فصل اعلم ان الولد مركب من مادة و صورة اما مادته فمن نطفة ابيه و اما صورته الظاهرة فمن نطفة امه و نطفة الرجل في نطفة المرأة بمنزلة الانفحة في اللبن فتعقدها بالقوة العاقدة التي جعلها الله فيها بمقتضي حرارتها و [ص 55] يبوستها و ذلك لان نطفة الرجل حارة يابسة غليظة بيضاء بسبب القوة المغيرة التي في انثييه و وعاء المني فيه و اما نطفة المرأة فباردة رطبة رقيقة صفراء بسبب ضعف المغيرة التي في خصييها فلم‌تغير لون الدم النازل اليها كل التغيير و بسبب قلة نضجها تكون رقيقة بالنسبة الي نطفة الرجل و قد روي عن النبي صلي الله عليه و آله ان ماء الرجل ابيض و ماء المرأة اصفر ، و لما كان ماء المرأة باردا رطبا صار اصل صورة الولد فان الرطوبة مطاوعة للتصوير دون اليبوسة فنطفة الرجل بحرارتها و يبوستها عاقدة لماء المرأة فقط و شاهد ذلك ما تولد النسوة اللاتي في شهرزنان من غير فحولة باستعمالهن غصن شجرة في بلادهن رايحته كرايحة مني الرجل و من هذا الباب ما تبيض الدجاج من غير ديك بل و من هذا الباب تولد عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام من غير اب فان جبرئيل نفخ فيها بريح رايحتها كرايحة مني الرجل بعد ما اجري نطفتها في رحمها فعقدها بها و اما ما روي ان في الولد اربعة اشياء من ماء ابيه و هي العظم و المخ و العصب و العروق و اربعة من ماء امه و هي اللحم و الدم و الجلد و الشعر و ستة من الله و هي الحواس الخمس و النفس الحيوانية فالمراد ان العظم و المخ و العصب و العروق حاكية للمادة التي كان ماء الرجل حاملها اذ بناء البدن عليها و ما من الام حاكية لماء المرأة فان مقامها في البدن مقام الصورة كما تري ان صورة البدن منها و اما الروح و قويها من الله سبحانه فانها فلكية فافهم و قد فصلنا القول في ذلك في رسالتنا الي محمدعلي الرشتي التاجر فاذا علمت ذلك فاعلم ان رحم الام بحرارتها و يبوستها و مشاكلتها للماء جذابة له مشتاقة اليه بكل جزء منها فاذا اندفق الماء فيها بالقوة الدافعة من وعاء مني الرجل و بمص الرحم و انصب ماء المرأة فيها بقوة دافعة وعاء منيها و جذابية الرحم له امتزجا كما قال الله سبحانه انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج فعقد نطفة المرأة ماء الرجل حتي اذا التطخ بمقعر الرحم بقي زمانا فاذا انبسط في مقعر الرحم انتضج بحرارة الرحم فانعقدت كغشاء رقيق كما ينعقد سطح العجين علي الطاجن ثم ينفصل عنه ككيس فيه ماء و هذا الكيس ملتزق بالمواضع الخشنة منها الشديدة الحرارة و هي المواضع المعروفة بالنقر التي فيها افواه العروق التي يجري منها الدم الي الرحم و شرايين يجري منها الروح اليه [ص 56] فينفذ الدم الوريدي و الشرياني في جرم ذلك الغشاء و ينشعب فيه بسبب جذابية الماء و ذلك قبل ان يصلب و ينفتح تلك المجاري بمرور الدم شيئا بعد شئ و يدوم الجريان بسبب قوة الدافعة من طبع المرأة و جاذبة النطفة و الرحم فيثقب الدم موضعا من ذلك الغشاء فيجري الدم في جوف الكيس في الماء الذي في جوفه فيحدث في الغشاء افواه عروق الي المني من الاوردة الحادثة و الشرائين الحادثة فتجري في النطفة الدمان و هذا الغشاء هو المسمي بالمشيمة فيحدث في المني الذي في جوف الكيس نفاخات من حرارته و الابخرة الساطعة من الدمين الواصلين اليه و يغلظ ظاهر المني بواسطة حرارة الرحم فيحبس فيه تلك الابخرة فيغوص في اعماقه ثم القوة المميزة التي في ذلك الدم و ذلك المني تميز اجزاءها الثلثة علي ما ذكرنا سابقا من جميع الجهات فيصعد المائية الروحانية من جميع جوانب الصعود كما بينا لانها حيزها و ينزل العكرية الجسدانية من جميع جوانب النزول كما بينا لانها حيزها و يتوسط الدهنية النفسانية في جميع الاوساط لانها حيزها فاذا خلي جميع هذه الاجزاء و طبعها وقفت علي حسب طبعها الذي جبلها الله عليه و يحدث من كل واحد من الثلثة اي الماء ماء المرأة و الدم الشرياني و الدم الوريدي عضو يناسبه و نوع ماء المرأة روحاني و نوع الدم الشرياني نفساني لانها من القلب و نوع الدم الوريدي جسدي فمن هذه الجهة ايضا يحدث من كل واحد ما يناسبه و الثلثة تنبسط في جميع الاجزاء فما صعد من الثلثة الي موضع الرأس و فيها النطفة اغلب يحدث منها الدماغ و لما كانت الاجزاء الصاعدة من الثلثة هنا في غاية اللطافة وقفت علي الشكل الكري لرقتها بالنسبة و صارت مظهرا للنفس الغيبية بالمشاكلة و مص كل جزء من النطفة بالمشاكلة من الدماغ ما يناسب الدماغ من عكريته فانبسط منه الاعصاب في البدن في كل جزء جزء منه علي حسبه و تلك الاعصاب لتشبكها في جميع البدن اتصلت في بعض المواضع و افترقت فظهرت كالشجرة اصلها الدماغ و فروعها منبثة في البدن و وقف الثلثة متوسطاتها مع غلبة الدم الشرياني في الوسط علي هيئة ثمرة الصنوبر لانها طبع الشرياني الغالب عليه الروحانية فيكون اعاليه ادق من اسافله فيقف علي شكل ثمرة الصنوبر لاجل ذلك و صار بالمشاكلة قابلا لان يكون محل النفس [ص 57] الحيوانية و لما كان جانب اليسار اضعف و ابرد من جانب اليمين مال رأس القلب الذي هو جهة روحانيته و شدة حرارته اليه ليدفع عنه البرد و الضعف لان ذلك من شأن الروح ان تميل الي موضع الاذي ليدفعه عنه فلاجل ذلك صار القلب مايل الرأس الي جانب اليسار فجذب كل عضو من النطفة ما يشاكله من القلب الدم الشرياني فانتشر منه الدم في الاطراف و حدث من تلك المنتشرة الشريانات فاتسعت شيئا بعد شئ و جري فيها الدم فصار القلب ايضا كشجرة لها غصن في كل عضو كالدماغ و وقف الدم الوريدي في الوسط الا انه اسفل من القلب لانه عكري و تولد منه الكبد و لما كان هذا الدم الي العكرية اميل ظهر في هيئات مختلفة و زوايا و زوايد متعددة مايلا الي التقوس في الجملة و جذب منه جميع الاعضاء ذلك الدم فانتشر منه في جميع الاعضاء في كل عضو علي حسب استعداده فصار ذلك ايضا كشجرة اصلها الكبد و فروعها في جميع الاعضاء منتشرة علي حسب استعداد كل عضو فتحقق في المني هذه الاعضاء الرئيسة الاصلية و انما وجد الدماغ من روحانية الكل و ما في الوسط من نفسانية الكل و نزل العكرية من الكل الي الاسفل فلاجل كونها عكرية باردة يابسة انشق الاسفل بنصفين و لما كان كل ما ينزل كان عكريته اكثر فانشق اطراف القدم كما هو شأن كل يابس و انشق اليدان من الطرفين ايضا لان من جهة يكون الدماغ اعلي و العنق اوسط و الايدي الاسفل فالايدي للدماغ بمنزلة الارجل للقلب فالدماغ و العنق و الايدي هو الانسان و هو راكب علي الحيوان الذي هو القلب و البطن و الارجل و لاجل ذلك صارت الايدي من ادوات الانسانية و الارجل من ادوات الحيوانية و الايدي الطف من الارجل فالايدي عكر مادة الدماغ كما ان الارجل عكر مادة القلب فانشق و لما كان عند الاكف منها ايبس انشق اكثر كما عرفت في الرجل و لما كان يجري دم الحيض من السرة و كذا دم الشريان دائما شرع الاوردة و الشريانات في الاتصال و الاتساع و الاعصاب في الغلظة و قد ذكرنا ان الاعضاء الرئيسة كلية باعتبار هي الاعلي و الخادمة التي هي مؤدية قويها الي ساير الاعضاء هي الاسفل لانها عكرية صلبة الا ان هذا العكر ايضا له ثلث مراتب فان عكر الدماغ روحاني و عكر القلب نفساني و عكر الكبد جسدي كما مر فالوسط في هذا الاعتبار ايضا له ثلث مراتب اوسط روحاني و اوسط [ص 58] نفساني و اوسط جسدي فيحدث من الاوسط الروحاني الرية و من الاوسط النفساني الكليتان و الطحال و من الاوسط الجسداني المرارة و يحصل بين هذه المراتب برازخ فيها روحانية و نفسانية و جسدانية فيحدث منها الاعضاء المركبة كالحجاب و المعدة و الثرب ● و الامعاء و امثال ذلك لان فيها لحمانية و اوردة و شريانات و لما كان الدماغ و الرأس من الاجزاء الروحانية و كانت الطف و اصفي حدثت الحواس في الرأس لانه احكي لشؤن الروح النفسانية ثم لما جمد سطح اعلي المني كما ذكرنا حدث منه العظام في جميع الاعضاء علي حسب كل محل فجمد حول الدماغ فكان منه الرأس و حول النخاع و حدث منه الفقار و حول القلب و حدث منه اضلاع الصدر و حول الكبد و حدث منه اضلاع الخلف من اليمين و حول الطحال و حدث منه الاضلاع في اليسار و في الايدي و الارجل و حدث منه عظامها و هو قوله سبحانه خلقنا المضغة عظاما ثم لما كان ذلك الغشاء ايضا عكره اسفل و لطيفه اعلي و متوسطه اوسط كسيت العظام بالاوسط و الاعلي فكسيت باللحم و السمين علي ما تري ثم صلب جلده في الجملة لحرارة ما فوقه و رطوبة ما تحته فخرج منجمدا لينا علي ما تري ثم لما كان ما يصل اليه من الغذاء علي ما بينا له طرطيرية خرج مائية الطرطير منه علي نحو العرق و كذا خرج دهنيته علي سطح جسده و خرج عكره شعرا من المواضع التي ليست برخوة كثيرا و لا بصلب كثيرا و لو تدبرت فيما ذكرنا تبين لك ساير الجزئيات علي وجه كلي ان شاء الله و روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام تعتلج النطفتان في الرحم فايتهما كانت اكثر جاءت يشبهها فان كانت نطفة المرأة اكثر جاءت يشبه اخواله و ان كانت نطفة الرجل اكثر جاءت يشبه اعمامه و قال تجول النطفة في الرحم اربعين يوما فمن اراد ان يدعو الله ففي تلك الاربعين قبل ان تخلق ثم يبعث الله عز و جل ملك الارحام فيأخذها فيصعد بها الي الله عز و جل فيقف منه حيث يشاء الله فيقول يا الهي اذكر ام انثي فيوحي الله عز و جل ما يشاء و يكتب الملك ثم يقول يا الهي اشقي ام سعيد فيوحي الله عز و جل من ذلك ما يشاء و يكتب الملك الخبر ، و عن الحسن بن علي عليهما السلام ان الرجل اذا اتي اهله بقلب ساكن و عروق هادية و بدن غير مضطرب اسكنت تلك النطفة في تلك الرحم فخرج الرجل يشبه اباه و امه و ان هو اتاها بقلب غير ساكن و عروق [ص 59] غير هادية و بدن مضطرب اضطربت تلك النطفة في جوف تلك الرحم فوقعت علي عرق من عروق الاعمام اشبه الولد اعمامه و ان وقعت علي عرق من عروق الاخوال اشبه الولد اخواله و روي عن الصادق عليه السلام ان نطفة الرجل بيضاء غليظة و نطفة المرأة صفراء رقيقة فان غلبت نطفة الرجل نطفة المرأة اشبه آبائه و عمومته و ان غلبت نطفة المرأة نطفة الرجل اشبه الرجل اخواله و روي هذا الحكم في ايهما سبق و روي اذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا باذن الله عز و جل و من قبل ذلك يكون الشبه و اذا علا ماء المرأة ماء الرجل خرج الولد انثي باذن الله عز و جل و من قبل ذلك يكون الشبه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي اذا اراد ان يخلق خلقا جمع كل صورة بينه و بين ابيه الي آدم ثم خلقهم علي صورة احدهم فلايقولن احد هذا لايشبهني و لايشبه شيئا من آبائي و قيل له عليه السلام ما بالنا نجد باولادنا و لايجدون بنا قال لانهم منكم و لستم منهم و فيما ذكرنا من اسرار الخلقة كفاية و اعلم ان لكل عضو جهتين جهة من ربه و هي يد الفاعل في تصويره و جهة من نفسه و هي جهة تصوره يفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و فيما ذكرنا من امر الاعضاء من جهة قصدنا و ارادتنا بلاغ ان شاء الله و من اراد اعدادها و هيئاتها فقد تكفل بها كتب القوم و اما ساير علل جزئياتها فيعلمه من اشهده الله خلق السموات و الارض و ليس حظ كل احد و السلام علي المسلمين .

البٰاب السادس في جملة القول في ذكر القوي و الافعال و الارواح و تحقيقها يقتضي ان نعنون فصلين :

فصل في القوة و فعلها و معرفتها امر عسير قد ضل فيها الاحلام و زل فيها الاقدام و حارت الالباب ان القوة ما هي و ما حقيقتها نعم يدرك آثارها كل احد مثلا القوة الجاذبة يري منها الجذب و لكن لايعلم معناها و كنهها انها اي شئ هي و اين تكون و ما حدها و رتبتها و نريد بحول الله و قوته ان نشرح حقيقة ذلك و لا قوة الا بالله ،

اعلم ان الله سبحانه احد ليس فيه جزء و جزء و لا حيث و حيث و لا اعتبار و اعتبار و لم‌يكن فيه ذكر غيره لا بوجود و لا عدم و لا اثبات و لا نفي فخلق [ص 60] ما خلق لا من شئ و لا بشئ و لا لشئ و لا في شئ و لا علي شئ بل خلقه به و اقامه في ظله فلايخرج منه الي غيره و لما كان ذلك الخلق كماله سبحانه كان كاملا متحصلا للكمالات الغير المتناهية فلاينتظر حدوث كمال و لا حصول جمال فجميع الكمالات حاصلة له علي نحو الفعلية فاذا لا قوة فيه سبحانه و جميع ما له له بالفعل فانه فوق اللانهاية بلا نهاية و ليس بقابل للزيادة و النقصان فجميع ما ينبغي له حاضر لديه موجود عنده و كذلك يكون كماله بالنسبة الي كمالاته و هكذا كان كل كمال و صفة له سبحانه متحصلا لجميع ما له و به و منه و اليه من دون ترقب و ذاته بالنسبة اليه احدية لاستيلائها عليها و استوائها علي عرشها اما ذاته فلا معني فيها غيرها لا بنفي و لا باثبات و اما ما له من الكمالات فكل في محالها مذكورة بتلك الذوات و تلك الذوات ايضا مذكورة بتلك الكمالات فكأنه كلها في عالم السرمد سرمديا علي ما ذكرنا علي نحو التفصيل السرمدي الرجحاني و تفصلت في عالم الجبروت و الملكوت علي نحو التفصيل المعنوي الكلي و الصوري الجوهري ففيها حقيقة الفعلية و معناها و صورتها فانه لا باطن الا بالظاهر و لا ظاهر الا بالباطن و ما لم‌يكن كليات الحكمة تامة في ظهورها كاملة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا ثم بدا لله سبحانه اظهار ما في الغيب في الشهادة و تنزيل الانوار الي منتهي الاقدار فانزلها الي عالم الشهادة مبتديا باول مراتبها فانزلها الي عالم الطبايع ثم الهباء ثم المثال المطلق ثم الجسم المطلق ثم العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر حتي التراب و لما كانت هذه المراتب من عالم الشهادة و كانت بسبب برد البعد عن المبدء كثيفة غليظة استجن فيها تلك الكمالات الفعلية و كمنت حتي خفيت آثارها و بطنت انوارها فكانت هيهنا بالقوة يعني كانت تلك الكمالات و الانوار فيها بالقوة و انما ذلك لبرد البعد و يشير علي اميرالمؤمنين عليه السلام الي هذين المقامين لما سئل عن العالم العلوي اي عالم الفعلية فقال عليه السلام صور عارية عن المواد اي المواد الشهادية فهي صور نفسانية مجردة عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد فانها بالفعل و انما القوة و الاستعداد في عالم الشهادة ذي المادة و المدة تجلي لها اي لتلك الصور بها فاشرقت بفضل تجليه سبحانه و انما تجليه لها [ص 61] في عالم الافئدة فاشرقت بالعقول و طالعها في عالم الرقائق فتلألأت بالنفوس و القي في هويتها مثاله فانها كماله سبحانه و جماله فاظهر منها افعاله لان لكماله كمالا و لجماله جمالا بالفعل لاينتظر حدوث كمال و لا عروض جمال في حال الخبر ، فلما تنزل الي التراب و ادبر الي غاية البعد عن رب الارباب دعاه فاجاب فقام ملبيا للخطاب متوجها الي ذلك الجناب فترقي الي عالم النطفة ثم الي العلقة ثم الي المضغة ثم الي العظام ثم الي التخلق ثم الي الروح ثم الي النفس ثم الي رتبة بعد رتبة قال الله سبحانه كما بدأنا اول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين فقام يظهر منه شيئا بعد شئ تلك الفعليات الكامنة فيه الصائرة بالقوة علي حسب ترقيقه تلك الحجب الغلاظ الشهادية بالسلوك الكوني النسبي او الشرعي الا انه بالسلوك الكوني يطول الي منتهي التدبير العام الي يوم القيام و اما بالسلوك الشرعي يسهل له العسير و يقرب له البعيد بقدر سرعة سيره و هذا الذي اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام في آخر الحديث المذكور فقال خلق الانسان ذا نفس ناطقة اي ذا صورة عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوايل عللها اي صار كمالاته بالفعل في قوس الصعود و دورة الشهود و اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد حتي يستوي علي عرش الانداد فقد شارك الانسان بها السبع الشداد ( و هي الافلاك السبعة و هذه الافلاك شؤن الكرسي و هو النفس خ‌ل ) شؤن الصور العارية عن المواد العالية عن القوة و الاستعداد بالجملة القوة صلوح المواد لان يظهر عنها الفعليات النفسانية المستجنة فيها ثم يختلف ذلك الصلوح بالقرب و البعد فتلك المواد مستعدات لان تربي و ترقق حتي يظهر منها تلك الفعليات فكلما بولغ في ترقيق حجبها ظهر منها من تلك الفعليات ما لم‌يظهر و لما كان كل واحدة من تلك النفوس من كمالات القدوس و لا غاية لكماله و لا نهاية و نزلت في الطبيعة المطلقة و منها الي الهباء المطلق و منها الي المثال المطلق و منها الي الجسم المطلق و نزلت الي التراب صار كل شئ فيه معني كل شئ فكل فعل كامن في مادة كل شئ الا ان منها ما قد ظهر و منها لمايظهر اما الجمادات و النباتات و الحيوانات فعلي ما رباها يد التقدير و سلك بها مدبر التدبير فهي واقفات حيث اوقفها لقلة اختيارها و ضعف [ص 62] شعورها و كثرة اعراضها فكل واحدة منها يظهر منه من تلك الافعال بقدر ما رقق الله سبحانه حجابه و فتح بابه علي حسب صلاح الملك و التقدير و كمال الخلق و التدبير و اما الانسان فقد جعله الله اشد اختيارا من اولئك فكلفه بتكاليف و خلي له السرب و اصحبه القدر فهو محفوظ مختار باختيار محفوظ قادر بقدرة محفوظة علي الفعل المحفوظ فيثاب علي احسانه فضلا و علي اساءته عدلا فيظهر منه تلك الكمالات الفعلية علي حسب سلوكه و عمله لترقيق الحجاب و فتحه الباب فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الحجب اذا ترققت و الابواب اذا فتحت و تلك الفعليات علي حسبها اذا بدت و المواد بنارها اذا اشتعلت تكون في كل شئ علي حسب الشمس الذات الانوار و الاشعة فليست تظهر منها في هذا العالم عالم الاعراض آثار الا بقابل كما تري ان الشمس مع كونها مضيئة في الغاية و النهاية ليس يظهر منها نور الا بكثيف و الاشباح من الشواخص لاتظهر الا في مرآة فكذلك تلك القوي ليس تظهر انوارها في عالم الاعراض الا بالقوابل فاذا حصل القوابل و المظاهر و لم‌تكن موانع خارجية ظهرت و الا فهي مشرقة في نفسها و اشراقاتها موجودة الا انها غير ظاهرة بسبب الموانع الخارجية فلاجل ذلك خلد الكفار باستعدادهم و المؤمنون باستعدادهم فان الكفار مظللون بالسيئات و ان لم‌تظهر منهم بسبب منع الاعراض الخارجة كالخصي الذي نفسه نفس قادمة علي الزنا الا انه لايقدر عليه و المؤمنون مشرقون بانوار جميع الطاعات الظاهرة فيهم و ان لم‌تظهر بسبب منع الاعراض الخارجة فالمؤمن دائما مرابط متجهز للجهاد متشحط في دمه في سبيل الله و ان كان متقلبا في فراشه فافهم هذه الدقايق من اهل الحقايق فانها درر عزيزة و جواهر يتيمة ثم ان من الاشياء ما يكون قويها قريبة الي ان تظهر و منها بعيدة و انما كمال الاشياء في ظهور القوي و الا فكل شئ فيه معني كل شئ و انما القرب الي الله و الفوز بثواب الله سبحانه و جواره يحصل بتقريب القوي الالهية و اظهارها و انما العمل في هذه العرصة لاجل الاظهار و اما الجنة و النار فتظهران في حقيقة هذه العرصة فان الفعليات النفسانية ليست تستقر و تثبت لاحد خاصة به الا بعد ضبطها في الفعليات التكليفية التي هي مظاهرها المخصصة و ليس هيهنا موضع بيانها اكثر من هذا و الغرض في هذا الكتاب بيان [ص 63] قوي العقاقير من حيث ظهورها في بدن الانسان فالعقاقير اذا وردت بدن الانسان و عمل فيها الطبع فجعلها كيلوسا و حلها ظهر فيها تلك القوي الكامنة فيها علي حسب استعدادها فان الحل لترقيق الحجاب حتي يظهر ما وراء الباب فالحجاب باق الا انه يرق فينصبغ ما وراءه فيه و ذلك قولي علي حسب استعدادها فلاجل ذلك يكون لكل عقار قوة خاصة به دون غيره فاذا عمل فيه الطبع و حله و رققه طلع شمس القوة منه من افق الفعلية و يحتاج ظهور فعله الي كثيف قابل و هو بدن الانسان فيظهر فيه علي حسب استعداده و استقامته و اعوجاجه و صفائه و كدورته فلاجل ذلك لا كل عقار يعمل في كل انسان فلرب عقار مسهل لواحد عاقد لآخر مفرغ في رجل حاقن لآخر و انما ذلك لاجل ان ظهور الفعل يشترط فيه الفاعل و القابل هذا و لاسيما اذا كان القابل من حيث هو المكمل للفاعل من حيث آخر فان تكميله يكون علي حسب قوته البتة فاذا عرفت ان الفعليات ليست الا للنفوس و اما اجسادها فلا فعل لها من حيث انها اجساد الا بما تشتعل من اشراق نار النفوس الظاهر عليها كما ان الدخان ليس فيه قوة الاحراق الا بما تشتعل فيه من اشراق النار فاذا اشرق بنورها حصل له قوة الاحراق فان حصل قابل ظهر فعله و الا فهو في قوته و لا فعل الا للنار اذ لا قوة الا لله سبحانه و الا به فاهل الفعليات ايدي الرب و مظاهر تجلياته و هي النفوس و النفوس عديدة و لكل واحدة افعال و نتبرك اولا بحديث اميرالمؤمنين عليه السلام فروي عن كميل انه قال سألت مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام فقلت يا اميرالمؤمنين اريد ان تعرفني نفسي قال يا كميل و اي النفس تريد ان اعرفك قلت يا مولاي هل هي الا نفس واحدة قال يا كميل انما هي اربعة النامية النباتية و الحسية الحيوانية و الناطقة القدسية و الكلية الالهية و لكل واحد من هذه خمس قوي و خاصيتان فالنامية النباتية لها خمس قوي و خاصيتان ماسكة و جاذبة و هاضمة و دافعة و مربية و لها خاصيتان الزيادة و النقصان و انبعاثها من الكبد و الحسية الحيوانية لها خمس قوي سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و لها خاصيتان الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب و الناطقة القدسية لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة و الكلية الالهية لها خمس قوي بقاء في [ص 64] فناء و نعيم في شقاء و عز في ذل و فقر في غناء و صبر في بلاء و لها خاصيتان الرضا و التسليم و هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود قال الله تعالي و نفخت فيه من روحي و قال تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية و العقل وسط الكل انتهي ، تدبر في هذا الحديث الشريف تفز بحقيقة المطالب و قد سمينا هذه القوي بالفعليات و سماها الامام بالقوي نظرا الي ان هذه الآثار لاتظهر منها قبل القابل فقبل الظهور هي في قوة الظهور لا فعليته و ان كانت في الوجود ذات فعلية و نحن اردنا الوجود و ذكر الامام عليه السلام الظهور فلا خلاف و الحمد لله فنحن نبدؤ بذكر قوة قوة مما به مناط الطب و هو المقصود في وضع الكتاب .

اما النفس النباتية فقويها كما سمعت ماسكة و جاذبة و هاضمة و دافعة و مربية اعلم ان الله سبحانه خلق النبات من العناصر الاربعة بعد ما رقيها الي مرتبة الجمادات و المعادن ثم رقاها الي اركان النبات الثلثة و هي الماء و الدهن و الارض فركبها كيف ما شاء بعد ما صفي اركانه و لطفت و رقت فوقف المركب من تلك الجواهر بعد الحل و العقد و المزاج و الاتحاد في العماء مخلي بطبعه و استولي عليه المزاج النور الوهاج كما ذكرنا فجذب كل جزء من المركب نحوه و تحرك كرة المركب عليه و لما كان حيزه في غير الجهات صار يتحرك المركب اليه من كل جهة لانه في لاجهة فظهر فيه النما في جميع الاقطار باجمال اجزائه و اربي بروحانيته و ولد بنفسانيته و حفظ الصورة بجسدانيته و غذا بطبايعه فجذب ذلك المزاج الغاذي ما يشاكله بنارية اجزائه و امسك بترابيتها و هضم بهوائيتها و دفع الفضول بمائيتها و المربي اي الزايد في اقطار المركب هو المزاج فالمربي اسمه و صفته و لذا صار من قواه فافهم فالمزاج اي المربي آية الرحمن المستوي علي العرش ذي الاركان فالجاذبة من ركنه الاحمر و الهاضمة من ركنه الاصفر و الدافعة من ركنه الابيض و الماسكة من ركنه الاسود و رحمن المزاج مستوي علي تلك الاركان و هو المثال الملقي في هوية عرش النبات من شعلات الافلاك و فعله من حيث الصدور منه واحد و هو الحركة المطلقة فتظهر في مرايا الاركان علي حسب استعدادها كما ان قوة الروح هي الادراك الصرف و الشعور البحت و انما يظهر من العين بالبصر و من الاذن بالسمع و هكذا فحركة [ص 65] المزاج ايضا واحدة و هي النقل فاذا ظهر من النار ظهر بالنقل من البعيد الي القريب و هو الجذب و اذا ظهر بالماء ظهر بالدفع و هو النقل من القريب الي البعيد و اذا ظهر بالتراب ظهر بنقل الاجزاء المتباينة الي التقارب و اذا ظهر من الهواء ظهر بنقل الاجزاء المتقاربة الي التباين و كلها نقل و حركة ظهر من كل يد علي حسبه و قد شرح الصادق عليه السلام هذه القوي في حديث فقال اعلم ان في الانسان قوي اربعا قوة جاذبة تقبل الغذاء و تورده علي المعدة و قوة ممسكة تحبس الطعام حتي تفعل فيه الطبيعة فعلها و قوة هاضمة و هي التي تطحنه و تستخرج صفوه و تبثه في البدن و قوة دافعة تدفعه و تحدر الثفل الفاضل بعد اخذ الهاضمة حاجتها الخبر ، فهذه القوي خدم للنامية التي هي وجه الله و يده فوقها يجري الله بها افعاله في بدن الانسان فانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و هذه اسباب هذه المرادات و قد ذكر الاطباء قوي اخر فقالوا ان اصول القوي ثلثة المولدة و المربية و الغاذية ثم قالوا ان المولدة مخدومة غير خادمة يخدمها المغيرة و المصورة و اما المربية فهي خادمة و مخدومة تخدم المولدة و يخدمها الغاذية و اما الغاذية فتخدم المربية و يخدمها الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و ما سوي الهاضمة كالخادمة لها فذلك مجمل اقوالهم في القوي و ليس بتقسيم صادر عن الحكمة فان الغاذية علي ما فسروا ليست بشئ غير الجاذبة و المغيرة مبدؤ فعل المصورة و لو شاء الحكيم ان يعد القوي البرزخية لعد كثيرا و نحن بحول الله و قوته نقسم القوي تقسيما ينبئ عن الواقع فنقول قد بينا سابقا ان للحقايق الاولية كانت صفات موجودة فعلية حاضرة بجميع ما منها ( فيها خ‌ل ) و لها و بها و منها و عالم الفعلية من عالم النفوس الجزئية فما فوقها فلما نزلت الي عالم الطبايع كمنت تلك الفعليات فصارت قوي و كانت كامنة الي التراب فلما تركبت الاسطقسات الاولية بسبب دوران الافلاك عليها في الدورة الثانية تركب منها ثلثة اركان اولا ماء و دهن و ارضية فصارت فعليات العناصر في الاركان قوي و كل ركن فيه من الطبايع الاربع جميعها علي حسبه من اللطافة و التوسط و الغلظة فصار يظهر من كل ركن فعل علي حسب طبايعه و علي حسب هيئته التركيبية ثم من المجموع المركب من الاركان فعل آخر علي حسب هيئته فالكامنة في المجموع المركب النفس النباتية و هي آية [ص 66] الرحمن المستوي علي عرش الاركان و العناصر اذا لوحظ جهة اجمالها و اذا لوحظ تفصيلها و اقترانها بالافعال الصادرة عنها فالاركان و الطبايع مقامها مقام الكرسي فاذا لوحظ الطبايع في الاركان حصل منها البروج الاثني‌عشر فالاجمال مقام العرش و التفصيل مقام الكرسي و النفس المهيمنة علي الاجمال آية الرحمن صاحبة الصفات الكلية الفعلية في مقام كمالها فتلك النفس في مقامها صاحبة جميع الافعال و كل اليها راجعة ثم يظهر من عرش اجمال قويها القوة النامية و هي القوة الكلية التي ليس فوقها قوة اخري و لذا خصها علي عليه السلام بالذكر في المقام الخامس فلو كان لها قوة اعظم منها لذكرها هذا مع ما نري من كلية فعلها و هذه النامية اول ما تتفصل تتفصل في الاركان الثلثة و هي في مقام النبات روح و نفس و جسد خاصة به ففعل النامية بالروح الحركة و بالنفس الانبساط و الانقباض و بالجسد حفظ الصورة فبالروح يتحرك النبات الي الطول و العرض و العمق و لولا روحانيته لماقدر علي الحركة الي النفس النباتية الخارجة عن الجهات و لماربي و زاد و لولا النفس لماانبسط و امتد الي حيث تميل الروح و لماانقبض حيث ما تميل الي الانقباض و لولا الجسد لمابقيت الصورة علي ما صورت و ماع و سال و تغير عما كون عليه فالنامية لها ثلثة خدام رؤساء المحركة و هي المربية بتخفيف الباء و الباسطة و هي المولدة و الحافظة ثم تتفصل الاركان في الاربعة و هي الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة علي ما بينا و هذه الاربع اتباع لاولئك الرؤساء فالنامية بالروح تحرك المادة علي نفسها من جميع الاقطار تحريكا بسيطا لا تعين فيه و النفس تنبسط و تتحرك و تمتد للينتها البرزخية و لانها جهة انفعال الجسد فهي لاختلاف اجزائها تنفعل علي حسب الاختلاف فمن هنا يأتي اختلاف الصور فالروح مقام الاب و النفس مقام الام و النامية آية الرحمن الم‌تسمع قول النبي صلي الله عليه و آله ليس الاختلاف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي و قال انا و علي ابوا هذه الامة ، و علي نفس الرسول و الشقي من شقي في بطن امه و السعيد من سعد في بطن امه فالروح تحرك تحريكا بسيطا و النفس تتحرك تحركا مختلفا فتحدث هيهنا صورا مختلفة بحسب انبساطها و انقباضها و مطاوعة اجزائها فمن هنا تحدث اختلاف الصورة و من هنا يحدث اسم المغيرة و المصورة للنفس [ص 67] النباتية و للنفس اعلي و اسفل فمن اعليها تحدث الصور المطلقة كصورة اللحم و الشحم و العظم و امثالها لسيلانها بالنسبة و من اسفلها تحدث الصور العضوية كالرأس و القلب و الكبد و امثالها لجمودها و لما كان في النفس طبايع اربع فتتصور من حيث البرودة و الرطوبة الدماغ مثلا و من حيث الرطوبة و اليبوسة مثلا العظم و من حيث الحرارة و الرطوبة اللحم مثلا و من حيث الحرارة و اليبوسة لحم القلب مثلا فمن اعلاها يحدث اسم المغيرة للنفس النباتية و من اسفلها اسم المصورة و منهما اسم المولدة فان التوليد من صفة الام التي هي النفس لا غير و اما الجسد فمنه بقاء الصورة علي ما صور فمنه يحدث اسم الحافظة للنفس النباتية و لم‌يعدوها من القوي مع كونها اصلا عظيما كليا فالحافظة فرع المولدة و المولدة فرع المربية و القوي الاربع الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة خدامها و تفاصيلها فهذه صفة القوي الكلية علي ما يوافق الحكمة و الترتيب الالهي فالنفس النباتية هي آية الرحمن المستوي علي عرش الاكوان و يحدث له في العرش اسم النامية و في الروح اسم المربية و في النفس اسم المولدة و في الجسد اسم الحافظة و في النار اسم الجاذبة و في الهواء اسم الهاضمة و في الماء اسم الدافعة و في التراب اسم الماسكة و من المجموع اسم الغاذية و بها يقوم النبات فان كانت القوي في نهاية القوة بحسب استعداد المادة فيزيد يوما فيوما و الا فينقص و هما خاصيتاها علي ما تقدم خذها تقسيما الهيا نبويا علويا حكميا و اعرف الرجال بالمقال لا المقال بالرجال ثم ما فضل من غذاء بدن الانسان و دفعه الطبع الي وعاء المني و امني يكون في المني ايضا هذه القوي فيتحرك في الرحم فيربو و ينبسط فيتولد و يحفظ الصورة و يجذب و يمسك و يهضم و يدفع فيغذي الي ان يكون جنينا و يتولد كما رأيت فهذه قوي النفس النباتية و مستقرها الكبد و مبدؤ وجودها تركيب الاخلاط و الاركان و يسقط و يضعف شئ منها بعد شئ الي ان يموت الانسان .

و اما النفس الحيوانية فقويها كما سمعت سمع و بصر و ذوق و شم و لمس و لها خاصيتان الرضا و الغضب فهذه القوي هي فعليات الحيوانية الفلكية الكلية الكامنة في عالم المادة بالنسبة اليها فصارت قوي فيها فلما لطفت و رقت و صفت ظهرت منها آثارها و عادت القوة الي الفعلية كما قال سبحانه كما بدأنا [ص 68] اول خلق نعيده و جميع الفعليات في الكليات لا نهاية لها علي حسب رتبتها و تختص الجزئيات ببعضها علي حسب استعدادها فلا فوز بشئ من تلك الكمالات الا بحسب العمل في عالم العمل فكان الاعمال اثمانا يشتري بها من سوق الكلي الغير المتخصص باحد علي حسب مقدار الثمن فيتخصص حينئذ بصاحب الثمن و لكل درجات مما عملوا و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فالنفس الحيوانية الفلكية الكلية الناشئة من جوزهر فلك القمر لها فعليات بحسب رتبتها فكمنت في عالم طبايع العناصر و موادها و صورها الي ان صارت قوي كامنة فلما تركب منها المركب و لطف و رق الي ان صار بلطافة فلك القمر ظهر فعليته فيها علي حسب استعداد المركب و كيفيته الخاصة به و هو ايضا له طبايع اربع و اركان ثلثة و عرش اجمال و رحمن ذو الجلال فآية الرحمن فيه النفس الحيوانية الفلكية و يشتق لها في عرش الاجمال من القدرة المطلقة الاضافية الظاهرة فيه اسم القديرة و في مقام الروح اسم الحساسة و في مقام النفس اسم المريدة و في مقام الجسد اسم المتحركة فتفصلت في الطبايع الاربع المخصوص بها بصيرة سميعة شامة ذائقة و من المركب منها لامسة فبذلك بدت الحيوة قادرة مريدة متحركة حساسة و تفصلت قويها في الخمس كما سمعت و ليس يشترك فيها الانسان و انما هي من خواص الحيوانية المحضة و لما ظهر الانسان بلباس الحيوان كما ظهر بلباس النبات ظهر في بدنه قويهما و قوي الانسان فوق ذلك و اعظم و اعظم كما ستسمع ان شاء الله تعالي و ان قلت انكم خصصتم الكبد بالنفس النباتية و القلب بالحيوانية و هذه القوي التي عددتها من الدماغ و هو فيه الروح الانساني و الحيوان يحس بدماغه لا بقلبه قلنا ان فلك القمر الذي فيه كلية الروح الحيوانية له ثلث مراتب جسدانية و نفسانية و روحانية و الحيوان ايضا من حيث الحيوانية يجب ان يكون فيه هذه المراتب الثلث و دماغ الحيوان من مراتب حيوانيته و من متمماتها و ليس فيه من الانسانية من شئ فكرسي دماغ الحيوان له ثلث مراتب اسفل و اوسط و اعلي فباسفله يتحرك و باوسطه يريد و باعلاه يحس و لذا يحس بمقدم دماغه و يريد باوسطه و يتحرك بمؤخر دماغه كما هو المعروف و دماغه خلاصة حيوانيته فلو كان للنبات ايضا دماغ لكان اصول قويه في دماغه البتة فانا قلنا ان الفعليات الكامنة ليست [ص 69] تظهر الا بعد التصفية التامة و التصفية للروح الحيوانية يكون في دماغه البتة و اما قلبه فهو موضع نفسانية دماغه كما ان كبده موضع طبيعة دماغه فتتم حيوانيته و تكمل و تظهر في دماغه و لو كانت مادته قابلة للتصفية اكثر من ذلك لظهر فيه قوي ساير الافلاك ايضا و مع ذلك كان حيوانا فان القوي الفلكية لاتزيد علي الحيوانية كما ستسمع ان شاء الله و ما قالته الاطباء ان النفس الحيوانية قويها الانبساط و الانقباض في القلب و الشرائين فلاجل انهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا فان الارواح الفلكية حساسة متحركة بالارادة لانها وجه الله في هذا العالم كما برهنا عليه في محله بل النفس الحيوانية قويها ما ذكرنا و بعد ما اوردنا حديث اميرالمؤمنين عليه السلام فلاتكاد تشك فيها ففي الحيوان النفس الحيوانية كامنة في اول تكونه و لاتظهر الا بالتصفية فمبدء تصفية اركانه في المعدة و هي تصفية جمادية ثم في الكبد و هي تصفية طبيعية و يظهر فيه حركة طبيعية و هي شعاع الحركة الحيوانية ثم اذا صفي في الكبد و دخل القلب يظهر فيه الحركة التي هي ادني مراتب الحيوان فاذا صفي في الدماغ ظهر فيه فعليات الحيوان بكليتها فيكون حيوانا فالكبد و القلب كانا مقدمات وجوده و وجد في الدماغ و كان خصايصه في الكبد و القلب بالقوة و ظهر في الدماغ بالفعل بالنسبة اليهما و ليست هذه القوي من القوي الانسانية بل من شعاعها كما ان الحركة الطبيعية كانت من شعاع الحيوانية فالدماغ في الحيوان محل الروح النفساني لكن نفساني الحيوان و لما كان جميع الافلاك كامنة في هذه العناصر كما شرحنا فربما اعتدل في الجملة مادة الحيوان و صفت و رقت حتي ظهر فيها خواص ساير الافلاك ايضا و ليس ذلك بمخصوص بالانسان فيكون فيه قويها موجودة لكن ضعيفة لعدم صفاء مادتها كل التصفية فانها لو كانت صافية في الغاية لكانت تتصور كالانسان و اذ ليس فليس فاعدلها اقربها شبها بالانسان و لذلك يوجد في بعض الحيوانات آثار قوي الانسانية كالفكر و الذكر و التدبير و امثالها بقدر ما يحتاج اليه في وجوده و لكنه ضعيف جدا كما يشاهد في بعض الحيوانات من التدبيرات العجيبات و ان كانت قريبة من الطبعيات و لو شئنا ان نشرح تدابيرهم لطال بنا المقال و في حديث المفضل مذكور كثير منها فان شئت فراجع ثم للنفس الحيوانية خاصيتان الرضا و الغضب [ص 70] و ذلك انها حساسة متحركة فان احست ما يلايمها تحركت نحوها و مالت و ان احست بما ينافرها تحركت و نفرت و انزوت عنها فلها بعد احساسها اربع حركات حركة الي الخارج و حركة الي الداخل و كل منهما تدريجي و دفعي فالسرور و الغضب يحدثان من حركته الي الخارج و الهم و الخوف يحدثان من حركته الي الداخل فان كان اسبابها متدرجة تحدث متدرجة و الا فدفعية فالمراد بالرضا في الخبر مطلق المحبة و بالغضب مطلق الكراهة فيجمعان صفاتها و خصائصها و جميع الصفات التي نهي عنها في الشرع فانما هي من خصائص النفس و فروع هاتين الصفتين و هذه الحيوانية في الحيوانات المحضة قريبة من الطبيعية قليلة الاختيار فلايقدر الحيوان علي العدول عما جبل عليه و في كل حيوان صفته الخاصة به و اختلاف صفاتها بسبب انصباغ الحس و الحركة في الطبايع و الاركان و غلبتها علي الحيوة مثلا اذا غلب عليها الصفراء و انصبغت فيها صارت غضوبة عقورة و اذا غلب عليها الدم صارت رؤفة نبيهة و اذا غلب عليها البلغم صارت بليدة كسلة و اذا غلب عليها التراب صارت جبانة خائفة فالحس و الحركة الكلية تحصصت بالطبايع فجمدت و اما الحيوانية التي في الانسان فهي اضل و ادهي فان التدبير الكلي الانساني يتحصص في الحيوانية المتحصصة في الطبيعة فيحصل له تدبير في تحصيلها و لذلك قال الله سبحانه ان هم الا كالانعام بل هم اضل فتدبر .

و اما النفس الناطقة القدسية فقويها العلم و الحلم و الذكر و الفكر و النباهة و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية اعلم ان العلة الغائية من حركة الفاعل في تركيب هذه المركبات ظهور النفس الناطقة القدسية الكاملة و فعلياتها الملكوتية في الملك الا ان المواد الملكية منها قابلة صالحة يبلغ بها تدبير المدبر غايته و منها ناقصة فيها فضول و عوائق تمنعها عن وصول الغاية فلايبلغ فعل الفاعل الغني بها منتهاها و اشبه شئ بذلك ان مراد الفاعل من خلق الرحم و المني و الدم ظهور الولد و حصوله فمنها ما يعرضه السقط قبل كماله و منها ما يبقي الي ان يصير جنينا و ولدا فمنها ما يخرج معتدلا تامّ الخلقة كامل القوي و منها ما يكون ناقصها علي حسب استعداد المادة فاذا صارت المادة صالحة قابلة كاملة فالفاعل الجواد الكريم [ص 71] يدبرها حالا بعد حال الي ان يبلغها منتهي الغاية المرادة من الخلق و نحن قد ذكرنا ان اسطقسات هذا العالم الكلية الاولية الافلاك و العناصر و لما كان نظر الاطباء في عالم الطبايع زعموها منحصرة في العناصر و ليس الامر كذلك بل جميع هذه الجواهر الثلثة‌عشر اسطقسات المركبات كما اشرنا اليه هنا و فصلنا في كتابنا مرآة‌الحكمة و قد ذكرنا ان كل عال هو اقرب الي المبدء فعلية بالنسبة الي ما دونه ففعلية الافلاك قد كمنت في العناصر و صارت قوي فيها بحيث اذا لطفت العناصر و رقت ظهرت الفلكيات الكامنة فيها و صارت فعلية بعد ما كانت بالقوة كما تري ان الغذاء اذا ورد المعدة و صفي و دخل في الكبد و تصفي ثانيا و دخل القلب و بخر ساوي لطافة ذلك البخار اسفل فلك القمر و ظهر فيه سر الحيوة كالفلك و تحرك و احس مثله كذلك اذا صفي ثانيا و رق و لطف حتي ساوي ساير الافلاك ظهر فيه قويها البتة و صار بمنزلتها البتة و كذلك اذا صفي و رق ثالثا حتي ساوي الكرسي و العرش ظهر فيه النفس الناطقة القدسية و لكن تصفية ذلك في هذه المرة ليست من شأن الطبيعة الموضوعة في الابدان اذ التصفية الطبيعية لاتزيد علي الحيوانية بل تصفيته و ترقيقه ثالثا تكون بحرارة الشرايع و النواميس الالهية و امتثال اوامره و نواهيه و لايمكن ذلك بالامور الطبيعية ابدا فقد خبط الاطباء و الفلاسفة في ذلك خبط عشواء حيث زعموا ان منبعث هذه النفس من الدماغ و ذلك لانهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و زعموا الانسان هذا الانسان الظاهري و انما هو صرف اشتباه و ليس للدماغ في النفس القدسية مدخل الم‌تسمعنا نقول ان الدماغ من متممات الحيوانية و من اسباب التصفية و انما هو مقام الروح من باب ان لكل شئ روحا و نفسا و جسدا فمحل روح كل شئ دماغه و محل نفسه قلبه و محل جسده و مبدؤه كبده فماسمت الاطباء الروح التي في الدماغ بالنفسانية الا من جهة انهم زعموها محل روح الانسان و النفس الناطقة و زعموا الناطقة النطق باللسان و لذا جعلوه فصل الانسان و زعموا اشتراك الانسان مع الحمار في جنس الحيوان و انما ذلك كله لاجل انهم نظرهم من الاسفل و زعموا الانسان هذه الجثة فرأوها مشتركة مع الحيوان و قد اصابوا في مقامهم بالجملة يأتي تحقيق الارواح في محله ان شاء الله فنقول ان جثة الانسان هي جثة حيوانية الا ان لاعتدال [ص 72] مادتها و صفائها بلغ بها فعل الحكيم الي احسن تقويم فظهرت في هذه الصورة و هي حيوان من الحيوانات قد ظهر فيه فعلية جميع الافلاك من المشاعر و القوي لانه لما لطف مادته و صفي مزاجه ساوي لطافة الافلاك فظهر فيها ما ظهر في الافلاك من المشاعر فانها لما لطفت حتي ساوت فلك القمر ظهر فيها الحيوة ثم لما لطفت ثانيا ظهر فيها نفس فلك عطارد المتفكرة و اذا لطفت مرة اخري ظهر فيها نفس فلك الزهرة المتخيلة ثم اذا لطفت اخري ظهر فيها نفس المريخ المتوهمة ثم اذا لطفت اخري ظهر فيها نفس المشتري العالمة فاذا لطفت اخري ظهر فيها نفس زحل العاقلة فبهذه القوي الخمس وقع عليه التكليف فانه بها صار شاعرا لما يقال له و يؤمر به و ينهي عنه و هذه المشاعر من اشعة مشاعر النفس القدسية الانسانية لا نفسها فانها بنفسها دهرية لا زمانية فهذه الجثة حيوان كساير الحيوانات تشاركها في الحيوانية و تشاركها الحيوانات في بعض تلك المشاعر بل ربما يصدر عنها تدبيرات و صنايع يعجز عنها الانسان لصلوح ادواتها لها دون ادوات الانسان و لذلك قلنا ان من الانسان اي هذه الجثة المسمي بالانسان من يكون علي طبع الاسد او النمر او الدفلي او الهر او الفأر او غيرها و لذلك يصدر عنه ما يصدر عنها و ربما يشاكلها في بعض الشباهات الصورية و لذا قال الصادق عليه السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن ، فالمؤمن هو الذي له نفس قدسية ناطقة عليّينية و له علامات كما سنذكره ان شاء الله فهذه الجثة تشارك الحيوان في القوي و للحيوان كلية ثلثة اركان و طبايع اربع فمن كونه الروحاني يحس و من كونه النفساني يريد و من كونه الجسداني يتحرك ثم في الظاهر له اربع قوي و خامسة كما مر و في الباطن اي روحانيته ايضا اربع قوي و خامسة فمن نار طبايعه بحسبه له الواهمة و من هواء طبايعه له العالمة و من ماء طبايعه له المتخيلة و من تراب طبايعه له المتفكرة و الخامسة عاقلته المهيمنة علي الكل و بين الظاهر و الباطن برزخ و هو البنطاسيا فاسفله جسداني و اعلاه روحاني فهو مشعره النفساني و له ايضا اربع طبايع و خامسة فانه يدرك ما يدركه العين و الاذن و الانف و اللسان و البشرة فيأخذ عنها و يؤدي الي المشاعر الباطنية كما هو المعروف و في جميع ذلك جميع الحيوانات مشاركة و الاختلاف بالقوة و الضعف و التدرج الا ان الحيوان المستقيم لكثرة نضجه و اعتداله صالح [ص 73] لان يركبه النفس الناطقة القدسية الانسانية و هي من عالم الغيب اي من الدهر و هي في عالمها ايضا جسم له طول و عرض و عمق كما روي عن الصادق عليه السلام ان الروح جسم لطيف البس قالبا كثيفا فهي ايضا جسم له مادة و صورة و مكانه فوق عالم الطبايع و هو الانسان الاصلي و قد لحقه اعراض في البرزخ و الدنيا و ستزول عنها بالدفن في تراب الدنيا و بالدفن في ارض الطبايع بين النفختين في مدة اربعمائة سنة فيخرج يوم القيمة طاهرا ليس فيه عرض متخلل يمنع تلززه و يورث تفككه فيبقي مخلدا و لسنا الآن بصدد بيان ذلك و لما كان مناط نظر الاطباء هذا البدن العرضي و هو موضوع طبهم و ان كان موضوع طب الشرع ذلك البدن الاصلي الاخروي و ان الله سبحانه لما خلق الرتبتين و جعل في كل واحد منهما ادواء فجعل لكل داء من ادوائهما دواء خاصا به و العلم بتلك الادواء و الادوية هو علم الطب فان كان موضوعه البدن العرضي فهو علم الطب الاصطلاحي و ان كان موضوعه البدن الاصلي فهو علم الطب الشرعي الالهي فالعلم علمان علم الابدان و علم الاديان فلسنا في هذا الكتاب بصدد شرح قوي الانسان الاصلي فلنكتف بما ذكرنا من ذكر قوي النبات و الحيوان و الانسان المعروف و هو الحيوان الناطق بالنطق المعروف و لما بلغ الكلام الي هذا المقام رأينا ان نبين احوال كل واحد من القوي و مدركاتها و لو علي سبيل الاجمال لكن علي وجه يكشف عن حقيقة الحال فيبتغي ذلك رسم ختام لهذا الفصل .

ختام اعلم ان كل شئ في حد ذاته هو هو و ليس معه شئ غيره مأخوذ في معني هويته فهو من هذا الحيث هو نفسه و نفسه هو ليس يحتاج الي معلمة لعدم الخلاف فلايقال انه يدرك نفسه اذ لا فعل هناك و لا اختلاف حيوث اذ هو آية الاحد و الفرد الصمد في رتبته ثم ما دون ذلك تجلياته و صفاته و انواره و كمالاته و دونيتها بالنسبة اليه دونية افتقار لا دونية مكانية اذ تلك الذات محيطة بها نافذة في اقطارها و امكنتها حتي اذا نظرت الي الذات فذات و لا صفات لعدم التعينات و امتناع ذكرها هناك بما يليق بها و اذا نظرت الي الصفات فلا ذات لوجود التعينات و تراكم الصفات و ذلك من المعميات فالذات [ص 74] الظاهرة بالصفات مدركة للصفات و التجليات بعين تلك الصفات لا بعين الذات لاحديتها و امتناع ذكر ما سويها هناك و لما كانت الصفات ذوات جهات قلنا انها مدركة لها بها و لاحدية الذات قلنا انه لا ادراك هناك و لا مدرك بوجه فالذات تدرك الصفات بعين تلك الصفات فهي عينها في ادراكها و هي مدركاتها كما قال علي عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و تذكرت هنا ان هذا الحديث طال ما يستدل به و لم‌يكشف عنه لثامه و لم‌يفض ختامه فلو بسطنا القول هنا فيه قليلا لماكان بعيدا من الصواب فتدبر و ترقب انا نشير اليه في خلال البيان فالذات تدرك الصفات بنفس تلك الصفات فهي عين الذات في ادراكها و اداتها لتحديدها و لذلك قلنا باتحاد المعلوم و آلة العلم و العلم ايضا و اما العالم فهو اسم للذات مشتق من العلم الذي هو المعلوم فان المصدر هو المفعول المطلق الحقيقي فتصاقع الجميع و تقاطر و هذا صفة ادراك الشئ لتجلياته و انواره و هذا الادراك يسمي عندنا بالادراك الاحاطي و اما ادراك الشئ لغيره مما هو في رتبته فاعلم ان قول الامام عليه السلام اصل كلي لايتخصص بمقام دون مقام فلاتحد الادوات الا انفسها و لاتشير الا الي نظائرها فالاشياء التي تدركها باحد حواسك فانما تدرك تلك الاشياء من حيث ظهورها لك لا من حيث خفائها عنك و حيث ظهورها لك صفاتها و تجلياتها فلايعلم منها الا تجلياتها البتة و لصفاتها مقامان اتصال و انفصال اما صفاتها المتصلة فهي متصلة بها لاتتحد انت معها و لاتنفصل عنها و لاتدخل فيك و لاتدخل فيها فهي هي و انت انت و اما صفاتها المنفصلة التي هي اشباحها المنفصلة فتنطبع في مداركك انطباع الشبح في المرآة فينصبغ مدركك بتلك الاصباغ انصباغ المرآة بالاشباح فتدركها بالادراك الحسي الظاهري فان حواسك الظاهرة قد اشرقت بتجلي النفس و تلألأت بمطالعتها فالقت في هويتها مثالها و اظهرت عنها افعالها فهي دراكة بفضل ادراكها فتدركها و يسري الصبغ منها الي البنطاسيا فيدركه كما عرفت فينصبغ علي شكلها فيسري منه الي حاستك الباطنة التي هي الخيال فينصبغ خيالك ايضا بصبغها و يتشكل بشكلها فيتكمل مداركك بتكميل ذلك الشبح المنفصل حتي تصير صفة مشاعرك و هيئاتها علي صفة ذلك و هيئته فتدركها و تدرك [ص 75] النفس صورتها العلمية الملكوتية حينئذ بها علي حذو ما بينا فصح انما تحد الادوات انفسها اي تميز الادوات انفسها عند تهيئتها بالهيئات الخاصة بتلك الهيئات الخاصة فان تميزها بها و تحديدها بهيئاتها فالادوات قد حدت انفسها الا ان الادوات لما كانت لطيفة منطبقة بعضها علي بعض كانت اشباحها منطبقة و كل اداة منها حاكية لما ورائها للطافتها و الاشياء الخارجة هي الكثيفة الخارجة تحتها الحافظة للاشباح المنطبعة فيها فاذا كانت النفس ملتفتة الي الخارج و لم‌تحجبها المدارك لصفائها كالهواء رأت هيئة الشئ الخارجي في تلك الادوات و لاتراها البتة الا فيها و بها و لكن لعدم كثافة لها و توجه النفس الي صرف الشبح تغفل عنها و لاتريها من حيث امكنتها و تري نفس الشبح و الفاصلة معا فتحسب انها رأت الشئ الخارجي و رؤية الشئ رؤية شبحه كما يستفاد من كلام مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث معرفة الخنثي و ذلك كما انك تنظر من المنظرة الي الكتاب و تري الكتاب و انت لاتري الا ما في المنظرة و في المنظرة شبح الكتاب و الفاصلة و هو منطبق علي ذي الشبح حاد له و المنظرة للطافتها غائبة عن العين فتزعم انك رأيت الكتاب و هو رؤية الكتاب و رؤية الكتاب هكذا و الا لست تصير بكتاب و لايصير الكتاب انت انت انت و هو هو فكذلك المدارك منطبق بعضها علي البعض الي الحاسة الآخرة و هي منطبقة علي الشبح الخارجي المنفصل المنبث في الهواء و هو منطبق علي الشبح المتصل بالشئ و كل هذه الوسائط لطيفة شفافة حاكية و بنفسها غائبة عن درك النفس اياها بالصورة و النفس قاعدة من ورائها ناظرة منها بها مدركة لما في تجلياتها من التكمل بها و لعدم رؤيتها اياها علي نحو تلك الصورة و ادراكها للصورة المحفوظة بالشئ الخارجي المنطبقة عليه القابلة للرؤية لانطباقها عليه و هو كثيف تري النفس تلك الصورة المحفوظة و هي من تكملات مشاعرها و تكملاتها من كمالاتها و صفاتها فهي تدرك صفاتها بها فافهم فانه عجيب غريب و اما اذا قطعت الالتفات عن الشئ الخارجي الحاضر و التفت الي امثلته في عالم المثال انطبع الشبح المنفصل من مثاله في خيالك علي حذو ما ذكرنا و يكمله فتدرك نفسك كمالها الحاصل لها من تكميل ذلك المثال فلاتحد الادوات الا انفسها و لاتشير الا الي نظائرها الجسماني الي [ص 76] الجسماني و النفساني الي النفساني و العقلاني الي العقلاني فان الاشارة تخصيص المشير المشار بتوجهه اليه و لايتوجه الشئ الا الي ما يصاقعه و يكون نظيره في حده و قطره و صقعه فهذه الكلية في نوع الادراك ، اما البصر فهو مدرك للالوان بواسطة الهواء و الضياء اذ الالوان الناقصة لا اشباح لها منفصلة الا بضياء كامل فالضياء ينصبغ بصبغ الالوان الكثيفة و ينفصل الشبح عنه و يقع في الهواء فينصبغ بصبغه و يؤدي الهواء الي الرطوبة الجليدية التي هي قطب العين فتنصبغ بصبغه و تدرك ذلك الشبح القوة الباصرة التي من ورائها في وسط العصب الصليبي بما فيه من فعل النفس المتجسد فتؤديه الباصرة بالترجمة البرزخية الي البنطاسيا فيدرك ما ترجم له بما فيه من فعل النفس البرزخي فيترجمه للخيال باللغة الملكوتية فيدركه و هي الصورة العلمية لها اي للنفس فتسعد بها ان كانت طاعة و الا شقيت بها و النفس حين توجهها الي الظاهر غافلة عما انطبع في حسها المشترك و خيالها فتدرك الظاهر بفعلها فاذا اعرضت عن الظاهر و توجهت الي البنطاسيا تدركها بفعلها البرزخي و هي غافلة عن الظاهر و الباطن فاذا اعرضت عنهما ادركت الصورة الملكوتية العلمية التي هي صورتها و فعليتها و هكذا الامر في تأدية جميع المحسوسات الي البنطاسيا و الي الخيال و الحواس الظاهرة متعددة علي ما تري و البنطاسيا من حيث الاسفل جسمانية و من حيث الاعلي ملكوتية و الخيال هو ادراك النفس للصور الملكوتية الذي هو نفس حضور تلك الصور عندها فافهم ، و اما السمع فهو مدرك للاصوات علي حذو ما سبق و الصوت علي ما حده الصادق عليه السلام اثر يؤثره اصطكاك الاجسام في الهواء و الهواء يؤديه الي المسامع الخبر ، فالاجسام اذا تصاكت اثرت في الهواء كما يؤثر اليد في الماء فينضغط الهواء بينها و يخرج بدفع متهيئا بهيئة ذلك الاثر فيدفع الذي يليه علي هيئة ما اندفع و هكذا يفعل كل جزء منه بالذي يليه الي ان يقرع العصبة المفروشة تحت الاذن كالطبل فتدرك ذلك الاثر الواصل السامعة و هي فعل النفس المشتعل في دهن تلك العصبة فتؤديه الي البنطاسيا كما عرفت و تؤدي البنطاسيا ما وصل اليه بالترجمة الي الخيال كما عرفت و قد حققنا ذلك في رسالتنا في الموسيقي و ليس هيهنا موضع بيانه اكثر من ذلك ، [ص 77] و اما الشم فهو مدرك للروايح و الرايحة كيفية تحدثها ذو الرايحة في الهواء بكماله فيها فيتكيف الهواء فيحملها و يكيف ما يليها و هكذا الي ان تصل تلك الكيفية الي الشامة و هي قوة من فعل النفس المجسم في زايدتين كحلمتي الثدي في مؤخر الانف تنقبضان و تنبسطان و هما متخلخلتان فيدخلهما الهواء بكيفيته المستفادة فتكيف الشامة بكيفية مثلها فتدركها ثم يقع شبحها في بنطاسيا فيدرك مثاله الملقي فيه فيترجمه للخيال فيدركها بصورتها العلمية الملكوتية و قد يستحيل ذو الرايحة الي الهواء فيمازج الهواء فيدخل الشامة فتدركها ، و اما الذوق فهو ادراك للطعوم و ذلك ان الرطوبة التي في الفم تخالل الجسم فينحل الجسم فيها فيكيف الرطوبة بكيفيتها او تمازجه و يسيل فيها و يرق فتدخل في مسامات اللسان فتدركه الذائقة و هي فعل النفس المجسم في اللسان فتتكيف بكيفية الطعم فتدركه بفضل ادراك النفس فتترجمه للبنطاسيا و يدركه فيترجمه للخيال فيدركه كما مر ، و اما اللمس فهو ادراك لاكثر حالات الطبايع و كيفياتها و انما ذلك بمقارنة الاجسام للبدن و تكيف ظاهر الجلد بكيفياتها فتدركها اللامسة التي في الروح البخاري الساري في كل البدن و هي فعل النفس المتجسد فيها فتدركها بفضل ادراك النفس و تترجمها للبنطاسيا فيدركها و يترجمها للنفس فتدركها علي ما مر فتبين و ظهر ان كيفية الادراك في الجميع واحدة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ان في جميعها انطباع اشباح المدركات في الحوامل الوسائط و تكيفها حتي تصير ذوي اشباح لتكملها فتلقيها الي الحواس من ابوابها فتصير الحواس ذوات كيفيات و اشباح فتدركها بفضل ادراك النفس الذي فيها و باشراقها المشتعل في زيتها فان الحواس بمنزلة السراج المركب من زيت قابلية الاجسام و اشراق النار الغيبية المشتعلة فيه و كذلك الحواس مشتعلة بادراك النفس فالادراك و ان كان من النفس الا انه بتعلقه بها تجسم كما ان الحركة اصلها للنفس و لكن حركة البدن جسمانية و كذا البنطاسيا زيت شبحي مثالي برزخي قد اشتعل فيه ادراك النفس فصار دراكا و اما الخيال فهو ادراك النفس و فعلها في عالم الملكوت و هو نفس تلك الصور الملكوتية التي تتلبسها النفس [ص 78] و كذلك ساير مداركها من الفكر و الوهم و العلم و التعقل فان جميع ذلك في الملكوت شئون صور النفس و فعلها و هي جوهر دراك لجميع تلك المدركات الا ان لتلك المدركات من نفسها تعينات فهي شئون صور النفس و صفاتها تحكيها قوابل السموات ففلك زحل يحكي تعقلها و فلك المشتري يحكي علمها و فلك المريخ يحكي وهمها و فلك زهرة يحكي خيالها و فلك عطارد يحكي فكرها فتشتعل افاعيلها في زيت قابلية كل فلك فتلك الافاعيل المقترنة هي المدارك المثالية الثابتة في افلاك البنطاسيا اسفلها مرتبط بالجسمانيات و اعلاها بالملكوت و هذه الافلاك مشتعلة بافلاك بنطاسيا فهي الواسطة الآخذة من الحواس الظاهرة المؤدية الي البنطاسيا و اكتفينا بالاجمال في تحقيق القوي الباطنة لانه خارج عن موضوع الكتاب و قد ذكرنا قوي الحيوان الناطق و بقي هنا شئ ناسب المقام ذكره و هو انا قد نشاهد بعض القوي يوجد في بعض افراد الانسان الظاهري و لايوجد في بعض مع تساويهما في الشكل و الآلات و الاعضاء مثلا نري معاينة ان بعض الناس لهم قوة وزن الشعر و ليس لبعضهم تلك القوة حتي انه ربما لايقدر ان ينشد شعر غيره موزونا و يعوره لا محالة و ربما يوجد بعض افراد الناس ليس لهم قوة درك العلوم الذهنية و لهم قوة الصنايع اليدية و بالعكس و ربما يوجد من لايقدر علي جودة الخط و لو مشق فيه اربعين سنة و ربما يوجد من لايقدر علي فهم العبارة و لو تأدب خمسين سنة و لعله اعلم الناس في القواعد الادبية و لايقدر علي فهم العبارة و لو جهد جهده و هكذا ساير الصنايع و العلوم بل و كذلك نري اناسا لهم قوة الجود و لايكادون يطيقون العيش مع البخل و بالعكس و نري اناسا لهم قوة الغضب و لايكادون يدركون حسن الحلم و لايقدرون عليه و هكذا و لربما يوجد من ليس له قوة المحبة و ادراكها فلايدرك سر المحبة و لايتحابب مع الناس و الاخوان بل و مثل ذلك لايدرك لذة ولاية آل‌محمد عليهم السلام و اوليائهم و ليس لهم ذوق ذلك و منهم من له ذلك و لذلك امر الله سبحانه نبيه ان يقول لقوم لهم هذه القوة لااسألكم عليه اجرا الا المودة في القربي و قال قل ما سألتكم من اجر فهو لكم و قال لقوم ليس لهم تلك القوة لااسئلكم عليه من اجر و ما انا من المتكلفين لانه ليس فيكم تلك القوة و ماحصلتموه باختياركم الي غير ذلك من القوي [ص 79] النفسانية الاخلاقية فالناس معادن كمعادن الذهب و الفضة و النحاس و الحديد و الآنك و القصدير لكل واحد منهم قوة خاصة حتي انا وجدنا كثيرا من الناس ليس لهم قوة ان يدركوا ان الفراش القي مستقيما او منحرفا و لو نبهته عليه الي غير ذلك و انما ذلك كله قوي في الناس و ما ليست فيهم لايكادون يقدرون عليها فلايمكن حمل كل شئ علي كل احد و قد تكلف من حمل الناس علي ما ليس فيهم و بيان سر ذلك علي سبيل الاشارة و الاختصار انا ذكرنا ان جميع الكمالات التي لا نهاية لها موجودة بالفعل للحقايق الكلية الالهية صلوات الله عليهم و ان ساير الناس قوابل و مرايا تحت شموس تلك الحقايق و انوار تلك الحقايق قد كمنت في الطبايع الكلية و المواد الكلية و الامثلة الكلية و الاجسام الكلية الي التراب فكما انه لا اختصاص لتلك الحقايق الكلية باحد دون احد و كمالاتها الفعلية ايضا مخصوصة بها علي سبيل الكلية كذلك لما كمنت تلك الكمالات التي لا نهاية لها في الطبع الكلي و المادة الكلية و المثال الكلي و الجسم الكلي و العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر الي التراب و صارت بالقوة لم‌يكن لتلك القوي ايضا اختصاص باحد دون احد لا في الدنيا و لا في الآخرة الي ان تركب المركب و ولد المولود في هذه الدنيا فلما ولد المولود الجزئي و بدا في الصعود و الترقي في قوس الظهور يختص بكل مولود من تلك القوي الكلية بقدر ما جاهد و سعي فليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري و بقدر ما يجاهد و يحصل في هذه الدنيا يختص به و يكتب له و لولا مجاهدته في هذه الدنيا لم‌يكتب له شئ و بقدر ما سعي و حصل له فعلية نفسانية يكتب له من تلك الكمالات و تلك الكمالات هي نفسه و بها تذكر عند الله سبحانه و مع ذلك نفسه و ما به مذكورة عند ربه في عالم الذر فما لم‌يسع هيهنا لم‌يكتب له هناك فاذا سعي و كتب فقد كتب له ذلك و قدر في اربعة‌آلاف سنة قبل هذا العالم و علم من ذلك من فهم ان سحرة آل فرعون اصبحوا عند الله في عالم الذر اربعة‌آلاف سنة قبل ذلك كافرين و امسوا عند الله في عالم الذر اربعة‌آلاف سنة قبل ذلك مؤمنين و ذلك رمز مبهم و سر منمنم فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فهذه الدنيا دار اختبار و استقرار فما لم‌يعمل الانسان هيهنا عملا ماكان له في عالم الذر ذلك العمل و لايكون له في عالم المحشر الذي هو عالم [ص 80] الذر بعينه فلاجل ذلك حرضنا علي العمل هيهنا حتي نكون من السعداء اللهم ان كتبت اسمي في ديوان الاشقياء فامح اسمي بحق محمد و آل‌محمد من ذلك الديوان و اثبتني في ديوان السعداء انك بالاجابة جدير آمين يا رب العالمين فلاتقنطوا من فضل الله سبحانه و بادروا العمل فان باب التوبة مفتوح و العمل مقبول و النجاة مأمول و اعملوا انما يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات و يعلم ما تفعلون قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بالجملة فلما بدا المركب في الصعود الي المدارج و صار يتلطف شيئا فشيئا و يلطف شيئا فشيئا طفق يظهر فيه من تلك القوي شيئا بعد شئ بحسب طبايع مرآة قوابله و الوانه و صفائه و كدورته و ساير كيفياته و ينصبغ تلك القوة الكلية علي حسب انصباغ القوابل و صار يظهر منها علي حسبها و من البين ان اصول الاسطقسات و سنخ المقتضيات العناصر و الكينونات و جميع ما في هذه الدار من الكميات و الكيفيات و الافعال و الصفات كلها من مقتضيات الاصول السبعة و لذلك تري ان اصل اشكال الرمل اربع نقاط لاربع طبايع و انما يتركب اشكالها الستة‌عشر من تلك النقاط الاربعة ثم من تكسير تلك الاشكال علي النهج المعروف يحصل رملات كثيرة و العالم به يحكم من الرمل علي الرجل و لونه و شكله و اخلاقه و صفاته و اعماره و احواله و جميع ما له و به و منه و فيه و ليس اصول علمه الا النقاط الاربع الموضوعة بازاء العناصر الاربعة لكن من تكررها و تركيبها و نتايجها و قراناتها و شواهدها و نواظرها و طوالبها و مطلوباتها يحكم علي جميع ذلك بحسب مقتضي كل شئ فكذلك اذا تركبت العناصر في نطفة الانسان مثلا فكان كالطريق مثلا في علم الرمل لكن من حيث وقوعه في بيت الرحم الخاص مثلا يكتسب طبعا و من حيث اغتذائه مثلا بغذاء خاص و وقوعه في ارض خاصة و قرانه مع اقران خاصة و عاداته و اخلاقه و مربيه و امثال ذلك من كل واحد يحصل له طبع خاص و له مقتضي خاص يقتضي صفة خاصة و يظهر فيه تلك القوي الكلية ظهورا خاصا فصار يظهر من كل احد صفات خاصة و ليس لهذا العلم نهاية و لا غاية حتي اقول لك كيف هو و كم هو و انما يجب التدبر في كل فرد فرد و الحكم عليه بما هو عليه و هذا هو العلم و ان في ذلك لآيات للمتوسمين و هذا هو علم التوسم به يعرف [ص 81] كل احد كما يعرف العارف بعلم الرمل حال كل شكل مما له و ما عليه و ما به و ما فيه بعد ما علم غريزياته و اكتسابياته و الاكتسابيات غرايز ثانية و ربما تظهر علي الغريزة الاولية و تقهرها و الانسان من بدو كونه نطفة في الاكتساب الي ان يموت و لذلك يدل كل هيئة علي صفة و فعل و خلق و حال و لربما يخلي و طبعه و يكون كذا او يقهره الاكتساب فيتخلف عن ذلك و ان الله سبحانه جعل دعاة الحق و اسبابها و دعاة الشر و اسبابها لان يكتسب من كل واحد من شاء الاكتساب و ان الله سبحانه يخلق كل احد من العناصر و هي اذا كانت علي ما هي عليه تكون هي الفطرة و لاتذهب علي غير الاستقامة كما انك كلما ركبت شكلا من اربع نقاط تولد الطريق لا غير ذلك و حكمه حكم واحد و هو فطرة الله التي فطر الناس عليها و لكن الاكتسابات تغير الحقايق عن كيانها و دعاة الحق دعاة الي الفطرة الاصلية اذ فيها الاتحاد و عدم التعاد و التوجه الي رب العباد فكل مولود يولد علي الفطرة و ان ابواه يهودانه و يمجسانه و ينصرانه من باب الاكتساب بالجملة هذه القوي تختلف في الناس بحسب اختلاف قوابلها الاكتسابية و الغريزية فيتغير الاكوان في الطبايع و الارواح في الاكوان و ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و قد بينا في الجملة كيفية تغير الاخلاق و الاحوال في بعض كتبنا و لا بأس بالاشارة الي نوعه هنا الا ان تفصيل ذلك يذكر في علم القيافة لانه اليق به .