فصل - اعلم ان المؤثرات الزمانية كلها شعلات قد اشتعلت بنار مثل نفوسها كما عرفت و انما ينفصل منها مثل تابعة لادهانها المشتعلة فانما مرجع الانوار الشعلة المرئية لا النار الغيبية و لذلك تكون تابعة لهيئة الشعلة علي لونها و شكلها و قد عرفت ان الضوء المتصل بالشعلة لو اخذ عنه الدخان الذي هو مادة المصباح الظاهر هو دهري و انما ظهر علي الدخان لاستعداده و هو شديد النفوذ سريع السير في الاجسام كما مر و لايظهر في الهواء للطافته فاذا وصل الي كثيف ظهر عليه و الضوء المنبث تابع لهيئة الشعلة لانه يفور [ص 41] من هذه الفوارة و يسير في الهواء و الاجسام لانها اجسام كالدخان متصل بالدخان فيسير فيها سير الحركة في العصا و كذلك فعل كل فاعل من السماء الي الارض و من البسايط و المركبات فافعالها انوارها و انوارها تابعة لذلك المبدء الذي هو كالشعلة و تفور منه و تنبث الي ان تصل الي المفعول به فاذا ضربت زيدا اشتعل يدك بحركة نفسك حركة دفعية فاذا اتصلت ببدن زيد سارت في لحم بدنه و عظمه فحركة لحمه و عظمه حركة دفعية تابعة مشايعة لاثر حركة يدك تدل علي حركة يدك و تحكيها و بدن زيد مفعول به لا مفعولك و مفعولك ذلك الضرب الذي هو حركة يدك التابع لفعلك وجودا و عدما و اما حركة لحم بدن زيد فتابعة لحركة يدك التي هي اثرك و لازمتك و معك و راجعة اليك و اما فعلك فهو حركة يدك لانه هو ضرب فتلك الحركة حال الصدور فعل و بعد الصدور مفعول و ذلك المفعول كنور السراج يقع علي جدار بدن زيد فيتحرك اي يستنير و كذلك امر الكتابة فحركة يدك حين الصدور كتب و بعد الصدور الكتابة و المداد يشايع يدك و يبقي علي ما تركته و هو المفعول به و كذلك كلامك هو حركة ادواته و هي حين الصدور فعل تكلم و بعد الصدور هو الكلام و الهواء مفعول به يحمل كلامك الي من كلمته و كذلك سائر افعال سائر المركبات و كذا البسايط فان كل فلك له نفس و هي بمنزلة النار الجوهرية و لها مس في جسم الفلك و جسم الفلك عندها كالدهن المشتعل فاذا اشتعل دهن فلك عطارد مثلا بنار نفسه الدهرية اشتعل تفكرا و تعين بالفكر فانبسط منه نور التفكر و انتشر في فلك القمر و النار و الهواء و لميظهر في واحد منها كما لايظهر نور السراج في الهواء الي ان يصل الي البخار في قلب الانسان و الي الدخان في دماغه فيظهر فيه لاستعداده و لانه [ص 42] صار مناسبا للتفكر فيظهر فيه التفكر في المقام المعين و لما كان ذلك الدخان متعينا كما و كيفا علي حسب اخلاط بدن زيد و مخصوصا بزيد كان كجدار متعين ملون بلون مخصوص متهيئ بهيئة مخصوصة فيظهر عليه نور التفكر المخصوص كما و كيفا ثم ينتشر منه الآثار كما ينتشر من الجدار الانوار ثانيا الي الجدار المقابل و اعلم ان مثل هذه النفس و هذا الاشراق و الاطلاق و التقييد فيك موجود و هو روحك البخاري الدخاني فانه ليس فيه تعين سمع و لا بصر و لا ذوق و لا شم و لا لمس و هو يشرق علي العين فيتعين ادراكه فيها فيكون فيها ابصارا كما يجري الدم في الثدي فيستحيل لبنا و في وعاء المني فيكون منيا و كما اذا وقع الضوء علي البلورة الخضراء فيكون اخضر او الحمراء فيكون احمر كذلك اذا اشرق علي الاذن ينصبغ اشراقه فيها فيكون سمعا و هكذا سائر الحواس فالروح البخاري في ذاته ليس بصيرا و لا سميعا و لا ذايقا و لا شاما و لا لامسا بوجه من الوجوه لا بوجه ادني و لا بوجه اشرف و اعلي اذ ليس فيه تعين شيء من ذلك بل ليس اشراقه من حيث الصدور منه بصيرا و سميعا و ذايقا و شاما و لامسا و انما هذه التعينات و مبادي هذه المشتقات كلها عند الاعضاء و الاعضاء بمنزلة الجدران المختلفة و ذلك الاشراق كالنور المنبسط من الشمس و الجوارح بمنزلة الزجاجات المختلفة في الالوان و في بطن كل زجاجة يحدث نور موصوف بصفة مبدء اشتقاقها عند الزجاجة و كذلك الامر في نفوس هذه الاجسام و اشراقها علي الاجسام و انصباغه في بطون الاجسام فجميع الافاعيل الحادثة في هذا العالم من كل شيء من جماد و نبات و حيوان و انسان و عناصر و افلاك و نجوم و من كل حيث من حيوثها و جهة من جهاتها علي ما شرحت و بينت و لكل جسم نفس خاصة قد تخصصت و انصبغت [ص 43] و تعينت في كليته فلاجل ذلك تكون عدد النفوس الخاصة بعدد هذه الاجسام فللعرش نفس خاصة به و للكرسي نفس خاصة و لكل فلك من الافلاك السبعة نفس خاصة به و لكل عنصر من العناصر نفس خاصة به و لكل جماد و نبات و حيوان و انسان نفس خاصة به هي مبدء جميع الحركات الصادرة منه و نفس لها تعين نوعي و لاشراقها تعين نوعي من حيث الصدور و يتخصص في اجزائه و حيوثه و جهاته و اوقاته و امكنته من حيث الظهور و لو منع كل نفس اشراقها لارتفع شعاعها عن جدران هذه الاجسام و ظلت في ظلمة السكون و عدم الافاعيل ثم هذه النفوس الجزئية كلها اشراقات لنفس كلية الهية واحدة لها اشراق كلي علي القوابل و اشراقها ينصبغ انصباغا كليا بالنسبة في بطن كل قابل ثم ذلك المنصبغ الكلي يشرق و ينبث في اجزاء ذلك القابل و جهاته و حيوثه و احواله و شؤنه فجميع هذه الافاعيل راجعة الي النفس الكلية كما ان جميع افاعيلك راجع الي نفسك و ان كان لكل فعل موقع و مصدر من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة ثم تلك النفس الكلية حركتها من العالي قد وقعت فيها و انصبغت فيها كما ان جميع افاعيلك راجع الي نفسك و حركة نفسك راجعة الي الانسان الكلي مثلا فحركة النفس الكلية هي فعل الله و تلك النفس من حيث هي دهن قد اشتعل بنار تلك الحركة العرضية التي هي مس المشية و ذلك قوله تعالي يكاد زيتها يضيئ و لو لمتمسسه نار فتلك النفس الكلية الالهية سراج مشتعل بنور نار المشية فجميع الافاعيل راجعة الي الله سبحانه و الي مشيته و ارادته قال الله عز و جل الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون و قال قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا و قال [ص 44] قل الله خالق كل شيء ، و عن ابيعبدالله في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايكوّن الشيء لا من شيء الا الله و لاينقل الشيء من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لاينقل الشيء من الوجود الي العدم الا الله و قال ابوعبدالله عليه السلام لايكون شيء في الارض و لا في السماء الا بهذه الخصال السبع بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و كتاب و اجل فمن زعم انه يقدر علي نقض واحدة فقد كفر و قال ابوعبدالله عليه السلام خلق الله المشية قبل الاشياء ثم خلق الاشياء بالمشية ، الي غير ذلك من الاخبار فلا محرك في العوالم الا الله و لا فعل الا له الا ان فعله من جهته لا كيف له كما لا كيف له ثم يتكيف في كل مرآة الي ان يبلغ منتهي الخلق فيرسل الريح و يموج البحر و يحرق الخشب و يكسر الزجاجة و هكذا من الافعال الخاصة الجزئية التي لا غاية لها و لا نهاية فالملك ملكه و الحكم حكمه و الفعل فعله و ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و جعل لكل شيء سببا و هو مسبب الاسباب من غير سبب فتبارك الله احسن الخالقين و الحمد لله رب العالمين .
فصل - اعلم ان كل شيء هو هو بصورته و ان الشيء هو الصورة و ان كان ظهورها في الدنيا بالمواد الظاهرية فهذه المواد ليست مواد تلك الصور و انما هي مرآة ظهور مثلها فالمسمي في كل مقام هو الصورة و هي تمام الشيء و كله و جمعه و حقيقته ليس له ذكر فوق تلك الصورة و تلك الصورة لها مادة صدرت من مؤثرها و صورة ذاتية من حيث هي هي و لها صورة عرضية اكتسابية من المرآة اي المواد العرضية فالذي سمعت من المراتب الثمانية من الفؤاد الي الجسم للشيء كلها يكون لتلك الصورة اذ ليس له وراءها ذكر و مراتبها من لدن صدورها من مؤثرها الي منتهي شهودها و اي شيء اوضح دلالة علي [ص 45] ذلك من ان المادة الواحدة تكون كلبا و تسمي بكلب ما دامت علي صورة الكلب و اذا تغيرت صورتها و صارت ملحا لميصدق عليها الكلب و صدق عليها الملح و كذلك المادة الواحدة خمر ما دامت علي صورة الخمر و تكون خلا اذا تصورت بصورة الخلية و هكذا بل جميع احكام الشرع مدارها الاسماء و الاسماء مدارها علي الصور و ليست هذه المادة العرضية مناط هذا الاسم و هذا الحكم بالجملة تمام الشيء و جمعه و كله و حقيقته و ظاهره و باطنه كلها هذه الصورة حسب فكل شيء له نفس و نفسه تلك الصورة التي بها هو هو و يسمي بذلك الاسم فالخاتم له نفس و نفسه صورة الخاتمية التي بها يسمي الخاتم الخاتم و جميع آثار الخاتم يترتب عليها فاذا تغيرت صورته بطل نفسه و ليس بخاتم بعد و لايصدر منه آثار الخاتم و افعاله و كذلك اللبنة لبنة بصورتها و صورتها نفسها و حقيقتها و منشأ آثارها و افعالها فلو تغيرت عن تلك الصورة و زالت بطل نفسها و ليس بلبنة بعد و لايصدر منها افعالها و كذلك الياقوت ياقوت بصورته فلو تغير في معدنه عن صورة الياقوتية بطل نفسه و لميؤثر تأثيره و اعلم ان الناس يزعمون ان الجمادات و المعادن لا نفس لها و ذلك لعدم معرفتهم بمعني النفس و زعمهم ان كل نفس كروح الانسان في بدنه و ستعرف خطاءهم ان شاء الله بل النفس هي الحقيقة الواحدية التي لكل شيء المستوية علي عرش اركانها و هي الحافظة لها المدبرة لاركانها المستعملة اياها في مقتضياتها و هذه الحقيقة تختلف في الاشياء ففي بعضها تتعالي عن الكثرات و تتوحد حتي يكون اعلاها آية الله الاحد و في بعضها تتسافل و تنهمك في الكثرات حتي كانه لا وحدة لها و ليس شيء موجود لا نفس له و الا لميكن يسمي باسم واحد و لميصدق عليه شيء واحد هذا و يشاهد في الجمادات [ص 46] في كثير منها اثر الوحدة النفسانية الاتري في الجبال هذه الجدد البيض و الحمر و الالوان المختلفة و طرايق شتي الاتري في الشاهدانج العدسي آثار النفس فانه يوجد منه تلال كل ذلك التل شاهدانج علي هيئة العدسة مخلوطا بالتراب فيرفع و ينخل و يستخرج منها الشاهدانج كلها علي هيئة واحدة و عندنا احجار علي هيئة القرع و عليها خطوط و نقوش مستوية علي هيئة عجيبة من تقدير العزيز العليم الاتري العقيق الذي يقال له الشجر يوجد في بطنه نقش اشجار و نباتات يعجز عن مثلها النقاشون و وجدنا احجارا في البوادي و هي غاسقة و عليها نقوش اشجار و نجوم كاحسن ما يمكن و احجار علي هيئة الزنجبيل و دارفلفل و العروق الصفر و خولنجان و فوفل بنقوشها و خطوطها لا فرق بينها و بينها الا انها احجار خلقت هكذا و سمعت انه وجدت احجار علي هيئة الاشجار باغصانها و اوراقها الا انها حجر و هكذا و كل هذا دليل ان لها نفوسا و الا لماكانت تجري هذا المجري نعم اسافل هذه النفس كثيفة غليظة متكثرة متقطعة فلمتجر علي نظم واحد يدل علي وحدة لها و ذلك غير ضاير و كذلك تقدير العزيز العليم بالجملة نفس المعدن هي صورته من الذهبية و الفضية و غيرهما و هي منشأ آثاره و افعاله و مصداق اسمائه و هذه النفس هي الصورة المحسوسة المرئية و قد ظهرت علي المادة العرضية الدنياوية و هذه النفس كونها في الزمان و فسادها في الزمان قد بناها صانعها بيد زمانية و هدمها بيد زمانية و تكون زمانية اذا قستها بما قبلها و ما بعدها فهي مداها و عمرها قطعة من الزمان ليس قبلها و لا بعدها لها ذكر و كما لمتكن قبل كونها و لمتتألف اجزاؤها كذلك لاتكون بعد كونها و تتفرق اجزاؤها الي اصولها و اما النبات فله ايضا نفس و نفسه صورته كما بينا لكن لايذهبن بك [ص 47] المذاهب و لاتزعمن صورة النبات ما تري بعينك هذه من صورة نجمية او شجرية فان ذلك صورة الجماد و نفس الجماد المعتدل في الجملة الاتري انك اذا قلعت الشجرة و القيتها علي الارض هي علي صورة كنت تراها قبل و ذهب عنها النفس النباتية فلاتنمو و لاتخضر بعد و لاتجذب و لاتمسك و لاتهضم و لاتدفع و هكذا بل صورة النبات صورة لطيفة برزخية بين العناصر و الافلاك و انما تلك الصورة من ظل نور جوزهر القمر قد تعلق بصوافي الاغذية الدنياوية الحاصلة من هذه العناصر فلما حصلت تلك الصوافي وقع عليها ظل نور جوزهر القمر فانطبع في مرآتها و هو صورة مطلقة نباتية كلية لايحكيها الا صوافي الاغذية و صوافي الاغذية لها دهن يشتعل بذلك النار فهذه الشعلة في اختلاف الوانها و هيآتها علة اختلاف النبات فمنها يكون بعضها حوكا و بعضها صعترا و بعضها نعنعا و منها نجما و منها شجرا و امثال ذلك فالجائي من عند العالي النبات المطلق و الظاهر عند صوافي الاغذية اقسام النباتات فلما وقع ظل سراج النفس النباتية المطلقة علي زجاجات صوافي الاغذية حدث من ورائها آثار مختلفة و افعال متشتتة و في بطون تلك الصوافي تحصل نفوس نباتات جزئية و اسماء خاصة و خواص متفرقة و اما الحيوان فله ايضا نفس و نفسه صورته و لاتزعمن ان صورته هي هذه المحسوسة التي منها ما يمشي علي بطنه و منها ما يمشي علي رجلين و منها ما يمشي علي اربع و ازيد فان هذه صورة من صور الجمادية المعتدلة في الجملة و ليست هي الصورة النباتية التي في هذا البدن ايضا فان النفس النباتية كما عرفت ظل نور جوزهر القمر يظهر علي صوافي الاغذية و هي مرآته و هي دهنه و في بدن الحيوان تلك الصوافي اعلاها الروح البخاري فانه من صوافي ما يرد علي البدن من الاغذية و لطائفه قد ظهر عليه ظل نور جوزهر [ص 48] القمر فصار ناميا و سري في جميع البدن فجذب و دفع و هضم و مسك و اربي و اما النفس النباتية في بدن ساير النباتات فهي اغلظ من نباتية الحيوان و هي ايضا نافذة في جميع جسم الشجر و النجم و مثل هذه النفس الغليظة النباتية ايضا موجود في بدن الحيوان مخالط لحمه و دمه و فيه الروح البخاري علاوة اصطفاه الله لركوب النفس الحيوانية فاذا حصل هذا البخار اشرق عليه نور جوزهر القمر كما يشرق نور السراج علي الحائط فانصبغ فيه علي هيئته و مزاجه و طبعه و خاصته فكان هذا النور المنصبغ المتهيئ اسدا و نمرا و كلبا و غير ذلك فهذه التعينات كلها في ذلك البخار الذي هو خلاصة الاخلاط التي هي خلاصة الاغذية فالاسدية من البخار و الحيوة من جوزهر القمر كما ان النور من السراج و التثليث و الحمرة مثلا من الحائط فاذا انصبغ الحيوان في البخار فصار اسدا انعكس عنه ثانيا انوار علي حسب اسديته علي مخه و اعصابه و عضلاته و اعضائه فصدر منه آثار الاسدية و افعالها و اما الانسان فله ايضا نفس و هي الصورة الانسانية و لاتحسبن انها صورته المشهودة في هذه الدنيا فانها كما عرفت صورة جماديته العرضية و لا صورة صوافي بدنه فانها ايضا صورة نباتيته و لا صورة حيوته الحساسة المريدة المتحركة فانها ايضا صورة حيوانيته ناطقة معتدلة و هي كلها مرايا عرضية و مواد خارجية و ادهان مفعول بها و جدران مشرق عليها بل الصورة الانسانية هي نور عليم حليم ذاكر فاكر نبيه متنزه حكيم يجيء من لدن ساير الافلاك فيشرق علي هذا النور الحيواني الناطق المنصبغ بصبغ ذلك البخار و هو دهنه و جداره حسب و غيره لايستنير بنوره و امثل لك مثالا ان الحركة صفة الجسم و الاستدارة صفة الحركة و السرعة صفة [ص 49] الحركة المستديرة و علي هذه فقس ما سواها و كذلك الروح الحيواني الفلكي الآتي من لدن جوزهر القمر في كل مكان و لكن لايشرق الا علي البخار و لو كان بدل الهواء نار و كانت وجه الارض اجمة ليس يشتعل الا القصبات اليابسة و الخشب اليابس فافهم فدهن تلك النار الجائية من فلك المشتري و زحل مثلا هو الحيوان و نفسه فان الحي يعلم و يحلم و يذكر و يفكر و يكون له نباهة و نزاهة و حكمة لا الميت فالحيوان الناطق دهن هذه النار فاذا اشتعل بنور الانسان صار انسانا مشخصا زيدا او عمرا له صبغ و هيئة مخصوصة زيد او عمرو او بكر و حصل له مقدار معين من العلم و الحلم و الذكر و الفكر و غيرها و لكل منا مقام معلوم و كلما سعي الانسان في تلطيف تلك النفس الحيوانية و تصفيتها و تبريتها من خواص ما دونها و اصباغها و الركون اليها صار انسانيتها اعم و اشمل و اقوي و اكمل و اشبه بالانسان الكلي الجامع و كلما ركن الي الاسفل صار فيه الحيوانية و النباتية و الجمادية اقوي و دعته الي انفسها و جرته اليها و صبغته باصباغها و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث فانه اقتضاء ذاته و سجيته ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير و ان في ذلك لعظة و ذكري للمؤمنين ان يسعوا في الاتعاظ بمواعظ الله و اتخاذ شرعه و دينه فان شرعه هو حدود الانسانية البيانية الموافقة لحدود الشارع الكونية ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، الماعهد اليكم يا بني آدم الاتعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم و عرصة الشيطان هي ذي ثلث شعب لا ظليل و لايغني من اللهب شعبة الجمادية و شعبة النباتية و شعبة الحيوانية و في كل شعبة شياطين يدعون الي انفسهم ماكان لي عليكم من [ص 50] سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني و لوموا انفسكم ما انا بمصرخكم و ما انتم بمصرخي بالجملة لكل من الثلث اقتضاء فاذا غلبت ثلثها او احديها انصبغت الحيوانية باصباغها فاذا اشرق عليها نور الانسان انصبغ فيها و تطبع بطبعها و تهيأ بهيأتها و تشكل بشكلها فصار حيوانا لهم قلوب لايفقهون بها و لهم آذان لايسمعون بها و لهم اعين لايبصرون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون ، و وجه الاضلية لان الشعور الانساني قد عمل في الحيوانية و النباتية و الجمادية و ساعدته الآلات و الادوات فصار شيطانا علي صورة الانس فهو انسان كوني لا شرعي و ان الشارع جاء لتعديل الروح الحيواني حتي يستقيم علي الصراط الانساني و يزيل عن نفسه اصباغ الجماد و النبات و الحيوان و يصير صافيا حتي يظهر عليه النور الانساني كما هو بالجملة الصورة الانسانية هي التي جاءت من قبل الانسان الحق المطلق و هي نورها و شعاعها و وقعت علي جدار الحيوانية او هي نار اشتعلت في دهن الحيوانية فصارت سراجا وهاجا يضيئ بالانسانية و اضاءته آثاره و اعماله و افعاله و عقائده الانسانية و قد عرفت ان النفس الجمادية تنبعث في الجسد و النفس النباتية تنبعث في الكبد لان هناك محل تصفية الاغذية و النفس الحيوانية تنبعث في القلب لان هناك تتلطف حتي تصير بخارا و يظهر ما فيه من الفلكية و اما النفس الانسانية الشرعية فتنبعث في الدماغ و لكن اسباب انبعاثها الشارع و شرعه و توليه و متابعته و امتثال امره و لاجل ان سبب انبعاثها الشارع يقال انه لا انبعاث لها من الجسد و هي من ارض العلم و اما الكونية ففي الدماغ و اسباب انبعاثها الافلاك العالية و انوار ما فيها من النفوس و ليس مقام ازيد من ذلك هنا فاذا اعتدل في فرد الانسانية حتي صار كاملا في جميع حدود الانسانية و استقام علي الصراط كما ينبغي يصير [ص 51] انسانيته دهنا او جدارا للكلية الالهية و هي روح النبوة فيشرق عليها روح النبوة من الكرسي فيكون نبيا يوحي اليه محاب الله و مساخطه و توحيده و معارفه و الكيف و اللم و الصلاح و الفساد و الخير و الشر فينطق باذن الله بعد ما اشتعل انسانيته بذلك و بتربية النبي او الولي السابق و اقتضاء العلل و الاسباب فيشتعل انسانيته بنور النبوة فيكون نبيا نوره نطقه و اعماله و افعاله فيقوم منبعثا في الخلق سراجا منيرا يهدي الي الحق و الي صراط مستقيم و يتخصص بتلك الانسانية فيكون موسي و عيسي فيها يدعو الي مولاه و يشير الي معناه منذرا مبشرا كما عرفت و اذا اعتدل النفس الكلية في فرد من افراد الانبياء حتي لميبق له خصوصية و وصمة من الانسانية و الحيوانية و النباتية و الجمادية و ذلك لميكن في الكل و لذلك كان بعضهم قد يلم بترك اولي و ذلك من جهة اصباغ المراتب السابقة فاذا صفا فرد من الافراد من تلك الاصباغ ظهر فيه الخاتمية المطلقة من النبوة و الوصاية و ظهر فيه نور العرش بتربية الولي السابق و اشتعل بذلك النور و نطق بدين الحق من المعارف و الحقيقة و الطريقة و الشريعة الكلية العامة في جميع الخلق و الخاتمية هي اسماء الله و صفاته و انواره و كمالاته فمن اشتعل بها فهو الخاتم الحق ينطق بما ذكرنا في جميع خلق الله فيكون حجة علي ما سوي الله فاذا صفا فرد من افراد الخاتِمين و تبرأ من جميع اصباغ نفسه و ما دونه ظهر فيه ما لايعلمه الا الله و السكوت عنه اولي و هو يجري في حظ الصدور لا خط السطور و لتعلمن نبأه بعد حين و الغرض ان جميع ما سوي الله سبحانه من صنوف الخلق ادهان اشتعلت بنار مشية الله و تعينت النار في تلك الادهان و تلك الشعل رؤس مشية الله جل و عز و لا فعل الا لله جل و عز الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون .
[ص 52] فصل - كما عرفت ذلك في المواليد فاعلم ان لكل عنصر من العناصر نفسا هي ايضا دهن قد اشتعل بالطبيعة الكلية و انصبغ نور الطبيعة الكلية فيه فبدا منه آثار و افعال و حركات علي ما تري الا انها لغلظتها لمتشتعل اشتعالا تتخلص به عن الكدورات فلاجل ذلك ليس لها قوة قوية في اراءة تلك الطبيعة بكلها و في احداث آثارها و ربما تحتاج الي معين حتي يظهر منها الاثر و كلما تخلصت عن الكدورات حكت تلك الطبيعة اكثر و صارت في آثارها اقوي و اصل الفعل في ذلك للطبيعة و خصوص الفعل منها كما عرفت و كذلك الافلاك فلكل فلك نفس هي صورته التي هو عليها و تلك الصورة دهن قد اشتعل بنور النفس الكلية الالهية للعالم فظهر في كل فلك علي حسب صبغه و صورته فظهر في العرش بالعقل و في الكرسي بالنفس و في فلك زحل بالعاقلة و في فلك المشتري بالعالمة و في فلك المريخ بالواهمة و في فلك الشمس بالفؤاد الاسفل العنواني و هو فعل الفؤاد الاعلي و ادراكه و في فلك الزهرة بالخيال و في فلك عطارد بالفكر و في فلك القمر بالحيوة الا ان هذه البسايط لها ملكية و وحدة جهة و لذلك لاتحكي جميع ما في تلك النفس و ما في تلك الطبيعة الكليتين و كل واحد يحكي شأنا من شؤنهما و يصدر عنه فعل شأن و ان كان من مجموع البسايط يصدر الكل و اما المركب الجامع فيصدر منه جميع آثار النفس و الطبيعة الكليتين لجامعيته لجميع البسايط و يد التقدير اراد من التركيب تركيب الجامع الا ان مواد هذا العالم منها ما طاوعت الي منتهي العمل و منها ما تقاعدت في عرض الطريق فلميطاوع فبقي جمادا او نباتا او حيوانا او انسانا او نبيا و كل واحد يحكي من تينك الكليتين بقدر صفاء [ص 53] مادته و نقاء هويته و كلها ادهان مشتعلة بتينك النارين و اصل تينك النارين و مبدؤهما من جهتي المشية المخلوقة بنفسها فان لها جهتين جهة فاعلة هي نفسها و جهة طبيعة مفعولية هي حيث انيتها و هذان السران ظهرا في كل العوالم و تفصلت علي ما سمعت فكل ما حكي شأنا او شؤنا فهو ملكي و لكل منا مقام معلوم و ماجعلنا اصحاب النار الا ملئكة و الجامع هو واحد و ليس بيان هذه المراتب علي التفصيل حظ وضع هذه الرسالة و انما جاءت الاشارة في العبارة استطرادا .
فصل - قد عرفت مما بينا و شرحنا في هذه الرسالة الشريفة ان النار الجوهرية دهرية لاتحس بهذه الحواس و انما المحسوسة بهذه الحواس هي مسها و هي الحرارة الملموسة التي قارنت الدهن و كلسته دخانا و اشتعلت فيه فهذه الحرارة الفعلية تجلي النار الجوهرية و هي في الدخان بمنزلة الروح في الجسد و ليس في النار الجوهرية تعين و لا في النار العرضية الفعلية و انما جميع التعين للدخان فانه يحمر و يصفر و يخضر و هو يصير مخروطيا و كثيفا مرئيا ليس الاختلاف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي ، و الانوار تابعة لتعين الشعلة فتكون علي حسبها و لا حسب للنار الجوهرية و لا العرضية الا الشعلة و هي حسبهما فحيوة هذه الشعلة بالنار و ظهور النار بالدخان و انما اعدنا الكلام اعتبارا و قد عرفت ان جميع العالم بني علي ذلك و خلق كذلك فاذا فعل الله جل و عز و مشيته في بعض الخلق بمنزلة النار العرضية و في بعض بمنزلة النار الجوهرية و لا تعين فيه و منه ابدا ابدا و انما التعين في ادهان القوابل و ادخنتها في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، [ص 54] فما كان من القوابل صافية لا تعين فيها كثيرا يظهر منها فعل الله علي حسبه و ما كان منها كدرة فيها تعينات و تكثرات يظهر منها الفعل علي حسبها فما كان منها لا تعين فيها الا باقل ما يكون سبب الرؤية و الظهور كان ما ظهر منه علي حسب ما كمن فيه و ما كان فيها تعين قليل لايخالف صفة الروح كثيرا كان ما ظهر منها قريبا مما كمن فيها و ما كان فيها تعين و تكثر وافر حتي تكون علي ضد صفة الروح و خلافه كان ما ظهر منه علي ضد ما كمن فيه اعتبر ذلك من مرآتك فما كان منها صافية لا تعين فيها ابدا الا انها مرئية كما قال عليه السلام لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك ، تريك كما انت فتنسب جميع ما يري منها الي نفسك ،
فعينك عيناها و جيدك جيدها سوي ان عظم الساق منك دقيق
و ما كان فيها قليل صبغ و اعوجاج تغير مثالك قليلا لكن لا بحيث لاتعرف منها فمن رآه عرفك و عرف انه مثالك و رأي بعض التغير الذي لايوجب نكرا و لايحجبك و يوسعه عذرا و ما كان فيها تغير كثير بحيث يخالف وجهك بالكلية فلميعرفك من رآها و رأي المثال فيها تتبرأ و تعاديها و ان كان حيوتها منك و لو لمتكن لميكن فيها مثال قط و ذلك مثل ما بلغني انه صنع الافرنج مرآة للسخرية اذا نظر اليها الانسان رأي مثال وجهه فيها ككلب او خنزير فذلك المثال قائم بك و من تجليك لكن اعوج حتي تبرأت منه و عاديته و لعلك تنبهت من ذلك سر اعمالك و افعالك ان قدر الله فيها كالروح في الجسد و كالنار في الدخان و اصل الحركة و الفعل و العمل من الله و لكن ذلك القدر ينصبغ فيك علي حسب اصباغك من جمودك و عادتك و طبعك و شهوتك و غضبك و الحادك و شقاوتك او في اضداد [ص 55] ذلك او في قليلها او كثيرها فان لمينصبغ فيك الا بقدر ان يظهر القدر و يجري في الظاهر فيكون فعلك فعل الله و قولك قول الله و حكمك حكم الله و مرآك مرأي الله و الرد عليك الرد علي الله و ما بكم من نعمة فمن الله و ما اصابك من حسنة فمن الله فيجوز مدحك و اثابتك و نسبة الفعل اليك ايضا فان اظهار القدر منك غاية الامر ان كمالك في فنائك و قوتك في عجزك و غناك في فقرك و نعيمك في شقائك و بقاؤك في فنائك ففعلك فعل غيرك لمتقتلوهم و لكن الله قتلهم و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و انت حينئذ من السابقين المقربين و ان كان فيك قليل صبغ خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا يعني اروا انفسهم شيئا و ربهم شيئا فتري نفسك بدعوي استقلال و قليل جمود او عادة او طبع او غير ذلك لكن لا بحيث تغير كليات مقتضي القدر فما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك فتري ربك و توافق رضاه مرة و تحجب قليلا و تخالف قليلا مرة فتندم عليها و تتبرأ منها و تعترف بذنبك و تتوب منها فان ذلك علامة هذا النوع فما اصبت ينسب الي الله و هو بتوفيقه و رضاه فانك لاتصيب الا عند فنائك و ما اخطأت فمنك فانك لاتخطئ الا عند استقلالك فالفعل منسوب اليك و الذم راجع اليك و ان كان فيك الغلظة و الكدورة و الاصباغ و الكثرات بحيث تضاد ربك و لاتري الا نفسك فجميع اعمالك منسوب اليك و ربك بريء منك و من اعمالك ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون ، ان الله بريء من المشركين و رسوله ، ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون و هذا بحمد الله في الافعال ظاهر و اما في الاكوان فخفي في الجملة و ان [ص 56] احطت خبرا بكلية ما ذكرنا و جريانه في كل مقام لايشكل عليك هناك ايضا فان الاكوان ايضا بمشية كونية من الله و هي في قوابل الاكوان ايضا كالنار في الدخان و الكون منها كالشعلة غاية الامر ان الدهن في الافعال مفعول به و في الاكوان مفعول مطلق و قد علم الله الخلق قبل ان يخلقهم علي ما هم عليه و علمه جل شأنه اولي بحقيقة التصديق و علم انهم لايقدرون ان يكونوا علي ما هم عليه الا بقدره فجعل فيهم القدر كالروح في الجسد فما كان من تعين فمنهم و ما كان من بساطة فمن قدر الله و هو اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك منه و ليس هذه الرسالة محل ازيد من ذلك و ارجو من بركات مهدي آلمحمد عليهم السلام الذي بتسديده سدّدت الي تصنيف هذه الرسالة و كشف بالحكمة لي عن حقيقة هذه المسائل التي هي من اصول معرفة حقايق الاشياء علي ما هي عليه ان يجعل ذلك ذخرا لي في الآخرة و ينفع بها اخواني المؤمنين الطالبين للعلوم .
و لما بلغ الكلام هنا رأيت ان اختمها اذا اتيت علي عمدة غرضي منها و قد فرغت منها في عصر يوم الاربعاء لثلث بقين من ربيع الثاني من شهور سنة سبع و ثمانين و مأتين من الالف الثاني في بعض جبال لنجر حامدا مصليا مستغفرا منتظرا ظهور دولة الحق داعيا لصاحبها بالفرج العاجل ان شاء الله . تمت .