوبر باللك فهي مما يتشاح عليه الصباغون و لايعلمه كل احد منهم في بلادنا و انا ابذلها لمن اراد فاعلم ان كيفية صبغه ان تاخذ اللك الجيد و تنظفه من الاعواد و التراب ثم تطحنه بالرحي حتي يكون كالخبة ثم تنخله من منخلة الدقيق و تطحن ثانيا ما كان جريشا ثم تأخذ منه نصف وزن ما تريد صبغه من الشالات او البسط او غيرها ثم تجعله في كيس ثم تستحلبه في مزجج بالماء الحار حتي ينصبغ الماء جدا ثم تسكب الماء في اناء و تعيد الاستحلاب بماء جديد حار حتي لايبقي فيه لون و ذلك يكون الي عشر مرات ثم تجمع المياه في قدر و تضيف اليه الطرطر المسحوق فان كان اللك خمسين يجعل من الطرطر ثمانية و يغليه ثم يأخذ من الماء الحاد ثمانية و يحل فيه القصدير اثنين ثم يصبه في القدر و يلقي عليه واحدا نوشادر مسحوقا و يغليه جيدا فاذا تروق و صفا يلقي فيه البساط او الثوب و يغليه الي ان يصير الماء اصفر و ينصبغ الثوب فيخرجه [ص 60] و يعصره و يجففه حتي اذا كان فيه قليل نداوة يطويه علي نورد طيا شديدا و يدعه حتي يجف و من احب ادخل معه محلوب نصف اللك من الفوه فياتي كما يحب فهذا هو صبغ اللك الذي عليه التشاح بينهم و اعلم اني ذكرت ما ذكرت في هذه الرسالة مع ان المتعنت لا جواب له لامرين احدهما امتثال امر المخبر ادام الله تاييده و الثاني حفظا لامر هذه السلسلة الجليلة و الشرذمة القليلة التي احتشدت الشياطين خيلهم و رجلهم علي اطفاء نورهم و ادحاض امرهم و ابطال حجتهم و يرمونهم بكل رمي و يتهمونهم بكل تهمة و يبتلونهم بكل بلية و يمتحنونهم بكل امتحان و يسالونهم عما لايسئل عن مثله العلماء و لميسئل الي الآن فرأيت ان لماجب عن مثل هذا السؤال يقدحون فيهم و يعيبون عليهم و من العجايب ما سالني عنه بعض الطلبة عما لميقع السؤال عن مثله الي الآن فقال انك تدعي ان جميع ما في الكتاب التدويني موجود في الكتاب التكويني فعرفني في الكتاب التكويني الغير المنصرف و جميع اسباب منع الصرف فالهمني الله الجواب عنه بما لميلهمه احدا و الحمد لله فاجبته بما لا مزيد عليه بل اوضحت له الغير المنصرف في العالم الكبير و الوسيط و الصغير بحول الله و قوته فاختم رسالتي هذه بدوبيتي في وصف الشيخ اعلي الله مقامه فقال الشاعر :
لزينالدين احمد نور فضل تضاء به القلوب المدلهمة
يريد الحاسدون ليطفؤه و يأبي الله الا ان يتمه [ص 61]
و انا معتذر الي الجناب المخبر ايده الله انه قد وقع سؤاله في ايام تزاور العيد و انا في جميع اوقات الليل و النهار مزور او زاير فان ابطأت في الجواب فكان لعدم الفرصة و مع ذلك ماكتبته الا في اقل من يومين تخمينا علي تفرقة و العذر عند كرام الناس مقبول .
و قد ختم علي يد مصنفه العبد الاثيم كريم بن ابرهيم في عصر يوم الخميس السابع و العشرين من شهر ذيالحجة الحرام من شهور سنة سبع و ستين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا .
تمت .