فصل في الاكل و الشرب فعن الرضا عليه السلام في طبه اعلم يا امير المؤمنين ان الجسد بمنزلة الارض الطيبة متي تعومدت بالعمارة و السقي من حيث لايزاد في الماء فتغرق و لاينقص منه فتعطش دامت عمارتها و كثر ريعها و زكي زرعها و ان تغوفل عنها فسدت و لم‌ينبت فيه العشب فالجسد بهذه المنزلة و بالتدبير في الاغذية يصلح و يصح و تزكو العافية فيه فانظر يا امير المؤمنين ما يوافقك و يوافق معدتك و يقوي عليه بدنك و يستمريه من الطعام فقدره لنفسك و اجعله غذاءك و اعلم يا امير المؤمنين ان كل واحد من هذه الطبايع تحب ما يشاكله فاغتذ ما يشاكل جسدك و من اخذ من الطعام زيادة لم‌يغذه و من اخذ بقدر لا زيادة عليه و لا نقص في غذائه نفعه و كذلك سبيلك ان تأخذ من الطعام كفايتك في ابانه و ارفع يديك عنه و عندك اليه ميل فانه اصلح لمعدتك و لبدنك و ازكي لعقلك و اخف علي جسمك يا امير المؤمنين الي ان قال و ابدء في اول الطعام باخف الاغذية التي يغتذي بها بدنك بقدر عادتك و بحسب طاقتك و نشاطك و زمانك الذي يجب ان يكون اكلك في كل يوم عند ما يمضي من النهار ثمان ساعات اكلة واحدة او ثلث اكلات في يومين تتغذي باكرا في اول يوم ثم تتعشي فاذا كان اليوم الثاني فعند مضي ثمان ساعات من النهار اكلت اكلة واحدة و لم‌تحتج الي العشاء و كذا امر جدي محمد صلي الله عليه و آله عليا عليه السلام في كل يوم وجبة و في غده وجبتين و ليكن ذلك بقدر لايزيد و لاينقص و ارفع يديك من الطعام و انت تشتهيه انتهي ، و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ليس بد لابن‌آدم من اكلة تقيم بها صلبه فاذا اكل طعاما فليجعل ثلث بطنه للشراب و ثلث بطنه للنفس و لاتسمنوا تسمن الخنازير للذبح و عن ابي‌الحسن عليه السلام لو ان الناس قصدوا في الطعم لاعتدلت ابدانهم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام الاكل علي الشبع يورث البرص [ص 103] و عن علي عليه السلام انه قال للحسن الااعلمك اربع خصال تستغني بها عن الطب قال بلي قال لاتجلس علي الطعام الا و انت جايع و لاتقم عن الطعام الا و انت تشتهيه و جود المضغ و اذا نمت فاعرض نفسك علي الخلاء فاذا استعملت هذا استغنيت عن الطب شكي رجل الي ابي‌عبدالله عليه السلام ما يلقي من الاوجاع و التخم فقال له تغد و تعش و لاتأكل بينهما شيئا فان فيه فساد البدن اماسمعت الله تبارك و تعالي يقول يأتيهم رزقهم فيها بكرة و عشيا و عنه عليه السلام اول خراب البدن ترك العشاء و عنه ترك العشاء مهرمة و كان ابوالحسن عليه السلام لايدع العشاء و لو بكعكة و قال عليه السلام من ترك العشاء ليلة السبت و يوم الاحد متواليين ذهب منه قوة لايرجع اليه اربعين يوما و قال صلي الله عليه و آله لاتدعوا العشاء و لو علي حشفة اني اخشي علي امتي من ترك العشاء الهرم فان العشاء قوة الشيخ و الشاب و قال عليه السلام لايدعن احدكم العشاء و لو لقمة من خبز و لو شربة من ماء و قال من ترك العشاء نقصت منه قوة لاتعود اليه و قال طعام الليل انفع من طعام النهار و قال عشاء النبيين بعد العتمة و قال اذا اكتهل الرجل فلايدع ان يأكل بالليل شيئا فانه اهدء للنوم و اطيب للنكهة و قال لا خير لمن دخل في السن ان يبيت خفيفا يبيت ممتليا خير له و قال يستحب للرجل اذا اكتهل ان لايبيت الا و في جوفه طعام حديث اقول الوجه في ذلك ان الحرارة في الليل تدخل الجوف فان لم‌تجد غذاء تتصرف فيه تعمد علي الرطوبة الغريزية او تجذب الرطوبات الي المعدة فتنهك البدن و قال اذا زاد الرجل علي الثلثين فهو كهل و اذا زاد علي الاربعين فهو شيخ و روي في منافع غسل اليد قبل الطعام و بعده يذيبان الفقر و يزيدان في الرزق و يكثر خير البيت اوله ينفي الفقر و آخره ينفي الهم و بهما عاش في سعة و عوفي من بلوي في جسده و زيادة في العمر و يجلو البصر و شفاء في الجسد و يمن في الرزق اقول و ذلك لان بعدم غسله يبقي الاوساخ في اليد و يتعلق بها الشياطين و يبعد عنها الملائكة كما سنذكره ان شاء الله فيبعد عنه الخير و بغسله اياها يكون عكس ذلك و الدليل عليه عاجلا قول رسول الله صلي الله عليه و آله لاتؤوا منديل الغمر في البيت فانه مربض الشيطان و قال اغسلوا صبيانكم من الغمر فان الشيطان ليشم الغمر فيفزع الصبي في رقاده و يتأذي به [ص 104] الملكان و روي مسح الوجه بعد الوضوء يذهب بالكلف و يزيد في الرزق و روي في علاج الرمد اذا اغتسلت يدك بعد الطعام فامسح حاجبيك و قل ثلث مرات الحمد لله المحسن المجمل المنعم المفضل ففعل السامع فلم‌ترمد عينه بعده و روي مسح الرأس و الوجه باليد بعد الغسل و قبل المسح بالمنديل و يستحب التسمية قبل الطعام لئلايقرب طعامه الشيطان و التحميد في آخره و قال عليه السلام اذا اكلت فاستلق علي قفاك و ضع رجلك اليمني علي اليسري اقول و ذلك لان يستقر الغذاء في قعر المعدة و هو في جانب اليسري و روي اكل ما يسقط من الخوان لوجع الخاصرة و انه شفاء من كل داء لمن يستشفي به و انه ينفي الفقر و يكثر الولد و انه ينفي الفقر عنه و عن ولده و ولد ولده الي السابع و قال اذا اتيتم بالخبز و اللحم فابدؤا بالخبز فسدوا خلال الجوع ثم كلوا اللحم و قال اللحم ينبت اللحم و من تركه اربعين يوما ساء خلقه و من ساء خلقه فاذنوا في اذنه و نهي عن اكل اللحم الني و روي في الغذاء الحار انه غير ذي بركة و للشيطان فيه نصيب و روي من افتتح طعامه بالملح و ختم به عوفي عن اثنين و سبعين نوعا من انواع البلاء منه الجنون و الجذام و البرص و روي من ذر علي اول لقمة من طعامه الملح ذهب عنه بنمش الوجه و في رواية استقبل الغني و روي انه يدفع وجع الحلق و الاضراس و وجع البطن و روي الختم بالخل و روي ايضا الافتتاح بالخل و روي الافتتاح به بعد الملح و روي انه يشد الذهن و يزيد في العقل اقول و السر فيه ان الافتتاح بالملح يدغدغ المعدة و ينبهها للغذاء و يقلل رطوباتها و هو غاسول لها و ينقيها فتقبل الغذاء قبولا حسنا و كذا الختم به فانه مهري هاضم و كذا الامر في الخل و لذا روي هذا مثله اي الخل مثل الملح و روي اذا اكلت فاستلق علي قفاك و ضع رجلك اليمني علي اليسري و روي ان الخلال منقي الفم مصلحة للثة مجلبة للرزق و اذا بقي الطعام في الفم و تغير آذي الملك ريحه و يكره التخلل بالقصب و الريحان و الخوص و التخلل بالرمان و الآس و القصب يحرك عرق الآكلة و التخلل بالريحان و الرمان يهيجان عرق الجذام و التخلل بالطرفا يورث الفقر هذا جمل ما روي في الاكل مما يتعلق بالطب و اما ما يتعلق بالشرب فعن رسول الله صلي الله عليه و آله مصوا الماء مصا و لاتعبوه عبا و عنه صلي الله عليه و آله لا بأس بكثرة شرب [ص 105] الماء علي الطعام و لاتكثره منه علي غيره و روي انه نهي طبيب اباالحسن الماضي عليه السلام عن شرب الماء فقال و ما بأس الماء و هو يدبر الطعام في المعدة و يسكن الغضب و يزيد في اللب و يطفي المرار و عنه عليه السلام اقل شرب الماء فانه يمد كل داء و اجتنب الدواء ما احتمل بدنك الداء و عنه عليه السلام لو ان الناس اقلوا شرب الماء لاستقامت ابدانهم و عنه عليه السلام من اقل شرب الماء صح بدنه و روي انه كان عليه السلام اذا اكل الدسم اقل من شرب الماء و روي شرب الماء من قيام بالنهار اقوي و اصح للبدن و يمري الطعام و شرب الماء بالليل من قيام يورث الماء الاصفر و روي النهي عن العبة الواحدة و فضل الثلث و الاثنتين ، و الوجه فيه ان العبة الواحدة تطفي حرارة الجوف و مع ذلك يخاف منها الغصة و لايحس الانسان بالكفاية حتي يمتلي و يستحب التسمية في الابتداء و التحميد في الانتهاء و روي ان جميع غذاء الانسان اكله و شربه يبقي في مشاشه اربعين يوما هذه جملة كافية فيما يتعلق بامر الاكل و الشرب من الاخبار من باب الطب و لما كان الاخبار الواردة عنهم سلام الله عليهم في باب الادوية المفردة اكثرها مجملات لعدم كون الحملة من اهل الفن و عدم تفطنهم مواضع فتاويهم في المعالجات لم‌ينقلوها حق النقل بحدودها و مواضعها و انما ذلك لعدم علم الروات بالطب لا من جهة نقص في علمهم سلام الله عليهم الاتري ان العامي لو لقي الطبيب الحاذق فقال ان بي صداعا فنظر الطبيب الي لونه و عيونه و عروقه و فمه عرف انه من الصفراء فعالجه بالبارد الرطب كالقثاء مثلا ثم يذهب ذلك العامي فيروي ان سألت فلانا عن علاج الصداع فامرني باكل القثاء و لم‌يفته الطبيب به لكل صداع و انما عرف منه نوع الصداع و امره بعلاجه الخاص بذلك النوع و هو لجهله يرويه لمطلق الصداع و يفتي به و ينسبه اليهم و حاشا ان يتخلف فتاويهم الحق فاذا رأي احدكم اختلافا لبعض الاخبار مع القواعد الكلية فليحمله علي عدم تفطن الراوي فلاجل ان كل راو ينبغي ان يصدق فيما هو من اهله و له فطنة فيه و لم‌يكن لاكثر الروات خبرة بالطب لم‌نذكر في هذا الكتاب الروايات المنسوبة اليهم في الجزئيات و اقتصرنا منها بالكليات الموافقة للقواعد الكلية و مع ذلك ان ارادها امرؤ فهي مذكورة في كتب اصحابنا مع ان غرضنا في هذا [ص 106] الكتاب بيان الحكم الخفية لا التي هي مذكورة في محالها .

فصل في النوم و اليقظة الطبيعتين و هما من عجائب الخلقة و غرائبها في الانسان و نحن نذكر ان شاء الله سرهما في هذا الكتاب ما لم‌يصل الي فهمه اولوا الالباب و فيهما اسرار جمة و علوم عجيبة اعلم ان للانسان نفوسا اربع نفس نامية نباتية و هي التي في الكبد و فعلها الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و المربية و لها خاصيتان الزيادة و النقصان و منبعثها من الكبد و اصلها الطبايع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مادتها من لطائف الاغذية و سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة و نفس حيوانية فلكية لها خمس قوي و خاصيتان فقويها سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و خاصيتاه الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب و هي قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحل تركيبها و نفس ناطقة قدسية و لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكوتية و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة و هي قوة لاهوتية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنياوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود مجاورة لا عود ممازجة و نفس لاهوتية ملكوتية كلية الهية و لها خمس قوي بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عز في ذل و فقر في غناء و صبر في بلاء و لها خاصيتان الرضا و التسليم و هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود و هي قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات اصلها العقل منه بدءت و عنه وعت و اليه دلت فاشارت و عودتها اليه اذا كملت و شابهت و منها بدأت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لم‌يشق و من جهلها ضل و غوي قال الله تعالي و نفخت فيه من روحي و قال تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية و اما [ص 107] العقل فهو وسط الكل و هو جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب فالنفس الناطقة القدسية التي هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكوتية هي ما به الانسان انسان و هي النفس الاخروية التي بها يحشر الانسان و يمتاز كل انسان بخصوصياتها عن غيره و هي التي بها وجد و امتاز في عالم الذر الاول و بها يحشر و هي التي فوق عالم الطبايع و هي المشار اليها في قول اميرالمؤمنين عليه السلام صور عالية ( عارية خ‌ل ) عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها فاذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد و ذلك المثال الملقي فيها هو نور النفس الملكوتية الكلية الالهية التي من عرفها عرف ربه و من عرفها لم‌يشق و من جهلها ضل و غوي فالنفس الناطقة ليس لها انبعاث في بدن الانسان و انما مقرها العلوم الحقيقية التي هي صورها و حدودها و لكن يشرق شعاعها في الدماغ دماغ الانسان فيظهر فيه افعالها بحسب لطافة البخار الصاعد من القلب الي الدماغ و كثافته فكلما يكون ذلك البخار اعدل و اصفي و ارق يظهر آثارها اكثر فلاجل ذلك لم‌يظهر آثارها في دماغ الحيوان لانه ليس له نفس ناطقة قدسية اخروية و ليس للابخرة الصاعدة الي دماغه تلك اللطافة الا انه يظهر في دماغه اشعة بعض ما يظهر في الانسان فيكون له بعض فكر و ذكر و ادني درجة الارواح الفلكية التي هي الحس و الحركة و هي تحصل اذا ساوي ذلك البخار فلك قمر في اللطافة و اما ما يخص النفس الناطقة من هذه القوي فانما هي امور ليس هيهنا موضع بيانها و شرحها و هي امور خارجة عن وضع هذا الكتاب و لكن اشعتها التي تظهر في دماغ الانسان و يدرك بها ما ادت اليها الحواس الظاهرة من الاشباح بواسطة بنطاسيا فهي الفكر المعروف التي يتفكر الانسان في النسب الحكمية بين التصورات الخيالية و الربط بينها فيظهر في الروح البخارية التي في الدماغ اذا ساوت في لطافتها فلك عطارد و اما الذكر فهو الذكر المعروف بالحفظ فيتذكر به ما احس به قبل فيظهر في ذلك البخار اذا ساوي فلك زهرة و اما العلم الظاهر فهو ما يظهر في ذلك البخار اذا [ص 108] ساوي فلك مريخ و المشتري فادناه الوهم و اعلاه العلم فيعرف به الدلالة و الاشارة و اللم و الكيف و امثال ذلك و اذا ساوي ذلك البخار فلك زحل يكون نبيها عاقلا بالمعاني الجزئية و الكليات الظاهرة النسبية الاضافية فهذه القوي ظواهر النفس الناطقة القدسية لا حقايقها فلاجل ذلك صارت هذه القوي مناط التكاليف الظاهرة و تجمع السعيد و الشقي بخلاف حقايقها الذاتية العليينية فلاتكون الا في السعداء لان مقرها العلوم الحقيقية الدينية فاذا استعملت هذه القوي الظاهرة في مرضات الله صارت اشعة باطن تلك النفس الناطقة الذي هو في عليين و هي النفس المطمئنة اخت العقل و اذا استعملت في مساخط الله كانت اشعة ظاهر النفس القدسية التي هي في السجين و هي الامارة بالسوء ضد المطمئنة و عدو العقل فان النفوس الاخروية عليينية و سجينية و ليس هيهنا موضع بيانهما فلاجل ذلك القوي الظاهرة اما ابواب الجنان و اما ابواب النيران فان كان المشرق عليها النفس العليينية تكون ابواب الجنان و الا فتكون ابواب النيران و لما كان نظر الاطباء الي الظاهر سموا الدماغ محل النفس و الروح النفسانية و قد عرفت ان النفس الناطقة ليس لها انبعاث في بدن الانسان الظاهر و جميع هذا الظاهر بروحه و نفسه و جسده يعود عود ممازجة بالجملة هذا الدماغ محل الروح النفسانية الظاهرة و هي لطايف ما في القلب و هي الروح الحيوانية بل هي مراتب النباتية الظاهرة لا غير و منها الحس و الحركة الظاهرة كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير فادناها في القلب و اعلاها في الدماغ و ادني ادناها في الطبع فهي في الحقيقة ثلثها واحدة و اصلها من لطائف الاغذية و لها ثلث مراتب في الغلظة و الرقة فاسفلها الطبيعية و اوسطها الحيوانية و اعلاها النفسانية الظاهرة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الاغذية اذا وردت المعدة صعد منها ابخرة لطيفة الي الدماغ بارتباطها مع الدماغ كما تصعد الابخرة من الارض بسبب تحليل حرارة اشعة الكواكب رطوباتها فتصعد في الجو و تحجب ما بين الافلاك و اشعة كواكبها و الارض فلاتشرق عليها فكذلك اذا صعدت الابخرة من ارض المعدة الي الدماغ ملأت اطباقها و حجبت ما بين افلاك البدن و ارض الجسد و منعت آثارها ان تظهر في البدن فلم‌تظهر آثارها التي هي الحس و الحركة في البدن [ص 109] فخر صريعا عديم الحس و الحركة الارادية الي منتهي تحلل تلك الابخرة و صحو الدماغ فتشرق افلاكه علي ارض جسده فيقوم حاسا متحركا فغيم العالم نومه و صحوه يقظته و الابخرة الصاعدة من المعدة احد اسباب النوم فيمكن ان تصعد ابخرة من ساير الرطوبات التي فيها او في نفس الدماغ فتحجب بين الروح و بين ساير البدن و سبب وضع الحكيم العليم القدير اياه ان الروح في حال اليقظة ملتفتة الي ظاهر البدن للحس و المهنة و نيل طلباتها من الامدادات و الاستمدادات فاذا اصابها تعب من كثرة الاحساس و الحركة و اصاب آلاتها ضعف لا بد و ان ترجع الي القلب اي مبدئها فتستقر فيه حتي تستريح فيه و ليس ترجع الي مبدئها مع مواجهة القوابل و صفائها كما لايرجع نور الشمس عن المرآة من غير حاجب ابدا فقدر ان تصعد تلك الابخرة فتحول بينها و بين ساير البدن فينقطع اشراقها عنه حتي تستريح عن التعب شيئا و لذلك من ليس في بدنه ابخرة تصعد لايكاد ينام و لو اتعب جهده و كذلك من غلبه الحرارة فجففت الابخرة و سخن الدماغ حتي تحللت الابخرة بسخونة فضائه كما ان الهواء في الصيف الهجير يكون غالبا صاحيا فلايكاد ينقطع اشعة افلاكه عن ارضه فكذلك يعرض الانسان سهر بسبب كثرة الحرارة و قلة الرطوبات و يعرض له السبات و كثرة النوم اذا كثرت فيه الرطوبة و الابخرة بمقتضي السن او الفصل او التدبير او ضعف الآلات فمع جميع ذلك تحدث الابخرة و تحجب غالبا بين افلاك وجوده و ارضه فاذا حصل المانع من الاشراق لم‌تنفذ الروح في الاعصاب فعدم الانسان الحس و الحركة و انما ذلك اذا كان الروح لطيفة جدا كلطافة الافلاك المفارقة المباينة للطبايع و اما اذا كان الروح شديد التعلق بالامور الظاهرة و ظاهر البدن او كثيفة لغلبة الارضية فيها بحيث شاكلت الاجسام و مازجتها و اختلطت بها و تشبثت يعسر مفارقتها للاجسام و ان جللها الابخرة فتنكدر حواسها فتضعف حركاتها و لاتبطل و لاتفارق الجسد فلاجل ذلك تري قوما يتكلمون في المنام و يقومون و يمشون و يصعدون السطح و ينزلون عنه و هم نائمون و لما كان مراتب الروح مختلفة في اللطافة و الكثافة و التشبث بالجسد اختلف مراتب نوم الحيوانات و الانسان فكان الاستغراق في النوم للانسان اكثر من الحيوان حتي ان من الحيوان ما لاينام الا علي نحو [ص 110] الغفلة الضعيفة و انما ذلك من شدة تشبث ارواحها باجسادها و كثافتها انها ربما تتجزي كتجزي المولدات فتقطعها قطعا كثيرة و تمشي و تتحرك كل قطعة منها كالحية و الخنفساء و الدود و امثالها و انما ذلك لتجسد ارواحها و عدم تلطفها و اما روح الانسان فاذا كانت لطيفة فلاتقبل التجزية فاذا اعرضت اعرضت بكلها و اذا ادبرت ادبرت بكلها و لذلك يكون الانسان احدي التوجه لايقدر علي ان يتوجه الي شيئين في حال واحد و قال الله سبحانه ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه و اما اذا كان خارجا عن الاعتدال و غلبت الارضية علي روحه لم‌تفارق جسدها كل المفارقة و لم‌تتوجه الي الغيب كل التوجه و ذلك ان الاعتدال في الروح الحيواني ان يكون فيها جزء من الحرارة و جزء من البرودة و جزء من اليبوسة و جزءان من الرطوبة فاذا زادت اليبوسة علي الجزء غلظت حتي تشبثت بالاجساد علي اختلاف مراتب الزيادة فاذا فارقت روح الانسان الجسد بسبب الحيلولة و انقطعت عن تدبير البدن لم‌ينقطع اسفل مراتبها التي في الكبد فجرت الروح الطبيعي في افعالها لممازجتها الجسد و غلظتها و لم‌تنقطع الروح الحيواني الذي في القلب و تجري في افعالها في الشرائين بالقبض و البسط و بقي البدن حارا حيا باسفل الحيوة و انقطع اعلاها و هو الحساسة المتحركة بالارادة لفلكيتها و لطافتها فاجتمعت في الدماغ معرضة عن التدبير في البدن و ان كانت باسفلها الذي في القلب و الكبد مدبرة له بالتدبير الطبيعي و الحيواني فاذا اجتمعت في الدماغ متدثرة بتدثر الابخرة توجهت الي عالمها الذي هو المثال فتصورت لها الامثلة و شاهدتها و انما ذلك لما ينطبع الامثلة فيها و هي كمرآة حساسة دراكة فيكون ما انطبع فيها له مادة و صورة مادته الشبح المنفصل عما واجهته من الامثلة و صورته من نفسها من استقامتها و اعوجاجها و صبغها من الاعراض المثالية او مما انطبع فيها من الطبايع الدنياوية و لذلك تري السوداوي اغلب ما يراه اسود و البلغمي ابيض و الدموي احمر و الصفراوي اصفر بل اذا كان لروحه صبغ من كثرة التوجه الي شئ رأي علي حسب ذلك الشئ فيري العطشان الماء و الخائف عدوه و طالب كل شئ بالجزم ما يطلبه و انما ذلك لاجل تصور روحه بالعادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوة او اضدادها من الامور الحقة فتنصبغ [ص 111] مادة ما يأخذه من المثال في صبغ مرآة روحه فيري علي ما هي عليه فيخالف الواقع كالمرآة المصنوعة التي اذا نظر اليها الانسان رأي شكله فيها كلبا و كالعين الحولاء التي تري الواحد اثنين او المؤفة التي تري الصغير كبيرا و الكبير صغيرا و تري الاشياء علي اصباغ مخالفة و كذلك يري الانسان كل احد في المنام علي حسب ظنه به نبيا كان ذلك الذي رآه او مؤمنا او كافرا او غير ذلك فليس ما رآه الا ما في مرآة خياله و اما اذا كان مرآة روحه صافية غير مائلة الي شئ مما يخالف رضا الله سبحانه و تكون معتدلة طالبة للحق الواقع في كل شئ غير ملونة و لا مشكلة الا طلب الحق او تكون متلونة بلون الواقع الحق او مشكلة بشكل الواقع الحق فيكون كل ما رآه هو الواقع الحق بلا تفاوت فهذا الذي اذا رأي النبي فقد رآه او رأي اماما او مؤمنا او شيئا فقد رآها بلا شك و اما ما روي ان من رآهم فقد رآهم لان الشيطان لايتصور بصورهم فمعناه انك اذا توجهت الي المؤمن مثلا من حيث انه مؤمن فانك حينئذ معرض عن الارض ملتفت الي السماء و لايكون حينئذ الشيطان في السماء لانه مطرود عنها و بذكر المؤمن يخنس الشيطان لان ذكره ذكر الله و استنارة بنوره و استعاذة به و توحيد لله سبحانه و انما سلطانه علي الذين يتولونه و الذين هم به مشركون و ليس له سلطان علي الذين آمنوا و علي ربهم يتوكلون و اذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا علي ادبارهم نفورا و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين فاذا رأي المؤمن في منامه معتقدا ايمانه عارفا بمعني الايمان قاصدا له فقد رأي المؤمن و ليس هناك شيطان ابدا الا ان يعتقد فيه اعتقاد سوء بعد العلم بانه لاينبغي لمؤمن و لا لمن هو منسوب الي الله سبحانه ان يكون كذا فانه حينئذ متوجه الي السجين و هناك شياطين مصورون بتلك الصورة التي اعتقدها مدعون للايمان فيريهم هناك فيتخلف رؤياه فمن رأي النبي عارفا بمعني النبي قاصدا اياه فقد رآه و صورتهم حينئذ لايختص بصورة فانه جميع صور الخير منهم و لهم و بهم و اليهم يتقلبون في الصور كيف شاؤا و ارادوا فصورة روح الرائي العارف احدي صورهم الطيبة الحقة الم‌تسمع الخبر نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر و اعداؤنا اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و من تلك الصور الطيبة صورة خيال المؤمن العارف فلايتطرق في ذلك الخيال [ص 112] شيطان اذا توجه الي الله سبحانه و الي عليين و الي السموات و ان اتفق توجهه الي شئ من السجين و الارض او غير الله سبحانه دخل الشيطان في خياله و القي في روعه ما يخالف الحق و لولا ان هذا الكتاب في الطب لقضينا حق البيان في ذلك حتي تشاهد منه ما شاهدنا بالجملة لا فرق في ذلك بين اليقظة و المنام فان الامر واحد و انما التفاوت في شدة التوجه و قلته فمن راض نفسه حتي قدر علي التوجه التام الاختياري انكشف له الامر كما ينكشف للنائم فيري ما يحب و يقصد و يعزم لانه يتوجه عن اختيار فيقدر علي رؤية من يحب كيف ما يحب و يقدر علي سؤال من يشاء كيف يشاء و يسمع عنه ما يشاء فان كان و لا لون لروحه و لا هيئة يسمع الواقع علي حسب ارادة المسؤل و ان كان لها لون و هيئة يسمع علي حسب ارادته اذ لا فرق بين النوم و اليقظة الا في حجب الابخرة اشراق الروح علي الاعضاء و الا فادراكها واحد في الحالين فكما ان من رأي النبي و الائمة عليهم السلام و المؤمنين فقد رآهم و من سمعهم فقد سمعهم في المنام كذلك يكون الامر في اليقظة فالمتصور هو النبي و هو الامام و هو المؤمن بلا تفاوت و يترتب علي المتصور الآثار العجيبة في النفس و الاخلاق و الافعال و البدن الاتري انك تري في المنام ما تحب فيؤثر في بدنك و تري ما تكره فيؤثر في بدنك و بتصور محبة رجل يميل قلبك اليه و يلين جانبك له و تشتاق اليه و تبذل له و كذلك بتصور بغض احد تكون علي ضد ذلك فللتصورات النفسية آثار وحية اسرع من آثار المؤثرات الشهادية سبعين مرة الاتري ان الرجل كان يري النبي صلي الله عليه و آله و لايؤثر فيه وجوده و اما اذا صدق نبوته و احبه اثر في نفسه و روحه و اخلاقه و احواله و اعتدال بدنه فتبين ان الظنون اشد تأثيرا من العيون بمرات و لايتوقف الظنون علي مشاهدة العيون و لاتختص صورهم بصورة خاصة فلايضر الغائبين عن الحجج غيبتهم ان كانوا محبين لهم و لاينفع المشاهدين مشاهدتهم ان لم‌يكونوا محبين و لاتنفع المعاينة المشاهدين المحبين منفعة زائدة لاتحصل للغائبين بواسطة الظنون فيترتب علي الظنون آثار لاتحصل بمشاهدة العيون ان الله عند ظن عبده ان خيرا فخير و ان شرا فشر هذا و ان المشاهدة مخصوصة بالدنياوية و الظنون تعم المثالية فلايضرك خروج الشئ الي عالم المثال و يحصل لك الانتفاع منه [ص 113] اعظم و اشهي من الشهادية و اعلم ان الآثار تترتب علي الظنون و ان كان الظن مخالفا للواقع فان الآثار ناشئة عن الصور و ان كانت بالمواد لا المواد المحضة و الصورة منك و المادة من الخارج فيترتب الآثار علي ظنك و تنال منه حاجتك و الشاهد علي ذلك ما روي عن الكافي باسناده عن ابي‌جعفر عليه السلام قال لو ان رجلا احب رجلا لله لاثابه الله علي حبه اياه و ان كان المحبوب في علم الله من اهل النار و لو ان رجلا ابغض رجلا لله لاثابه الله علي بغضه اياه و ان كان المبغض في علم الله من اهل الجنة ، و انما ذلك لان روحك توجه الي عليين و تصور بصورة المؤمنين فاخذ المادة من عكس الشخص الخارجي من حيث امكان كونه مؤمنا فاحبه لله سبحانه و علي الله ثوابه و كذلك العكس و يترتب الآثار علي تلك الصورة و لذلك روي ما معناه احسن الظن و لو بحجر يلقي الله مطلوبك فيه و لذلك اذا ظننت باحد انه ذاكر الله تذكر الله و ان لم‌يكن هو كذلك و اذا ظننت باحد انه ذاكر للشيطان تذكر الشيطان و ان لم‌يكن هو كذلك و يترتب علي كل واحد اثر خاص به وحي اقوي من وجوده الخارجي سبعين مرة و لولا خروج المطلب عن وضع الكتاب لشرحنا ذلك شرحا بينا و لكنه خارج فنتركه و نكتفي بما ذكرنا ثم ان الذي تراه الروح فلايخلو اما ان تلتفت الي الاسفل او الاعلي فلربما تلتفت الي الاسفل فتري تلك الابخرة الصاعدة الي دماغه علي هيئات مختلفة علي حسب صور نفسها فذلك مما لايعبؤ به و هو اضغاث احلام و لذا روي ان الرؤيا في اول الليل كاذبة و في آخر الليل صادقة ، و انما ذلك لانقطاع الابخرة و تحلل الرطوبات فيصحو دماغه عنها كما تري من صحو الهواء في السحر غالبا و كثرة الابخرة في اول الليل و لذلك تكون الشياطين في اول الليل منبثين في الاطراف دون آخر الليل و يستوحش الانسان من اول الليل و يستأنس بآخره و ربما يلتفت الروح الي امثلة الارض و الفضاء فمهما كان فيها ابخرة منتشرة او كانت اوضاع فلكية تقتضي انقلابا في المولدات و الاوضاع السفلية فتراها علي حالها و هي ايضا اضغاث احلام لاينتفع بها لان ما في الارض صور عرضية تخالطها الصور السجينية الباطلة المجتثة لا حقيقة لها فهو ايضا اضغاث احلام لا تأصل لها و لا واقعية و اما ما تراه الروح في السماء سماء هورقليا لاتخالطها شئ من القاء الشياطين لانهم لايصعدون اليها ممنوعون [ص 114] عنها فلها واقعية و تأصل و لذا روي ان ما يراه في الارض فهو اضغاث احلام و ما يراه في السماء فهو حق ، و لكن ينبغي ان يعلم ان السماء الظاهرة صارت ممنوعة عن صعود الشياطين لظهور نور النبي صلي الله عليه و آله في العالم و تصفيته الافلاك عن الاعراض و تصفيها به لسرعة انفعالها اللازمة للطافتها و اما الارض فلكثافتها لم‌تنفعل و لاتنفعل الا في زمان الرجعة و اما الانسان فاذا كان نور النبي و هو العقل ظاهرا فيه يكون سموات وجوده ممنوعة عن صعود شياطين الارض فما رآه في سمواته كان حقا و ان كان نور العقل فيه ظاهرا قاهرا غالبا حتي اشرق اراضي وجوده ايضا بنور ربها لم‌يكن فيها ايضا شياطين و تكون مساوية للسماء و تظهر فيها الجنتان المدهامتان فكل ما يراه في ارض وجوده او سمائه يكون حقا و ارضه حينئذ بلطافة هذا السماء بل الطف من محدب العرش ايضا و اما اذا لم‌يظهر نور العقل فيه يتطرق الشياطين الي سماواته و ارضه فلا عبرة بشئ منه لان ما يسترق تلك الشياطين منها ينطبع في قوابلها علي حسبها و هي سجينية باطلة غير موافقة للحق فالمراد بالسماء سماء هورقليا و المراد بالارض نفس هذا العالم من سمائه و ارضه من حيث انفسها لانها من هذا الحيث بواطن الارض السبعة فنفس فلك القمر ارض الموت و نفس فلك عطارد ارض العادات و نفس فلك الزهرة ارض الطبايع و نفس فلك الشمس ارض الشهوة و نفس فلك المريخ ارض الغضب و نفس فلك المشتري ارض الالحاد و نفس فلك زحل ارض الشقاوة فما رآه في هذه الاراضي يكون اضغاث احلام و هي مأوي الشياطين و ما يراه في السموات من حيث ظهور نور المبدء فيها يكون حقا فافهم و ربما تختلف الرؤيا بحسب الليالي و الايام من حيث نسبتها الي الكواكب او القرانات و الاوضاع الفلكية الواقعة فيها او الاعمال الصادرة منه فيها او الحوادث الواقعة فيها فتكون الرؤيا حقا اذا كانت سعيدة مطابقة للفطرة و الوضع الالهي و تكون كاذبة اذا اقتضت الاسباب مخالفتها للوضع الالهي الاولي و تشاكل الليالي بحسب تشاكل الاسباب في الحكم و تخالف بحسب تخالفها و لذلك روي انها في بعض الليالي صادقة و في بعضها كاذبة و كذلك تحدث حالات للنفوس و تختلف بحسب اختلافها فاذا اجتمعت الاسباب المقتضية للصحة من الغيب و الشهادة و رآها الرائي في السماء وقعت علي [ص 115] ما رأي بلا مهلة و ان كان مانع في الاسباب الشهادية دون الغيبية ظهر تأويلها لان الرائي رآها خارجا في ملك القضاء فان لم‌يكن لها مغير من الاسباب الشهادية ظهرت بعينها و الا ظهرت متغيرة متبدلة و هي تأويلها و ان كان نقص في الاسباب الغيبية من الرائي يري الواقع علي حسب صبغه و ضعفه و نقصه فحينئذ يكون علي ما عبر فان المعبر اذا عبر انقلب صورة نفس الرائي الي ما عبر و يتقوي ضعفها بسبب وثاقة المعبر و سكون نفسه اليه فتجذب تلك الصورة المدد المشاكل من باب القدر فيقع الامر علي ما عبر قريبا او بعيدا كيفما عبر كما روي عن ابي‌الحسن عليه السلام الرؤيا علي ما تعبر و عنه عليه السلام ربما رأيت الرويا فاعبرها و الرؤيا علي ما تعبر ، و من اجل ذلك يكون نقل الرؤيا سببا لوقوعها فانها تنطبع في النفس مرة اخري و تكون اجذب للمدد كما عرفت و الاعراض عنها ينسي اثرها و لذا قيل و اظنه مرويا عن علي عليه السلام الرؤيا طاير فاذا قص وقع و ان توجهت نفسه الي الارضين و لم‌تجتمع الشروط التي ذكرنا تكون كذبا لانها انما نظرت بعين الشيطان و تكون علي خلاف الحق موافقة للباطل فيكون ما تراه باطلا و هذه جملة كافية في امر الرؤيا قد جرت علي قلمي استطرادا بالجملة اذا اعرضت الروح النفسانية عن البدن بسبب الابخرة الصاعدة و الرطوبات الحاجبة بطل الحس و الحركة اللذان هما من شأنها و لم‌تبطل افعال النفس النباتية و الحيوانية لعدم اعراضهما و تشبثهما بالبدن بسبب التجسد و النوم منه طبيعي و منه علي خلاف الطبيعي فما كان منه علي النهج الطبيعي يجم الحرارة الغريزية و يحسن عمل الروح الطبيعية في هضم الطعام و تغذيتها البدن و تربيتها له لانها تفرغ لعملها و في اليقظة كانت تشايع الروح النفسانية في الجملة في التوجه الي الظاهر فيعوقها ذلك عن عملها التام و كذلك تفرغ الروح الحيوانية لعملها من تقوية الحرارة الغريزية و راحتها عن التعب و الضعف لها الحاصل بسبب مشايعة النفس حين توجهها الي الظاهر و ما كان منه علي خلاف الطبيعة و زايدا عن قدر الحاجة تغلب الرطوبات علي ظاهر البدن و في الاعصاب و تتقلص بها الاعضاء و تسترخي بسبب غلبة الرطوبة و تثقل الرأس و البدن لامتلائها من الرطوبات فتستولي علي الحرارة الغريزية و تضعفها فيصير كسلانا ثقيلا بطيء الحركات كدر [ص 116] الحواس لغلبة الرطوبات المانعة عن الحس و الحركة و امتلاء المجاري بها و تفسد فعل الروح الطبيعية ايضا لغلبة الرطوبات عليها و اطفائها لحرارتها فتبقي الاخلاط نيا و تصل الي الاعضاء نيا فتحدث بذلك امراض كانتفاخ البدن و تغير اللون و رخاوة الاعضاء و امثالها و قد يختلف فعل النوم في البدن بحسب ما في البدن من مواد الاخلاط فان كانت المواد كثيرة تغلب الطبيعة و نام الانسان و رجعت الحرارة الغريزية الي الداخل استولت عليها تلك المواد و اضعفتها و لذلك يحسن اذا كان الامر كذلك ان لاينام الانسان حتي تحدر تلك المواد حدرا فتصير بحيث تغلب الطبيعة عليها فلاينبغي النوم لمن يكثر الاكل الا بعد الانحدار في الجملة و كذلك حين هيجان الاخلاط الغالبة في البدن حتي تهدء و كذلك ان كان البدن خاليا عن مواد الاخلاط و نام الانسان ترجع الحرارة الي باطنه فاذ لم‌تجد رطوبات تعمل فيها تأخذ في تجفيف الرطوبات الغريزية التي في البدن فتضعف و تجف فيلحق البدن من ذلك جفاف و قصافة فلاجل ذلك روي لا خير لمن دخل في السن ان يبيت خفيفا يبيت ممتليا خير له ، و ذلك ان الكهل قليل الرطوبة فاذا بات خاويا جففت الحرارة الغريزية ما وجدت فيه من الرطوبة فافسدت بدنه و قشفته و اما اليقظة فان كانت علي نهج الطبيعة و الحاجة نشطت البدن و قوت حسه و حركته و احسنت لون البدن و جمته و قوته و عدلت باطنه فان زادت عن قدر الحاجة قشفت الظاهر و نشفت رطوباته و افسدت لونه و اقعرت عينه و قلصت جلده و ابردت باطنه و افسدت الهاضمة و غلبت الرطوبة علي الباطن و قد تكون مرضا اذا غلبت الحرارة في البدن و عدمت الرطوبات و الابخرة الموجبة للنوم فاحدثت له سهرا دائما كما قد يكون النوم مرضا اذا كثرت الرطوبات حتي ملأت المجاري و زادت الابخرة حتي احدثت له سباتا و اما الاوقات الصالحة للمنام فتقتضي هنا رسم مقدمة و هي ان اوقات الليل و النهار بنيت علي نهج الفصول الاربعة فاول ما تطلع الشمس تحدث في العالم حرارة و فيه الرطوبات الحادثة بالليل فيكون مزاج الوقت حارا رطبا كفصل الربيع فتزداد الحرارة شيئا بعد شئ كلما ترتفع الشمس و تقل الرطوبات و ترتفع ابخرة الي الزوال و هو اول سلطان الحرارة و يصير مزاج الوقت حارا يابسا كفصل الصيف ثم تأخذ الشمس في الانحدار و تقل [ص 117] عملها في العالم شيئا بعد شئ الي ان تغرب الشمس و يكون بعد الزوال احر مما قبله من جهتين احديهما بقاء الحرارة في العالم مما قبل الزوال و اجتماعها مع ما بعده كما يكون الصيف احر من الربيع مع ان غاية ارتفاع الشمس في آخر الربيع و اول الصيف و يكون طرفاها متساويين في الانحدار و ثانيتهما ان الحرارة مع اليبوسة اكثر تأثيرا من الحرارة مع الرطوبة و لما ارتفعت الابخرة من اول النهار الي الزوال احدثت بعد الزوال رياحا و لذا تهب الرياح من اول الزوال و بعده غالبا كما تحدث الرياح البوارح في اول الصيف و بعده فقد روي عن الصادق عليه السلام اذا زالت الشمس تفتح ابواب السماء و تهب الرياح و تقضي الحوايج العظام ، ثم اذا غابت الشمس تحدث برودة في الهواء مع اليبس الذي كان في الظاهر فيكون بمنزلة فصل الخريف باردا يابسا في الظاهر و يكون ذلك الي نصف الليل فيكون اول غلبة البرودة في الهواء و تحدث الرطوبة في العالم من اثر انوار النجوم الطالعة بالليل و من فخت القمر فانه بارد رطب فيكون الوقت بمنزلة الشتاء و يزداد برودة و رطوبة الي طلوع الشمس ثم من البين انه اذا سخن ظاهر البدن كمن البرودة فيه و اذا برد ظاهر البدن كمنت الحرارة و دخلت الجوف و كذلك اذا رطب الظاهر جف الباطن و اذا جف الظاهر رطب الباطن فمن طلوع الشمس الي الزوال يكون ظاهر البدن حارا رطبا و باطنه باردا يابسا و بعد الزوال الي الغروب ( المغرب خ‌ل ) يكون الظاهر حارا يابسا و الباطن باردا رطبا و من غروب الشمس الي نصف الليل يكون الظاهر باردا يابسا فيكون الباطن حارا رطبا و من نصف الليل الي الطلوع اي طلوع الفجر باردا رطبا و سلطانهما فيما بين الطلوعين و يكون الباطن حارا يابسا و ذلك لان باطن السفليات و حقيقتها باردة و انما حرارتها عارضية كما تشاهد في ظواهر الارض و بواطنها ففي النهار لاسيما في الصيف يكون بواطن الارض و الآبار باردة و في الليل لاسيما الشتاء يكون اجواف الارض حارة و لذا تري الابخرة تصعد من الآبار و تصير مياهها حارة و ليس ذلك امرا اضافيا و القول باضافيته خلاف الحس و المشاهدة و قد اختلف الحكماء في سر ذلك و لسنا بصدد بيان اقوالهم و آرائهم و لكنا نذكر هنا ما عرفنا الله سبحانه من حقيقة الامر و هو ان الارض بنفسها باردة لبعدها عن المبدء و لذا برزت كثيفة ساكنة و ان ما تصيبها من الحرارة هي [ص 118] بالعرض من اشراق الكواكب و غيرها فاذا اشرقت عليها الشمس سخن ظاهرها و هي في نفسها باردة و اجوافها التي لم‌تصبها حرارة الشمس باردة علي حسب طبعها فاذا دامت عليها الشمس نفذت حرارتها في قشورها فتتسخن و تبخر الرطوبات التي كانت قريبة الي ظاهرها شيئا بعد شئ و يفتح مساماتها فتخرج الابخرة شيئا بعد شئ و جوفها بارد علي طبعها و كلما طال استيلاء الشمس عليها ازداد نفوذ الحرارة فيها فتزداد في النهار و في طول الصيف شيئا بعد شئ الي ان يجيء الليل او الشتاء فيبرد الظاهر و تنسد المسامات و تبقي تلك الحرارة محتقنة فيها فتعمل في الرطوبات و تبخرها في الجوف و لايخرج لانسداد المسامات فيسخن الجوف و ينتشر ذلك البخار في الاجواف طلبا للمفر لانسداد المسامات الفوقية فسخن الاجواف و المياه فاذا دام البرد علي ظاهرها في الليل او الشتاء بدأت الحرارة و تلك الابخرة المحتقنة في التحلل لبرودة الارض الطبيعية فتستحيل الي البرودة شيئا بعد شئ الي ان تبرد بالكلية الي النهار و لذلك يكون برودة الجوف و حرارته تدريجية لا دفعية و كذلك حرارة الظاهر و برودته تدريجية و اما اختلاف الرطوبة و اليبوسة فان الارض في نفسها يابسة فاذا اصاب ظاهرها رطوبة كانت اليبوسة كامنة فاذا يبس الظاهر و انسد المسامات بقيت الرطوبات محقونة في الباطن الي ان ينجمد او يجف و الرطوبات المحقونة هي التي نفذت فيها من الخارج فاعلم ذلك و هذا هو سر الامر فيما اطالوا فيه القول و لم‌يأتوا فيه بطائل و ما ثم الا ما ذكرت لك و القول بان الضد ينهزم عن ضده قول صدر عن غير تحقيق و ليس له برهان بل الضد يتحلل الي طبع ضده اذا غلب عليه و الكيفية لاتنهزم عن جوهرها الذي هي وصفه قائمة به بالجملة و قد حققنا سابقا ان الحرارة الطبيعية و الحيوانية تشايعان النفسانية عند توجهها الي الظاهر فيصير الظاهر حارا و لذا لايحتاج الانسان في يقظته الي كثرة تدثر و لايصيبه البرد غالبا فاذا نام و توجهت النفسانية الي الباطن شايعتاها الي الباطن فيصير الظاهر باردا و يحتاج الي التدثر الزايد و يخاف عليه البرد و انما ذلك ان الحرارة الغريزية سبب حفظ الله البدن عن الآفات فاذا استجنت خيف علي الظاهر البتة و اذا انتشرت الي الظاهر و دام انتشارها و طال خيف علي الباطن البتة فاذا عرفت ذلك فاعلم [ص 119] ان افضل اوقات النوم سويعة قبل الزوال فان فيها سلطان الحرارة علي الظاهر فاذا نام الانسان في ذلك الوقت و توجهت الحرارة الي الباطن لم‌يبرد الظاهر لمكان حرارة الهواء المتخلفة عنها و لاسيما الباطن في ذلك الوقت بارد فاذا استجنت الحرارة الغريزية اصلحت الباطن هذا و في ذلك الوقت يكون الظاهر ساخنا بسخونة الهواء فاذا كانت الحرارة الغريزية ايضا متوجهة الي الظاهر جف الظاهر و ذبل لاجتماع الحرارتين و برد الباطن كل البرد فاحدث ضعفا قويا و كثر رطوبة الباطن مع البرودة فاورث امراضا باردة رطبة كالنسيان و ضعف القلب و زيادة البلغم و ما يتفرع عليه الاتري ان اهل البلاد الحارة ابرد شئ باطنا و ارطبه و لذا يحتاجون الي التسخين الشديد و اكثار التمر و الابازير و الافاويه و امثالها و غالب امراضهم امراض باردة رطبة فقد روي انه سأل اعرابي رسول الله صلي الله عليه و آله عن سبب نسيانه العارض عليه فقال صلي الله عليه و آله لعلك اعتدت القائلة فتركتها قال نعم فقال صلي الله عليه و آله فعد يرجع اليك حفظك ان شاء الله ، فاذا نام الانسان في ذلك الوقت اعتدل الظاهر بذهاب احدي الحرارتين و الباطن لاستجنان الحرارة الغريزية و دفع البرودة و الرطوبة و لذا استحب النوم فيه فتدبر و هذا النوم يسمي بالقيلولة يعني زيادة العقل كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله فعلي ذلك اردء اوقات النوم آخر الليل اي بين الطلوعين فان فيه سلطان البرودة في الظاهر و كمون الحرارة و اليبوسة في الباطن فاذا نام الانسان في ذلك الوقت يضعف ظاهر البدن باجتماع البرودتين و باطن البدن باجتماع الحرارتين و لذا وجب القيام للصلوة و استحب ترك النوم بينهما و هذا النوم يسمي بالعيلولة و هو نوم العلة فيحدث في نفسه امراضا في الظاهر و الباطن فيرخي البدن و يغير البدن ( الوجه خ‌ل ) و يفسد طعم الفم و يتقيح العين و ينتفخ الوجه و يصفر و يزيد حرارة الجوف و الخفقان و يتهبّج الاماق و عن الصادق عليه السلام نوم الغداة شوم يحرم الرزق و يصفر اللون و عنه عليه السلام نومة الغداة شؤم تطرد الرزق و تصفر اللون و تقبحه و تغيره و هو نوم كل مشوم و اما النوم في صدر النهار فلايحسن لبرد الهواء و عدم استيلاء الشمس بعد و رطوبة الهواء فاذا نام الانسان فيه ضعف ظاهره لاجتماع البردين و باطنه لاجتماع الحرين الا انه اقل غائلة من [ص 120] النوم بين الطلوعين و هو المسمي بالفيلولة اي الضعف و الفتور و اما النوم في آخر النهار فهو ايضا ردي جدا لضعف سلطان الشمس و غلبة الارياح و الابخرة في الدنيا فيرخي البدن و يضعفه لان الروح اذا اعرضت عن الظاهر ضعف فاستولي عليه اثر تلك الارياح و الابخرة كثيرا فلاجل ذلك يثقل البدن و يجتمع في ظاهره الرطوبات فلاجل ذلك سمي بالغيلولة اي الهلاك فيهلك النفس و لاسيما ان الشمس هي مربية الحرارة الغريزية فاذا انحدرت و قربت الغروب ضعفت الحرارة الغريزية من الانسان و من الدنيا و لذا تري انه يكسل الانسان غاية الكسل و اما النوم بعد الزوال فلولا انه كان يحيل بين الانسان و بين الصلوة كان حسنا بحسب الوقت الا ان ضرر ترك الصلوة اعظم و لذا يسمي بالحيلولة فانه يحول بين المرء و الصلوة فبعيد صلوة العصر الي آخر الربع الثالث من النهار ليس بذلك البعيد لما عرفت و اما النوم بالليل فلايحسن مطلقا لمن يريد التوجه الي المبدء و غلبة الحرارة الداعية الي الاعراض عن الدنيا و لذلك استحب عدم النوم فيه و يستحب احياء الليالي فان كان و لا بد فاول الليل فان حرارة النهار باقية قليلا فاذا اعرضت الروح عن الظاهر ليس يضعف الظاهر كل الضعف لمكان قليل حرارة في الهواء و اما بحسب تعديل البدن و اصلاحه لا بد من النوم بالليل فان حرارة النهار مطلقا و كثرة توجه الروح الي الظاهر تقشفه و تذبله و لا بد من ترطيب ظاهر البدن و ترطيبه يكون بالنوم في الليل فان الليل بارد و اعراض الروح عن الظاهر يورث البرودة فيخصب البدن و ينعم و يلين و لذا روي عن الرضا عليه السلام ان النوم سلطان الدماغ و هو قوام الجسد و قوته فاذا اردت النوم فليكن اضطجاعك اولا علي اليمني ثم انقلب علي الايسر و كذلك فقم من مضطجعك علي شقك كما بدأت به عند نومك و عود نفسك القعود من الليل ساعتين الخبر ، بالجملة و لذا جعل الليل سكنا و جبل في فطرة كل انسان و حيوان الهدوء فيه و السكون و تعرض الروح عن الظاهر بالطبع اذا كانت لاتحس شيئا و لاتقدر علي عمل فالليل وقت النوم الطبيعي و سر وضعه راحة الاعضاء عن التعب و عن المهنة و الحركة و راحة الاعصاب فاذا كان تعبها عن الحرارة فيكون راحتها بالبرودة فاحتيج الي برودة الليل و رطوبته و برودة و رطوبة اعراض الروح حتي تهدء [ص 121] الاعضاء و تسكن و يخصب البدن و لكن في آخر الليل تغلب البرودة و الرطوبة في الهواء و تفسد البدن فالاحسن النوم في اول الليل حتي يقوم في آخره و يتوجه روحه الي ظاهره فلاجل ذلك يورث القيام آخر الليل الصحة في البدن كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام عليكم بصلوة الليل فانها سنة نبيكم و دأب الصالحين قبلكم و مطردة الداء عن اجسادكم و عن اميرالمؤمنين عليه السلام قيام الليل مصحة البدن و رضاء الرب الخبر ، و عن ابي‌عبدالله عليه السلام صلوة الليل تحسن الوجه و تذهب بالهم و تجلي البصر و في رواية تطيب الريح انتهي ، و انما ذلك ان برودة و رطوبة الليل اذا غلبتا و الروح معرضة تغير ظاهر الجسد و تغير الوجه و تقيح العين و تهبج اماقها و تميل الرطوبات اليها و الي الفم و يمتلي الدماغ ايضا من الرطوبات و انما ذلك ان البخار كلما صعد صار الطف و في بدو الصعود يكون اغلظ و ارطب و اشد لزوجة البتة و لذا تقوم الابخرة اللطيفة القوية الحرارة فوق الغليظة البتة فاذا كان الانسان جالسا او قاعدا تصعد الابخرة و تصل الي الدماغ بعد لطافتها و غلبة الحرارة فيها فاذا وضع الانسان رأسه علي الارض لم‌تحتج الابخرة الي الصعود و انما تسيل بكثافتها الي الدماغ كالماء الجاري فيمتلي الدماغ من الرطوبات و لذلك تجد بمحض استلقائك ثقلا في الرأس و كسلا في الاعضاء لاسترخاء الاعصاب بتلك الرطوبات فاذا طال الاستلقاء طال سيلان الابخرة الي الدماغ فامتلي و اورث كسلا و جرت تلك الرطوبات الي الفم و غيره و الي اللحاء و الي العين و الوجه و هذا الذي اشار اليه ابوعبدالله عليه السلام ليس من عبد الا يوقظ في كل ليلة مرة او مرتين او مرارا فان قام و الا فجاء (ظ) الشيطان فبال في اذنه اولايري احدكم انه اذا قام و لم‌يكن ذلك منه قام و هو متحير ثقيل كسلان انتهي ، و ذلك الشيطان هو شيطان الليل يسمي بالرها كما روي عن ابي‌جعفر عليه السلام و هو الذي يخدع الانسان كلما يتنبه و يقول لم‌يأن لك حتي يطلع الفجر ثم يبول في اذنه و يمصع بذنبه فخرا و يصيح و هو الذي يناجي الانسان في نومه بما يكره ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله و عدم قيام الليل يصير من جهة المعاصي الموجبة للرطوبة فاذا قيدت الانسان ذنوبه كثرت عليه الرطوبات و ضعفت الحرارة الغريزية فلم‌يقم آخر الليل كما شكي [ص 122] رجل الي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال عليه السلام انت رجل قد قيدتك ذنوبك و روي كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرا يوم القيمة و روي لا سهر بعد العشاء الآخرة الا لاحد رجلين مصلي او مسافر و عن الباقر عليه السلام النوم اول النهار خرق و القائلة نعمة و النوم بعد العصر حمق و النوم بين العشائين يحرم الرزق و روي اياك و النوم بين صلوة الليل و الفجر و لكن ضجعة بلا نوم بالجملة يحمد النوم في اول الليل لاصلاح البدن و يذم في آخر الليل كما عرفت و اما اقسام النوم فاربعة الاستلقاء علي القفا و الاضطجاع علي اليمين و اليسار و الانبطاح علي الوجه اما في الاستلقاء فيميل الحرارة الي القلب و الوجه و البرودة و الرطوبة الي الظهر فهو نوم الانبياء الذين ينتظرون الوحي من السماء الي قلوبهم و اما الانبطاح فهو نوم الشياطين يميل المواد و الرطوبات الي الوجه و القلب فيورث تغير الوجه و العين و فساد القلب و يفسد الحواس لميل الرطوبات الي مقدم الدماغ فينتفخ الوجه و العين و يفسدهما و اما الاضطجاع الي اليمين فهو نوم المؤمنين و يستقبلون بوجههم القبلة فيكون قلبهم اعلي و معدتهم اسفل و يميل الحرارة الي القلب و ينزل اليهم الملائكة بالبشارات و الالهامات و نوم الملوك و ابنائهم و الكفار و المنافقين علي يسارهم لكثرة اكلهم و طلبهم استمراء الطعام فان الغذاء يميل الي قعر المعدة و يكون حرارة القلب و الكبد من تحتها كالنار تحت القدر فيستمرؤن به طعامهم و لكن المواد الفاسدة و البرودات و الرطوبات تميل الي القلب و يصير بذلك محجوبا عن الرؤي الصالحة و البشارات الواردة و قد روي هذه الجملة عن النبي صلي الله عليه و آله يا علي النوم اربعة نوم الانبياء علي اقفيتهم و نوم المؤمنين علي ايمانهم و نوم الكفار و المنافقين علي يسارهم و نوم الشياطين علي وجوههم و عن اميرالمؤمنين عليه السلام النوم علي اربعة اوجه الانبياء تنام علي اقفيتهم مستلقين و اعينها لاتنام متوقعة لوحي الله عز و جل و المؤمن ينام علي يمينه مستقبل القبلة و الملوك و ابناؤهم تنام علي شمائلها ليستمروا ما يأكلون و ابليس مع اخوانه و كل مجنون و ذو عاهة ينام علي وجهه منبطحا .