[ص 1]

الرسالة المهدوية

في كيفية صدور النور من المنير

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

و بعد هذه رسالة مختصرة كتبتها و انا العبد الاثيم كريم بن ابرهيم في مسألة غامضة لم‌يفض الي الآن فيما اعلم ختامها و لم‌يكشف الي الآن لثامها حتي ان مشايخنا رضوان الله عليهم اجمعين لم‌يكشفوا عن مُحَيّاها و لم‌يبينوا حقيقتها و منشاها لا جهلا منهم حاشاهم بل ربما لم‌يمس حاجتهم الي بيانه او لم‌يُسألوا عنها او ضنوا بها علي اهل الزمان او لم‌يروا في الطلاب استعداد فهمها و اني لما رأيت ان فهم جميع المطالب علي الحقيقة موقوف علي هذه المسألة و من لم‌يعرفها لايعرف شيئا من المسائل من المبدء الي المنتهي كنت كثير التفكر في هذه المسألة و كثير البحث عن خباياها حتي انه في ايام مجاورتي الحسين عليه السلام اتفق ليلة اجتمعنا في مجلس من العلماء و الحكماء و فيهم ذو العلم الوافر و الفهم المتكاثر الميرزا حسن بن المرحوم الحكيم الالمعي ملا علي النوري فسألته عن هذه المسألة و هي ان نور هذا السراج كيف يصدر من هذا السراج و ما حقيقته فقال هذا فضله قلت لااعرف الفضل و سؤالي عنه قال كماله قلت لااعرف الكمال و سؤالي عنه و هكذا قام يعدد الفاظا مترادفة نحو هذا جوده هذا فاضل وجوده هذا ظله و امثال ذلك و اقول في جميع ذلك انا لااعرف هذا و سؤالي عنه [ص 3] فعجز رحمه الله و لم‌يكن السيد الاستاد اعلي الله مقامه حاضرا تلك الليلة فلما ان حضر السيد الاستاد اجتمعنا بحضرته ليلة فحكيت له صورة بحثي مع الميرزا حسن ثم سألته اعلي الله مقامه عن حقيقة النور و صدوره من السراج فقال هذا بلا كيف و لم‌يجب عن حقيقة المسألة لما رأي من الصلاح و بقي هذه المسألة تجول في خاطري و لاافهم حقيقتها و تتلجلج في صدري و يتوق الي فهمها قلبي الي ان التجأت الي الحضرة القائمية و انخت راحلة طلبتي بفناء الناحية المقدسة و تضرعت الي بقية الله ان ينبهني علي خفاياها و يوقفني علي زواياها و يكشف لي عن خباياها الي ان افيض علي من تلك الحضرة العلية و السدة السنية ما اكتفيت به و الحمد لله و سكن له قلبي و انشرح به صدري فاحببت ايراد ما القي الي في هذه الرسالة علي نهج الاختصار و سميت هذه الرسالة بالرسالة المهدوية لان اصلها من تلك الحضرة العلية و السدة السنية اقر الله عيوننا بفرج آل‌محمد صلوات الله عليهم عن قريب آمين رب العالمين و افصل مطالبها بفصول في كل فصل اصول .

فصل - اعلم ان هذه العناصر المحسوسة في هذه الدنيا المسماة باليونانية بقوسمر عناصر مركبة من عناصر اصلية قد اختلط بعضها ببعض و امتزج بعضها ببعض كما هو مشاهد و كذلك افلاك هذه الدنيا فكل فلك مركب من اشراق كل كوكب و فلك و ما من ذات نفسه الا ان تركيبها الطف فمن دون هذه الدنيا اجسام بسيطة بالنسبة دون هذه العناصر عناصر و دون هذه الافلاك افلاك و تسمي عرصة تلك العناصر بعرصة جابلقا و جابرصا و الاقليم الثامن و عرصة تلك الافلاك بهورقليا اي ملك آخر و الرجعة تكون في تلك العرصة و هي من عرصة الدنيا و الزمان باعتبار و الجنتان المدهامتان في هذه العرصة [ص 4] و ستظهران في الرجعة و يكون اكل المؤمنين يومئذ منهما و تلك العرصة ارضها الطف من محدب عرش هذه الاجسام الدنياوية و زمانها الطف من زمان هذه و مثلها في بدن الانسان الحس المشترك و البنطاسيا بالجملة هذه العناصر الظاهرة مركبة من العناصر الاصلية لكن ما غلب عليه النار الاصلية صار ناراً و ما غلب عليه هواء اصلي صار هواءاً و هكذا كما ان اخلاط البدن مركبة من هذه العناصر الظاهرة فما غلب عليه النار صار صفراءاً و ما غلب عليه الهواء صار دما و هكذا و تلك العناصر الاصلية في العناصر الدنياوية بمنزلة الروح في الجسد و الغيب في الشهادة و الجوهر في العرض و الهيولي في الصورة و هي في انفسها ايضا مركبة من العناصر الجوهرية الحاصلة عند انفعالها عند امر الآمر و فعله و العناصر الجوهرية هي ما لايستحيل الي غيره بخلاف هذه العناصر فان ارضها تستحيل ماءاً و ماؤها يستحيل هواءاً و هواؤها يستحيل ناراً لانها مركبة تركيبا زمانيا فاذا غلب الماء علي ما الغالب عليه الارض و به كان ارضا صار ماءا و كذلك العناصر الاصلية البرزخية فهي ايضا صالحة للاستحالة و الانقلاب و لاجل ذلك تركبت و حصلت منها هذه العناصر و لولا الاستحالة و الانقلاب لماحصل التركيب و الذي اري ان نفوس النباتات من تلك العناصر الاصلية التي هي غير محسوسة بهذه الحواس و يشهد بذلك ان الدواء الناري حار في الرابعة مثلا مع ان منظره ترابي و ملمسه بارد و الدواء الرطب مائي في الرابعة مثلا و منظره و ملمسه ترابي يابس منجمد فليس نفوس النباتات من هذه العناصر و انما اجسادها من هذه العناصر فاذا ورد البدن شيء منها و طبخ و انحل و كلس كالزيت المكلس و رق حجابه ظهر تلك النفس من حجابه و اشتعلت فيه كما يشتعل النار في الدهن و يظهر صفات نفسه كما سنشرحه ان شاء الله فاذا تكلس الدواء في البدن و اشتعل [ص 5] سراجه بنفسه اضاء في البدن بصفة باطنه فسخن البدن و جفف و برد و رطب علي حسبه فافهم ما لم‌يفهمه طبيب الي الآن ابدا علي ما اطلعنا عليه من كتبهم و كذلك نباتية بدن الانسان من تلك العناصر الا انه في بدن الانسان يكون الحجاب دائما رقيقا مكلسا و نفسه النباتية مشتعلة في ظاهره و الذي اري ان النفس الحيوانية مركبة من العناصر الجوهرية و تلك العناصر كامنة في النفس النباتية فاذا رقت و لطفت و نعمت و كلست ظهر عليها النفس الحيوانية و اشتعلت بها اشتعال الدهن بالنار فصارت تتحرك و تدرك و تريد و العناصر الجوهرية في غيب العناصر البرزخية فعرصة هذه الاجسام الظاهرة عرصة الدنيا المسماة بقوسمر و عرصة العناصر الاصلية عرصة البرزخ المسماة بجابرصا و جابلقا و الجنتين المدهامتين و افلاكها هورقليا و عرصة العناصر الجوهرية هي عرصة الدهر و الآخرة و فيها ارض المحشر و فيها النار و في افلاكها الجنة فالآخرة في غيب البرزخ و البرزخ في غيب الدنيا ارض كل في ارض كل و سماء كل في سماء كل كما عرفت و من العناصر الجوهرية ابدان اهل الآخرة و اجسامهم الاصلية و من افلاكها ارواحهم و جميع عرصة الآخرة جسماني فان المعاد جسماني و عرصة القيمة جسمانية و الجنة و النار جسمانيتان بضرورة الاسلام فالعناصر الجوهرية من اللطافة و الصفاء و الروحانية في العناصر الاصلية كالمعني في اللفظ و الروح في الجسد و اعلم ان هذا القوسمر عناصره عرصة الكون و الفساد و عرصة الوجود و الفناء لغلبة توارد الاعراض عليها و اما افلاكه فهي لقلة الاعراض يكون الغالب عليها احكام البرزخ و الهورقليا و لاجل ذلك روي ان الرجعة في السماء و ارض الرجعة في الصفاء تكون كافلاكنا هذه و اصفي و اما عالم البرزخ فعناصره هي العناصر الاصلية و الغالب عليها حكم التركيب الجامد [ص 6] الجسداني و اما افلاكها فالغالب عليها حكم الروح و ان كان جسما و لاجل ذلك يكون ارض المحشر في الكرسي و العرش سقفه فافهم و لسنا بصدد بيان هذه المطالب الخارجة عن غرض الرسالة و كان الغرض معرفة طبقات العناصر و ظهرت و الحمد لله .

فصل - من العناصر كرة النار هذه التي هي فوق الهواء و اخف منه و لاجل ذلك تصعد فوق الهواء و ينزل عنها بالمشاهدة و هي جسم مركب من العناصر الاصلية قد غلب عليه النار الاصلية و هي لطيفة في غاية اللطافة العنصرية مشابهة للفلكيات و ربما تسير اعاليها بمشايعة الفلكيات و تكون اقل عرضا من اخواتها و اوحد و ابسط و اشبه بالروحانيات و انفذ في الاجسام التي دونها و هي اشبه عنصر بعناصر البرزخ و الافلاك و هي لاتخلو عن شوب اخواتها و هذه النار المشوبة من عناصر القوسمر و لو صفيت و زالت عنها الاعراض لكانت من عالم البرزخ و لخرجت عن احساس هذه الحواس المركبة من عناصر القوسمر و هذه النار شأنها التفرق و الانبساط كانها تريد ان تخرج من الحدود و تكون في كل مكان فاذا خالطت عنصرا من العناصر الجامدة المحدودة تفكك اجزاءه و ترققه و تسيله و تبدده كما يفرق الهواء اجزاء التراب مثلا و بهذا التفكك يحصل الالم المسمي بالحرقة للجسد و من شأنها اذا استولت علي مركب ان تلطف هواء المركب و تخرجه و تفرق اجزاء مائه و تجعله كالهواء و تبدد اجزاء ارضه و اهبيتها و تجعلها في غاية الخفة و النعومة و تصعد باجزاء المركب الي حيزها فان استحالت اليها صعدت الي مركزها و ان لم‌تستحل و تقاربت منها صعدت علي حسبها و منها الهواء و هو جسم مركب من العناصر الاصلية الغالب عليه الهواء [ص 7] الاصلي و هو بمجاورة النار حار و بحرارته يقتضي الانتشار و الانبساط لكن فيه رطوبة رابطة لايفكك اجزاء ما تسلط عليه و ان كان يبسطها و ينشرها بل يدعها متألفة متصلة بعضها ببعض الا انه يرققها كما يرقق الماء العسل و منها الماء و هو جسم مركب من العناصر الاصلية الغالب عليه الماء الاصلي و هو بمجاورة التراب بارد و بمجاورة الهواء رطب الا انه ببرودته انعقدت رطوبته و صارت اغلظ من الهواء لزجةً و برطوبته صار يسيل الجوامد و يميعها و يبسطها و بلزوجته ليس يبدد الاجزاء و يدعها متصلة مرتبطة الا انه ينشر الجوامد و يبسطها و منها التراب و هو جسم بارد يابس مركب من العناصر الاصلية الغالب عليها التراب الاصلي متبدد الاجزاء متفتتها و هو لبرده و يبسه يقتضي تجميد كل سائل و عقده و تغليظه فان امتزج برطوبة تقتضي تقريب بعض اجزائه الي بعض و وصلها و تلزيزها و الصاق بعضها ببعض و جعلها متراكمة متراكبة و لاجل ذلك يكون له كيفية لاتقبل الظهور و الانكشاف و الوضوح الذي هو من مقتضي الانتشار و الانبساط لشدة تضام اجزائه و تراكمها فاذا اشرق عليها نور ظهرت سوداء غير منكشفة و لا واضحة و اما الماء فلانبساطه و شفافيته و رقته لا لون له لكن اذا خالطه تراب قليل لايكون بمقدار يجمده و انحل فيه و مازجه حصل له كيفية اذا اشرق عليها النور ظهرت بيضاء منكشفة واضحة ظاهرة و هما اصلا الالوان و والداها و كذلك ليس للهواء و النار لون لانهما غائبان عن البصر كالماء و لكن الهواء اذا مازجه تراب و ماء و عمل حرارة الهواء فيهما و رققهما و احال الماء هواءا و استولي علي التراب و حصل من بينهما حرارة و يبوسة قليلة و رطوبة ناشرة موضحة حصل بينهما كيفية اذا اشرق عليها النور ظهرت صفراء و اما النار فلا لون لها و لكن اذا [ص 8] مازجها التراب و الماء و الهواء و غلبت عليها احالت الهواء نارا و الماء هواءا و بددت التراب و النار حارة يابسة و التراب بارد يابس فاقتضت التعقد بيبسها و الانتشار بنارها و هوائها فحصل لها كيفية اذا اشرق عليها النور ظهرت حمراء متعقدة مرئية ثم بتفاوت كم العناصر و كيفها تحصل كيفيات لاتحصي اذا اشرق عليها النور ظهرت الوان و الذي في الاجسام قبل اشراق النور كيفيات لايقال عليها حمراء و لا صفراء و لا بيضاء و لا سوداء فاذا اشرق عليها نور ظهرت الوانا و ليس معني قولي هذا ان الجسم قبل الضوء لا لون له بل اللون كيف و هو تلك الكيفية التي قلنا قال الصادق عليه السلام لو لم‌يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم‌يكن البصر يدرك اللون الخبر ، فالضياء مظهر اللون لا موجده و هو كيفية تابعة لطبايع المركب و اقتضاء اجزائه كما عرفت و هي في نفسها في المركبات الغليظة الكثيفة غير ظاهرة بنفسها الا بنور يشرق عليها .

فصل - قد ظهر مما بينا ان العناصر و ان كانت اربعة و منها النار لكن هذه النار كرتها فوق كرة الهواء و ليست منال سكنة الارض لايصعدون اليها لانزالها و لاتنزل عن حيزها و لما كان الانسان من دون سائر المواليد محتاجا الي النار لمعالجاته و لم‌يكن يده تنال كرة النار جعل الله الحكيم الخبير النار كامنة في الاجسام و جعل الاجسام خزانة لها و صندوقا لحفظها يخرجونها اذا شاؤا و يخمدونها اذا شاؤا و لو كانت منبسطة كالهواء لكانت تحرق الخلق فكمنها الله جل جلاله في صندوق هذه الاجسام من الجمادات و المعادن و النباتات كما قال الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا و قال و الموريات قدحا ، و قال الصادق عليه السلام في حديث فانها اي النار لو كانت مبثوثة كالنسيم [ص 9] و الماء كانت تحرق العالم و ما فيه و لم‌يكن بد من ظهورها في الاحايين لغنائها في كثير من المصالح فجعلت كالمخزونة في الاجسام تلتمس عند الحاجة اليها و تمسك بالمادة و الحطب ما احتيج الي بقائها لئلاتخبو فلا هي تمسك بالمادة و الحطب فتعظم المؤنة في ذلك و لا هي تظهر مبثوثة تحرق كل ما هي فيه بل هي علي تهيئة و تقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها و السلامة من ضررها الخبر ، و هذه النار المخزونة هي النار الجوهرية التي في الاجسام و ليس فيها نار محسوسة ملموسة و الا لكان كل جسم ساخنا و تلك النار الجوهرية في الاجسام كامنة فاذا صار حجابها رقيقا لطيفا شفافا ظهرت من ورائه و الا كانت مستورة فمن اسباب اخراجها الزناد و القدحة فانك اذا حككت الزناد الحديدي بالقدحة و حدها حصل منها حكاكة لطيفة ناعمة جدا و بالحركة العنيفة التي هي من صفات النار غلب عليها النار الجوهرية فظهر نار كما رأيت و سيجيء شرحه فيما بعد ان شاء الله و كذلك اذا حككت خشبة بخشبة بسرعة و شدة يحدث في حكاكاتهما حرارة و يظهر النار فيها و ذلك معروف عند الخراطين و قد حدث في زماننا هذا جوهر يتخذ من العظام يسمي بفسفور لطيف يحتمي باقل حركة يجعلونه علي رؤس اعواد دقاق و يلطخونها بكبريت فاذا سحبوها علي موضع خشن او الزق بشيء لزوق ثم نزع بقوة حدث فيه بادني حركة حرارة و ظهر نار و عملت في الكبريت و اشتعل و اما ما يري ليلا من الشرارات من الثياب البيض النظيفة صوفية كانت او قطنية و من ظهر الهرة اذا مسحت بشدة او حدث فيها حركة حدث منها اضواء و ذلك في البلاد اليابسة كثيرة لاسيما في الصيف عند يبس الهواء و في بلادنا يحدث كثيرا ازيد من سائر بلاد الايران و كذا ما يحدث علي رؤس [ص 10] امواج البحر فانها بسرعة الحركة تظهر منها اضواء و كذا الحباحب و فلكة الماس التي احدثت في هذه الازمان و التي تحدث في العين اذا اصابها ضغطة و امثال ذلك من الآلات المستحدثة فلم‌اتحقق معني تلك الاضواء و ليست من حرارة بل كثير منها لايعرف لها مادة جسمانية و لايعقل ضوء بلا مادة كثيفة بل رأينا انه يظهر الضوء كالشرارة اذا ادني اليد من لباس صوف مع صوت و ضرب علي باطن القدم بحيث يوجع كفلكة الماس و اني الي الآن لم‌اعرف حقيقة هذه الاضواء و اصواتها و ضربها و ايجاعها و ارجو من بركات بقية الله عجل الله فرجه ان يعرفني ذلك ان شاء الله بالجملة لا شك ان النار الجوهرية كامنة في الاجسام و انما خفيت فيها لان الاجسام الاخر كثيفة و علي خلاف ما يقتضيه النار فلم‌تحك النار و لم‌تظهر من حجابها و كانت كستر مرخي دون السراج فكان ما وراءه ظلمانيا و كان نفس الجسم ايضا كثيفا متراكما متراكب الاجزاء علي خلاف صفة النار فحجبت النار و لاتزعم كمون النار الجوهرية في الاجسام ككمون جوهرة في حقة او ككمون الدهن في اللوز او الماء في الورق و الدهن في الحشايش بل كمونها فيها ككمون الروح في الجسد و الدهر في الزمان و ذلك ان المركب علي ثلثة اقسام مركب زماني اجزاؤه مستقلة قبل التركيب زمانية موجودة في الخارج كالمعجون و المركب الزماني كتركيب العرش و الكرسي و الافلاك و اجزاؤها دهرية فان اجزاءها قبل تركيبها و الزمان مساوق تركيبها فاجزاؤها سابقة علي الزمان فهي دهرية و مركب دهري اجزاؤه سرمدية فان الدهر وقت مركبه و اجزاؤه قبل التركيب فهي سرمدية و مركب سرمدي اجزاؤه مساوقة معه لايتقدم احدها علي الآخر و ذلك كالمخلوق الاول المركب من البسيطين فالنار الجوهرية و سائر العناصر الجوهرية هي اجزاء الجسم الزماني و الزمان مساوق للجسم [ص 11] فقبل الزمان دهر فالنار الجوهرية دهرية و اذا كانت دهرية ليس دخولها في الاجسام كزماني في زماني كالدهن في السمسم مثلا و يمكن اخراج الدهن منه و يقوم مع العكر في الزمان و اما النار الجوهرية فليس يمكن ان تخرج من الجسم و تقوم مع الباقي في الزمان بل هي دهرية و لكونها دهرية لاتخص بزمان دون زمان و لا بمكان دون مكان فالنار الجوهرية نسبتها الي جميع الاجسام في جميع الامكنة و الاوقات واحدة فلاجل ذلك تري في العرش و الكرسي و الافلاك و ما استعد من العناصر فان عرض للعرش مثلا حجاب حجبها و خفيت فيه و صارت بالقوة و لو لطف التراب و استعد لظهورها ظهرت عليه و صارت بالفعل من دون ان تكون الي العرش اقرب منها الي التراب و لاجل ذلك قلنا ان نسبتها الي هذه الاجسام كنسبة الروح الي الجسد و انها تشتعل في الاجسام الظاهرة اذا استعدت كما يشتعل الروح في الجسد و يشتعل الحيوة الملكوتية في الروح البخاري ثم يصير منشأ افعال و حركات و احساس و ارادات و يدل علي كمونه في الاجسام ما قاله الصادق عليه السلام في جواب الزنديق حين سأله اخبرني عن السراج اذا انطفي اين يذهب نوره قال يذهب فلايعود قال فما انكرت ان يكون الانسان مثل ذلك اذا مات و فارق الروح البدن لم‌يرجع اليه ابدا كما لايرجع ضوء السراج اليه ابدا اذا انطفي قال لم‌تصب القياس ان النار في الاجسام كامنة و الاجسام قائمة باعيانها كالحجر و الحديد فاذا ضرب احدهما بالآخر سطعت من بينهما نار يقتبس منها سراج له الضوء فالنار ثابتة في اجسامها و الضوء ذاهب و الروح جسم رقيق البس قالبا كثيفا و ليس بمنزلة السراج الذي ذكرت الخبر ، و الغرض ان النار كامنة في الاجسام كمون الروح في الجسد و نسبتها الي جميع الاجسام و الي جميع الامكنة و الاوقات سواء و لاتحس النار الجوهرية بالحواس الزمانية و لاتلمس بالاخماس [ص 12] و هي في هذه الاجسام كامنة صالحة الظهور اذا حصلت اسباب ظهورها .

فصل - ان النار الجوهرية كما علمت دهرية كامنة في الاجسام و بالقوة و النار الزمانية نار بالفعل و هذه النار من حيث الحرارة و اليبوسة ظهور النار الجوهرية و فعلها في الاحراق و التسخين و التجفيف و التكليس و التفريق و التصعيد و التوضيح و التلطيف و غير ذلك و يدها و هي مس النار الجوهرية المشار اليها في قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و هي التي تدرك بالحواس و تلمس بالاخماس و من الاجسام الظاهرة الدهن و هو جسم مركب من جزئين من الحرارة و جزئين من اليبوسة و جزء من البرودة و اربعة اجزاء من الرطوبة و ربما يزيد و ينقص هذه الاجزاء بواسطة تفاوت الادهان و لكن الذي قلنا اقل ما يحصل به الدهن و هذا الدهن كامن في جميع الاجسام علي اختلافها و ذلك لان الجسم مركب من ماء و دهن و ملح و هي الكيان الثلاثة التي كل موجود خلق منها و يمكن استخراج دهن كل جسم الا الاكسير فمع انه مركب من هذه الكيان بالعيان لايمكن تفكيك اجزائه لانه من شدة اتحاد الاجزاء صار حكم بعضها حكم كلها و حكم كلها حكم بعضها و يجري علي الكل منه ما يجري علي البعض و يقال لذلك الماء انه الروح و لذلك الدهن انه النفس و لذلك الملح انه الجسد فالنفس هي حيث تعلق الروح بالجسد و حيث ارتباطه به و وجهه اليه و يده فيه و بابه المفتوح اليه و حيث سلطنته في الجسد و استيلائه و تصرفه و تدبيره له و خليفته و القائم مقامه و ظهوره و صورته و امثال ذلك و الروح هو غيب النفس و باطنها و وجهها الي ربها و عينها في معرفة ربها و وسيلتها و سببها و عروتها و حبلها و بابها الي ربها و سبيلها و قدوتها و اسوتها [ص 13] و امامها و آية الله لها و تعريفه نفسه لها و امثال ذلك و لسنا بصدد بيان هذه الامور فالدهن اذا وصل اليه النار الظاهرة التي هي مس النار الجوهرية نفذت فيه لانه من شأنها لرقتها و لطافتها فاذا غلبت عليه رققته كما يرقق الماء العسل لان النار جسم سيال رقيق و الدهن جسم سيال غليظ و اذا غلبت عليه و هو رخو التركيب اخرجت هواءه لانها تلطفه و تصعده و تحيله نارا او كالنار و تخرجه الا ما اشتد تركيبه مع الباقي و تعمل في مائيته و تجعلها هواءا بالتبخير و تفرقها كالهواء الا ما اشتد تركيبه مع الباقي فهو يبقي و تعمل في ترابيته و تبددها و تفرقها و تجعلها هباءا صاعدا و تلك الاهبية لقلة الهواء و الماء فيها و بقاء قليل ماء فيها تبقي سوداء و لبقاء بعض الرطوبة المتعلكة الجامدة يكون مرتبطا بعض اجزائه ببعض و تجعله دخانا صاعدا صيقليا لتشاكل اجزائه و رقتها و بقاء بقايا الرطوبة الرابطة فيها ثم اذا اشتدت النار العرضية تعلقت بما فيه من النار الحائلة السابقة المرتبطة بهوائه و مائه و ترابه و قوته بالمجانسة فلما حصل التكليس المرقق للحجاب الفاتح للباب و تقوي فيه النار المرتبطة باخواتها النافذة في كلها ظهر علي الكل اثر الحرارة الجوهرية و لم‌يحجبه فاشتعل شعلة ظاهرة مرئية محسوسة محرقة علي حذو قول اميرالمؤمنين عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و مثال النار الجوهرية فيه الضوء و البريق و الوضوح و هذه الصفات و ان كانت من صفات النار الا انها في النار الجوهرية خفية لشدة ظهورها مستورة لعظم نورها و انما تحس و تدرك في الاجسام الظاهرة يعني ان النار الدهرية اذا ظهرت في الاجسام ظهرت بهذه الصفات بل بصفة الحرارة المحسوسة و اليبوسة الملموسة اللتين [ص 14] تكونان في الاجسام الظاهرة و نظير ذلك ان الفلفل يكون حارا يابسا و ملمسه بارد لجساوته و كثافته و غلظته و حجبه ما وراءه من الحرارة و اليبوسة الجوهريتين فاذا ورد في المعدة و تكلس و انحل و رق حجابه و اظهر ما وراءه ظهر منه السخونة في البدن ما يحس باللمس انه حار و ذلك انه لما تكلس في المعدة و انحل اشتعل بالنار الجوهرية و ظهرت منه و اشتعل بنفس الفلفل و القت في هويته مثالها فاظهرت منه افعالها و هذا معني قول الفلاسفة ان الزيبق ظاهره بارد رطب و باطنه حار يابس فاذا انحل او كلس ظهر عليه الحرارة و اليبوسة و هكذا سائر الاحجار متي ما تكلست ظهر باطنها عليها و منها بالجملة لما تكلس الدهن ظهر النار الجوهرية عليه و اشتعلت فيه و استضاء الدهن و اضاء بها و النار العرضية الجائية من الخارج هي مس النار و فعلها يعني تسخينها و احراقها و تكليسها و آلة تمكينها فاذا مكنته النار الخارجية وضعت النار الجوهرية كرسيها في وسط ملك الدخان و تسلطت عليه و اجرت في اقطاره احكامها و خلفت فيه خليفتها كما قال الله عز و جل يا داود انا جعلناك خليفة في الارض و ان الله لم‌ينزل بنفسه الي الارض و لكن لما تمكن الارض و استعدت جعل الله داود مثاله و خليفته و هو المقارن المساور الذي يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و يحكم بين العباد بحكم الله و القبول منه قبول من الله و الرد عليه رد علي الله و هو علي حد الشرك بالله .

فصل - ظهور النار الجوهرية في الدخان بالضوء و لكن الضوء ضوء في الدخان لا قبل الدخان و لما اقترن بالدخان اكتسب منه لونا و شكلا و هو قبل الاقتران امر دهري و من عرصة الدهر لانه كمال النار الجوهرية و لما اقترن [ص 15] بالدخان اكتسب كثافة و لونا و شكلا و ظهر علي ما تري و اختلف الوان الشعلة علي حسب حالات الدخان ففي اسفلها ظهرت زرقاء لكثافة الدخان في اول احداثه و بقاء رطوبات الدهن بعد في الدخان و ضعف عمل النار فيه ثم لما صعد قليلا و عمل النار فيه اكثر و احتمي اشد و صار الطف صار اصفر نارنجيا ثم اصفر مائلا الي البياض ثم اذا عمل فيه النار كثيرا و قل رطوباته المقتضية للبياض و تفرق اجزاء التراب صار احمر ثم اذا صعد من هناك تبدد اجزاء الدخان و ضربها الهواء و بردها فصارت فحمة سوداء او توتجا متفتتا و فيها قليل دهنية رابطة لزجة لم‌تتحلل و ان شئت اخذها جعلتها في قرطاس رخو الجوهر و طويته طيا ثم لبسته طينا او عجينا ثم تضعه في تنور مسجور علي آجرة و تضعه حتي يحترق العجين ثم تخرجه فان جاء كما تحب و الا تعيد العمل و علامة زوال دهنه ان تطليه باصبعك علي قرطاس فان وجدته ذا بريق كالدسم ففيه دهن و اعد عليه و الا فلايحتاج الي اعادة بالجملة معني الاشتعال بروز اثر النار من الدخان و في الدخان و ذلك الاثر هيهنا يسمي ضوءا و ذلك الضوء هو اللون الصيقلي الواضح الفاشي و هذا يكون في الدخان و ليس في النار شيء من ذلك و اعلم ان نسبة الشعلة و النار العنصرية الي النار الجوهرية واحدة فان كلتيهما جسم مركب من العناصر الاصلية غاية الامر ان النار العنصرية كثافاتها اقل و الشعلة كثافاتها اكثر و كلتاهما تحكيان النار الجوهرية لحصول مقتضياتها فيهما و انما جيء بالنار العنصرية لترقيق الدهن و تكليسه و تمكينه كما يخلط الماء بالعسل فلما رقق و كلس و شابه النار الجوهرية توجه اليها و بدا فيه اثرها و تغلظ الاثر فيه فكان ضوءا و شعلة و لاتعرف معني اثر النار حتي تعرف معني نور السراج فترقب بل لايدرك حقيقة ما قدمناه في هذا الكتاب و في كل كتاب و خطاب حتي تعرف معني نور السراج و لذلك [ص 16] وضعنا هذه الرسالة و يكون ما ذكرنا فيه من الفعل و الانفعال كالاصول الموضوعة في الهندسة لانتعرض لها و لكن بعد ما عرفت معني النور تعرف جميع المبادي ان شاء الله .

فصل - اعلم ان الدخان من جنس الهواء و عرضه و كلاهما جسمان مركبان زمانيان الا ان الدخان اغلظ و الهواء ارق و هما يمتزجان و يختلطان يشتركان في المادة و يفترقان في الصورة الا ان الدخان بمقتضي قول اميرالمؤمنين عليه السلام من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان الخبر ، و بمقتضي قوله خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد انتهي ، اعتدل طباعه و صفا مزاجه و قوي اثر النفس التي هي النار الجوهرية فيه فسما الي ما يرتقيه و تخلق باخلاق النار الجوهرية و صار موجودا بما هو نار دون ان يكون موجودا بانه دخان و كذا لما ان زكي نفسه عن كثافات الدخان فقد شابهت النار الجوهرية و لما اعتدل مزاجه و فارق رطوبات الدهن و غلظته شارك بها النار الجوهرية و الخبران و ان كانا في الانسان الا انا لما علمنا انه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و عرفنا ذلك بالبرهان القطعي نستدل بهما علي هذا المقام فالدخان لما اعتدل طباعه و اعتداله هنا صيرورته عدل النار الجوهرية كما [ص 17] ان اعتدال مزاج الانسان صيرورته عدل نفسه الانسانية صفا مزاجه صفاءا يكشف عن النار و ان لم‌يكن صفاؤه بحيث يكشف عن الروح و العقل و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و النفس هنا النار الجوهرية الدهرية و اذا صار كذا سما الي ما يرتقيه يعني تلطف و ترقق و ظهر اعالي فسحة وجوده المشاكلة للمبدء فيه و من سما فقد تخلق بالاخلاق النفسانية لان اعالي فسحة وجود الاثر علي حسب صفة المؤثر فاذا سما ظهر منه موافقته لصفة المؤثر و لما تلطف الدخان و سما تخلق باخلاق النار فظهر منه الاحراق و التكليس و الوضوح و الانتشار فصار موجودا بما هو نار دون ان يكون موجودا بما هو دخان و كذلك علي حسب الحديث الثاني خلق الدخان ذا نفس ناطقة هي ما هو عليه ان زكاها بالعلم و العمل مما يلطفها و يكلسها و يرققها فقد شابهت جواهر اوائل عللها و هي هنا النار الجوهرية فيشبهها الدخان و يتخلق باخلاقها فيحرق و يكلس و يتضح و اذا اعتدل مزاجها و صارت عدل النار و فارقت الاضداد اضداد النار من البرودة و الرطوبة فقد شارك بها السبع الشداد من النار الجوهرية فافهم .

و اعلم ان لهذه الاجسام فسحة وجود من مبدئها الذي ليس لها فوقه وجود الي منتهاها الذي ينقطع وجودها و يمكن للجسم الترقي الي مبدئه و التنزل الي منتهاه و المراد بالمبدء الطف مراتبه و المراد بالمنتهي اكثف مراتبه و له بينهما مراتب لاتحصي هذا و المبدء يترقي بالاستمداد و الامداد منه له الي ما لا نهاية له و في مبدئه صفات الدهريات غالبة و في منتهاه اضدادها مستولية بل اعاليه بعينها صفات المبدء الدهري و نوره و آيته و ظله و ليس يأتي شيء من الدهر اليه و ليس بينهما فصل و لا وصل هذا و الدهر هو هو وقت هذا الجسم اذا نسبته الي الاعلي كما انه زماني اذا نسبت بعضه الي بعض علي ان الزمان [ص 18] هو نسبة صفة الي صفة و الدهر هو نسبة صفة الي الذات فاذا نظرت الي الجسم و قسته الي الروح فهو دهري و لما كان في اعالي الجسم اللطافة غالبة و بغلبة اللطافة يضمحل ما به التمايز و التباين يضعف الزمانية و يغلب عليه الدهرية فاعالي الجسم الزماني يغلب عليه صفات الدهر و آثاره و انواره و اخلاقه و خصاله و لاجل ذلك يكون العرش و الكرسي و الافلاك اشبه بالدهريات من العنصريات و لاجل ذلك صارت روحانية و عليها خصال الارواح غالبة من الحيوة و الحركة و الادراك من الفكر و الخيال و الوهم و العلم و العقل و ان كانت مطلقة فلما اخذ منها قبضات و شيبت ببعض المعينات العنصرية تعينت و تخصصت و صارت ذوات حركات و ادراكات و ارادات خاصة و لما كان بين المنتهي و المبدء منازل لاتحصي و في كل منزل جهات و حيوث و اختلاف كميات و كيفيات و مراتب و امكنة و اوقات و اوضاع لاتحصي فكل جسم وصل الي منزل اذا كان فيه اللطافة غالبة علي كثافته و لو من حيث ظهر عليه صفات الدهر متخصصة بتخصصاته معينة بتعيناته فظهر عليه صفة جوهر دهري علي ما بينا من انه هو هو الدهري اذا نسبته الي الارواح العليا فالنار الجوهرية التي كنا بصدد بيانها هي هذه النار العرضية لكن اذا نظرت اليها من حيث الحرارة و اليبوسة الغالبة لا طبايعها الاخر علي انها مركبة من الطبايع فاذا نظرت الي الحرارة و اليبوسة من حيث اثر العالي هما دهريان و اذا نظرت اليهما من حيث اقترانهما بالمواد الزمانية زمانيتان فهما من حيث هما زمانيتان و هو حيث انصباغهما و تكثفهما بالمواد المركبة الزمانية ظهور الحرارة و اليبوسة الخالصتين عن شوب الكثافة و غلظتها مثال ذلك الشبح الذي في المرآة هو فعلك ظهر و هو ظهورك للناظرين و لكنه فعلك من حيث نفس الشبح من حيث هي هي و من هذا الحيث خفي عن درك الابصار و هو ظهورك بعد ما تكثف [ص 19] بكثافة المرآة و يري بالابصار الاتري انه قبل تكثفه بكثافة المرآة لم‌يكن ظاهرا للناظرين و ان كان صادرا منك و بعد ما تكثف ظهر و اتضح للمبصرين فكذلك حال النار مثلا فان الحرارة و اليبوسة اللتين عليها من حيث هما صوريتان مثاليتان غائبتان عن درك الحواس الزمانية و لكنهما بعد ما اقترنتا بالمادة المركبة الزمانية و اكتسبتا الكثافة تبينتا و ظهرتا للحواس فاذا عرفت هذه المقدمة البديعة الشريفة فنقول ان من المركبات الزمانية الدخان الذي نحن بصدد بيانه فهو ايضا جسم قد بلغ في تدبيره مبلغا و درجة من فسحة وجوده ان كان حارا يابسا علي حد الاحتماء و غاية الحرارة و الاشتعال فاذا بلغ هذا هذا المبلغ و نظرت اليه من حيث الحرارة و اليبوسة مع قطع النظر عن مادة الدخان و كثافته رأيت النار الجوهرية الدهرية و اذا نظرت اليه من حيث اقتران الحرارة و اليبوسة بالكثافة الدخانية وجدت النار العرضية المركبة الزمانية و رأيتها و ان نظرت اليه من حيث الضوء و البريق و الاتضاح و الفشو و نظرت الي نفس الوضوح البسيط الصرف الخالص عن الالوان و الاشكال رأيت الضوء الدهري لكن لا بالبصر و هو صفة النار الجوهرية و اذا نظرت اليه من حيث اقترانه بلون السراج و شكله رأيت الضوء الزماني المحسوس بالعين و به تقول استضاء الدخان لنا و اضاء لنا كما قال الرضا عليه السلام في حديث لايقال للسراج هو ساكت لاينطق و لايقال ان السراج ليضيئ فيما يريد ان يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و انما هو ليس شيء غيره فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به فبهذا تبصر امرك الخبر ، قد نقلنا تمام العبارة هنا لحاجتنا اليها فيما بعد بالجملة بعد ما وجد الدهن و سار في فسحة وجوده الي ان ترقق و تبخر و تدخن و تسخن و بلغ الغاية في السخونة و غلب عليه خصال النار صار نارا غليظة [ص 20] و كما صار نارا لانها اعلي مقامات فسحته مثلا الا ان ناره نار غليظة كذلك حصل له صفات النار في اللون من الفشو و الوضوع و الانبساط و الانتشار و البريق و اللمعان و لكن خصال النار هذه مركبة مع الغلظة و الكثافة و لاجل ذلك كلما يكون الدهن الطف يصير ضوؤه الطف و ربما يبلغ مبلغ الخفاء عن العين من شدة انبساطه و فشوه و كلما يكون اكثف يكون اقل فهذا الضوء صفة النار الغليظة و الشعلة هي النار الغليظة ذات الصفة و ذات الاقتضاء فضوؤها هو صفتها و جزؤ ذاتها ليس بفعل منها و ارادة كما عرفت و سمعت فافهم .