فصل - انما الاشكال و الداء العضال في معرفة النور الواقع منه علي الاجسام الكثيفة ما هو و ما حقيقته . اعلم انه لا شك و لا ريب في ان شيئا يفصل من السراج و يقع علي الجدار و بذلك يشهد قوله عليه السلام يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس ، و لا شك ان ذلك النور ايضا شبح من الشعلة لما روي في حديث معرفة الخنثي و انطباع اشباحهم من صلب آدم في العرش و غيرها و انما الشأن في معرفة هذا الشبح و نسبته مع الشعلة و كذلك لا شك ان هذا النور امر يغلب عليه الروحانية لا جسماني كجسم الهواء و جسم النار مثلا لما يشاهد من سرعة نفوذه في الهواء الي غاية ما يري منها و قد ذكر بعض حكماء الافرنج انه اذا كان مِدْفَعٌ بندقته تسير في كل ثانية الفا و مأتين قدما فسارت بتلك السرعة اربع‌عشرة سنة الي جانب الشمس تصل الي الشمس و جربنا نور الشمس انه يصل الي الارض في ثمان دقائق و ثلث‌عشرة ثانية و ذكر انهم علموا بذلك بالمقايسة الي اقمار المشتري حين اظطلامها ثم استنارتها من نور الشمس علي اي حال حقا كان هذا التحديد او باطلا [ص 21] لا شك في سرعة سير النور و قطعه المسافات دفعة و ذلك ليس حد الاجسام الطبيعية و السير الجسماني المحض و ان قلت ان سرعة الافلاك ايضا كثيرة حتي انه يظهر من الخبر انه بقدر زمان قول متي تسير الشمس خمس‌مائة عام و كفاك سير نقطة من العرش في اربعة و عشرين ساعة حول العالم و لايقدر علي معرفة مساحته الا الله و حججه سلام الله عليهم قلت ذلك ايضا بغلبة الروحانية علي الافلاك لاسيما علي محدب العرش و هي فوق الطبايع و روحانية بالنسبة اليها و لاجل ذلك تسير هذا السير الحثيث و النار العنصرية و الدخان ميتتان و الغالب عليهما الجسم الطبيعي لايقدران علي هذا السير فليس سير نور السراج و نور الشمس سيرا جسمانيا محضا فلا بد و ان يكون ذلك بقوة الروحانية و روحانية السراج ليست روحانية ادراك و علم كالحيوان و انما روحانيته روحانية جمادية و لكل شيء روح من حده و رتبته و روحه دهريته حتي ان النار الجوهرية روحانية النار العنصرية و روحانية السراج و هي كما قدمنا دهرية و ملكوتية بالنسبة الي الجسم الزماني لان المراد منها صورة الحرارة و اليبوسة و لعلك تعلم ان العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد فتلك الصورة من العالم العلوي و هي روحانية و دهرية و جميع عرصة الزمان خطوة واحدة للارواح و الضوء من خواص النار الجوهرية بعد ظهورها في الاجسام الغليظة و تغلظه و تكثفه في الجملة حتي دخل حد الابصار و قبل التكثف هو ضوء و لكنه روحاني لايري بالعين لشدة ظهوره و عظم نوره فبعد ما انكسر سورته بالغلائظ حدد بالبصر و رؤي فرؤيته باختلاطه بظلمة الغلائظ و تحدده بها فافهم فالضوء من صفات النار الجوهرية الروحانية و عالم الزمان خطوة منه لو كان بصرافته و لكن بسبب التغلظ في الجملة قصرت خطوته و بطؤ سيره فقطع مسافة ما بين الشمس [ص 22] و الارض في دقائق و اعلم ان الهواء محيط مقارن بالشعلة بل مخالط و ممازج و الهواء من الجانب الآخر متصل بالاجسام فالنور يسير في الهواء كما ان حركة يدك تسير في العصا اذا اتصلت بيدك او الحبل الطويل اذا جررته علي الارض مثلا و الحركة فعل روحك و انما تسير فيما يتصل بيدك لانه من جنس يدك فاذا اتصل بيدك فكأنما ان يدك كانت اطول او كانت اكبر بلا تفاوت و لا فرق بين حركة يدك و حركة العصا و الحبل و انما الحركة لروحك ظهرت في يدك علي ما سنشرحه ان شاء الله و كذلك الضوء لروحانية السراج و لما ان اتصل الهواء بالشعلة سري فيه و نفذ علي حد واحد و كذلك لا شك ان حركة روحك ليست مرتعشة و لكن اذا ظهرت في يدك و فيها سدد و رطوبات و صارت سبب ارتعاشها او حرارة غلبت عليها فارتعشت صارت حركة مرتعشة ثم ظهرت في العصا مرتعشة و كذلك ضوء النار اذا ظهرت في الدخان و كان اصفر او اخضر ظهر بعد ذلك في الهواء علي لونه و مثل ذلك ما اذا نفذ من بلور احمر او اخضر او غير ذلك فالضوء الذي في السراج و هو صفة النار الجوهرية قد تنزل في فسحة وجود الشعلة حتي نزل الي ادني مراتبه فتلون بلون الدخان و تشكل بشكله و لما كان الهواء المحيط به متصلا مخالطا ممازجا معه و كان كالعصا المتصلة بيدك و هي كجزء يدك سار ذلك الضوء الروحاني اللطيف المصبوغ في الهواء فان كان في عرض الطريق مثلا بلورة خضراء نفذ فيها و انصبغ بصبغ الخضرة ثم خرج و سار نورا اخضر و هكذا و لو وصل في سيره الي الف زجاجة بالف لون لنفذ في كل واحدة و انصبغ فيه و خرج علي لون يقتضيه و سار وراءه فالنور هو ذلك الضوء المصبوغ الروحاني السريع النفوذ ينفذ في الهواء كما نفذ في الدخان الا ان الشعلة هي رسول النار الجوهرية و آية المخلوق الاول و المصنوع [ص 23] الجواني و المخلوق بنفسه و هي المستمدة من النار الجوهرية من طريق باطنها لا من جسم آخر و هي هي شهادة النار و النار غيبها و هي ضيئة بنفسها و يسير ضوؤها في الهواء لاتصاله بها و كانه جزؤها و لما كان روحانيتها اي النار الجوهرية دهرية غير مخصوصة بشيء دون شيء و مكان دون مكان و وقت دون وقت تسير في كل ما يتصل بها و لايكون حاجبا لما وراءه بقوة دهريتها و روحانيتها غير المخصصة بشيء دون شيء الا ان هذه الشعلة مظهرها و منبعها و فوارتها تفور من فمها و تنصبغ بصبغها ثم تجري فيما يتصل بها فالساير هو ضوء النار الجوهرية الموجودة في كل مكان لا كوجود شيء في المكان الداخل فيه لا كدخول الاشياء و الخارج منه لا كخروج الاشياء و لما كان ذلك الضوء صفتها كان لازمها و معها في كل مكان و لكنها لاتظهر الا من فوارة مواجهة معها مرتبطة بها ناظرة اليها كائنة صددها فلاجل ذلك لاتظهر الا من امكنة مستعدة مثلا اذا حك زناد بحجر و استعد حكاكاته ظهرت فيها و اذا حك فسفور علي موضع خشن و استعد حكاكاته ظهرت فيها و هكذا و الآن قد استعد هذه القطعة من الدخان و انفتح لها باب فخرجت من هذا الباب و سارت علي ظواهر الاجسام و كانت ابواب الاجسام عليها مغلقة فكانت في جوفها لاتقدر علي البروز فاذا فتح باب الدخان اليها اي رقق الدخان و اتصف بصفتها اي سار في فسحة وجوده حتي صار ظاهر النار او نارا ظاهرة فنزلت النار بذلك في عرض ظواهر الاجسام انبسط ضوؤها بانبساطها فيما يتصل بذلك الدخان و انما مثل ذلك بعينه كما قدمنا جسدك فانه بمنزلة الشعلة قد اشتعل بنار روحك و تعين الروح فيه بتعيناته و تخلق باخلاقه و اتصف بصفاته و الحركة فعل روحك و كما ان روحك في غيب جسدك و جسدك روح ظاهر و روحك جسد باطن و روحك اعلي جسدك و جسدك [ص 24] اسفل روحك و حركة روحك تظهر في انتقال جسدك كما ان روحك ظهر بجسدك فما اتصل به اي بجسدك كحبل او خشب مثلا يسير الحركة فيه ايضا فانه كجزء جسدك لا تفاوت بين ما يتصل بجسدك من جوف بدنك او ما يتصل به من ظاهر جسدك فيتحرك الجسم المتصل علي حسب حركة يدك و قد انصبغت الحركة في يدك بالاستقامة و الاعوجاج و السداد و الارتعاش و غير ذلك ثم تسير في الجسم المتصل علي حسبه و اذا كان لذلك الجسم ايضا صبغ تظهر فيه علي حسبه ايضا و تنصبغ فيه ثم تنفذ الي ورائه ايضا علي حسبه و هكذا و كذلك النار الجوهرية هي اعلي مراتب الشعلة و مبدأها و روحانيتها و دهريتها و الضوء و الفشو و الانتشار من صفتها و قد تنزل في مراتب الشعلة و كما انه تنزل النار و صارت دخانا ساخنا محما كذلك نزل الضوء حتي صار ضوءا ملونا مرئيا و من المبدء الي المنتهي كلها فسحة وجود النار و الدخان نار غليظة مرئية و ضوؤه ضوء غليظ مرئي الا ان غلظته لم‌تبلغ حد الجمود و الخمود فيكون حجابا بل كان بابا فهذا الضوء المرئي بشر ملكي و حور انسية و جسد روحاني و له قوة السير و ليس بجامد مخصص بهذا الدخان لغلبة روحانيته فيسير و يفشو فيما يتصل به و يذهب الي ان يلحقه حاجب و لو لم‌يحجبه حاجب لسار من المشرق الي المغرب في طرفة عين فافهم ما القي الله و رسوله و حججه عليهم السلام لاسيما بقيته عجل الله فرجه اليك و احمد الله و فيه اسرار جمة لاتحصي و ينحل به مسائل لاتستقصي .

فصل - الاجسام علي ثلثة اقسام فجسم رقيق لطيف غير حاجب ما وراءه لايحس منه شيء بالعين كالهواء و البلور الصافي و جسم رقيق ينفذ منه النور و لايحكي دقائق ما وراءه كالقرطاس مثلا و جسم غليظ كثيف لايحكي [ص 25] ما وراءه كالحائط اما الجسم الرقيق كالهواء اذا اتصل بالشعلة فلكونه من حيث الرقة مناسبا مشاكلا للنار و روحانيا و لعدم ارائته نفسه و فنائه في جنب الشعلة ينفذ فيه الضوء بلا اكتراث و لكن لما كان في الهواء ابخرة و اغبرة و اهبية ارضية اذا تراكمت هذه الاهبية و لكل هباء نوع حجب كثر الحجاب و ستر الضوء شيئا بعد شيء و لاجل هذا كلما يكون الضوء اقرب الي السراج كان انور و كلما بعد كان اظلم حتي ينقطع النور و يصير ظلمة فهذا التدرج من الاغبرة و الابخرة و الا فنفس النور ليس فيه قرب و بعد بالنسبة الي السراج لانه دهري فلاجل المحل يختلف مراتب النور في القوة و الضعف حتي انه لو وضعت آجرة بقرب السراج و وضعت مرآة في البعد كان ما في المرآة اضوء مما في الآجر فضعف النور ليس من النور فانه حقيقة واحدة دهرية نسبته الي جميع الامكنة علي السواء و لكن اذا سار من لدن السراج في ثخن الهواء الي البعد الابعد انصبغ في كل درجة بكدورة الابخرة و الاغبرة حتي خفي النور بالكلية فافهم و هذا الجسم اذا كان فيه لون روحاني لطيف و نفذ فيه النور انصبغ فيه لمشاكلة النور مع الصبغ في الصورية و ذلك مثل ما اذا وضعت علي السراج مردنجيا اصفر او اخضر او احمر فاذا دخل فيه الضوء انصبغ بذلك الصبغ ثم خرج مصبوغا بذلك الصبغ و يأتي ان شاء الله صفة الانصباغ في شرح الجسم الثالث بالجملة هذا الجسم يحكي السراج و جميع الدقائق التي من ورائه علي ما هي عليه علي ان الدقائق كلها انوار مصبوغة بصبغ الاجسام الدقيقة فيسير تلك الانوار في هذا النوع من الجسم و لو لم‌يخالطه كثيف لسار من المشرق الي المغرب ظاهرا بينا بنحو واحد من دون تفاوت في درجاته و اما الجسم الثاني فالنور ينفذ فيه لكن مبهما لايميز الدقائق التي من [ص 26] ورائه فاذا وضعت علي السراج فانوسا ملبسا بقرطاس خرج الضوء المبهم و لايظهر من ورائه الجزئيات و يأتي ان شاء الله سر ابهام الضوء فيه و الغرض هنا النفوذ في مثل هذا الجسم ايضا و هذا من جهة رقته القليلة و قربه في الجملة من الروحانية حتي انك لو رققت الخشب او الحجر كثيرا لنفذ الضوء فيه و انار الوجه الآخر حتي انك لو رققت الذهب في الغاية كالاوراق المعمولة و ارق لنفذ النور فيه و انما ذلك لقربه من الروحانية و اما الجسم الثالث فهو كالحائط لاينفذ فيه الروح حتي يخرج منه لمباينته مع صفة الروح بالكلية و برده و جساوته و غلظته و ثقله و كثافته فلاينفذ فيه الروح و مرادي بعدم النفوذ عدم انفعاله بصفة الروح و عدم اتصافه للمضادة التامة و عدم اشتعاله به فيبقي النور اللطيف في الخفاء و يبقي الجسم علي ظلمته لعدم انفعاله و هذا معني عدم السير و النفوذ و الا فليس نفوذ الروح في الجسم كنفوذ ماء في تراب و لا فرق في نفوذ النور في الجسم المحيط بالشعلة و في نفوذه في الدهن المقارن و تكليسه و اشتعاله في الدخان المكلس حينا بعد حين و شيئا بعد شيء الا ان الدخان ينفعل بكل صفات النار لاستعداده و الجسم المحيط كالهواء و الحائط لاينفعل الا من ضوئها كما لاينفعل العصا الا من حركة يدك و ينفعل العين ببصر روحك و الاذن بسمع روحك و الانف بشمه و اللسان بذوقه و كل عضو بما يخصه و العصا ايضا كعضو من اعضائك و الهواء عضو من اعضاء الدخان و الحائط عضو من اعضائه فتدبر ، و من بيان الجسم الثاني علم ان النور ينفذ قليلا في قشر الاجسام الكثيفة و يدخل فيها الاتري انك لو وضعت مائة ورق قرطاس بعضه علي بعض لم‌ينفذ النور من خلف جميعها و ينفذ البتة من ورقة و ورقتين و كذلك حال ساير الاجسام فينفذ فيها النور في قشرها و لكن لاينفذ من كلها و يتبين لك [ص 27] ذلك اذا اخذت يدك مواجهة للشمس و نظرت من وراء كفك رأيت ان النور نفذ في جلد يدك و بعض لحمها و دمها و تري الضوء الاحمر بلون دم مشرق ثم بعد ذلك ظلماني حاجب للنور و وقع منه الظل و كذلك السحب الغليظة تري اعاليها تستضيئ بالشمس و تبيض او تحمر و ادانيها سود ظلمانية و ذلك لان النور يضعف شيئا بعد شيء في خلالها حتي يفني و هذا النوع من الجسم لكثافته يمنع نفوذ النور الآتي منه الي ورائه الا انه ينفذ فيه قليلا ثم بغلظة مادته و كثافته و غلبة حجبه لاينفذ فيه و منه ثم هذا النور الآتي في الهواء الي ان وصل الي صفحة الحائط قد جاء علي صفة الشعلة و لونها فلما جاء و وقع علي الحائط ازال ظله للمضادة و القوة و تداخله مع اهبية وجه الحائط الدقيقة الخفيفة المشاكلة للروحانية التي سميتها في الجسم الثاني بقشر الجسم و قلنا انه ينفذ فيه النور لقربه من الروحانية و قربه من الدخان و الهواء فيشتعل تلك الاهبية بالضوء الآتي كما اشتعل الدخان بالنار و اما الهواء فلعدم كونه مرئيا لم‌يظهر فيه الاشتعال اللهم الا ان يكون فيه غبار مثار مرئي فيشتعل ذلك الغبار ايضا بالنور كما اشتعل الدخان بالضوء و كذلك لسطح الحائط اجزاء هبائية لو نفيت ما ورائها لكانت كالقرطاس حاكية للنور كما تري في الغبار و لكن ما وراءها لكثافته صارت مانعة من الاشتعال بالجملة قشر الحائط يشتعل بالنور الآتي فيكون القشر شعلة كالدخان و الفرق ان الدخان فيه النار غالبة فهي حارة يابسة و في الحائط ليس اشتعاله بغلبة النار و انما اشتعاله بغلبة الضوء كما ان العصا اشتعلت بالحركة كما ان بدنك اشتعل الا ان العصا اشتعلت بالحركة وحدها و بدنك اشتعل بالحركة و بالحيوة و بالارادة و بالحس و الادراك و ذلك ان جهات الاشياء تختلف و العصاء لم‌تتصل اتصالا ينفذ فيها باقي كمالات الروح اذ ليس لها عروق [ص 28] و لحم و دم و اخلاط و بخار و تناسب اجزاء حتي لاتحجب من هذه الحيوث ايضا كمالات الروح و لكن بقدر اتصالها المناسب لظهور الحركة و الانتقال ظهر من كمال روحك فيها الاتري ان بعض بدنك اشتعل بالبصر و بعضه بالسمع و بعضه بالذوق و بعضه باللمس اذ كان كل جزء له نحو قابلية و اتصال مناسب و كذلك الهواء و الحائط لم‌يستعدا من جميع الجهات حتي يظهر عليهما جميع كمالات النار الجوهرية التي ظهرت في الدخان و انما كان مواجهتهما و لطافتهما مع برد ذاتهما مناسبة للاشتعال بالضوء وحده و لو كان الهواء المحيط بالسراج مناسبا لظهور جميع كمالات النار لظهرت فيه ايضا مثل انه لو كان مكان هذا الهواء في الجو دخان ساخن في الغاية و جئت بسراج في جوف هذا الدخان اشتعل جميعه شعلة واحدة و استبن ذلك بشعلتين نفخت علي احديهما حتي خمدت و صعد من الفتيلة دخان حار و ادنيتها من الشعلة بحيث يتصل رأس دخانها بالشعلة فانظر كيف يطفر الضوء في جميع الدخان و يشتعل كل دخانها حتي تصل الشعلة الي الفتيلة فلو كان كل جو الدنيا دخانا هكذا و جئت بشعلة نار اشتعل كل ذلك الدخان دفعة البتة و ان كان سير النور فيه ابطأ لغلظته بالنسبة الي الهواء بالجملة لما كان قشر الحائط مما يمكن اشتعاله كالهواء المغبر يشتعل بالنور الآتي و لما كان كثيفا يري شعلة مرئية و ينصبغ النور الآتي في الوان القشر فتكون الوان مضيئة او ضوء ملون كما ان شعلة السراج لون مضيئ او ضوء ملون و اشتعال القشر بعينه كاشتعال المردنجي الاخضر الا ان المردنجي ينفذ النور منه و هذا القشر هو ايضا كالبلورة الا انه اغلظ و من ورائه جسم غليظ يمنع النفوذ كالمرآة او صفحة فلذ مصقول حيث ان الضوء ينفذ في ظاهره و لكن لايخرج منه لكثافة ما ورائه فلما اشتعل القشر صار كالشعلة حرفا بحرف فاضاء فنفذ [ص 29] ضوؤه راجعا في الهواء علي لونه و شكله و يفشو و ينتشر لانه شعلة مواجهة للهواء و هكذا يذهب هذا النور في الهواء و لايصبغه الهواء لعدم صبغه و يذهب حتي يقع علي حائط آخر فيشتعل فيه مرة اخري و هكذا و لو لم‌يكن للاجسام كثافة لم‌ينقص النور في كل مرة و لكن لكثافة الاجسام و ظلها اللازم لها ينكسر سورة النور في كل مرة حتي يخفي و يخمد .

فصل - ان الاجسام الغليظة الكثيفة الحاجبة الترابية ذوات اظلال كما ان الاجسام النارية ذوات انوار و كما ان النور امر وجودي ناشئ من فشو النار و وضوحها كذلك الظل و الظلمة امر وجودي لقوله عز و جل خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور فبين ان الظلمة مجعولة و امر وجودي فما يزعمونه و يقولون ان الظلمة عدم النور كلام باطل و لما كان الجعل يستعمل في خلق اللوازم كما تقول خلق الاربعة فجعلها زوجا و خلق السماء فجعلها سقفا و هكذا يكون النور لازما لذوات الانوار و هي الاجسام النارية و الظلمات لازمة لذوات الاظلال و هي الاجسام الترابية و انما جعل الظلمات جمعا لكثرتها و افرد النور لوحدتها و في ذلك سر آخر كشف به عن جعله و حكمته و ذلك ان النور شبح ذي النور و يسير و ينفذ في الاجسام و هو نور واحد لذي نور واحد كما عرفت و اما الحائط فليس يسير ظل منه الي ساير الاجسام و انما الحائط بنفسه ظلماني و كل جسم وراءه بنفسه ظلماني و هكذا و ليس يكتسب الارض من الحائط ظلمة كما يكتسب الارض المستضاءة من السراج ضوءا فاذا اقمت عصا امام السراج وقع منها ظل علي الارض و اطراف الظل مستنارة اما استنارة الاطراف فمن السراج و اما ظلمة ظل العصا علي الارض فليست بمكتسبة من العصا و انما موضع الظل من الارض بنفسه مظلم [ص 30] كالعصا و لم‌يستنر من السراج لحجب العصا نور السراج فبقي مظلما علي حسب حجب العصا فكان ظلمة الارض علي هيئة العصا و قيل انها ظل العصا و ليس ظلمة من العصا تأتي و تسير في الهواء حتي تقع علي الارض و تنفعل منها الارض فلكل كثيف ظل و ظلمة و شأن بنفسه يغنيه عن غيره رهن بظلمته و خطيئته فالظلمات متكثرة و النور واحد و هذا سر قوله و جعل الظلمات و النور و لا الظلمات و لا النور و يخرجهم من الظلمات الي النور و انما قلنا ان الظلمة لاتسير من الحائط الي الارض مثلا لان الحائط جهة الفاعل و المبدء و الروحانية فيه ضعيفة جدا حتي صارت بالقوة فليس له روحانية فاشية منتشرة بل روحانية متجسدة مع جسمه و كما ان جسمه مخصوص بمكانه محدود بحده لايتجاوزه كذلك روحه مخصوص بجسمه لايفشو و لاينتشر و لايسير و لاينفذ في غيره لغلبة جموده و تجسده فلايفعل في غيره شيئا هذا و لغيره ايضا ظلمة تغنيه عن الحاجة الي الحائط و هو مثله فلا هذا يفعل في هذا و لا هذا يفعل في هذا و علي اي حال هذه الظلمة و الظل علي وجه الجدار حيث اذ لا نور من اقتضاء تقلص التراب و تقبضه و انزوائه فلايفشو الي العين فلايظهر للعين و ليس في العين منه عين و لا اثر فلا علم لها به هذا و العين ايضا جسم ترابي مظلم في نفسه لا ضوء له و انما هي كمرآة ينطبع فيها صور الاشياء ان كان لها اضواء و اذ لا ضوء هي بنفسها ظلمانية و الباصرة التي فيها ايضا لا ضوء لها في نفسها و هي مخالطة بظلمة العين فلاتري الا ظلمة نفسها اي لاتري شيئا بالجملة هذه الظلمة صفة تقبض التراب و عدم انبساطه لازمة لكل ترابي فاذا جاء نور من ذي نور و سار في الهواء المتصل و وقع علي الجسم الكثيف استضاء وجهه و انصبغ الضوء بصبغه و اشتعل بذلك الضوء ثم اضاء علي حسب صبغه كما مر .

[ص 31] فصل - اعلم ان العين جسم من الاجسام الغاسقة بنفسها كالمرآة و وضعت كالمنظار للروح الباصرة قطبها جسم جليدي ككرة بلورة مصمتة اصفي ما يكون و وضع عليها جسم كنصف كرة جوفاء مقعرها اسود اللون و في وسطها ثقبة قبال الكرة البلورية المصمتة ليدخل منها الاضواء و تقع علي الكرة البلورية و يسمي ذلك الجسم بالعنبية لانها كنصف عنبة و علي الثقبة جسم كزجاجة المقدار يسمي بالقرنية فينطبع في هذا الجسم الزجاجي الاضواء و تدخل من تلك الثقبة و تنطبع علي الكرة البلورية و تنفذ منها الي العصبة الجوفاء التي تحت الكرة و تلك الكرة موضوعة في فمها و تلك العصبة فيها حس البصر فتقع عليها الاضواء بالوانها و اشكالها كما ينطبع الصور علي حائط بيت الطبع و صفة ذلك البيت ان تصنع بيتا مسدود المنافذ و الابواب مظلما له ثقبة صغيرة الي فضاء الدار و علي الثقبة بلورة و الحائط الداخل المقابل لتلك الثقبة مبيض فكل شيء في الدار مقابل تلك الثقبة من شجر او انسان او جسم غيرهما اذا وقع عليه نور الشمس ينطبع عكسه علي البلورة و منها ينطبع علي ذلك الحائط المبيض المقابل لها فينطبع مثل تلك الاشياء عليه بالوانها و اشكالها و معانيها كانها منقوشة بالوانها كما في مرآة صافية بعينها و كما ينطبع المثل علي هذا الحائط كذلك ينطبع مثل ما في الخارج في ذلك الجسم الزجاجي المسمي بالقرنية و ينطبع في الكرة و منها علي حائط تلك العصبة بالوانها و اشكالها كما في المرآة الصافية ثم منهم من يزعم ان الروح الباصرة مسكنها وسط العصبتين الجوفاوين الصليبيتين اللتين تحت الجبهة في مقدم الدماغ و ينطبع الشبح من كل عين فيه و يقع الشبح علي الشبح فتراهما الباصرة واحدا و ان كان في احدي [ص 32] العينين التواء لايقع بسببه الشبح علي الشبح يراهما اثنين و منهم من يزعم ان الروح الباصرة في العصبة الجوفاء في كل عين فالذي يرد علي الاولين قولهم انا نسألهم ان شخص الباصرة في الملتقي هل هو ناظر من طريق العينين الي الخارج حتي يري الاشباح علي موادها او هو خارج عن الملتقي ناظر في الملتقي كرجل خارج عن المرآة ناظر الي المرآة فان قلتم انه خارج عن الملتقي فليس فيه و نقض كلامكم انه فيه ثم ما الملتقي هل هو الفضاء ام جسم العصبة فان كان هو الفضاء كيف ينطبع في الفضاء و ان كان جسم العصبة فاي موضع منه يقابل العينين و ان كان روح الباصرة في العصبة فالواجب ان يري الشيء شيئين ضرورة انك لو ثقبت حائطا ثقبتين و توريب كل ثقبة الي اختها و تكونا بحيث لو اخرجت خطا من هذه و خطا من هذه التقيا علي مسافة معينة و بنيت في موضع الملتقي حائطا آخر ثم وضعت سراجا من وراء كل ثقبة فلا شك ان النور الخارج من الثقبتين يذهب و يقع علي الحائط المقابل في موضع واحد فلايري علي الحائط الا شبح واحد و لكن يري شبح واحد اذا نظر الناظر من خارج الحائط المستنير و اما اذا كان ذلك الموضع المستنير باصرا دراكا و نظر الي الثقبتين يري سراجين البتة ضع عينا واحدة هناك فانظر فانك تري ثقبتين و من وراء كل واحدة سراج و لكن اذا نظرت من خارج الحائط الي الحائط رأيت شبحا واحدا لان الشبحين انطبق احدهما علي الآخر و هذا هو الاشتباه من هؤلاء و انا اقول ان الروح هي الباصرة كما سمعت الرضا عليه السلام يقول و العينان منظاران يخبران الروح عن الخارج و يؤديان الاشباح الي الروح و الروح واحدي المعني مستو علي عرش العينين ليس احديهما اقرب اليه من الاخري فما ادتا اليه و ان كان من حيث المؤدي بالكسر اثنين الا انه من حيث المؤدي اليه [ص 33] واحد فالروح تدرك من هذه و من هذه في آن واحد شيئا واحدا و هو واحد فلاجل ذلك يري منهما شيئا واحدا نعم الروح اسفله مرتبط بالاجسام حتي انه يصير جسمانيا قابلا للتجزي و التقطع و اعلاه مجرد عنها و يتخلص في الملكوت وحدانيا و اسفله المتصل بالعين باصرة و المتصل بالاذن سامعة و هكذا و ذلك الجزء المتصل متجسم كالعين و الاذن و يكون آلة لاعلي الروح كالعين و الاذن و هو يدرك الادراك المخصوص ثم يسلمه الي اعلي الروح فلو كان لحيوان الف عين و نظر بكل عين الي شيء واحد لرأي روحه شيئا واحدا لان المؤدي اليه وحداني ملكوتي مستو علي عرش الالف لايشغله مكان عن مكان نعم اذا ادت الاعين شيئا واحدا بصفة واحدة الي الروح يراه واحدا و اذا ادت كل عين شيئا بخلاف الآخر الي الروح ادرك متعددا الاتري انك لو اخذت شيئا احمر قريب عينك اليمني و شيئا اسود قريب عينك اليسري و نظرت اليهما لم‌تر شيئا واحدا و هكذا اذا اختلف مرئيهما في صفاتهما فالاحول ما في عينه اليمني بخلاف ما في عينه اليسري بحسب المكان فتؤديان الي الروح شيئا في هذا المكان و شيئا مثله في مكان آخر فيري شيئين لان المرئي الخارجي ليس ملتقاهما و العين الملتوية تري الشيء علي نسب غير نسب تراها الصحيحة فتؤديان الشيء علي نسبين الي الروح فيراه علي ما ادتا و لو ادتا شيئين في مكان واحد لرأي شيئا واحدا و ذلك من المشكلات التي لم‌تنحل الي الآن مثل ما كتبت هنا و لاتجده عند غيرنا هذا و ان الله سبحانه ماجعل لرجل من قلبين في جوفه و الروح وحداني ليس يمكنه التوجه الي جهتين في آن واحد اذا كان ضعيفا و هو ينظر من العينين علي التعاقب السريع و لو تجسم و تقطع و نظر منهما معا لكان ادراكه من كل واحد ناقصا كما انك لو توجهت الي بصرك ضعف سمعك و لو توجهت الي سمعك [ص 34] ضعف بصرك و هكذا و لو توجهت الي حواسك الباطنة ضعف الحواس الظاهرة و لربما بطلت و زعم بعضهم ان الانسان يدرك بالعينين معا و انا لاامنع من ذلك الا انهما اذا ضعيفان و لذلك اذا اراد الدقة نظر بواحدة و غمض الاخري فجرب و كن متنبها تجده و لو نظرت من انبوبتين فصل طرفهما البعيد كفصل طرفهما المتصل بعينك رأيت نورين ضعيفين و اذا ادنيت طرف كل الي الآخر حتي صار ملتقاهما موضع واحد من الحائط تري ذلك الموضع انور كما اذا وقع نور سراج علي نور سراج صار انور و ان قلت هب الروح الباصرة اين هو قلت اسفل الروح مجسم كما قلت متعلق بالاجسام فاسفل الروح المتعلق بالعين فيه الباصرة و اختص بالابصار لاقتضاء المحل و مسكن الروح العصب و ان كانت نافذة في كل العين الا ان اقوي محاله العصبة الشبكية التي تحت الجليدية و القرنية و العنبية و الجليدية آلات لايصال الشبح الي العصبة فينطبع عليه كما بينا من حكاية بيت الطبع ثم تؤدي العصبة علي ما سيأتي ان شاء الله الي الروح الباصرة التي فيها و قد صارت باصرة فيها كما يصير الدم لبنا في الثدي و منيا في وعائه فذلك الروح الباصر يؤدي الي اعلاه الملكوتي و هذا الروح الباصر نافذ من حيث الاسفل الي الجليدية و من حيث الاعلي في العصبة الشبكية الي الجوفاوين الي الدماغ و اذا اطلع الباصرتان علي الخارج حكتا للروح الملكوتي بلسان واحد بصفة واحدة عن الخارج فادرك حكايتهما بادراك واحد فانه في كليهما بلا تفاوت و هو واحد و لو حكتا بلسانين لادرك شيئين البتة كما اذا كان عند اذنك اليمني صوت و عند اذنك اليسري صوت بخلافه تسمع صوتين مختلفين و اذا كان بصفة واحدة في وقت واحد تسمع صوتا واحدا هذا و وجه الحكمة لايختلف في الحواس و هم يستدلون لرؤية العينين شيئا واحدا بان الباصرة [ص 35] في الملتقي فهل يثبتون للاذنين ايضا ملتقي ام لا لايثبتون و كما ليس هنا ملتقي و تسمع صوتا واحدا كذلك تبصر شيئا واحدا من غير ان يكون الباصرة في الملتقي و السر في كلتيهما ان المؤدي اليه المدرك شيء واحد و ان كانت الآلات متعددة فلو كان لانسان الف عين و نظر الي شيء واحد يري واحدا و لو كان له الف اذن و اصغي الي صوت واحد لسمع صوتا واحدا و شاهد ما قلت قول الرضا عليه السلام ان المبصر هو الروح و العينان آلتان كما مر الحديث بلفظه و ما وجدت من بطلان كون الباصرة في موضع الملتقي و ان لازمه رؤية شيئين لا شيئا واحدا و ان مركب ارواح الحس و الحركة كلها الاعصاب و ما اعد الله لكل عين من عصبة و الانطباع عليها يقينا كما رأيت من بيت الطبع فافهم و انصف .

فصل - ان العين آلة جسمانية غاسقة لا ضوء لها من نفسها فاذا وجد بحضرتك ذو ضوء علي ما وصفنا كالسراج مثلا سار و نفذ نوره في الهواء الملاقي علي ما وصفنا نفوذ الروح في الجسد و كذا لو كان علي السراج بلور ينفذ النور في البلور نفوذ الروح في الجسد فان لم‌يكن للبلور و الهواء لون و شكل نفذ النور علي طبعه الآتي من السراج و اذا كان للبلور او الهواء لون انصبغ فيه النور و اشتعل علي ما مر ثم خرج منه مصبوغا كما خرج من نفس الدخان مصبوغا بصبغه بلا تفاوت فاذا خرج جاء جائيا الي ان وصل الي العين و وقع علي القرنية و نفذ فيها و وقوعه عليها و نفوذه منها كالوقوع علي المنظرة التي وضعتها علي عينك بلا تفاوت فان كان في القرنية صبغ نفذ فيها و انصبغ فدخل ثقبة العنبية و وقع علي سطح الجليدية و هي ايضا ككرة بلورة ثم نفذ فيها حتي يقع علي الشبكية و هي عصبة الحس و كحائط بيت الطبع الواقع بازاء [ص 36] الثقبة فوقع عليها الاشباح و الانوار بالوانها و اشكالها ظاهرة بينة و تلك العصبة فيها روح الباصرة حية بحيوة الباصرة و حيوة الباصرة ممازجة معها فان اسفل ذلك الروح جسماني كما وصفنا فيتلون روح الباصرة بلون المبصرات و يتشكل بشكلها و يتصف بصفتها و هي عين الادراك واجد نفسها فيجد نفسها كذلك علي هذه الصفة و لايفقدها و هو معني الرؤية و هو معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام المجهول الذي يلاك بين اللحي و لايدرك طعمه انما تحد الادوات انفسها ، فان الادوات شاعرة دراكة واجدة لنفسها غير فاقدة لها فاذا تهيأت بهيئة تجد نفسها علي تلك الهيئة و اي ادراك اقوي من ان يتهيأ نفس الادراك بهيئة و يتصور بصورة و لكن الاشكال في ان الجليدية كرية و المثال اذا وقع علي كري و نفذ فيه انقلب و صار علي العكس من ذي المثال و يصير الرؤس اسفل و الارجل اعلي كما حققناه في علم المرايا فلا بد و ان يقع المثال علي الشبكية مقلوبا و الانسان يري الشبح منصوبا فمنهم من زعم ان الشبح يقع مقلوبا و لكن النفس تعلم بالتجارب انه مقلوب و تفرضه مستويا و منهم من زعم انه مقلوب و لكن اذا وقع علي موضع الالتقاء استوي هناك و لكن جميع ذلك خرص عن غير علم و الصواب ان الانقلاب حاصل في المطبوع في الشبكية الجسمانية و لكن اذا بلغ المثال الروح الباصرة انتصب هناك و ان شئت تعقل ذلك فاعتبر انك اذا واجهت ذلك المقلوب بمرآة قعراء رأيت الشبح المقلوب استوي في تقعير تلك المرآة لان اعلي المرآة يواجه اسفل المثال و اسفل المرآة يواجه اعلي المثال فيستوي فبالمواجهة استوي المثال فاذا كان الشبح يقع في الشبكية و هي علي هيئة القمعة فهي قعراء من جانب الجليدية فينعكس فيه الشبح الجائي من الجليدية المقلوب و هي بنفسها شاعرة بالروح الباصرة فتري الشبح مستويا [ص 37] كما ان الشبح في المنظار ينطبع في العدسيات و يأتي منها مقلوبا ثم ينطبع في القعراء التي عند العين فيظهر مستويا فعينك هنا كالباصرة و القعراء كقمعة الشبكية و هذه الروح الباصرة اسفل البنطاسيا و هي الناظرة و العين آلة نظره و ليس فيها شكل و لون و الهواء الخارج ايضا ليس لها لون و شكل فتري الباصرة الشبح علي ذي الشبح لانه الكثيف المظهر للشبح دون الهواء و العين و اعلم ان هيهنا مسائل كثيرة لطيفة غامضة قد ذكرناها في كتابنا ضياء البصائر في علم المرايا و المناظر و لسنا بصدد بيانها هنا فلانعيدها اذ غرضنا في هذا الكتاب محض بيان صفة صدور الاثر من المؤثر .

فصل - اذا انت احطت خبرا بصفة صدور النور من السراج و صفة ادراكه فاعلم ان هذه الصفة جارية في جميع مراتب الخلق فانه قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و قال الله جل و عز و ما امرنا الا واحدة و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و لن‌تجد لسنة الله تبديلا و لن‌تجد لسنة الله تحويلا فلو صعدت صاعدا الي مبدء الايجاد و الوجود او نزلت نازلا الي منتهي الشهود لوجدت جميع الآثار يصدر من مؤثراتها هكذا و نحن نشير الي بعض ذلك ليكون دستورا لك لمعرفة الكل فمن ذلك ما يصدر من الانسان من الافعال و الاعمال و قل من احاط خبرا بهذه الاحوال ، اعلم اولا ان روح زيد و حقيقته التي بها هو هو في مقام الانسان و فوق مقام الحيوان الذي هو مركبه و فوق مقام النبات الذي هو [ص 38] مَرْج دابته و مركبه و فوق مقام الجماد الذي هو قرح ذلك النبات و هذا البدن عرض مفعول به و هو الفاعل و انما يظهر فعله فيه و عليه كما يظهر فعل النار الجوهرية في الشعلة فهذا البدن مشتعل بزيد تجلي له به و به امتنع منه فتجلي له فاشرق و طالعه فتلألأ فالقي في هويته مثاله فاظهر عنها افعاله فالذي من حقيقة زيد نور كنور السراج و لذلك يكون كزيد لا فرق بينه و بينه الا انه عبده و ظهوره و ذلك الاشراق الذي هو مثال زيد المستجمع لكمالات زيد يشتعل في البدن فما اشتعل بالبصر في العين يحصل منه شعلة مبصرة و فعله الظاهر من هذه الشعلة ابصر و ما اشتعل بالسمع في الاذن يحصل منه سمع و هكذا ساير الحواس و ما اشتعل في احوال الاعضاء يحصل منها قال و قعد و اكل و شرب و ضرب و غير ذلك من الافعال و ما اشتعل في احوال الاخلاط يحصل منها الافاعيل الوصفية فما اشتعل في حال من الصفراء يحصل منه غضب و من الدم احب و من البلغم حلم و من السوداء جبن و هكذا ساير احوالها و ما يحصل منها من ساير الافاعيل المعنوية و كذلك ما اشتعل منها في الحواس الباطنية و مواطن الدماغ فيحصل منها تخيل و تفكر و توهم و علم و تعقل و امثال ذلك فجميع هذه المواطن الظاهرة و الباطنة كالدهن المشتعل بنار ذلك التجلي و المثال المطلق و الاحداث و الافعال التي هي الانوار تابعة للشعلات و ان كان ذلك المثال اصلها و مبدأها و روحها و لو لم‌يكن هذه الادهان و هذه المواطن لم‌يكن لزيد شيء من هذه التفاصيل و هذه الكمالات و هذه علة انزال زيد الي هذه الدار و لان يظهر احدية مثاله و انبساطه و قدرته بهذه الافاعيل و ان كان يجريها باسبابها و ما قيل من ان مبدأ هذه الافاعيل من ذات زيد و ينزل نازلا حتي يظهر في الجسم هكذا غلط باطل و مجتث زائل بل التجلي الكلي من ذات زيد [ص 39] كزيد لا كيف له كما روي لا كيف لفعله كما لا كيف له ، و مبدأ هذه الافعال المختلفة من المحال التي هي الادهان كما ان مبدأ الضوء من الشعلة لا من النار و لاتزعم من شرحي هذا انه اذا رجع راجعا و عاد الي بدئه لايصحبه شيء من هذه التفاصيل فيكون ثمرها في دار الغرور وحدها و فهم ذلك من المشكلات التي لاتنحل الا بما بيناه في هذه الرسالة الكريمة المهدوية التي هي من تسديد المهدي الاعظم صلوات الله عليه و علي آبائه و عجل الله فرجه اعلم ان هذه الفعليات زمانية اذا نسبت بعضها الي بعض و نسبت اللاحق الي السابق و السابق الي اللاحق و اما اذا نسبتها الي الاعلي فهي كلها دهرية كما حققناه في معني ضوء الشعلة و ذلك انها من هذه الحيثية ثابتة لاتحول و لاتزول و لاتمر عليها الايام و الاعوام فهي دهرية و انما ظهرت علي مرآة المادة الزمانية بعد ما استعدت او لطفت و صفت و قابلتها علي ما بينا و شرحنا فجميع هذه الافاعيل باشكالها و اصباغها و خصوصياتها من حيث نسبتها الي مثال زيد دهري و هي ثمار و حبات عنقود ذلك المثال المتدلي الي عالم الزمان فاذا رفع المثال تعلقه عن المرايا ارتفع معه الحبات و جاء في الدهر بجميع حباته و خصوصياتها حتي ان زيدا يأتي يوم القيمة قائما في الصلوة في الجامع وقت الظهر في صلوة الظهر داعيا قائما قانتا كما كان في الدنيا و يأتي عمرو قاعدا بين فخذي المزني بها مولجا فيها كالميل في المكحلة حتي اذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم و ابصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء و هو خلقكم اول مرة و اليه ترجعون و ماكنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم و لا ابصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم ان الله لايعلم كثيرا مما كنتم تعملون و ذلكم ظنكم الذي [ص 40] ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين و قال و ان سعيه سوف يري و قال و وجدوا ما عملوا حاضرا انما هي اعمالكم ترد اليكم ، الي غير ذلك من الآيات و الاخبار فجميع الفعليات اذا محيت من لوح الزمان محفوظ في لوح محفوظ و ما دخل عرصة علم الله لايخرج من عرصة علم الله و ماكان ربك نسيا هذا و ذلك المثال الوحداني هو ما تراه في جميع تلك الفعليات كما ان زيدا ما تراه في اعلي ذلك المثال كما مر في شرح النار الجوهرية فلانعيد بالجملة بدن زيد هذا كدهن مفعول به مكلس مدخن مشتعل فاذا انطفأ بقي الدخان الاسود الظلماني و لا شعلة و ذهب ذات زيد بمثالها و رؤسها التي هي افعالها و صفاتها و احوالها و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا و كذلك كل ما اتصل به من خارج كما اتصل به من الداخل فلا فرق بين صاع لحم تحمل بيدك او تدخله تحت جلدك فيتحرك بحركتك و يسكن بسكونك فافهم ما اقوله لك فكل كلمة من كلماتي في هذه الرسالة مبدء علم او جواب ايراد او حل اشكال او تحقيق حق .