فاعلم ان للانسان طبايع اربعة كما عرفت و كيانا ثلثة و يتغير احوال الكيان بحسب اختلاف الطبايع فنقول علي سبيل الاختصار و الاشارة ان بغلبة السوداء علي رجل في كونه الجسدي يميل الانسان الي الصنايع و الي اربابها و لكن يطلب الصنايع الدقيقة و الخفية و اسرارها و في كونه النفساني يورث له الفكر الطويل و الهم و الغم و الحيرة و العزلة و الفسق و الحيلة و الغربة الطويلة و البخل و الخيانة و المنكرات و الحقد و خبث النفس و طلب الشر و امثال ذلك و في كونه الروحاني يورث له المحبة علي العلوم الرياضية و العلوم الخفية و الاذكار و الاوراد القلبية الباطنية و التسخيرات و العزايم و الهيميا و الليميا و السيميا و الريميا و الكيميا و الجفر و الطب و اليهودية و امثال ذلك و اذا غلب البلغم علي الانسان في كونه الجسدي يورث له حب الملاحة و السفانة و الزراعة و البطؤ في [ص 82] الحركات و الكسالة و في كونه النفساني اللينة و الحلم و المداراة و المداهنة و الاغضاء و الصبر و المكر و الحسد و الشهوة و الميل الي المعاصي و الملاهي و الذمايم و الرحم و الصلح و العطف و حب النساء و الاولاد و النكاح و امثال ذلك و في كونه الروحاني يورث له الاستعداد للعلوم الظاهرة و الفقه و المجادلة و العلوم الادبية من النحو و الصرف و اللغة و الفصاحة و البلاغة و امثال ذلك و اذا غلب الدم علي الانسان في كونه الجسداني يورث له كثرة الميل و الشهوة و حب النساء و النكاح و الطبخ و الصباغة و امثال ذلك و في كونه النفساني يورث له حب الملك و الوزارة و حسن الخلق و السخاوة و علو الهمة و المعونة للناس و اصلاح ذات البين و تعزز النفس و امثال ذلك و في كونه الروحاني يورث له صدق الفهم و علم المحبة و علوم الروحانيات و علم سياسة المدن و تدبير المنازل و علم الاخلاق و الاحوال و يحب ما يورث اليقين و علم الموعظة الحسنة و يحب النصرانية و امثال ذلك و اذا غلب الصفراء علي الرجل في كونه الجسدي يورث له حب الجلادة و سفك الدماء و ايذاء الناس و يكون عقورا و يحب من الصنايع القيانة و الصياغة و الصفارة و تدبير المعادن و امثال ذلك و في كونه النفساني يورث له كثرة الغضب و الحرص علي القتل و حب الاباق و اليمين الغموص و الغربة و السفر و الخصومة و اعمال الشر و الافساد و اضطراب الرأي و قلة الثبات و العجلة في جميع الامور و قلة الحياء و افراط الجهل و الجفا و الحماقة و اللجاج و امثال ذلك و في كونه الروحاني يحب علوم عبدة الاصنام و المجوسية و علم السياسة و الحدود و التعزيرات و العلوم الدقيقة الخفية و الشبهات و التأويلات البعيدة و تسخير الاجنة و لعله يحب السحر و الكهانة و امثال ذلك ثم ربما يتركب هذه الاخلاط و تعتدل و تنحرف و تتزايد و تتناقص و تختلف بحسب الكمية و الكيفية و الصفاء و الكدورة و التجرد و الاعراض و الاسنان و الغريزية و الغريبية فلاجل ذلك تنتسب الي الكواكب و البروج و المنازل و البلاد و الجهات و يحصل لكل واحد مناسبات و مقتضيات لا نهاية لها و لا غاية و لايدرك جزئيات ذلك الا شخص كلي يحيط بالكل و اما كلياتها فيمكن ان يدرك فتبين من نوع ما ذكرنا ان لكل احد قوة يتيسر منه ظهور فعليتها و يعسر عنه حصول ضدها و تبين نوع مناسبة كل شخص بكل فعل و هذه الطبايع بهذا [ص 83] الاختلاف الذي سمعت مرايا يظهر من ورائها الحس المطلق و الحركة المطلقة فينصبغ فيها و ينفصل عنها اشعة علي حسبها فما ظهر منه من الفعليات النفسانية تكون هي نفسه التي بها ذكرت في عالم الذر و بها تذكر في عالم المحشر فعالم الذر حب و هذه الدنيا مزرعة و عالم الآخرة حصاد و الله ولي التوفيق و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام الرجل آتيه اكلمه ببعض كلامي فيعرف كله و منهم من آتيه فاكلمه بالكلام فيستوفي كلامي كله ثم يرده علي كما كلمته و منهم من آتيه فاكلمه فيقول اعد علي فقال يا اسحق اوماتدري لم ذاك قال لا قال الذي تكلمه ببعض كلامك فيعرف كله فذاك من عجنت نطفته بعقله و اما الذي تكلمه فيستوفي كلامك ثم يجيبك علي كلامك فذاك الذي ركب عقله في بطن امه و اما الذي تكلمه بالكلام فيقول اعد علي فذاك الذي ركب عقله فيه بعد ما كبر فهو يقول اعد علي و عنه عليه السلام عرفان المرء نفسه ان يعرفها باربع طبايع و اربع دعائم و اربعة اركان و طبايعه الدم و المرة و الريح و البلغم و دعائمه العقل و من العقل الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و اركانه النور و النار و الروح و الماء فابصر و سمع و عقل بالنور و اكل و شرب بالنار و جامع و تحرك بالروح و وجد طعم الذوق و الطعم بالماء فهذا تأسيس صورته فاذا كان عالما حافظا ذكيا فطنا فهما عرف فيما هو و من اين تأتيه الاشياء و لاي شئ هو هيهنا و لما صاير باخلاص الوحدانية و الاقرار بالطاعة و قد جري فيه النفس و هي حارة و تجري فيه و هي باردة فاذا حلت به الحرارة اشر و بطر و ارتاج و قتل و سرق و بهج و استبشر و فجر و زنا و اهتز و بدح و اذا كانت باردة اهتم و حزن و استكان و ذبل و نسي و آيس فهي العوارض التي تكون منها الاسقام فانه سبيلها و لايكون اول ذلك الا الخطيئة عملها فيوافق ذلك مأكل و مشرب في حد ساعات لاتكون تلك الساعة موافقة لذلك المأكل و المشرب لحال الخطيئة فيستوجب الالم من الوان الاسقام و قال جوارح الانسان و عروقه و اعضاؤه جنود لله مجندة عليه فاذا اراد الله به سقما سلطها عليه فاسقمه من حيث يريد ذلك السقم .

فصل في الارواح و قد اختلف افهام الحكماء في ذلك ان الارواح الثلثة اي الروح الطبيعية و الحيوانية و النفسانية باصطلاحهم هل هي روح واحدة تختلف صفاتها و قويها بالنسبة الي المحل او هي ثلثة ارواح مختلفة بالذات و هل [ص 84] التي في الدماغ هي لطائف الروح الحيوانية او هي النفس الملكوتية و لم‌يحققوا هذه المعاني حق تحقيقها كساير المعاني لانهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون ،

اعلم ان حقيقة هذه الارواح واحدة فان هذه الارواح التي هي محل نظر الاطباء هي الارواح المتعلقة بهذه الابدان المربية لها الفعالة فيها المقترنة بها و قد اثبتنا في الحكمة ان العلل لا بد و ان تكون في عرض المعلولات و الاسباب في عرض المسببات و ان كانت اعلاها و الطف منها الا انه تجمعهما مادة واحدة بها تكونان مصاقعتين يمكن اقترانهما و فعل العلة في المعلول و انفعال المعلول من العلة كما تري من ان المحرك ما لم‌يكن في عرض المتحرك لم‌يطلع المتحرك علي ارادة المحرك و لم‌تقترن به مشيته و لم‌ينفعل عنها ابدا و ذلك محقق في محله فهذه الارواح المربية للابدان لا بد و ان تكون في صقع الابدان فانا نري فعل الروح الطبيعية في الابدان من الجذب و الامساك و الهضم و الدفع و غيرها و فعل الروح الحيوانية من الانبساط و الانقباض و الميولات و الشهوات و الغضب و امثالها و فعل الروح النفسانية في الابدان من الحس و الحركة بفروعها فاذا رأينا انها تفعل في الابدان افعالها و تنفعل الابدان منها عرفنا انها في صقع الابدان و الا لم‌تنفعل عنها و لم‌تتطلع علي ارادتها فاذا عرفنا و رأينا مشاهدة انها في صقع الابدان عرفنا انها جسمانية الا انها الطفها و اصفاها و ارقها فعرفنا ان مادتها واحدة و انما اختلافها في الرقة و الغلظة كاختلاف مراتب الجسم من الافلاك و العناصر حرفا بحرف فكما ان جميع هذا العالم جسم مركب من مادة و صورة و انما الاختلاف في الرقة و الغلظة و الصفاء و الكدورة فهي ايضا واحدة مادتها النور الغليظ الجسماني و صورتها تختلف في الرقة و الغلظة و يختلف بروز القوي الكامنة فيها بحسب لطافتها و كثافتها فيحجب الكثافة من تلك القوي ما لايحجبه اللطافة و تظهر اللطافة من تلك القوي ما لايظهره الكثافة بل حقيقتها مع حقيقة ساير اجزاء البدن متحدة و قد اشرنا سابقا الي كيفية تكون البدن و ارواحها ان الغذاء اذا ورد البدن و دخل المعدة و عملت فيه جعلته كيلوسا ثم يجذب الكبد لطائفه اليها و فصلت اجزاءه و ميزت بين صافيه و عكره بعد ان عملت فيه و جعلته كيموسا و اخرجت [ص 85] طراطيره الثلثة من طريق الكلية و المثانة و المرارة و الطحال علي ما شرحنا و يبقي لطائفه و صوافيه جسما ياقوتيا سيالا في قوام لايق به و اعتدال مناسب فيظهر فيه الحركات الطبيعية من الجذب و الامساك و الهضم و الدفع و هذه الافعال هي ادني مرتبة افعال النفس الملكوتية فان فعلها الحس و الحركة و الافعال الطبيعية هي احساسات طبيعية و حركات طبيعية لا غير الاتري ان الطبع يجذب المشاكل فلو لم‌يحس بالمشاكل كيف يجذبه و يختاره دون غيره و جذبه حركته فلو لم‌يتحرك لايجذب البتة فتبين ان له حسا و حركة الا انهما في غاية الضعف و قلة الاختيار و كذلك الامساك و الهضم و الدفع فلو لم‌يكن للطبع حس لماميز بين فعل و فعل و شئ و شئ و اصلاح و افساد الا انهما فيه في غاية الضعف لغلظة المادة في اول الامر و وجود الاعراض و الغرايب فاذا جذب القلب صوافي ذلك الغذاء الصالح الكيموسي اليه و بخره صعد منه ابخرة لطيفة ساوت في لطافتها جسم فلك القمر و هذا البخار بعينه هي لطايف الكيموس الذي هو لطايف الكيلوس فاذا صار بخارا لطيفا معتدلا ظهر فيه آثار النفس الملكوتية الكامنة في الجسم الصائرة بالقوة اكثر فظهر فيه حسها و حركتها اكثر و اشتد فيه اختيارها و ارادتها فصار حساسا متحركا بالارادة علي ما تري و لكنه لايدرك الا المحسوسات الظاهرة فاذا صعد ذلك البخار بعينه من العرقين الي الدماغ و تخلل شعب العروق الشبيهة بالشبكة و اشتد نضجه هناك و وضع عنه اوساخه و اعراضه كالدخان الصاعد في قصبة الغرشة يتلطف في كل منزل الي ان يصير في غاية اللطافة و صعد منها الي بطون الدماغ و صار بلطافة الافلاك ظهر فيها ( فيه خ‌ل ) الحس و الحركة اكثر حتي يصير دراكا للامثلة الرقيقة البرزخية المكتسبة مما انطبع في الحواس الظاهرة متحركا بالحركات الارادية التدبيرية و البخار هو هو الا انه الطف و ارق و انما مثل هذه الآثار في هذه المنازل مثل نور السراج فانه كلما قرب من السراج يكون انور و احر و كلما يكون ابعد يكون اظلم و ابرد الي ان يصير كأنه لا نور فيه و لا حرارة فكذلك النفس هنا بمنزلة السراج و آثارها و افعالها تختلف في المنازل فتكون في الدماغ في غاية القرب من النفس و في غاية القوة و الاختيار و تكون في القلب متوسطة بين بين و في الكبد في غاية البعد و الضعف الي ان شابهت عدم الاحساس و عدم الحركة و لكنها حساسة متحركة في [ص 86] الحقيقة كما سمعت و حقيقة ذلك البخار مركب من مادة و صورة نعبر عنهما بالزيبق و الكبريت في العلم الفلسفي و مثل ذلك الصخرة و القلي فانه ليس فيهما شفافية و صفاء كالكيلوس فاذا اذيبا و صفيا صارا زجاجا و هو بمنزلة الكيموس فاذا صفي مرة اخري صار بلورا صافيا شفافا يجمع اشعة الشمس في نفسه و يحرق ما وراءه فاذا صفي مرة اخري صار الماسا صافيا اذا وضع علي العلاة و ضرب بالمطرقة غاص فيهما و لم‌ينكسر و لكن اذا ضرب بالآنك انكسر مثلثا مكعبا و ذلك علامة صحته و هذا الالماس مركب من زيبق و كبريت و ليس الا صافي الصخر المركب من الزيبق و الكبريت فالالماس هو الصوافي التي كانت منتشرة سارية في الصخر و كان عليه اعراض خارجية فاذا ازلتها عنه ظهر منها ما كان كامنا و الالماس هو الصخر لا غير فبهذا تبصر امرك فالروح النفسانية التي هي محط نظر الاطباء في طبهم هي بعينها ذلك الغذاء الذي اكلته الا ان في الغذاء كانت اعراض فدفعها الطبع مرة في المعدة و مرة في الكبد و مرة في القلب و مرة في الدماغ حتي صار دخانا اصفي ما يكون ثم استوي نفسك علي السماء و هي دخان ثم قال لها و لارض ساير بدنك بها ائتيا طوعا او كرها و انفعلا بفعلي و تحركا بتحريكي قالتا اتينا طائعين فذلك الدخان هو خلاصة جميع عالم الاجسام فاذا رق و لطف الي ان يصير بلطافة العرش يكون هو القلب الحقيقي لبدن الانسان و هو اول ما خلق منه وجودا و آخر ما يظهر منه ظهورا و ليس ذلك القلب في جوف كل احد الا اولي الالباب و ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فلايصل صفاء البدن ذلك المقام الا ان يكون البدن بدن نقيب كما انه لايصل بخار بدنه لطافة الكرسي الا اذا كان بدن نجيب ، و لا كل من حاز الجمال بيوسف ، و لا كل من له صورة الانسان الظاهرة يصل الي ذلك المكان فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان هذه الارواح اجسام و مرادنا مما نكرره ان الانسان مركب مخلوق من عشر قبضات تسع من الافلاك و واحدة من الارض هذا الذي سمعت ان في الانسان تسع قبضات بخارية لطافتها لطافة الافلاك التسعة و قبضة كثيفة ارضية و لايبقي في ذلك اشكال بعد ذلك البيان المشهود الواضح و لكن هذا البخار من مبدئه الي منتهاه هو النفس النباتية و حيوتها الحيوانية عرضية الاتري انه اذا مات لايكون حيا و اذا تفرق ذلك [ص 87] البخار لاينمو و لايزيد فذلك البخار هو النفس النباتية و يظهر افعالها في الكبد و ما في الكبد جماد و نماؤه عرضي كما ان البخار نبات و حيوته عرضية و اما حقيقة النفس الحيوانية فمن عالم البرزخ و اشراقها و فعلها الذي هو الحرارة الغريزية في البخار فالبخار كالدخان المشتعل بحرارة النار مشتعل باشراق النفس الحيوانية البرزخية كما ان الجوهر الكيموسي مشتعل باشراق البخار الذي هو النفس النباتية فالنفس النباتية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام للاعرابي قوة اصلها الطبايع الاربع بدو ايجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطايف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولدات و النفس الحيوانية قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك بدو ايجادها عند الولادة الجسمانية الخبر ، فلما كان ظهور الحيوانية في العالم في الافلاك قال اصلها الافلاك و لما كان النباتي في العالم ظهوره في الطبايع قال اصلها الطبايع الاتري ان البخار هو صوافي الاغذية و لطايفها و قال هي مادتها فهذا الحيوان المعروف حيوان عرضي و الحقيقي برزخي و هذا النبات المعروف عرضي و الحقيقي هو البخار و اما الروح النفساني الظاهر فهو ايضا جسماني بخاري و قد ظهر فيه اشراق افلاك عالم البرزخ بواسطة فلك الحيوة اي اشرقت تلك الافلاك في فلك حيوة البرزخ ثم اشرق فلك الحيوة في البخار و ذلك قوله و جعل القمر فيهن نورا فالروح النفساني الذي في الدماغ هو ايضا من مراتب النباتية الا انه صفي و لطف و رق فان قيل الذي في الدماغ نفس النباتي و الذي في القلب حيوته و الذي في الكبد نباته او باصطلاح الفلاسفة الذي في الدماغ روح النفس النباتية و الذي في القلب نفسه و الذي في الكبد جسده لكان صوابا فان البخار هو صوافي الغذاء كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام فالبدن الظاهر انسان جمادي و البخار انسان نباتي و اما الانسان الحيواني فهو برزخي في هورقليا و اما الانسان الانساني فهو في عالم النفوس القدسية و كل عال منها مشرق علي الداني و الداني مشتعل بحرارة اثر العالي فلذا اجتمعت المراتب في هذا الانسان النباتي فالانسان النباتي يمازج طبايع هذا العالم و الانسان الحيواني يمازج افلاك البرزخ و الانسان الانساني يجاور النفوس الملكوتية و لكل من النبات و الحيوان حقايق في الملكوت هما دورات الانسان فيه و للنبات [ص 88] ايضا حقيقة برزخية في هورقليا و هي طبايعه فطبايعه حقيقة النبات و افلاكه حقيقة الحيوان فافهم و تبصر كما ان افلاك النفوس الملكوتية حقيقة حقيقة الحيوانية فالانسانية في كرسي النفوس فاذا عرفت ذلك فلا بأس بان نشير في غاية الاختصار الي البدن الاصلي من الانسان فان مقدمات معرفته قد ذكرت و يسهل الامر هيهنا اذا ذكر فنقول كما شاهدت ان الغذاء يلقي الطبع اعراضه في المعدة و يخرجه من طريق الامعاء و لا حاجة للطبع اليها فانها فاسدة ثم يلقي مرة اخري اعراضه في الكبد و هي اعراضه التي تركبت معه و يخرجها الطبع من طريق الكلية و المثانة و المرارة و الطحال ثم يلقي اعراضه مرة اخري في القلب فيخرجها الطبع من طريق الرية و التنفس فان هذه الدخانية التي تخرج من طريق الرية هي عكر بخار الروح فاذا كانت الروح بخارا كان طرطيرها ايضا بخارا فيخرجه الطبع بطور التنفس و لذا قد يكون شديد الدخانية كثيرة الحرارة و اليبوسة و هو عكره الجسدي و قد يكون بخاريا كثير الرطوبة و هو عكره الروحاني و قد يكون بينهما ذو رايحة اما نتنة كريهة او طيبة و هو عكره النفساني و يزداد و يقل بحسب اختلاف الحالات بالجملة ثم يلقي اعراضه في الشبكة التي تحت الدماغ و في البطون الي ان يصير فلكيا و الافلاك ايضا ادخنة جسمانية لا غير و لما وصل ذلك البخار الي الدماغ خلص من اعراضه و قل رطوباته و غلب فيه الحرارة و اليبوسة فصار دخانا كما قال سبحانه ثم استوي الي السماء و هي دخان فخلق الله سبحانه الدماغ مائيا لان لايحترق بدوام صعود شعلات تلك الادخنة التي هي احر من النار سبعين مرة فانها صارت فلكية و الافلاك فوق كرة النار و احر منها فخلق الدماغ مائيا لان ينطفي فيه نارها في الجملة و لان لايحترق نفس العضو من شدة الحر بالجملة فكما سمعت من امر لطافة هذه الروح و هي جوهر واحد فكذلك اقول ان جوهر جسم الانسان الاصلي ايضا واحد الا انه لحقه اعراض في هذه الدنيا فيلقي اعراضه في هذه الدنيا اول مرة حتي يصير انسانا ثم يلقي اعراضه للدنيا كالكبد و يصعد الي البرزخ و البرزخ له كالقلب ثم ينفخ في الصور و يموت في البرزخ و يدفن في الطبع فيلقي اعراضه للبرزخ و يصعد الي عالم المحشر بجسمه الاصلي لاينكر من نفسه شيئا و ذلك الجسم الاصلي هو من الزيبق و الكبريت كما سمعت فهذا الجسم [ص 89] الدنياوي هو بعينه الجسم البرزخي و ذلك الجسم البرزخي هو بعينه الجسم الاصلي الاخروي و لا فرق بينهما الا بالتصفية و مخالطة الاعراض و كما ان انسانيتك الدنيوية بالروح الدماغية و الحيوانية القلبية و الطبيعية الكبدية و الجمادية المعدية اعراضك كذلك انسانيتك الاصلية بجسمك الاخروي و هو الطف من جسمك هذا باربعة‌آلاف و تسعمائة مرة و الجسم البرزخي و الدنياوي اعراضك تزول و تفني ليس لها مدخلية فيك و لاتحس بالانسانية و لاتعمل عملها و لاتدرك مدركاتها و لاتشاركها في افعالها و لا صفاتها فلاتثاب و لاتعاقب بما هو فوقها و لاتحشر معها في رتبتها فافهم ذلك فانه دقيق دقيق لايؤمن به الا الخصيصون و لايدركه الا الاقلون و ليس هيهنا موضع بيانه اكثر من ذلك فهذه الطبيعية الكبدية و الحيوانية القلبية و النفسانية الدماغية كلها من الاعراض الدنياوية و مما يلقي للدنيا و يصعد الانسان ببدنه البرزخي الي البرزخ فطبيعي ذلك العالم و برزخيه و نفسانيه ايضا من اعراض ذلك العالم فيلقيها فيها و يصعد لطائف جسده البرزخي الي الآخرة و هي جسد بعينه لانه مركب من مادة و صورة و له طول و عرض و عمق و صبغ و هو مركب من عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و هو جسم الا انه في غاية اللطافة و الرقة كما سمعت و هذا الجسد هو الذي قلنا ان قويه علم و حلم و ذكر و فكر و نباهة و هو فوق هذا العالم فان شئت ازيد من ذلك فراجع غير هذا الكتاب من كتبنا و نكتفي بهذا المقدار من البيان عن بيان الارواح و لاتجد تحقيقها بهذا التنقيح في كتاب و اما الستة الضرورية فقد ذكرها القوم و حققوها و فصلوها و لسنا نحن بصدد بيان الامور الجزئية في هذا الكتاب و انما غرضنا بيان الامور الكلية التي تورث معرفتها معرفة الله سبحانه و يحتاج اليها في كليات الحكمة و اما الجزئيات فكتب القوم متكفلة بها و لا خفاء عليها و لكن نذكر بعض الاخبار الواردة فيها تيمنا بعد ذلك .

البٰاب السابع في معني الصحة و المرض و اسبابهما و عللهما ،

اعلم ان الصحة هي كون البدن علي الوضع الالهي الذي يجري معه افعاله علي ما خلق له و المرض انحرافه عن ذلك الوضع و قد خفي عن القوم حقايق [ص 90] اسباب انحرافه فانهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و نحن لما كان غرضنا من وضع هذا الكتاب بيان حقايق الطب اردنا ان نبين في هذا الباب الاسباب الحقيقية للامراض علي ما عرفنا الله سبحانه في كتابه و سنة نبيه لكي ينفع الله به ابناء الحكمة ان شاء اعلم ان الله سبحانه كامل لا نقص فيه و حكيم لا لغو في امره و لا عبث في صنايعه و قاهر لا راد عن قضائه و لا مانع من حكمه و جميل ليس في صفاته وشمة عيب و خلق خلقه علي احسن النظام و اكمل القوام بحيث لايمكن احسن منه و لا اتم و لا اكمل و لو كان لفعل فانه جميل كامل لايترك الاولي و هو اولي فخلق ما خلق علي اكمل وجه فكل شئ صحته و قوامه و حسنه و بهاؤه و كماله ان يكون علي ذلك الوضع الالهي الذي هو تابع لمشيته التابعة لصفاته الكاملة بل جميع ما خلق تجلياته و صفاته و اسماؤه و لذا قيل ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و لما كان من كمال خلقه سبحانه ان يكونوا مختارين فان العجز و الاضطرار نقص في حقه و عيب ، خلق خلقه علي احسن وجه في فطرته ثم جعله مختارا قادرا به سبحانه و هداه الي ما به بقاؤه علي ذلك الوضع الالهي و ما به عنه انحرافه و انحرافه عن ذلك الوضع نسبي بالنسبة الي حالته الاولي و اما بالنسبة الي ملكه سبحانه في كلية الامر فلا انحراف فان خلقه سبحانه الذي هو صفاته و اسماؤه لاينقلب عن الكمال الي النقصان و عن الاعتدال الي الانحراف فكل ما يقع اعتدال في الملك و عدمه انحراف عن نهج الاستقامة فانحراف كل شئ نسبي بالنسبة الي حاله الاولي فالله سبحانه لما خلقه مختارا يقدر ان يبقي علي ذلك الوضع الالهي و يقدر ان ينقلب و هداه الي اسبابهما تفضلا قال سبحانه هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و قال و هديناه النجدين و قال الذي احسن كل شئ خلقه ثم هدي فاحسن خلق كل شئ حيث خلقه علي الوضع المحبوب له سبحانه و هداه الي اسباب بقاء ذلك الوضع و اسباب انحرافه عنه و تلك الاسباب ما ارسل به الرسل و انزل به الكتب فامر بما فيه بقاء ذلك الوضع و نهي عما به بواره و هو قوله سبحانه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و قال حكاية عن قول الشيطان لآمرنهم فليغيرن خلق الله فتغيير ذلك الخلق الذي هو الفطرة هو خلاف الوضع الالهي الذي هو المرض و البقاء علي [ص 91] ذلك الوضع هو الصحة لانه كامل تام يأتي منه ما اراد الله منه فاسباب جميع الامراض هي ارتكاب مناهي الله سبحانه و اسباب حفظ الصحة هي امتثال اوامر الله سبحانه لانه سبحانه لم‌يأمر الا بما يقرب الانسان منه و لم‌ينه الا عما يبعده عنه فان الطاعات هي صور مشية الله سبحانه و المعاصي هي صور النفس الامارة فمن اقرب الي الله سبحانه من الصاعد اليه في مدارج الطاعات و من ابعد عنه سبحانه من الهابط في دركات المعاصي فكلما يقرب الانسان من الله سبحانه يتقوي فيه نور الواحد الفرد و يقل فيه الاعراض المتخللة في وجوده و يشتد تراكمه و ائتلافه و يقل فيه اختلاف الاجزاء فيشتد تركيبه و تضام اجزائه فيقوي بنيته و لايتأثر من الاغيار و كلما يبعد عن الله سبحانه يضعف فيه نور الواحد الفرد و يكثر اعراضه المتخللة في وجوده بسبب الميل الي غير الله سبحانه فيتخلخل تركيبه و يضعف بنيته و يتأثر من كل وارد ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا فاذا كان الانسان بكله متوجها الي الواحد لايذهب به المذاهب و لايتبع كل ناعق يأتي رزقه من عند الواحد الذي ليس فيه اختلاف فيصير متشاكل الاجزاء متراكمها متعانقها متضامها و يبعد عليه التفكك فيطول دوامه و بقاؤه و عمره و يؤتي اكله كل حين باذن ربه و اكله افعاله المرادة منه فاذا توجه الي الاغيار و مال الي كل شئ و استمد من كل شئ خذله الله سبحانه و امده من الجهات التي يستمد منها فتختلف الامداد الواصلة اليه من كل جانب فتختلف اجزاؤه و تتضاد فلاتكاد تتألف و تصير متخلخلة غير متراكمة فيسرع اليه التفرق بل هو التفرق و الفناء فيقصر عمره و يتوارد عليه الاعراض الاتري انك لو اقتصرت علي غذاء صالح واحد و عودت نفسك به تشاكل الامداد الواصلة الي اعضائك و بقي بدنك علي حال واحدة و اذا خلطت اغذية مختلفة الكيلوس و الكيموس و المزاج فسد كيلوسها و كيموسها و فسد الغذاء و كثر الطراطير في بدنك فاورث فيك امراضا مختلفة و لذا قال الصادق عليه السلام في حفظ الصحة و اعود البدن ما اعتاد و انما ذلك لان الجري علي النمط الواحد يورث اتحاد الاحوال و اتحاد الاحوال في الصحة هو الصحة الدائمة فامر الله سبحانه الخلق بالتوجه الدائم اليه و الانقطاع عن الخلق فانه واحد و الخلق متكثر و الاستمداد من الواحد [ص 92] يجذب المدد الواحد الدائم و هو الصحة و نظام الخلق و قوامه و الخلق متكثر و الاستمداد من المتكثر يجذب امدادا متكثرة مختلفة و فيه تخلخل الخلق و فساده و بوار تركيبه الذي فيه فناؤه و كأني بمن لايعرف لحني يزعم ان ما اذكره خارج عن الطب و هو علم الله و شهد انه عين الطب و حقيقته و ان كان القوم عنه غافلين فلايدوم الحال علي دوام الكون و التركيب الا بالتوجه الدائم الي الله سبحانه و هو الطاعة و لايفسد الكون و التركيب الا بالتوجه الي الاغيار المورث للتخلخل و هو المعصية و لذلك قال الله سبحانه ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم فلايصيب الانسان مصيبة في بدنه الا بما كسبت ايديه من المعاصي و الله سبحانه اصدق القائلين فاذا ارتكب الانسان المعاصي بعد عن المبدء و تخلخل اجزاء وجوده و ضعف حرارته الغريزية التي هي من فوق الطبايع عند محققي الاطباء ايضا و الحرارة الغريزية من الامداد السماوية الالهية فتزداد بالتوجه اليه سبحانه و القرب نار مشيته كما قال سبحانه يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و لان مشيته حركته في الايجاد و الحركة توجد الحرارة فالحرارة الغريزية تتقوي بالطاعات و رفع الايدي و الانظار الي السموات و تضعف بالمعاصي الموجبة للتوجه الي غيره سبحانه و كل مرض يحدث في البدن فمن ضعف الحرارة الغريزية الالهية و كل صحة بقوته الاتري ان البنية اذا كانت قوية لاتكاد تتأثر من حر و برد و رطوبة و جفاف و فساد في الغذاء و الاخلاط و غيرها و تدفع عن نفسها آثار جميع ما يرد اليها و اذا كانت ضعيفة تنفعل عن جميع ما يرد اليها حتي انا نري رجالا اقوياء يدخلون الماء البارد تحت الجمد في الشتاء ليلا في غاية البرد و لايكاد ابدانهم ترتعش و نري رجالا ضعفاء يرعد ابدانهم النسيم و يحدث فيهم المرض و هل ذلك الا من جهة قوة الحرارة الغريزية التي عليها اساس البدن و قد عرف الاطباء المحققون ان الحرارة الغريزية فوق الطبايع و انها حرارة فلكية و ورد تصديقه عن علي عليه السلام فالحرارة الفلكية لاتزداد في بدن الانسان الا بالعمل بمقتضي الافلاك و مقتضاها خلاف مقتضي الطبايع العنصرية و الميل اليها و العمل بطبايعها و مقتضي الافلاك الاصلي هو مقتضي الروحانيات فان الافلاك روحانية و مقتضي الروحانيات الاصلي هي الاحكام الشرعية كما روي تخلقوا باخلاق [ص 93] الروحانيين و ان قلت انا نري رجالا اقوياء في الحرارة الغريزية كفارا فكيف تقول انها تتقوي بالطاعات و تضعف بالمعاصي قلت ان الافلاك هي منبع الحرارة الغريزية و ان العمل بمقتضي الافلاك يقوي الحرارة الغريزية لكن العمل عملان عمل علي مقتضي محبة الله فهو يقوي الحرارة تقوية الهية تكون سبب دوامها و طيبها و ان عمل بمقتضي سخط الله فهو و ان قوي الحرارة الحيوانية لكنها حرارة مسخوطة لاتدوم و يعقبها الهلاك و البوار عن قريب فلذا قلنا ان الحرارة تتقوي بالطاعات قال الله سبحانه مما خطيئاتهم اغرقوا فافهم ان كنت تفهم و ذلك لان مقتضي الروحانيات و الفلكيات الاصلي هو البر و العطف و السماحة و الكرم و العلم و الحلم و الذكر و الفكر و النباهة و الاحسان و العدل و ساير الخيرات ، و جميع الشرور من الطبايع فانها لا شعور لها قويا فتعمل بطبعها في كل مكان سواء كان مستحقا لذلك ام لا و هو الظلم و الروحانيات فوق الطبايع و لها شعور و تضع كل شئ في محله و هو العدل و ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي الاتري ان المغلوب للصفراء يسيء العشرة مع كل بر و فاجر لانه يعامل بمقتضي طبع الصفراء العديم الشعور بالنسبة التي لاتحسن بولي و لا عدو و هو الظلم و لو كان روحانيا و احسن بالولي و العدو و لم‌يكن الغالب عليه الطبع لاحسن الي الولي و اساء الي العدو و هو العدل فمن عدل في افعاله غلب روحانيته علي طبايعه و تقوي حرارته الغريزية و من ظلم في افعاله غلب جسدانيته و ضعفت روحانيته فضعفت حرارته الغريزية و تقوي حرارته الغريبية و هي المرض بعينه فتبين لذي عينين ان العمل بالعدل الذي تفصيل جزئياته اوامر الشرع يقوي الحرارة الغريزية و تقوي البنية و تدفع عن نفسها كل مرض طبعاني و ان العمل بالظلم الذي تفصيل جزئياته المناهي الشرعية يضعف الحرارة الغريزية و يضعف البنية و يستولي عليه الامراض و قد غفل الاطباء عن ذلك و لم‌ينظروا الا الي الطبايع التي هي بنفسها و بكلها امراض فكيف يتأتي منها الصحة فلذلك اقتصر الشارع الحكيم علي بيان اسباب الصحة و الامر بها و اسباب المرض و النهي عنها و هو سبحانه غني لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه فامر و نهي لقوام الخلق و نظام معاشهم و صلاح معادهم فهذه عمدة اسباب الصحة و المرض و اصلها و [ص 94] منشأها عرفها من عرفها و انكرها من انكرها .

فصل اذا عرفت ان اسباب الصحة الاولية هي الامتثال بالاوامر الشرعية فاحفظ الصحة بالمثل اي بالمداومة علي العدل المقوي للحرارة الغريزية المقوية للبنية الحافظة لها كل خير الدافعة عنها كل شر الجاذبة لها كل مدد خير الهاضمة لتلك الامداد الموصلة الي الاعضاء و اذا عرفت ان اسباب المرض ارتكاب المناهي فادفع المرض بالضد فتوجه الي الله سبحانه بالتوبة و الانابة و الصدقات و افعال البر و الدعاء و الاستغفار حتي يتوجه قلبك الي الواحد الفرد و يتقوي فيه الحرارة الغريزية و تدفع عنك الامراض و لذلك ورد في الشرع ادعية لكل مرض و الآن عرفت ان الانبياء سلكوا الناس في الطريق الاقرب في حفظ الصحة و دفع المرض و لكن الناس لا خير فيهم و ازيدك بيانا ان دفع الامراض بسبب تقوية الحرارة الغريزية اقرب الطرق حتي لاتشك في ذلك اعلم انا نشاهد عيانا ان الادمان لاكل الطين مرض و يسمونه القطا و ذكروا له معالجات فاذا اردنا ان نعالج القطا بالادوية فلربما نحتاج الي المعالجة شهورا فاذا نصحته بنصيحة بالغة و وعظته وعظا بالغا و حذرته عنه بانه حرام ينزعج عنه في طرفة عين و لايكاد يقربه ابدا و كذلك المدمن للخمر فانه يمكن معالجته بادوية يشمئز طبعه من الخمر و لكن في شهور و سنين و اذا وعظته وعظا بالغا و خوفته يتركه من وقته و لايعود اليها ابدا و ربما عالجنا الفواق بالتخويف فتتهيج حرارته الغريزية فيذهب عنه و لرب فالج مقعد صح و قام من دهشة عظيمة عرضت عليه و لرب من ليس في طبعه خلط فاسد ابدا و لكن بسبب الخوف من الامراض العامة تضعف حرارته الغريزية فيمرض و لرب مريض بسبب ظنه البرء يبرء فورا و كذلك ذكروا ان رجلا عضه الكلب فكان يري في الماء جروا و لايقدر ان يشربه و يدخل فيه و كان بصيرا بالطب فتفكر في نفسه ان الماء يشربه كل احد و يدخله كل احد و انا قد عضني الكلب و قد رأيت في الكتب انه رؤية الجرو في الماء من اثره فعزم علي دخول الماء فدخل و ذهب عنه المرض و كذا ربما يعالج النافضة بدهشة دفعية فورا و كثيرا يدفع المرض بسبب حسن ظن المريض بالمعزم او المعالج او الراقي فيبرء و من ذكر له الطبيب ان مرضك قتال لايكاد يبرء و من ذكر له انك لست بمريض و ليس فيك سوء مزاج كثيرا يبرء [ص 95] و هكذا نشاهد ان كثيرا من الامراض تحدث بسبب ضعف الحرارة و العزيمة و يندفع كثير منها بسبب قوة العزيمة و لذا روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ماضعف البدن عما قويت عليه العزيمة ، فتبين ان تدبير النفس في البدن اقوي من تدبير الطبايع بما لايحصي فتقوية النفس و العزيمات اقرب الطرق الي حفظ الصحة و دفع المرض و الطريق الاقرب في ذلك امتثال الاوامر و اجتناب النواهي و التوكل علي الله و تفويض الامر اليه و التسليم لامره و التوجه اليه و مهما رأيت ان بعض ذلك مشكل فانما هو بترك مقدماته و عزم الناس علي مخالفة الشرع و عدم المواظبة عليه فلو اتوا البيوت من ابوابها لرأوا العجب و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماءا غدقا و لو ان اهل القري آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و قال و لو انهم اقاموا التورية و الانجيل و ما انزل اليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم و من تحت ارجلهم منهم امة مقتصدة و كثير منهم ساء ما يعملون الي غير ذلك من الآيات فاحفظوا الصحة مهما قدرتم بالطاعات فان الله سبحانه لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و ادفعوا الامراض بالتوجه الي الله سبحانه و الصدقات و الدعوات و العبادات فان ذلك اقرب الطرق الي الله سبحانه و الي ما تريدون .

فصل اذا اعرض الانسان عن ربه في عالم الذر او هنا و بعد عن دار قربه فضعفت حرارته الغريزية و توجه الي غيره سبحانه و استمد منه فاختلف امداد بدنه فتخلخل و ضعفت بنيته لم‌تقدر علي دفع الامراض و الاعراض عن نفسه فاورث في بدنه امراضا و هي علي اقسام نعد هنا كلياتها فاعلم ان المرض اولا قسمان خلقي و حادث فالخلقي ما حدث له من اول تولده من النطفة في بطن امه و اسبابه الظاهرة خمسة فذلك اما يحصل من قبل الساعات و الاوضاع الفلكية التي يقتضي كل وضع منها حدوث انحراف او اعتدال في الولد و اما يحصل من قبل الحالات في الوالدين فان منها اسبابا توجب تغير الولد كما يأتي و اما يحصل من قبل النطفة نفسها فانها ربما تكون منحرفة عن الوضع الالهي بخروجها كلية عن الاعتدال او زيادة اجزاء صالحة لعضو او نقصانها او فسادها و اما يحصل بانحراف الدم الجاري اليها كلية او بفساد اجزاء صالحة لعضو او زيادتها او نقيصتها فان في الغذاء ايضا اجزاء خاصة بكل عضو كما مر و اما يحصل [ص 96] بانحراف في مزاج الرحم فيتغير صورة الولد عن الوضع الالهي الي ما شاء الله كيف ما شاء الله و اما الحادث فاما موروث او مستفاد اما الموروث فهو من قبل الطراطير الكامنة في النطفة من جهة دوام تولده في بدن الوالدين لوجود الخميرة الدائمة فيبقي ذلك الطرطير فان كان روحانيا يحدث في ايام الصبي و ان كان نفسانيا ففي ايام الشباب و هو يبقي في البدن و يمنع عن بروزه رطوبة الشباب الي ان تجف رطوبته في سن الشباب فيظهر كالحب الذي يبقي في الارض و لاينبت في الشتاء لغلبة البرد فاذا جاء الربيع نبت فكذلك يبقي الطرطير الي ان يزول المانع و ان كان جسدانيا فيبقي الي سن الكهولة و الشيخوخية فيظهر لزوال رطوبة الصبي و الشباب و حرارتهما فيحدث هنالك و هذا النوع من المرض بعد القسم الخلقي اصعبها برءا و اما المستفاد فهو ما يحدث في البدن بالاستفادة فهو اما بالاستفادة من الخارج او من الداخل اما ما يستفاد من الخارج فاما يستفاد من الامور النائبة او من المتممات اما الذي يحدث من النائبات فكالسقطة و الضربة و القطع و امثال ذلك و اما الذي من قبل المتممات فكالامراض التي تأتي من قبل الهواء المحيط بالابدان و من قبل الاكل و الشرب و النوم و اليقظة و الحركة و السكون و الاستفراغ و الاحتباس و الاعراض الواصلة و ذلك لان هذه الامور الستة من متممات قابلية بقاء الانسان في هذا العالم و ان كان قوامه و بقاؤه بفعله سبحانه الا ان هذه الامور متممات بقاء الانسان و دوامه في الدنيا لاتقوم عادة الا بها و اما ما يستفاد من الداخل فمن قبل الطراطير التي تتولد في البدن و لايقدر الطبع ان يدفعها عن نفسه فهي اما تتولد في المعدة فيحدث منها امراض المعدة و الامعاء و ما يتصل بها و يتفرع عليها و اما تحدث في الكبد فتحدث امراضا في الكبد و تجري في العروق و تنبث في ساير البدن و اما تحدث في القلب فتحدث امراضا في القلب و تجري في الشرائين و تنبث في البدن و اما تحدث في الدماغ فتحدث امراضا في الدماغ و تجري في الاعصاب و تنبث في البدن و اما تحدث في عضو خاص فتحدث امراضا في ذلك العضو بعينه فذلك خمسة اقسام و قد ذكرنا ان بسائط الطراطير ثلثة فبسايط الامراض خمسة‌عشر و قد يتركب فيكون اصول تراكيبها اربعة فانه قد يتركب الروح مع النفس و قد يتركب مع الجسد و قد يتركب الجسد [ص 97] مع النفس و قد يتركب من الثلثة فيكون اصول المركبات عشرين قسما و لكل واحد من الطراطير خواص فانا قد بينا ان الطرطير ثلثة روحانية و نفسانية و جسدانية و هي التي قد نسميها بالزيبق و الكبريت و الملح فالزيبق الطرطيري الذي في البدن من شأنه ان يصعد اذا اصابه حرارة فانه روح و قد تسفلت بسبب البرد العارض فاذا اصابها الحرارة المفنية لرطوباتها او المبخرة لها صعدت و لذا يكون الزيبق المصعد حارا و ليس انه من جهة مائيته يفر من النار بل النار تفرق مائيته العارضة علي سبيل التبخير و تتقوي حرارته الكامنة فيصعد الي حيزه فالزيبق الذي في البدن اذا اصابه الحرارة يصعد علي حسب مقتضي طبعه فان كان تولده في المعدة صعد الي اللهوات و سال منها و الي فم المعدة و احدث امراضا فيها و ربما كانت الحرارة ضعيفة و الزيبق غليظا لزجا فنزل و احدث امراضا في اسفل المعدة و الامعاء كالزحير و المغص و القولنج و الغثي و امثالها او كان مع الحرارة الضعيفة لطيفة رقيقة فاحدث رياحا و قراقر و امثال ذلك و ان كان الزيبق في الكبد و صعد بالحرارة الي الاوردة و انتشر في البدن احدث اللثغة و ان كان في القلب احدث الخفقان و ان كان في الدماغ احدث له الصداع و الماليخوليا و الصرع و السكتة و ربما نزل منعكسا فاحدث الفالج و اللقوة و الرعشة و الزكام و الرمد و ساير امراض العين و الاذن و الانف و الخوانيق و غير ذلك و ان كان في الاعضاء اورث فيها اوراما و المواظبة و امثال ذلك مما يليق بكل عضو و اما الكبريت الطرطيري اذا كان في المعدة و استولي عليه حرارة و بخر و انتشر حدث منه الهيضة و الزحير و ان كان في الكبد و انتشر في العروق احدث منه المطبقة و ان كان شديد الحرارة احدث المحرقة و ان كان في القلب احدث الخفقان و ان كان في الدماغ احدث الصداع و السرسام و الماليخوليا و الزكام و امراض العين و الانف و الحلق ما كان منها حارا و ان كان في الاعضاء احدث الغب و اليرقان و الاورام الحارة و ساير امراض الاعضاء الحارة و اما الملح فان كان في المعدة فيحدث منه سوء مزاج المعدة و سوء الهضم و الزحير و امثال ذلك و ان كان في الكبد و انتشر في العروق احدث الربع و ان كان في القلب احدث الهم و الغم و الكرب و ان كان في الدماغ احدث الجنون و الماليخوليا و التشنج و امثال ذلك و يورث امراض العين و الانف و الحلق و امثال [ص 98] ذلك و ان كان في ساير الاعضاء فيحدث الربع و الامراض السوداوية في الاعضاء من الاورام و الحكة و الجرب و امثال ذلك فتبين و ظهر لمن انصف و اعتبر ان اصول جميع الامراض من هذه الطراطير الثلثة و ربما تتركب كما مر و ما لم‌يعرف الطبيب معني هذه الطراطير و موضع تولدها و كيفية اخراجها لم‌يقدر علي العلاج البتة و مما ذكرنا يعرف النبيه وجه العلاج فان العاقل ما كان له طريق اقرب لايسلك الطريق الابعد و الطبيب يجب ان يكون خادما للطبيعة فكما ان الطبيعة لاتسلك الطريق الابعد في دفع الطراطير يجب ان لايسلكه الطبيب فالطريق الاقرب في دفع طراطير المعدة القي و الاسهال لا غير و الطريق الاقرب في دفع طراطير الكبد المدرات و الفصد و الحجامة لا غير و الطريق الاقرب في دفع طراطير القلب الاستنشاقات بالروايح و المشمومات و اللخالخ لا غير و الطريق الاقرب في دفع طراطير الدماغ السعوطات و العطوسات و الغراغر لا غير و الطريق الاقرب في دفع الطراطير المنصبة تحت الجلد و خللها التعريق و الضمادات و التكميدات و بعض المعالجات اليدية لا غير فمن رام غير ذلك فقد حمل الطبيعة علي ما لاتقتضي و سلك الطرق الخارجة عن الطبيعة و هو الي اهلاك البدن و افساده اقرب منه الي اصلاحه البتة كما روي عن الباقر عليه السلام خير ما تداويتم به الحقنة و السعوط و الحجامة و الحمام انتهي ، فالحقنة لطراطير المعدة و الامعاء و السعوط لطراطير الدماغ و الحجامة لطراطير الكبد و الحمام للتعريق و طراطير الاعضاء و سيأتي باب في كليات معالجات الائمة عليهم السلام و لكن العمدة في الامراض التي اسبابها داخل البدن المعدة فانه اذا اتخمت المعدة و حصل فيها ضعف اساءت الكيلوس و لم‌تميز بين الصافي و الطرطير فيدخل العروق المسماة بماساريقا و دخل الكبد و فيه اجزاء غير صالحة للكيموس فيضعف الكبد به لان الاجزاء الغير الصالحة تنكأها و لايقدر علي الكيموس الصالح فيتولد فيه طراطير فينفذ الي القلب و الدماغ و الاعضاء فيتولد فيها الامراض كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام كل داء من التخمة الا الحمي فانها ترد ورودا انتهي ، و هذا هو الغالب و قد يكون المرض لضعف العضو الخاص و اعلم ان اعسر الطراطير دفعا بعد الطرطير الملحي الطراطير التي تتولد في الاعضاء الداخلة كالطحال و الكلية و المثانة و الرية و امثال ذلك فان طرق وصول الدواء اليها بعيدة و اخراجها عسير جدا ثم اعلم ان العلاج [ص 99] علاجان دفع مرض و دفع سبب فما لم‌يدفع السبب لاينقطع المرض انقطاعا فان يبرء يخلفه مكانه فلا بد اولا من قطع السبب حتي لايخلف المرض مكانه فان عولج المرض و الا فيدفعه الطبع بنفسه بسبب قطع المرض و انتشاط الطبع و دفعه اياه و قوته عليه و اعلم ان المرض المبرم القوي يحتاج الي دواء قوي و المرض الضعيف يندفع بعلاج ضعيف و العلاج متي ما امكن بدواء مفرد اولي ان يكون بالمركب فان لكل دواء طبعا و نفعا من عضو و ضررا لعضو فالدواء المفرد اولي مهما امكن و الدواء القليل القوي اولي من الكثير الضعيف فان الكثير الضعيف كثير الفضول قليل المحصول و يكون كلا علي الطبع الضعيف و يزيد في الفضول التي في البدن فان الطبع لو كان قويا علي دفع الفضول لدفع عن نفسه الفضول الممرضة و اذا كان ضعيفا يضعف عن دفع فضول الدواء ايضا فيكون له كلا علي كل البتة و الدواء القليل القوي يستولي عليه الطبع و يتفاعلان و لايكون كلا علي الطبع البتة و يخف مؤنته عليه و ينشط به علي دفع الفضول الممرضة فهذه كليات اسباب الامراض الظاهرة و جميع ذلك يحدث من ضعف الحرارة الغريزية و ضعفها من ارتكاب المحارم الشرعية لا غيرها ثم نريد ان نذكر هيهنا بعض ما ورد عن الشرع في باب المتممات الخارجية و ما يتعلق بها و ما يستنبط من الكتاب و السنة فان الحق احق ان يتبع .

فصل في الهواء ففي طب‌الرضا عليه السلام اعلم يا امير المؤمنين ان قوة النفس تابعة لامزجة الابدان و ان امزجة الابدان تابعة للهواء و تتغير بحسب تغير الهواء في الامكنة فاذا برد الهواء مرة و سخن اخري تغيرت بسببه امزجة الابدان و اثر ذلك تغييرا في الصوت فاذا كان الهواء معتدلا اعتدل امزجة الابدان و صلحت تصرفات الامزجة في الحركات الطبيعية كالهضم و الجماع و النوم و الحركة و ساير الحركات الخبر ، و تأثير الهواء في الابدان ظاهر بين لانه اقرب الاشياء وصولا الي الروح بواسطة التنفس و مؤثر في الابدان بالتجميد و التليين و التبريد و التسخين و غير ذلك و ينبغي ملاحظة ذلك في صحة الابدان حتي لاينتقل من هواء الي هواء ضده دفعة و ليحترز من شدة الحر فانه من فوح جهنم و من شدة البرد فانه من زمهرير جهنم كما روي و هما مضران بالابدان غاية الضرر فليدفعهما باضدادهما حتي يعتدلا و عن اميرالمؤمنين عليه السلام توقوا البرد في اوله و تلقوه في آخره فانه يفعل بالابدان كما يفعل [ص 100] بالاشجار اوله يحرق و آخره يورق و عن الرضا عليه السلام من اراد ان لايصيبه اليرقان فلايدخل بيتا في الصيف اول ما يفتح بابه و لايخرج منه اول ما يفتح بابه في الشتاء غدوة ، و اما تدبير الابدان في الفصول فعنه عليه السلام اما فصل الربيع فانه روح الزمان و اوله آذار ● و عدة ايامه احد و ثلثون يوما و فيه يطيب الليل و النهار و تلين الارض و يذهب سلطان البلغم و يهيج الدم و يستعمل فيه من الغذاء اللطيف و اللحوم و البيض النيمبرشت و يشرب الشراب بعد تعديله بالماء و يتقي فيه اكل البصل و الثوم و الحامض و يحمد فيه شرب المسهل و يستعمل فيه الفصد و الحجامة نيسان ثلثون يوما فيه يطول النهار و يقوي مزاج الفصل و يتحرك الدم و تهب فيه الرياح المشرقية و يستعمل فيه من المأكول المشوية و ما يعمل بالخل و لحوم الصيد و يعالج الجماع و التمريخ بالدهن في الحمام و لايشرب الماء علي الريق و يشم الرياحين و الطيب ايار احد و ثلثون يوما تصفو فيه الرياح و هو آخر فصل الربيع و قد نهي فيه اكل المملوحات و اللحوم الغليظة كالرؤس و لحوم البقر و اللبن و ينفع فيه دخول الحمام اول النهار و تكره فيه الرياضة قبل الغذاء حزيران ثلثون يوما يذهب فيه سلطان الدم و يقبل زمان المرة الصفراوية و ينهي فيه من التعب و اكل اللحوم دسما و الاكثار منه و شم المسك و العنبر و ينفع فيه اكل البقول الباردة كالهندبا و بقلة الحمقاء و اكل الخضر كالخيار و القثاء و الشيرخسك و الفاكهة الرطبة و استعمال المحمضات و من اللحوم لحم المعز الثني و الجداء و من الطيور الدجاج و الطيهوج و الدراج و الالبان و السمك الطري تموز احد و ثلثون يوما فيه شدة الحرارة و تغور المياه و يستعمل فيه شرب الماء البارد علي الريق و تؤكل فيه الاشياء الباردة الرطبة و يكسر فيه مزاج الشراب و تؤكل فيه الاغذية اللطيفة السريعة الهضم كما ذكر في حزيران و يستعمل فيه من الشموم النور و الرياحين الباردة و الرطبة الطيبة الرايحة آب احد و ثلثون يوما فيه يشتمل السموم و يهيج الزكام بالليل و يهب الشمال و يصلح المزاج بالتبريد و الترطيب و ينفع فيه شرب اللبن الرائب و يجتنب فيه الجماع و المسهل و يقل [ص 101] من الرياضة و تشم الرياحين الباردة ايلول ثلثون يوما فيه يطيب الهواء و يقوي سلطان المرة السوداء و يصلح شرب المسهل و ينفع فيه اكل الحلوات و اصناف اللحوم المعتدلة كالجدي و الحولي من الضان و يجتنب لحم البقر و الاكثار من الشواء و دخول الحمام و يستعمل فيه الطيب المعتدل المزاج و يجتنب فيه اكل البطيخ و القثاء تشرين‌الاول احد و ثلثون يوما تهب فيه الرياح المختلفة و تتنفس فيه ريح الصبا و يجتنب فيه الفصد و شرب الدواء و يحمد فيه الجماع و ينفع فيه اكل اللحم السمين و الرمان المز و الفاكهة بعد الطعام و يستعمل فيه اكل اللحوم بالتوابل و يقلل فيه من شرب الماء و تحمد فيه الرياضة تشرين‌الآخر ثلثون يوما فيه يقع المطر و ينهي فيه من شرب الماء بالليل و يقلل من دخول الحمام و الجماع و يشرب بكرة كل يوم جرعة ماء حار و يجتنب اكل البقول كالكرفس و النعنع و الجرجير كانون‌الاول احد و ثلثون يوما تقوي فيه العواصف و يشتد فيه البرد و ينفع فيه كل ما ذكرناه في تشرين‌الثاني و يحذر فيه من اكل الطعام البارد و يتقي فيه الحجامة و الفصد و يستعمل فيه الاغذية الحارة بالقوة و الفعل كانون‌الثاني احد و ثلثون يوما يقوي فيه غلبة البلغم و ينبغي ان يتجرع فيه الماء الحار علي الريق و يحمد فيه الجماع و تنفع الاحساء و البقول الحارة كالكرفس و الجرجير و الكراث و ينفع دخول الحمام اول النهار و التمريخ بدهن الخيري و ما ناسبه و يحذر الحلق و اكل السمك الطري و اللبن شباط ثمانية و عشرون يوما تختلف فيه الرياح و تكثر الامطار و يظهر العشبة و يجري فيه الماء في العين و ينفع فيه اكل الثوم و لحم الطير و الصيود و الفاكهة اليابسة و يقلل من اكل الحلوات و يحمد فيه كثرة الحركة و الرياضة و عنه عليه السلام فيه كل البارد في الصيف و الحار في الشتاء و المعتدل في الفصلين انتهي ، فهذا جمل ما اردنا ايراده مما يتعلق بامر الهواء و الفصول من الاخبار ثم اعلم ان للهواء في الابدان تأثيرا بينا من جهتين من جهة تأثيره في ظاهر الابدان من الترخية و التقشيف و التسخين و التبريد فان بتسخينه اياها يرخي البدن اولا و يفتح مساماته فيعرق و يخرج الابخرة من داخله فيبرد الجوف و لذا يجد الانسان راحة عند العرق فاذا اشتد السخونة اخصفته و يبسته و اذا برد الهواء سد المسامات و حبس الحرارة في الجوف و [ص 102] جفف ظاهره و ذلك بين و من جهة دخوله في الابدان و مخالطته مع الروح البخاري فانه ان كان طيبا طيب الروح و الاخلاط و ان كان نتنا انتن الروح و الاخلاط و ان كان فيه سمية اثر في الروح و الاخلاط و منه الامراض العامة و قد ذكر القوم تفاصيل حالاته بحسب الامكنة و الاوقات و الاحوال فان شئت فراجع كتبهم و انما غرضنا في هذا الكتاب بيان ما قد خفي عليهم و بيان اسرار الآثار .