فصل اعلم ان المزاج معتدل و غير معتدل فالمعتدل ما يكون نسبته الي جميع الطبايع علي حد سواء كالمركز في وسط الدائرة او القطب في وسط الكرة و غير المعتدل ما يكون منحرفاً الي جهة فزعم الاطباء ان المزاج المعتدل الحقيقي غير ممكن و قد بينا بطلانه في كتابنا مرآةالحكمة و صورنا امكانه بحيث يعرفه من له عين و ربما نشير هنا ايضاً الي امكانه و وقوعه و اما غير المعتدل و هو المنحرف الي جهة فينحرف اما الي الحرارة او البرودة او الرطوبة او اليبوسة [ص 26] فانواعه اربعة و مراتب كل نوع لا نهاية له البتة و ساير ما يقال له معتدل معتدل اضافي و تفاصيل ادلتهم معروفة و قد اشتبه علي القوم فان المعتدل الحقيقي ممكن و لايمنع من التركيب بل يشدد تركيب الشئ و يجعله بحيث لاينفك و اما عدم المنع من التركيب فانا نري ان الحديدة المحماة مثلاً تكون في غاية الحرارة و لو تركتها تبردت شيئا بعد شئ الي ان يصيبها برد شديد فتبرد في غاية البرودة و لا محالة تكون بين هاتين الحالتين حالة متوسطة بين الحرارة و البرودة و قد وجدت و لميمنع تفاعل الحر و البرد من الوجود الخارجي فان الطفرة باطلة و تبردها تدريجي فلها حالة اعتدالية حقيقية لا محالة و كذلك الامر بين اليبوسة و الرطوبة فان تلك الحديدة مثلاً في غاية الجمودة و اليبس و يمكن اذابتها حتي تصير زيبقا رجراجاً و بين هاتين الحالتين تكون حالة متوسطة البتة لما مر و قد وجد في الخارج فتبين انه الاعتدال الحقيقي و لايمنع من الفعل و الانفعال و يمكن وجوده في الخارج و ليس امر التركيب بحيث زعموا ان يؤخذ قبضة من النار و قبضة من الماء و قبضة من التراب و قبضة من الهواء فيؤلف بينها و انما المركِب بالكسر يركب كل شئ و في بدو امره فيه رطوبة فاضلة ليطاوع الفعل فيتصرف فيه و يربيه الي ان يقف في حد الاعتدال بين الرطوبة و اليبوسة و كذلك فيه برودة زايدة فيتصرف فيه و يربيه الي ان يقف بين الطرفين الحرارة و البرودة فيمكن جعل المركب معتدلاً حقيقياً و لايمكن الاعتدال الحقيقي الا ان يتحقق التشاكل الحقيقي بين الاجزاء مع الانحلال البالغ و بقاء الانحلال الي ان يبلغ فعل الفاعل بكل واحد في كل واحد منتهاه ثم العقد شيئا فشيئا الي ان يقف في حد الاعتدال فحصول الاعتدال تدريجي في المركب و الفاعل بكل واحد هو الله سبحانه لانه لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الّله و الطبيعة سنة منه في خلقه و سبب من الاسباب فاذا حصل الاعتدال الحقيقي في المركب امتنع عادة تفككه لشدة تعانق الاجزاء و اتحادها و ظهور الواحد الفرد الاعظم الدائم القائم فيها فيمتنع في سنة الملك تفككه الا ان يشاء الله و اما وقوعه ففي ذات محمد صلي الله عليه و آله فانه عدل لا جور فيه و حكم بين جميع الملك و لذا وصفه الله سبحانه فقال لا شرقية و لا غربية ، و قال علي عليه السلام نحن ناشئة القطب و المعصوم الحقيقي يكون [ص 27] معصوماً عن الانحراف عن الحق الذي هو الوسط و هو آية الله العدل في بلاده فمن زعم غير ذلك فقد كذب الله سبحانه في عرشه و ضل عن السبيل و كذلك عترته عليهم السلام فانهم من نوره و روحه و طينته و اولهم محمد و اوسطهم محمد و آخرهم محمد و كلهم محمد فافهم و ان اردت ازيد من ذلك فراجع كتابنا مرآةالحكمة و الرسالة الشيرازية و سائر رسائلنا في الفلسفة فان فيها هذا المطلب مفصل و اما المنحرفة فهي ما تميل الي جهة و قد ذكرنا ان انواعها اربعة و اشخاصها لا نهاية لها لان درجات القرب و البعد لا نهاية لها البتة و لكن قد يوصف المنحرفة بالمعتدلة و المراد منه الاضافي و هي علي ثمانية اقسام فانه قد يعتبر الاعتدال في النوع و قد يعتبر في الصنف و قد يعتبر في الشخص و قد يعتبر في العضو و كل واحد منها قد يعتبر بالنسبة الي ما هو خارج عن ذلك الوصف او داخل في ذلك الوصف فالمعتدل النوعي باللحاظ الاول كاعتدال نوع الانسان بالنسبة الي ساير الانواع و باللحاظ الثاني كاعتدال الانبياء في اللباس البشرية بالنسبة الي الرعية و اما المعتدل الصنفي باللحاظ الاول فكاعتدال الاقليم الثاني بالنسبة الي ساير الاقاليم مثلاً و باللحاظ الثاني فكاعتدال اهل بلد منه بالنسبة الي ساير البلاد و اما الاعتدال الشخصي باللحاظ الاول فكاعتدال شخص بالنسبة الي غيره و باللحاظ الثاني فكاعتداله في حال بالنسبة الي ساير حالاته و اما الاعتدال العضوي باللحاظ الاول فكاعتدال عضو بالنسبة الي ساير الاعضاء و باللحاظ الثاني فكاعتدال حالة منه بالنسبة الي ساير احواله فهذه اقسام الاعتدال الاضافي و اعلم ايضاً ان الاعتدال اعتدالان اعتدال بحسب الطبع و هو الاعتدال الطبعي و اعتدال بحسب الوضع و اما الاعتدال الطبعي فكما مر و هو ما يكون وسطاً بين الطبايع و اما الاعتدال الوضعي فهو ان يكون الشئ في جملة ذلك المركب من ذلك الشئ و غيره علي حسب ما يقتضي كمال ذلك المركب و قوامه و ثباته مثلاً الانسان مركب من اعضاء و يقتضي كماله و قوامه ان يكون له آلات و ادوات يقضي بكل واحدة حاجة فاعتدال هيئة الانسان ان يكون رأسه مدوراً و اعلي و حاجباه مقوستين و عيناه لوزيتين و انفه مستقيماً و عنقه كذا و صدره كذا و بطنه كذا و اطرافه كذا علي ما تري في الانسان المعتدل و اختلاف هذه الهيئات لايحصل الا بان يكون [ص 28] بعضها حاراً و بعضها بارداً و بعضها رطباً و بعضها يابساً علي ما تري و مع ذلك يكون هذا الاختلاف من اعتدال الانسان و لو تخلف عن هذا النحو يكون غير معتدل البتة و من ذلك اختلاف اجزاء الملك فهو كله علي نهج الاعتدال الوضعي بحيث لايستقيم الملك الا هكذا و لذا قال سبحانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت اي فساد فالعالم علي نهج الاعتدال و دليل اعتدال كل مركب ان يتأتي منه الحاجة التي اريدت منه من غير تكلف فلما رأينا العالم ثابتا مستقراً يأتي كل شئ منه في وقته و محله عرفنا انه معتدل وضعي البتة فبهذا اللحاظ جميع المنحرفات معتدلة في الوضع لايصدر عن العدل الحكيم غير معتدل البتة فما يري من الانحراف في شئ فانما هو نسبي كما عرفت فعند قياس شئ بشئ يقال انه منحرف يعني عما ذلك الشئ عليه او يقاس حالة بحالة كما عرفت فالانحراف بهذا اللحاظ يكون علي ثمانية اقسام فان الشئ اما يكون احر مما ينبغي او ابرد مما ينبغي او ارطب مما ينبغي او ايبس مما ينبغي او احر و ارطب مما ينبغي او احر و ايبس مما ينبغي او ابرد و ارطب مما ينبغي او ابرد و ايبس مما ينبغي و هذه الامزجة اما تكون بالقوة دون المحسوس الظاهر فكالامزجة التي في العقاقير فانها في الحس الظاهر ليس لها الصفة المذكورة لها و انما هي فيها بالقوة يعني اذا وردت البدن و عمل فيها الطبع ظهرت آثارها في البدن فتسخن او تبرد او ترطب او تجفف او تكون بالفعل و هي محسوسة و هي علي قسمين عارضية و ذاتية اما العارضية فكالحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة العارضة الظاهرة كالماء المسخن او المبرد مثلاً و اما الذاتية فاما هي في الغاية و النهاية فكما يوجد في الاسطقسات الاولة و اما هي دون الغاية فكالامزجة التي توجد في بدن الانسان و غيره من الحيوان و هذا النحو من الاعتدال و الانحراف اعتدال طبعي بملاحظة الطبايع الاربعة و هو ما نظر اليه الاطباء و اما الاعتدال و الانحراف بحسب الاركان فهو الذي نذهب اليه لما ذكرنا ان الاسطقسات القريبة هي الاركان دون الطبايع و ان الطبايع استحالت في الاركان و انقلبت اليها فليست بملحوظة في الاعضاء فالمعتدل و المنحرف الذي يجب ان يلاحظ الطبيب في عمله الذي هو حفظ الصحة علي الاصحاء و دفع المرض عن المرضي هو الاعتدال و الانحراف الاركاني و هو الذي قد خفي عليهم فبذلك بعدوا عن [ص 29] اصابة الحق في معالجاتهم و ابتلوا بالقياس و ظلوا في الالتباس فان لا كل حار يسخن البارد و لا العكس و لا كل رطب يرطب اليابس و لا العكس و هذا الذي اشتبه عليهم و نشير الي ذلك في الجملة ان البرودة لو غلبت علي الدماغ الروحاني فالحار العكري الذي من شأنه النزول الي اسفل البدن ليس ينفع منه البتة و كذلك اذا غلبت الرطوبة علي القلب النفساني فاليبوسة العكرية النازلة او الروحانية الصاعدة ليس ينفع منه و علي هذه فقس ما سويها فنقول ان من الاعضاء في الوضع الالهي ينبغي ان تكون روحانية و منها ما ينبغي ان تكون نفسانية و منها ما ينبغي ان تكون جسدانية و منها برازخ بين ذلك فاذا كان كل عضو منها علي الوضع الالهي فهو معتدل في وضعه و في الحاجة التي اريدت منه فاذا انحرف شئ من ذلك عن ذلك الوضع الالهي فهو المنحرف و لايكون انحراف ذلك الا بان يغلب الطرطير الذي هو العكر او الدهن علي العضو المائي او الماء او العكر علي العضو الدهني او الماء او الدهن علي العضو العكري فاذا انحرف شئ من ذلك عما وضع عليه يجب في دفع المرض رده الي ما ينبغي و لايرد الي ما ينبغي الا بالمشاكل للعضو المخالف للمرض و لايتمشي المعالجة بالطبايع في الانحرافات ابداً الا بعد ملاحظة روحانية العقار و نفسانيته و جسدانيته الاتري ان من العقاقير الباردة ما ينفع في الرجل و لاينفع في الدماغ ابداً و منها ما هو بالعكس و من العقاقير الحارة مثلا ما ينفع من القلب و لاينفع من الرجل و الدماغ ابداً و منها ما هو بالعكس بل نجد من العقاقير ما ينفع الجنب الايسر و لاينفع للايمن ابداً و ليس ذلك الا انه استحالت الطبايع الي الاكوان و انقلبت الي الاكوان فلميعمل بعد عمل الطبيعة علي نحو الاطلاق و انما يظهر الخواص من الاكوان كما كررنا و شرحنا و انما كررنا القول لانها اي هذه المطالب غير معروفة عند اهل القياس بل ربما اذا ظفروا بقولي بادروا بالانكار لعدم علمهم بحقايق الامور و لما كان عملهم بالقياس اشتهر في الناس راجع المجربين لا الاطباء و ظني اني رأيت هذا القول مأثوراً عن اهل العصمة عليهم السلام و بعد ما رأيت عرفت ان الشهرة وقعت بعد ما صدر عنهم هذا القول مجملاً ارجو من الله سبحانه ان اكشف في هذا الكتاب خطاء العمل بالطبايع و وجوب العمل بالاركان و لا قوة الا باللّه العلي العظيم فينبغي ان [ص 30] نشرح نسبة كل عضو الي ركن لانه ليس يوجد في غير كتابنا هذا .
فصل اعلم ان جميع اعضاء الانسان بل جميع ما في العالم مركب من الماء و الدهن و الملح و المراد بالماء الرطوبة السائلة و المراد بالدهن الرطوبة اللزجة البرزخية بين الرقة و الغلظة و المراد بالملح الجساوة و اليبس الثقيلة فلا شئ من الاعضاء و الاخلاط الا و هو مركب من هذه الثلثة فالماء لرقته صار مرآة الروح و حكيها حتي غلب عليه اسمها فسمي بالروح و الدهن لبرزخيته صار مرآة النفس و حكيها حتي غلب عليه اسم النفس فسمي بالنفس و الملح لجساوته و غلظته حجب الروح و النفس فلميحكهما فسمي بالجسد و لاجل ذلك قلنا كل جسم مركب من روح و نفس و جسد فكل عضو مركب من هذه الثلثة و ذلك لان الغذاء اذا ورد المعدة و تصرف فيه الطبيعة ميزت بين طرطيره و بين ما هو صالح للكيموس فاخرج الطبع الطرطير من طريق المصارين و بعث الصالح الي الكبد فتصرف فيه حرارة الكبد و ميزت بين طرطيره و بين الصالح للغذاء فاخرج طرطيره من طريق الكلي و المثانة و الي المرارة و الطحال و بعث الصافي الخالص الياقوتي الي الاعضاء فما يفضل عن الاعضاء من الغذاء يفصل الي ماء و دهن و عكر فالماء يخرج من المسامات كالرشح و هو العرق و الدهن يخرج علي نحو السراية و العكر يخرج علي نحو التعقد و الاندفاع الي الخارج و هو الشعر فلاجل ذلك قلنا ان الشعر خلاصة جميع الاغذية لانه فضل ما يغتذي به الاعضاء بالجملة الغذاء المبعوث من الكبد ليس بمتشاكل الاجزاء فان فيه مائية و دهنية و عكرية و يغذي الطبع كل عضو من الثلثة الا ان في بعض الاعضاء الماء اغلب و هي الاعضاء الباردة الرطبة الروحانية و ذلك الدماغ و النخاع و السمين و ان كان السمين ادني ذلك و في بعضها الدهن اغلب و هي اللحميات كاللحم المفرد و الكبد و الطحال و الكلي و العضلات و الثدي و الانثيين و الشحم و امثال ذلك و في بعضها العكر اغلب و هي الاعضاء الصلبة التي بها قوام البدن و ارتباطه كالعظم و الغضروف و الرباط و الوتر و الغشاء و العصب و الشريانات و الاوردة فجميع ذلك من العكريات و ما لميفرق الطبيب بين هذه الاعضاء لميعرف الصحة و حفظها و المرض و دفعه البتة .
فصل الاعتدال في كل عضو ان يكون علي الوضع الالهي و يتأتي منه الحاجة التي [ص 31] وضع لاجلها فمهما لمتصدر منه المنفعة المرادة منه علم انه خارج عن الاعتدال فنقول علي سبيل المثل ان اعتدال الرأس يعرف من ان يكون متوسطاً بين الصغر و الكبر له نتو من قدام و نتو من خلف بمنزلة كرة شمع غمزت في الجملة باصبعين و اعتدال العين يعرف من ان تكون معتدلة متوسطة بين الصغر و الكبر و الجحوظ و الغور و يكون لونها بين الكحلة و الزّرقة و هو الاشهل و اعتدال ساير الحواس ايضاً التوسط في الهيئات و قوة الاحساس و ذلك لان قوة الاحساس في كل حاسة تدل علي صفاء المادة و لطافتها و خلوصها من الطرطير و اما اعتدال القلب فيعرف من ان يكون التنفس معتدلا و النبض معتدلاً قوياً و الصدر معتدلاً بين الصغر و الكبر و امّا اعتدال الكبد فيعرف من اعتدال العروق في السعة و الضيق و الصلابة و اللين و اعتدال الاخلاط و حمرة لون البدن في صفاء و حسن و اما اعتدال الانثيين فيعرف من اعتدال المني في الكثرة و القلة و القوام و من شدة ميله الي الجماع و قلته و شدة انعاظه و ضعفه و اما اعتدال المعدة فيعرف بجودة الهضم و اعتدال الشهوة للغذاء و الماء و تسوية استلذاذه من الحارة و الباردة و الرطبة و اليابسة و نظافة اللسان عن الاخلاط و اما اعتدال الرية فيعرف من تسوية ميلها الي الهواء الحار و البارد و من اعتدال الصوت و صفائه و علي هذا القياس ساير الاعضاء فان كان يتأتي منه الحاجة التي خلق لاجلها بسهولة دائماً فهو معتدل و الا فلا و اعتدال كلية البدن ان يكون معتدلا بين الهزال و السمن و اللون منه مختلط من بياض و حمرة و شعره في الصغر اشقر و في الشباب اسود ارجل و ملمسه معتدلا في الحرارة و البرودة و الصلابة و اللين بمنزلة جلدة بطن الراحة و يكون في اخلاقه النفسانية فهماً فطناً ذكياً عاقلا و اما اعتداله في الحيوانية ان يكون شجاعاً متوسطا فيما بين العجلة و البطؤ و التثبت و التهور و الرحم و القسوة مقتصداً في الشهوات عفيفاً و الصفات المعتدلة مجملاً ما امر به في الشرع و المنحرفة ما نهي عنه فانهم ارادوا ان يخرجوا الناس من حدود الانحراف الي الاعتدال و كذا يكون في افعاله الطبيعية معتدلاً فيكون معتدل النشو و النما معتدل الادراك و الاحتلام معتدل الشهوة جيد الهضم معتدل الباه و هذا الذي ذكرنا يحصل في البلاد المعتدلة و اما ساير البلاد فينبغي ان يلاحظ بالنسبة الي اهل تلك البلاد .
[ص 32] فصل اعلم ان الصانع الحكيم جعل بدو كل شئ من الماء لان يكون قابلا للتصوير منفعلاً للتقدير و يتصرف فيه الي ان يبلغ منتهي كمال الصورة المراد منه فلا بد و ان تكون الرطوبة بقدر ان يبلغ المصور منها حاجته و تبقي منفعلةً ما دامت تحت تصرفه لا ازيد من ذلك و لا اقل فمن اتحاد تدبيره جعل مادة الانسان الماء و هو النطفة و هي باردة رطبة فيغذيها بالدم الحار الرطب و يتصرف فيها بحرارة الرحم حتي يجعلها غليظة ثخينةً حتي اذا جعلت في صورة وقفت علي تلك الحال فاذا بلغت غلظتها تلك الحال صورها لكن صور الاعضاء الرقاق قبل الصلاب لقبولها صورة الرقاق قبل الصلاب و هي حارة رطبة ثم غذيها و انماها و هي بتلك الرطوبة التي فيها كانت قابلة للامتداد الي ان اتم صورتها و نفخ فيها الروح و اخرجه صبياً و فيه رطوبة و لين لان يمتد و ينمو و ينشو و لولا هذه الرطوبة لماقبلت اعضاؤه الامتداد و هكذا يمتد شيئا بعد شئ و يجف اعضاؤه شيئا بعد شئ و يقل رطوباته الي ان يصل الي حد لايقبل الامتداد فيقف عند ذلك و يبطل نماه و في الاعضاء رطوبة يتأتي منها الافعال النفسانية و الحيوانية دون النباتية فيذعر شعره و لايطول اظفاره كثيرا و لكن يكون افعاله النفسانية و الحيوانية قوية و هكذا يجف شيئا بعد شئ الي ان يصل الجفاف حداً لاتبلغ منه النفس الحيوانية حاجته فيذبل و يموت ففي حال النما يكون مزاجه حاراً رطباً لوجود الامتداد الدال علي الرطوبة ثم اذا وقف دل علي الجفاف بالنسبة فهو حينئذ حار يابس بالنسبة البتة ثم اذا بدء في النزول يصير بارداً رطباً بالنسبة الي الهرم الذي يلحقه فانه ارطب بالنسبة الي الهرم البتة لما عرفت و ابرد بالنسبة الي الشباب البتة لضعف القوي و افعال نفوسه و اذا بلغ الهرم بلغ اليبس غايته و البرد غايته لنهاية الضعف و نهاية الذبول و ما يري من سيلان الرطوبات منه فانما هو من رطوبات عارضة مع ضعف القوة المحللة فتسيل منه نياً و اعلم ان امزجة الاسنان نسبية و انما النظر الي الغلبة فلما رأينا فيه اليبوسة في حال الهرم غالبة حتي انه يجف عروقه و لحومه و عظامه و جلده و رأينا ضعف قويه بكليتها قلنا بارد يابس و معلوم انه ما دام حياً فيه حرارة و رطوبة لان الحيوة حارة رطبة و لاتتعلق الا بالحارة الرطبة فالشيخ الهرم مزاجه في الواقع حار رطب الا انه بارد يابس بالنسبة الي [ص 33] الكهل لا في الواقع و اما الكهل فقلنا انه رطب يعني بالنسبة الي الهرم و الا فبالنسبة الي الشاب يابس البتة و لما رأينا رطوبته ازيد من الهرم قلنا انه رطب و قلنا انه بارد لضعف قواه الذي لايحصل الا من ضعف الحرارة فمبدؤ البرودة سن الكهولة و منتهاه آخر العمر و يزداد برودة شيئا بعد شئ الا انه في الكهولة ارطب منه في الهرم و قلنا ان الشاب حار يابس مزاجه فهو يابس بالنسبة الي الصبي لا الكهل بل هو رطب بالنسبة اليه و حار في منتهي درجة الحرارة لان مبدء الحرارة الصبي و تزداد شيئا بعد شئ الي منتهي الشباب فهذه الطبايع في العمر كالمثلثين المتداخلين مثلث الحرارة و الرطوبة و مثلث البرودة و اليبوسة فقاعدة مثلث الحرارة و الرطوبة اللتين هما صفتا الحيوة عند اول التولد و رأسه عند آخر العمر و قاعدة مثلث البرودة و اليبوسة اللتين هما من صفات الموت عند آخر العمر و رأسه عند اول التولد فبهذا تبصر امرك و سبب ان حرارة الشباب اشد في الظاهر لان اثر الحرارة في اليبوسة اقوي منها في الرطوبة و لان الحرارة الغريزية الفلكية في حال الشباب اظهر لمناسبة المحل فغلبة حرارة الشباب في الظاهر لاجل غلبة الحرارة الغريزية لا الجثة فافهم بل هي اضعف من حرارة الصبي و اعتبر بسرعة حركات الصبي و كثرة هاضمته و استدل به علي قوة حرارته و اما ظهور الاركان في الاسنان فما دام ناشيا ناميا ففيه الروح اغلب و ما دام واقفا فالنفس فيه اغلب و ما دام هابطا فالجسد فيه اغلب و هذا هو التقسيم الذي يكون منشأ الآثار و هو حقيقي و التقسيم الاول اضافي نسبي فافهم هذا ما يؤدي النظر و ان خالف بعض الاطباء و لكن عليّ ان اذكر ما يوافق البرهان لا الرجال فان الرجال تعرف بالمقال لا المقال بالرجال فذكروا ان الولد هو صبي الي خمسةعشر سنة ثم هو فتي الي نحو ثلثين ثم شاب الي خمسة و ثلثين ثم هو كهل الي ستين ثم هو شيخ الي آخر العمر و النما الي ثلثين تقريبا و الي خمسة و ثلثين الوقوف ثم الي الستين الانحطاط ثم الي آخر العمر الذبول ثم كل نفس ذائقة الموت ثم كل ذكر احر و ايبس من الانثي و كل انثي ابرد و ارطب و لذلك تريهن ينشون سريعاً و يقفن سريعاً اما سرعة نشوهن لرطوبتهن القابلة للامتداد و اما سرعة وقوفهن لضعف الحرارة فيهن و الدليل علي ذلك انك تريهن عديمات الشعر في البدن [ص 34] و اضعف نفساً و اقل شجاعة و اكثر جبنا و جزعاً ضيقة الصدور صغيرة الرؤس مايلات الي الدعة ناقصات العزم و العقل كثيرات الحيا و كل هذه صفات البرودة و الرطوبة و تري الرجال بخلاف ذلك و لاجل ذلك تري في الرجال اثر العقل اغلب و في النساء اثر النفس اغلب ثم انه قد يتغير المزاج بحسب العادات و المهن حتي تصير طبيعة ثانية و ينبغي ملاحظة جميع ذلك للطبيب المحتاج الي معرفة هذه الامور المعاني بها فهذه جملة كافية في امر المزاج ان شاء الله .
البٰاب الرابع في جملة القول في الاخلاط و قد عرفت مما تقدم ان الاسطقسات الاولة لبدن الانسان العناصر الاربعة و الاسطقسات الثانية له الاخلاط الاربعة و الاسطقسات الثالثة الماء و الدهن و العكر و الاسطقسات الرابعة الاعضاء المتشاكلة التي عليها مدار بدن الانسان و الغرض في هذا الباب بيان احوال الاخلاط .
اعلم ان الاخلاط في بدن الانسان بمنزلة العناصر في هذا العالم و كما ان العناصر في اسفل العالم كذلك يكون الاخلاط في الكبد اسفل الاعضاء الرئيسة و اعلم ان الاخلاط مولدة من العناصر بعد انقلابها الي المولدات الخارجية التي منها غذاء الانسان و تلك المولدات قد تولدت من الماء و الدهن و العكر المتولد من العناصر علي ما هو مذكور في كتابنا مرآةالحكمة فالعناصر انقلبت الي الاركان و الاركان انقلبت الي النبات و الحيوان فاذا اغتذي بهما الانسان و وردا البدن انحل الغذاء في البدن بواسطة الماء و تصرف فيهما الهاضمة حتي تنحل الاجزاء اليابسة في الرطبة و تنعقد الرطبة في اليابسة و يصير المجموع شيئا واحداً غليظاً بمنزلة ماء الاقط الغليظ و هو المسمي بالكيلوس و هذا الكيلوس المتشاكل الاجزاء في المنظر يكون مركباً من ثلث جواهر في المخبر و هي الماء و الدهن و العكر كاللبن الذي تراه في المنظر واحداً و هو في المخبر مركب من مائية و دهنية و جبنية و هي عكره و في هذه الجواهر الثلث اجزاء صالحة تشاكل بدن الانسان و اجزاء غريبة فاسدة بالنسبة الي بدن الانسان ففيه مائية فاسدة و دهنية فاسدة و عكرية فاسدة فيميز الطبيعة بقوة ربها بين الصالحة و الفاسدة فترسل الصالحة من طريق الماساريقا الي الكبد و تدفع الفاسدة من [ص 35] طريق الامعاء فالمدفوع مركب من فواسد الجواهر الثلثة كما يفصل في القرع و الانبيق الي ماء و دهن و عكر ارضية مشاهدة ثم ما ذهب الي الكبد هو جوهر متشاكل الاجزاء و هو المسمي بالكيموس فيعمل فيه حرارة الكبد و تنضجه و هو ايضاً فيه اجزاء صالحة مشاكلة لبدن الانسان و اجزاء فاسدة فتفرق القوة المميزة التي جعل الله فيه فتدفع المائية الفاسدة منه من طريق الكليتين الي المثانة الي الخارج و تدفع الدهانة الغير الصالحة للتغذية الي المرارة و تدفع العكر الغير الصالح للتغذية الي الطحال و لما كان للطبع فيهما حاجة و كانا قليلين لميدفعهما الي الخارج فاما حاجته ● الي الطرطير الدهني فانه يرسل بعضه الي الامعاء ليغسلها و يجلوها من الرطوبات اللزجة و يرسل بعضها الي المعدة لتسخينها للهضم و اما حاجته الي الطرطير العكري فانه يرسل بعضه الي فم المعدة للتنبيه لشهوة الطعام و منه يصير غذاء الطحال نفسه فيبقي الجوهر الصالح للتغذية في الكبد و هو الدم و هو مركب من جواهر ثلثة كما تشاهد حين ينصب الي الثديين و يخرج لبنا انه من ثلثة جواهر كما ذكرنا و اذا وضعت الدم في القرع و الانبيق و فصلته يخرج منه ماء ثم دهن و يبقي عكر في اسفل القرع فهذا الدم ذو الجواهر الثلثة الخالصة الصافية يكون غذاء البدن و هو جوهر صاف ياقوتي معتدل بين الرقة و القوام فيجري في العروق و ينبث في البدن فما صعد الي اعالي البدن فهو اشرفه و الطفه لانه ينبغي ان يصير غذاء آلات الحس و يجب ان يكون في غاية اللطافة ففيه المائية اغلب و ما توسط في البدن فوجب ان يكون متوسطا بين الرقة و الغلظة ففيه الدهنية اغلب و حتي يشتعل فيها الحرارة الغريزية في القلب و تحيي و ما نزل منه الي الاسافل فوجب ان يكون عكرياً غليظا لانه ينبغي ان يصير غذاء الاعضاء الحاملة للبدن المتينة [ص 36] فافهم ذلك راشداً موفقا فانك لاتجده بهذا الانطباق و التنقيح في كتاب و لاتسمعه من خطاب ثم ما وصل الي الاعضاء من هذا الجوهر الياقوتي الصافي فلربما يفضل منه شئ من غذاء العضو فان كان الطبع قوياً فصّله قوي الاعضاء فاخرج المائية الفاضلة بطريق الترشح من المسامات و الدهنية الفاضلة منها دهناً و العكرية الفاضلة شعراً و لعلك من ذلك تبين لك ان الشعر اعدل شئ في العالم لانه فاضل غذاء صالح لبدن الانسان و هو اخ الانسان لابيه و امه ابوه الماء و امه الدهن فاي حجر افضل منه و اي جوهر اعظم و اشرف منه و قد طهره الجليل و نقاه يد القدرة و رباه الله سبحانه بحكمته حتي جعله صالحاً لان يكون انسانا كاملاً ولياً لله سبحانه قابلاً لجميع العلوم و الكمالات و الحكم الالهية و العلم بحقايق الاشياء و لعمري قد اخطأ من اتخذ وراءه حجراً و قد سلك الطريق الابعد و قد حققنا ذلك في شرحنا علي رسالة الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه المسمي بكشف الاسرار مجملاً فان كانت الاعضاء ضعيفة لمتقدر علي دفع هذه الفضول بقيت في خلل الاعضاء و لربما كان في الكبد ايضاً ضعف و لميصف الغذاء من الفضول الثلثة و بقيت فيه الي ان وصل الي الاعضاء و فيها ضعف فلمتدفع الفاضل عن نفسها فبقيت في الخلل و زادت شيئا بعد شئ حتي احدثت امراضاً في البدن و هذا الباقي في الخلل هو الطرطير الذي هو امّ الامراض و اصلها و منشأها و لايضعف عضو و لايحدث فيه مرض الا من جهة هذا الطرطير فهو العلة المادية لكل مرض يحدث في بدن الانسان و هذا الطرطير يختلف في الرقة و الغلظة بحسب مكان تولده فان كان هذا الطرطير من بقايا غذاء الاعضاء المائية كان الطف و ان كان من بقايا غذاء الاعضاء الدهنية كان اغلظ و ان كان من بقايا غذاء الاعضاء العكرية كان اشد تحجراً و هو اردؤها و اصعبها تنقية و كل واحد من هذه الطراطير له ثلثة اقسام فاما يكون الطرطير مائياً او دهنياً او عكرياً بالنسبة الي موضع تولده فهو تسعة اقسام و قد يتولد الطرطير في المعدة اذا كان قوتها المميزة او الدافعة ضعيفة فيبقي من الاجزاء الغير الصالحة في المعدة فيتولد هناك طرطير و هو ايضاً اما مائي او دهني او عكريّ و هو ما يشاهد حين الدفع فاما ان يندفع الطرطير المائي و هو المسمي بالبلغم او الطرطير الدهني و هو المسمي بالماء الاصفر و الصفراء او الطرطير [ص 37] العكري و هو المسمي بالسوداء و لكل واحد منها حالات و صفات و الوان و قد يتولد الطرطير في الكبد لضعف القوة الدافعة منه او المميزة فيبقي فيه الطرطير و هو ايضا اما مائي او دهني او عكري و قد يصحب ذلك الطرطير الدم لاجل رداءة التصفية و ضعف المميزة فيجري في العروق فهذان ايضاً ستة اقسام فذلك خمسةعشر قسماً من الطرطير هي ام جميع الامراض و اصلها و منشأها و لعلنا فصلنا الامراض علي سبيل الاجمال حتي تعلم و ما لميعلم الطبيب العلة المادية لكل مرض لميقدر علي علاجه البتة و سنفصل لك نوع المعالجة ايضاً ان شاء الله تعالي فما ورد في الخبر عن الرضا عليه السلام في رسالته الي المأمون ان الله سبحانه بني الاجسام علي اربع طبايع و هي المرتان و الدم و البلغم و بالجملة حاران و باردان قد خولف ما بينهما فجعل الحارين لينا و يابساً و كذلك الباردين رطباً و يابساً ثم فرق ذلك علي اربعة اجزاء من الجسد علي الرأس و الصدر و الشراسيف و اسفل البطن و اعلم يا امير المؤمنين ان الرأس و الاذنين و العينين و المنخرين و الفم و الانف من الدم و ان الصدر من البلغم و الريح و ان الشراسيف من المرة الصفراء و ان اسفل القدم من المرة السوداء الخبر ، فليس ينافي ما ذكرنا فانا لاننكر ان الاسطقسات الاولة هذه الاربعة و ان الغالب في كل عضو طبع الا انا نقول ان هذه الاربع تستحيل الي الاركان الثلثة اولا ثم تتركب الاعضاء من هذه الثلثة كما بينا سابقاً و اتينا له بشواهد ظهر بها لذي عينين فلا شك ان اخلاط البدن اربعة كما ان عناصر العالم اربعة لكن لاتتركب منها شئ الا ان يتكون منها الكيان الثلثة اولا ثم من تركيب الكيان تتركب الاعضاء ثم اعلم ان الطرطير المائي تختلف احواله و هو اربعة اقسام فمنه حامض و هو ابردها و ايبسها و منه مالح و هو اسخن اصناف البلغم و اجفها و منه حلو و هو اسخنها و ارطبها و منه زجاجي يميل الي الحموضة و هو ارطبها و ابردها و اعلم ان الجوهر اللطيف اذا عمل فيه حرارة ضعيفة حتي غلي و كان حرارته الغريزية فاسدة حمض و اذا اشتدت عليه الحرارة و كان فيه غلظة و عكرية ملح و ان كان غليظا و لمتفسد حرارته الغريزية و عمل فيه الحرارة حلي و ان كان مع ذلك حرارته الغريزية اضعف و الغريبة ايضاً ضعيفة حمض قليلاً و اما الطرطير الدهني فهو ايضاً اربعة اصناف اصفر رقيق و هو اقل حرارة لما فيه [ص 38] من مخالطة الرطوبة المائية و لولا ذلك لكان بطبعه احمر ناصعاً و منها غليظ اصفر كمح البيض و هو اقل حرارة من الاول لما فيه من الرطوبة الغليظة و منها كراثي و تولد هذا القسم في الاكثر في المعدة كما ان الاولين في الاكثر في الكبد و ربما يكون سبب الكراثي التغذي بالبقول و منها ما هو زنجاري و هو اردؤها و اكثر تولده في المعدة من شدة الاحتراق و هو له كيفية سمية و اما الطرطير العكري و هو ايضا اربعة اقسام فمنها ما يتولد من احتراق العكر الصالح و هو حار حاد و طعمه حامض و اذا وقع علي الارض احدث فيها غليانا كالخل و منها ما يحدث من احتراق الدهن الصالح و هو احرها و هو ردي مهلك و لونه اسود كالقار و له بريق و في رايحته حموضة و يحدث الغليان في الارض و منها ما هو كمد بسبب بقاء الرطوبة فيه قليلاً و منها باذنجاني و بنفسجي بسبب مخالطة الدهن و اردؤها الاسود البراق و في كلها حموضة للبرودة الاصلية او اللطافة و غلبة الحرارة عليها فاكتسب حدة و حرارة من الاحتراق فهذه جملة وافية في صفة الاخلاط و الاركان .
البٰاب الخامس في جملة القول في الاعضاء ،
اعلم ان القول في الاعضاء نوعان نوع منهما بيان صفة كل عضو و هيئته و خواصه و تشريحه فقد تكفل بذلك الاطباء و ابلغوا فيه لاسيما علي بن العباس المجوسي تلميذ ابيماهر موسي بن سيار في كتاب كاملالصناعة الملكي فانه فصل و ابلغ فلا حاجة لنا في بيان ما بينوا و ابلغوا و انما غرضنا في هذه الرسالة بيان ما لميبينوا و شرح ما لميصلوا اليه فلنبين في هذه الرسالة كليات لميعرفوها و لميصلوا اليها من اسرار الخلقة و تنويع الاعضاء و هو المطلوب منا في هذه الرسالة فنقول اعلم ان الفيض من الله سبحانه كما بينا واحد و هو نور ساطع من لدن مشية الله سبحانه الي منتهي الخلق و هو فيض واحد و نور واحد لانه من عند الواحد و قد بينا ان من نفس ذلك النور حدثت ظلمة فانبسطت ايضاً من منتهي الخلق الي لدن مشية الله سبحانه فكانا كالمثلثين المتداخلين او كالكرتين الحادتين فصارت الظلمة المنبسطة منازل و مقامات للنور مختلفة لاختلاف مراتب الظلمة فحدثت منها للنور صفات مختلفة في كل منزل علي حسب مقتضي ذلك المنزل فحصل من ذلك اختلاف مراتب الخلق الا ان في كل [ص 39] جزء نوع معني كل جزء فصار من لدن المشية الي وسط المثلثين عالم الغيب لغلبة النور و اللطافة و صار من عند الوسط الي المنتهي عالم الشهادة لغلبة الظلمة و الكثافة ثم صار عالم الغيب له اربع مراتب رتبة قرب المشية المتصلة بها و رتبة غاية البعد عنها في الغيب و هي مايلي الوسط ثم بين ذلك رتبتان رتبة تلي العليا و رتبة تلي السفلي فحصل لعالم الغيب اربع مراتب و صار الاولي منها لنهاية قربها من المشية في شدة المشاكلة معها و اضمحل و تلاشي فيها انية الظلمة فصارت معراة عن الحدود الكلية و الجزئية فاختصت بعالم الحقايق ثم بعدها كان البعد اكثر بدرجة و انية الظلمة فيها اقوي فصار لها حد و لكن علي نهج المعنوية و الكلية ثم بعدها كان البعد اكثر بدرجة و انية الظلمة فيها اقوي و المشاكلة مع المشية اقل فاختصت بصور رقيقة لطيفة ثم بعد ذلك كان البعد اكثر و المشاكلة اقل و الظلمة اقوي صارت فيها حدود غليظة جزئية الا انها غيبية لطيفة عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي الله سبحانه لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله و كذلك من لدن الوسط الي غاية البعد اربع مراتب فاعلاها حقايق عالم الشهادة ثم بعدها معاني عالم الشهادة ثم بعدها الصور الرقيقة ثم بعدها الصور الغليظة فسميت المراتب الغيبية بالفؤاد و العقل و الروح و النفس علي الترتيب و هي لغلبة نورانيتها صار منها الشعورات و الادراكات الحقيقية و المعنوية و الصورية و سميت المراتب الشهادية بالطبع و المادة و المثال و الجسم و صارت هذه الاربع قوالب و مظاهر للاربع الاول فعالم الغيب بكليته روح و عالم الشهادة بكليته جسم لها الا ان الروح تنفصل الي اربع مراتب و الجسم ايضاً ينفصل الي اربع مراتب فالجسم تنزل الروح بل هو روح غليظة مجسمة لما عرفت من اتحاد جوهرهما و كون الاختلاف في الرقة و الغلظة و الروح لطيفة الجسم بل هي جسم رقيق لطيف مروح لما عرفت و الروح لغلبة النورانية فيها مقام الربوبية للجسم لانها التي تربيه و الجسم لغلبة الظلمانية عليه مقام العبودية للروح لانه مطيع لها متحرك بها فالعبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية من الصفات للطافتها و غيبيتها اصيب في العبودية مشروحاً مفصلاً و ما فقد في العبودية لغلبة الظلمة و قلة النورانية وجد في الربوبية ، فتبين سر قول الرضا [ص 40] عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و سر قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فظهر معني قوله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فجميع ما في عالم الشهادة نازل من عالم الغيب فلكل صفة و موصوف و حاد و محدود و جوهر و عرض حقيقة في عالم الشهادة و البصير من تبصر ذلك و الحكيم من عرف حقايق الاشياء و عرف ان كل شئ من اين نزل و اين مبدؤه و مقامه فنقول ان الهيئة الانسانية التي في هذا العالم قد حصلت و تلبست بها المادة بعد ما صفت و لطفت و بلغ بها الفاعل جل شأنه منتهي ارادته منها و خليت و طبعها كما بينا فوقفت علي هيئة الفطرة الالهية و هذه الهيئة هي هيئة ذلك النور بعد ما نزل في عالم الشهادة و امتزج مع الظلمة ظلمة الانية و تلك الظلمة كانت علي الوضع الالهي لانه من صنع الحكيم و قد بينا ان كل قبضة من ذلك النور اذا خلي و طبعه الذي جبله الله عليه وقف علي هيئة الانسان و مهما رأيت من شئ علي هيئة المعدن او النبات او الحيوان فهو مما لميبلغ به فعل الفاعل غايته او كانت المادة غير قابلة للانفعال علي حسب ارادة الفاعل و ان رأيت انساناً زايداً و ناقصاً او مشوهاً فانما هو من جهة رداءة المادة و زيادتها و نقصانها علي ما سنبينه ان شاء الله تعالي في محله مجملاً كل قطعة من ذلك الفيض اخذت و عمل فيها يد الفاعل حتي بلغ بالفعل منتهاه و لا قاسر ظهرت علي هيئة كينونته المشاكلة لارادة الفاعل و مشيته فان الاثر يطابق صفة مؤثره و لذلك قال الله سبحانه و لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم ، و عن اميرالمؤمنين عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجموع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الشاهد علي كل غائب و هي الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم الي كل خير و هي الصراط الممدود بين الجنة و النار انتهي ، فالصورة الانسانية هي هيئة المشية و صورة الارادة ظهرت في نورها و شعاعها اذ هناك لكثرة لطافتها و رقتها ليس يظهر فيها الصورة و كذلك ليست تظهر في اعالي ذلك الفيض و انما تظهر بعد غلظته في الجملة بواسطة برد الظلمة و كثافتها حتي يصير قابلاً للتصور الاتري [ص 41] ان الدهن الرقيق ليس يقبل التصور و لكن اذا طبخته حتي غلظ في الجملة و صار ناضجاً متينا ثخينا كالشمع مثلاً قبل التصوير كيفما شئت و وقف علي ما صورته فكذلك مبادي الفيض لرقتها و لطافتها ليست تقبل الصورة الا ان تنتضج و تستثخن بسبب كثافة الظلمة و بردها و يظهر فيها التصوير و تلك الصورة كانت من طبيعة ذلك الفيض من اوله الي آخره الا انه ليس تظهر في مباديه و تظهر في منتهاه ففي غاية رقته ليس يظهر فيه صورة لا كلية و لا جزئية كما في الفؤاد فاذا غلظ قليلاً بسبب برد الظلمة المقتضي للتكاثف و التراكم قبل صورة معنوية كلية كما في العقل فاذا غلظ بعد ذلك مرة اخري قبل صورة رقيقة غيبية برزخيةً بين المعنوية و الصورية و الكلية و الجزئية كما في الروح الملكوتية و اذا غلظ مرتبة اخري ظهرت فيه صورة غليظة جزئية لكن غيبية فاذا غلظ مرتبة اخري ظهرت فيه صورة غليظة شهادية طبيعية و هي بالنسبة الي عالم الشهادة ليس يطلق عليها صورة بل هي بالنسبة اليها كالتجرد عن المعني و الصورة لكن بالنسبة الي الغيب صورة فاذا غلظ مرة اخري ظهرت فيه صورة كلية معنوية مادية فاذا غلظ مرة اخري ظهرت فيه صورة برزخية شهادية مثالية فاذا غلظ مرة اخري ظهرت فيه صورة غليظة جسمانية شهادية و لكن في عالم الاجسام له ايضاً مراتب فانه في عالم الجسم المطلق له صورة اطلاقية بالنسبة الي ما دونه و في عالم العرش له صورة كلية معنوية بالنسبة و في عالم الافلاك له صورة رقيقة بالنسبة و في عالم العناصر له صورة غليظة كما بينا و له ايضاً في عالم الاجسام صورتان صورة لجسمه الاصلي الذي هو علي فطرته الاولية الالهية الهورقلياوية و صورة عرضية علي حسب اعراض هذا العالم المحسوس مجملاً الصورة التي في هذا العالم هي ما كان في مبدء الفيض الي منتهاه الا انها ظهرت في هذا العالم لغلظة الفيض و تكاثفه و تراكمه حتي قبلت الصورة و بقيت علي ما صورت بسبب جمودها و هذا قوله سبحانه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فافهم ما ذكرت لك فانه من عين حكمة آلمحمد عليهم السلام فاذا عرفت ذلك نقول ان الفيض في هذا العالم العرضي الذي هو النطفة و ان كانت في المنظر واحدة الا انها مركبة من جواهر ثلثة لانها دم صاف لطيف انصب في الانثيين و اندفقت الي الرحم و قد عرفت ان الدم له ثلث جواهر كما يظهر [ص 42] في اللبن ففي النطفة اجزاء لطيفة مائية و اجزاء غليظة دهنية و اجزاء كثيفة عكرية فالاجزاء اللطيفة المائية روحانية كما ثبت في العلم الهرمسي و حققنا ذلك في كتابنا مرآة الحكمة و حيزها اعلي لو خليت و طبعها و الاجزاء الدهنية نفسانية و حيزها اسفل من الروح لان لها جهتين جهة العكرية و منها غلظتها و جهة روحانية و منها سيلانها و الاجزاء العكرية جسدانية و حيزها في الاسفل فاذا خليت هذه الاجزاء و طبعها وقف كل واحد منها في حيزها و ان شايع كل واحد كل واحد فاذا وقعت في الرحم و عمل فيها قويه ميزها و وقف كل واحدة منها في حيزها البتة لعدم القاسر في الاغلب فاذا عرفت ذلك فلنمثل لك مثالاً في الاعلي و الاوسط و الاسفل فانها تختلف من حيث الجهات و لنمثل ذلك في ورق الشجر فلاحظ المثال الذي في الهامش
فنقول ان الورق ايضاً مركب من ثلث جواهر كما انك تري تتفصل في القرع و الانبيق الي ماء و دهن و ارضية فاذا جري المدد في جوف الساق و الغصن و وصل الي القطرات و اندفع منها الي الخارج و فصله النفس النباتية فمن جهة كان اعلي الورق رأس الورق الحاد الدقيق و اسفله الجهة الغليظة منه و وسطه بين ذلك فصعدت الاجزاء الروحانية الي رأسه الدقيق و لذا دق و لطف و لذا يكون ارق و انعم و الطف و مايلا الي السماء الا ان يكبر فيثقل علي رجله فينزل و الارضية منه نزلت الي اسفل الورق الغليظ و لذا غلظ و انبسط اكثر و صار اثخن و يكون نازلا الي الاسفل و توسط الدهن فلاجل ذلك صار في الانبساط و الدقة بين الطرفين و من جهة يكون السطح الاعلي من الورق و بطنه اعلي و السطح الاسفل منه الذي هو ظهره اسفل و وسط ثخنه يكون بين بين فالاجزاء الروحانية تصعد الي السطح الاعلي و لذا يكون انعم و اصفي و متوجهاً الي السماء لخفته و العكرية تنزل الي الظهر فلذا يكون اخشن و اكثف و متوجهاً الي الارض لثقله و الدهنية تكون بينهما في ثخنه و هذا ايضاً اعتبار و من جهة يكون الاعلي منه اطرافه و الاسفل عند قطره و الوسط بينهما فتصعد الروح الي الاطراف و لذا تري عروقه مما يلي الاطراف ارق و جسمه انعم و الطف و مايلاً الي السماء و العروق مما يلي القطر و نفس العرق القطري منه اغلظ و جسمه ايضاً مما يلي القطر اغلظ و لذا يكون مايلاً الي الارض فيكون الورق ذا حني و من جهة مطلق الاعلي من جميع الاطراف [ص 43] اعلاه فيصعد اليه الروح و لذا يكون الطف و وسط ثخنه يكون اسفله و لذا يكون اغلظ و فيه عروقه التي اغلظ اجزائه فينزل اليه العكر و بينهما محل الدهن فذلك اربعة انظار طولا و عرضاً و عمقاً و ثخنا و في كل نظر اعلي و اسفل و اوسط و لا بد و ان يصعد الروح من كل جهة الي الاعلي و ينزل العكر الي الاسفل و يتوسط النفس البتة فاذا عرفت ذلك فنقول ان للانسان ايضاً اعلي و اسفل و اوسط من هذه الاربع جهات من الطول و العرض و العمق و الثخن فمن حيث الطول تصعد الاجزاء الروحانية الي الرأس و العكرية الي الرجل و الدهنية تقف في الوسط و من حيث العرض يكون ما يلي الجنبين اعلي و ما يلي الفقار اسفل فيصعد الروحانية الي الجنبين و ينزل العكرية الي الاسفل مما يلي الفقار و يتوسط الدهن و لذا يكون الجنبان ارق و انعم و رؤس الاضلاع ارق و ادق و يكون الفقار و ما يليها اثخن و اغلظ و اكثف و ما بينهما بين بين و من حيث العمق يكون وجهه اعلاه و ظهره اسفل و بينهما بين بين فتصعد الاجزاء الروحانية الي الوجه اي ما يتوجه به من مقاديم البدن و تنزل العكرية الي الظهر و تتوسط الدهنية و من حيث الثخن يكون سطح بشرته الاعلي و عظامه الاسفل و بينهما بين بين فالروحانية تصعد الي سطح البشرة الاعلي و العكرية تنزل الي العظام و الدهنية تتوسط و ما تري من غلظة الجلد فانما هو بالعرض من جهة حرارة مقعر الرحم فجففه و من جهة مباشرة الهواء و الحر و البرد في الخارج و لولا ذلك لكان كما ذكرنا الاتري ان العظم اغلظ الاجزاء و هو عكري و اللحم دهني و السمين الذي علي اللحم مائي و للانسان اعتباران آخران فالاول ان يمين الانسان اعلي و يساره اسفل فيمينه روحانية و يساره عكرية و لذا تكون ابرد و اجف و كل جزء يساري يكون اصغر من مقابله اليميني و بينهما بين بين و الثاني ان الاعضاء الرئيسة هي الاعلي و الخادمة هي الاسفل و المرؤسة هي الاوسط فمن ذلك اعتبر امرك و افهم ما اقول فاذا وردت النطفة الرحم و خليت و طبعها وقفت اجزاؤها علي ما ذكرت فلاجل ذلك يكون دماغه و نخاعه مائياً و قلبه و اجزاؤه اللحمانية و الوسطانية دهنية و يده و رجله عكرية فان اليد ايضاً من الاطراف الخادمة و حكمها حكم الرجل و هي ايضاً اسفل الا انها الطف من الرجل و باقي الجهات علي ما ذكرت فلانعيدها و لما كان وقوف الفيض هكذا من جهة الطبع فلا اختصاص [ص 44] له بعالم دون عالم كان صورة الانسان في كل عالم علي نهج واحد نوعاً الا ان في كل عالم بحسبه من الغلظة و الرقة فصورة الانسان في عالم الاجسام هي صورته في عالم العقول الا ان في عالم العقول ارق و الطف و في عالم الاجسام اغلظ و اكثف و فيما بين ذلك بين بين و لما كان للانسان رتبتان رتبة غيب و رتبة شهادة و غيبه نوعا الطف من الشهادة و لكن باطن الغيب مما يلي المبدء و الطف و ظاهره مما يلي الشهادة و اكثف و اما الشهادة فنوعاً اكثف من الغيب الا انه مما يلي ظهر الغيب انعم و ارق و مما يلي المنتهي اغلظ و كانت الارواح و المشاعر و القدرة في النصف الغيبي ظهرت هذه المراتب في بدن الانسان بعينه فنصفه الاعلي غيبه و مقاديمه اعليه و انعم و ظهره اسفله و اغلظ و نصفه الاسفل شهادته فباطن الاسفل مما يلي ظهر الاعلي و ظاهره وراءه و جميع مشاعره و ارواحه و قدرته في النصف الاعلي و كما ان للانسان قوابل و مقبولاً و قوابله الجمادية و النباتية و الحيوانية و مقبوله الانسانية و هي غايته و المقبول اعلي من القوابل ثم يليه القوابل و الحيوان اعلي من النبات و النبات اعلي من الجماد كذلك ظهر في الانسان فجماديته رجله و نباتيته كبده و حيوانيته قلبه و انسانيته في رأسه و كما ان مقبوله جهته الي ربه فهو وجه ربه و يده المتحركة المفيضة و القوابل جهة مفعوليته و هي ساكنة كذلك كان مبدء حسه و حركته من رأسه الاعلي و جهة سكونه القابلي باقي بدنه فسبحان من هو امره محكم و خلقه متقن كيف جعل الانسان انموذج جميع ما في العالم و لما قلنا ان جميع اجزاء هذا الفيض متشاكل و لذا يجب ان يكون كل شئ فيه معني كل شئ فجميع ما في هذا العالم الكبير موجود في هذا الانسان الصغير كما هو في الابيات المنسوبة الي علي اميرالمؤمنين عليه السلام :
دواؤك فيك و ماتبصر و داؤك منك و ماتشعر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
اتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
فنقول كما ان للعالم عرشاً للانسان عقل و العالم له كرسي و للانسان نفس و للعالم فلك زحل و للانسان عاقلة و للعالم فلك المشتري و للانسان عالمة و للعالم فلك المريخ و للانسان واهمة و للعالم فلك الشمس و للانسان مادة و [ص 45] للعالم فلك الزهرة و للانسان متخيلة و للعالم فلك عطارد و للانسان متفكرة و للعالم فلك القمر و للانسان روح و للعالم نار و للانسان الصفراء و للعالم هواء و للانسان دم و للعالم ماء و للانسان بلغم و للعالم تراب و للانسان السوداء و للعالم جماد و للانسان جماد و هو ظاهر بدنه و للعالم نبات و للانسان النامية و منبعثها من الكبد و للعالم حيوان و للانسان حيوانية و منبعثها من القلب و للعالم انسان و للانسان انسانية و منبعثها من باطن الدماغ و للعالم انبياء و للانسان مشاعره المثاليّة و للعالم ائمة و للانسان مشاعره النفسانية العليا و للعالم نبي فاتح خاتم و للانسان عقل ملكوتي و العالم يوجد في سبعة اطوار جمادية و برزخية بينها و بين النباتية و النباتية و برزخية بينها و بين الحيوانية و الحيوانية و برزخية بينها و بين الانسانية و الانسانية كذلك الانسان يوجد في سبعة اطوار نطفة و علقة و مضغة و عظام و اكساء اللحم و انشاء خلق آخر و تولده و للعالم ربيع و للانسان صبي و للعالم صيف و للانسان شباب و للعالم خريف و للانسان كهولة و للعالم شتاء و للانسان هرم و للعالم امطار و للانسان ما يسيل من انفه و عينه و فمه و للعالم ثلوج و للانسان حين يجمد تلك الامطار في مجاريه من جهة برد يصيبه و برقه ما يلمع في العين و رعوده الدوي و القراقر و بره اعضاؤه اليابسة و بحره اوعيته كالمثانة و المرارة و الطحال و الكبد و جباله عظامه و اشجاره شعوره و انهاره عروقه و آباره الاذن و عيونه العين و الفم و اوديته الاحليل و قبوله الارياح البلغمية و جنوبه الارياح الدموية و دبوره الارياح الصفراوية و شماله الارياح السوداوية و زلزلته النوافض و القشعريرة و خسوفه ضعف الحرارة الغريزية و السكتة و كسوفه ضعف الروح و الفالج و للعالم سخونة في غير اوانه و للانسان الحمي و للعالم برودة في غير محله و للانسان النافضة و للعالم جدب و قلة الامطار يعرض للانسان يبوسة شديدة و ضيق النفس و للعالم خصب و كثرة الامطار و للانسان الاستسقاء و للعالم سواد و ظلمة و للانسان سواد بالسدر و الدوار و كذلك للانسان اصناف الحيوان كما ان في العالم اصناف الحيوان فمن الانسان جري شجاع كالاسد و النمر و منه جبان كالارنب و الضان و منه رؤف كالدلفين حتي قيل انه ينقذ الغرقي و منه منافق يظهر الصداقة و يخفي العداوة كالتمساح و منه من يظهر المحبة في وقت [ص 46] الحاجة كالطيور المهاجرة و منه سارق كالفأر و منه شديد الحقد كالجمل و منه كثير الاكل كالغراب و منه المايل الي الزنا كالقرد و منه نظيف كالحمام و منه سريع الغضب كاللبوة و منه عام الغضب كثير الوفاء القنوع كالكلب و منه بارع في الموسيقي كالبلبل و منه كثير الاولاد كالارنب و منه قليل النسل كالصقر و منه وسخ الهيئة رث كالخنزير و منه بخيل كالكلب و منه حريص كالنمل و منه قوي الادراك كالحية و منه كثير الشامة كالنمل و منه كثير النوم كالبوم و الصقر و منه غبي كالحمام و منه متعظم كالفرس و الطاوس و منه حيال كالثعلب و منه بناء كالخطاف و الزنبور و منه المايل الي الماء كالاوز و منه المايل الي الامكنة المظلمة كالخراطين و منه الماهر في النقوب كالفأر و امثال ذلك ● و جميع هذه الطبايع موجود في كل احد الا ان بعضه في بعض خفي و في غيره ظاهر فطبايع جميع الحيوانات في الانسان موجودة الا ان كل طبع ظاهر من واحد بل و كذلك خواص جميع النباتات مجملاً يكون الانسان انموذج جميع ما في هذا العالم بحيث لميترك فيه قليل و لا كثير مافرطنا في الكتاب من شئ فقل ما لهذا الكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيها ثم في اعضائه ما هو علي طبع القمر كدماغه و منها ما هو علي طبع زحل كطحاله و منها ما هو علي طبع المشتري كالكبد و منها ما هو علي طبع المريخ كالمرارة و منها ما هو علي طبع الشمس كالقلب و منها ما هو علي طبع الزهرة كآلات التناسل و منها ما هو علي طبع عطارد كالرية علي وجه و لما كنا في بيان خلقة الاعضاء اردنا ان نتبرك بذكر ما يتعلق من حديث مفضل بخلقة الانسان فان فيه عبرة لمن اعتبر و تذكرة لمن تذكر قال عليه السلام [ص 47] نبتدي يا مفضل بذكر خلق الانسان فاعتبر به فاول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم و هو محجوب في ظلمات ثلث ظلمة البطن و ظلمة الرحم و ظلمة المشيمة حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء و لا دفع اذي و لا استجلاب منفعة و لا دفع مضرة فانه يجري اليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات فلايزال ذلك غذاؤه حتي اذا اكمل خلقه و استحكم بدنه و قوي اديمه علي مباشرة الهواء [ص 48] و بصره علي ملاقات الضياء هاج الطلق بامه فازعجه اشد ازعاج و اعنفه حتي يولد و اذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم امه الي ثدييها فانقلب الطعم و اللون الي ضرب آخر من الغذاء و هو اشد موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته اليه فحين يولد قد تلمظ و حرك شفتيه طلباً للرضاع فهو يجد ثديي امه كالاداوتين المعلقتين لحاجته فلايزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن دقيق الامعاء لين الاعضاء حتي اذا تحرك و احتاج الي غذاء فيه صلابة ليشتد و يقوي بدنه طلعت له الطواحن من الاسنان و الاضراس ليمضغ به الطعام فيلين عليه و يسهل له اصاغته فلايزال كذلك حتي يدرك فاذا ادرك و كان ذكراً طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر و عز الرجل الذي يخرج به من حد الصبي و شبه النساء و ان كانت انثي يبقي وجهها نقياً من الشعر لتبقي لها البهجة و النضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل و بقاؤه الي ان قال عليه السلام و لو كان المولود يولد فهماً عاقلاً لانكر العالم عند ولادته و لبقي حيران تايه العقل اذا رأي ما لميعرف و ورد عليه ما لمير مثله من اختلاف صور العالم من البهايم و الطير الي غير ذلك مما يشاهد ساعة بعد ساعة و يوماً بعد يوم الي ان قال عليه السلام ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة اذا رأي نفسه محمولاً مرضعاً معصباً بالخرق مسجي في المهد لانه لايستغني عن هذا كله لرقة بدنه و رطوبته حين يولد ثم كان لايوجد له من الحلاوة و الوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج الي الدنيا غبياً غافلا عما فيه اهله فيلقي الاشياء بذهن ضعيف و معرفة ناقصة ثم لايزال يتزيد في المعرفة قليلا قليلا و شيئا بعد شئ و حالا بعد حال حتي يألف الاشياء و يتمرن و يستمر اليها فيخرج من حد التأمل لها و الحيرة فيها الي التصرف و الاضطراب الي المعاش بعقله و حيلته و الي الاعتبار و الطاعة و السهو و الغفلة و المعصية و في هذا ايضا وجوه اخر فانه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الاولاد و ما قدر ان يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة و ما يوجب التربية للآباء علي الابناء من المكافاة بالبر و العطف عليهم عند حاجتهم الي ذلك منهم ثم كان الاولاد لايألفون آباءهم و لايألف الآباء ابناءهم الي ان قال اعرف يا مفضل ما للاطفال في البكاء من المنفعة و اعلم ان في ادمغة [ص 49] الاطفال رطوبة ان بقيت فيها احدثت عليهم احداثا جليلة و عللاً عظيمة من ذهاب البصر و غيره فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤسهم فيعقبهم ذلك الصحة في ابدانهم و السلامة في ابصارهم افليس قد جاز ان يكون الطفل ينتفع بالبكاء و والداه لايعرفان ذلك الي ان قال فاما ما يسيل من افواه الاطفال من الريق ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في ابدانهم لاحدثت عليهم الامور العظيمة كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فاخرجته الي حد البله و الجنون و التخليط الي غير ذلك من الامراض المتلفة كالفالج و اللقوة و ما اشبههما فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من افواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحة في كبرهم الي ان قال انظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر و الانثي جميعا علي ما يشاكل ذلك فجعل للذكر آلة ناشرة تمتد حتي تصل النطفة الي الرحم اذ كان محتاجاً الي ان يقذف ماءه في غيره و خلق للانثي وعاء قعراً ليشتمل علي المائين جميعاً و يحتمل الولد و يتسع له و يصونه حتي يستحكم الي ان قال فكر يا مفضل في اعضاء البدن اجمع و تدبير كل منها للارب فاليدان للعلاج و الرجلان للسعي و العينان للاهتداء و الفم للاغتذاء و المعدة للهضم و الكبد للتخليص و المنافذ لتنفيذ الفضول و الاوعية لحملها و الفرج لاقامة النسل و كذلك جميع الاعضاء اذا تأملتها و اعملت فكرك فيها و نظرت وجدت كل شئ منها قد قدر لشئ علي صواب و حكمة الي ان قال فكر يا مفضل في وصول الغذاء الي البدن و ما فيه من التدبير فان الطعام يصير الي المعدة فتطبخه و تبعث بصفوه الي الكبد في عروق رقاق واشجة بينهما ( بينها خل ) قد جعلت كالمصفا للغذاء لكيلايصل الي الكبد منه شئ فينكاها و ذلك ان الكبد رقيقة لاتحتمل العنف ثم ان الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دماً و ينفذ الي البدن كله في مجاري مهياة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء حتي يطرد في الارض كلها و ينفذ ما يخرج منه من الخبث و الفضول الي مفايض ( مغايض خل ) قد اعدت لذلك فما كان منه من جنس المرة الصفراء جري الي المرارة و ما كان من جنس السوداء جري الي الطحال و ما كان من البلة و الرطوبة جري الي المثانة فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن و وضع هذه الاعضاء منه مواضعها و اعداد هذه الاوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلاتنتشر في البدن فتسقمه و [ص 50] تنهكه فتبارك من احسن التقدير و احكم التدبير و له الحمد كما هو اهله و مستحقه قال المفضل فقلت يا مولاي صف لي نشو بدن الانسان و نموها حالا بعد حال حتي يبلغ التمام و الكمال فقال عليه السلام اول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لاتراه عين و لاتناله يد و يدبره حتي يخرج سوياً مستوفياً جميع ما فيه قوامه و صلاحه من الاحشاء و الجوارح و العوامل الي ما في تركيب اعضائه من العظام و اللحم و الشحم و المخ و العصب و العروق و الغضاريف فاذا خرج الي العالم تراه كيف ينمي بجميع اعضائه و هو ثابت علي شكل و هيئة و لاتتزايد و لاتنقص الي ان يبلغ اشده ان مد في عمره او يستوفي مدته قبل ذلك الي ان قال انظر الآن يا مفضل الي هذه الحواس التي خص بها الانسان في خلقه و شرف بها علي غيره كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الاشياء و لمتجعلا في الاعضاء التي تحته كاليدين و الرجلين فتعرضها الآفات و تصيبها من مباشرة العمل و الحركة ما يعللها و يؤثر فيها و ينقص منها و لا في الاعضاء التي وسط البدن كالبطن و الظهر فيعسر تقلبها و اطلاعها نحو الاشياء فلما لميكن لها في شئ من هذه الاعضاء موضع كان الرأس اسني المواضع للحواس و هو بمنزلة الصومعة لها فجعل الحواس خمساً تلقي خمساً لكيلا يفوتها شئ من المحسوسات فخلق البصر ليدرك الالوان فلو كانت الالوان و لميكن بصر يدركها لميكن فيها منفعة و خلق السمع ليدرك الاصوات فلو كانت الاصوات و لميكن سمع يدركها لميكن فيها ارب و كذلك ساير الحواس ثم هذا يرجع متكافياً فلو كان بصر و لميكن الوان لماكان للبصر معني و لو كان سمع و لميكن اصوات لميكن للسمع موضع فانظر كيف قدر بعضها يلقي بعضاً فجعل لكل حاسة محسوساً يعمل فيه و لكل محسوس حاسة تدركه و مع هذا فقد جعلت اشياء متوسطة بين الحواس و المحسوسات لايتم الحواس الا بها كمثل الضياء و الهواء فانه لو لميكن ضياء يظهر اللون للبصر لميكن المبصر يدرك اللون و لو لميكن هواء يؤدي الصوت الي السمع لميكن السمع يدرك الصوت الي ان قال اطل الفكر يا مفضل في الصوت و الكلام و تهيئة آلاته في الانسان فالحنجرة كالانبوبة لخروج الصوت و اللسان و الشفتان و الاسنان لصياغة الحروف و النغم الاتري ان من سقطت اسنانه لميقه السين [ص 51] و من سقطت شفته لميصحح الفاء و من ثقل لسانه لميفصح الراء الي ان قال و فيها مع الذي ذكرت لك مآرب اخري فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم الي الرية فتروح عن الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو احبس شيئا يسيرا لهلك الانسان و باللسان تذاق الطعوم فيميز بينها و يعرف كل واحد منها حلوها من مرها و حامضها من مزها و مالحها من عذبها و طيبها من خبيثها و فيه مع ذلك معونة علي اساغة الطعام و الشراب و الاسنان تمضغ الطعام حتي يلين و يسهل اساغته و هي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما و تدعمهما من داخل الفم و اعتبر ذلك بانك تري من سقطت اسنانه مسترخي الشفة و مضطربها و بالشفتين يترشف الشراب حتي يكون الذي يصل الي الجوف منه بقصد و قدر لايثجّ ثجّا فيغص به الشارب او ينكأ في الجوف ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق علي الفم يفتحهما الانسان اذا شاء و يطبقهما اذا شاء الي ان قال لو رأيت الدماغ اذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الاعراض و تمسكه فلايضطرب و لرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيمايفته هد الصدمة و الصكة التي ربما وقعت في الرأس ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتي صار بمنزلة الفرو للرأس يستره من شدة الحر و البرد الي ان قال تأمل يا مفضل الجفن علي العين كيف جعل كالغشاء و الاشفار كالاشراج و اولجها في هذا الغار و اظلها بالحجاب و ما عليه من الشعر يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر و كساه المدرعة التي هي غشاؤه و حصنه بالجوانح و ما عليها من اللحم و العصب لئلايصل اليه ما ينكاؤه من جعل في الحلق منفذين احدهما لمخرج الصوت و هو الحلقوم المتصل بالرية و الآخر منفذ للغذاء و هو المري المتصل بالمعدة الموصل الغذاء اليها و جعل علي الحلقوم طبقاً يمنع الطعام ان يصل الي الرية فيقتل من جعل الرية مروحة الفؤاد لاتفترق و لاتخل لكيلاتتحيز الحرارة في الفؤاد فتؤدّي الي التلف من جعل لمنافذ البول و الغائط اشراجاً تضبطهما لئلايجريا جريانا دائماً فيفسد علي الانسان عيشه الي ان قال من جعل المعدة عصبانية شديدة و قدرها لهضم الطعام الغليظ و من جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو اللطيف من الغذاء و لتهضم و تعمل ما هو الطف من عمل المعدة الا الله القادر الي ان قال فكر يا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا [ص 52] في انابيب العظام هل ذلك الا ليحفظه و يصونه لم صار الدم السايل محصوراً في العروق بمنزلة الماء في الظروف الا لتضبطه فلايفيض لم صارت الاظفار علي اطراف الاصابع الا وقاية لها و معونة علي العمل لم صار داخل الاذن ملتويا كهيئة الكوكب الا ليطرد فيه الصوت حتي ينتهي الي السمع و ليتكسر حمة الريح فلاينكأ في السمع لم حمل الانسان علي فخذيه و اليتيه هذا اللحم الا ليقيه من الارض فلايتألم من الجلوس عليهما كما يألم من نحل جسمه و قل لحمه اذا لميكن بينه و بين الارض حائل يقيه صلابتها من جعل الانسان ذكراً و انثي الا من خلقه متناسلاً و من خلقه متناسلاً الا من خلقه مؤملاً و من اعطاه آلات العمل الا من خلقه عاملاً و من خلقه عاملاً الا من جعله محتاجاً الي ان قال اصف لك الآن يا مفضل الفؤاد اعلم ان فيه ثقباً موجهة نحو الثقب التي في الرية تروح عن الفؤاد حتي لو اختلفت تلك الثقب و تزايل بعضها عن بعض لماوصل الروح الي الفؤاد و لهلك الانسان الي آخر الحديث المبارك و لولا خوف الخروج عن وضع الكتاب لذكرته بطوله لكثرة محصوله و عن الصادق عليه السلام في احتجاجه علي الهندي كان في الرأس شؤن لان المجوف اذا كان بلا فصل اسرع اليه الصداع فاذا جعل ذا فصول كان الصداع منه ابعد و جعل الشعر من فوقه لتوصل بوصوله الادهان الي الدماغ و يخرج باطرافه البخار منه و يرد الحر و البرد الواردين عليه و خلت الجبهة من الشعر لانها مصب النور الي العينين و جعل فيها التخطيط و الاسارير لتحبس العرق الوارد من الرأس علي العينين قدر ما يميطه الانسان عن نفسه كالانهار في الارض التي تحبس المياه و جعل الحاجبان من فوق العينين ليردا عليهما من النور قدر الكفاية الاتري يا هندي ان من غلبه النور جعل يده علي عينيه ليرد عليهما قدر الكفاية و جعل الانف فيما بينهما ليقسم النور قسمين الي كل عين سواء و كانت العين كاللوزة ليجري فيها الميل بالدواء و يخرج منها الداء و لو كانت مربعة او مدورة ماجري فيها الميل و ماوصل اليها دواء و لاخرج منها داء و جعل ثقب الانف في اسفله لتنزل منه الادواء المنحدرة من الدماغ و يصعد فيها الاراييح الي المشام و لو كان في اعلاه لماانزل داء و لاوجد رايحة و جعل الشارب و الشفة فوق الفم لحبس ما ينزل من الدماغ عن الفم لئلايتنغص علي الانسان طعامه و شرابه فيميطه عن نفسه [ص 53] و جعلت اللحية للرجال ليستغني بها عن الكشف في المنظر و يعلم بها الذكر من الانثي و جعل السن حادا لان به يقع العض و جعل الضرس عريضا لان به يقع الطحن و المضغ و كان الناب طويلا ليسند الاضراس و الاسنان كالاسطوانة في البناء و خلا الكفان من الشعر لان بهما يقع اللمس فلو كان فيهما شعر مادري الانسان ما يقابله و يلمسه و خلا الشعر و الظفر من الحيوة لان طولهما سمج و قصهما حسن فلو كان فيهما حيوة لالم الانسان لقصهما و كان القلب كحب الصنوبر لانه منكس فجعل رأسه دقيقا ليدخل في الرية فتروح عنه ببردها لئلايشيط الدماغ بحره و جعلت الرية قطعتين ليدخل بين مضاعضها ( مضاغطها خل ) فيتروح عنه بحركتها و كانت الكبد حدباء لتثقل المعدة و يقع جميعها عليها فيعصرها ليخرج ما فيها من البخار و جعلت الكلية كحب اللوبيا لان عليها مصب المني نقطة بعد نقطة فلو كانت مربعة او مدورة احتبست النقطة الاولي الي الثانية فلايلتذ بخروجها الحي اذ المني ينزل من فقار الظهر الي الكلية فهي كالدودة تنقبض و تنبسط ترميه اولا فاولا الي المثانة كالبندقة من القوس و جعل طي الركبة الي خلف لان الانسان يمشي الي ما بين يديه فتعتدل الحركتان و لولا ذلك لسقط في المشي و جعلت القدم مخصرة لان الشئ اذا وقع علي الارض جميعه ثقل ثقل حجر الرحا فاذا كان علي حرفه رفعه الصبي و اذا وقع علي وجهه صعب نقله علي الرجل فقال الهندي من اين لك هذا العلم قال اخذته عن آبائي عليهم السلام عن رسول الله صلي الله عليه و آله عن جبرئيل عليه السلام عن رب العالمين جل جلاله الذي خلق الاجسام و الارواح فقال الهندي صدقت و انا اشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله و عبده و انك اعلم اهل زمانك ، انتهي الخبر الشريف و اريد ان اذكر هيهنا شيئا من اسرار الطبيعة علي ما جبلها الله سبحانه ● و عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله جل و عز جعل الاذنين مرتين لئلايدخلهما شئ الا مات لولا ذلك لقتل ابن آدم الهوام و جعل الشفتين عذبتين ليجد ابن آدم طعم الحلو و المر و جعل العينين مالحتين لانهما شحمتان و لولا ملوحتهما لذابتا و جعل الانف باردا سائلا لئلايدع في الرأس داء الا اخرجه و لولا ذلك لثقل الدماغ و تدود و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن العلة في ان بطن الراحة لاينبت فيها الشعر و ينبت في ظاهرها فقال لعلتين اما احديهما فلان الناس يعلمون الارض التي [ص 54] تداس و يكثر عليها المشي لاينبت فيها شئ و العلة الاخري لانها جعلت من الابواب التي تلاقي الاشياء فتركت لاينبت عليها الشعر لتجد مس اللين و الخشن و لايحجبها الشعر عن وجود الاشياء و لايكون بقاء الخلق الا علي ذلك و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث طويل بعد ذكره ان الله جمد الماء العذب و الماء المالح قال ثم القاهما قدام عرشه و هما سلالة من طين ثم امر الملائكة الاربعة الشمال و الدبور و الصبا و الجنوب ان حولوا هذه السلالة الطين فابرؤها و انسموها ثم جزؤها و فصلوها و اجروا فيها الطبايع الاربعة الريح و المرة و الدم و البلغم قال فجالت الملائكة عليها و هي الشمال و الصبا و الجنوب و الدبور فاجروا فيها قال و الريح في الطبايع الاربعة في البدن من ناحية الشمال قال و البلغم في الطبايع الاربعة في البدن من ناحية الصبا قال و المرة في الطبايع الاربعة في البدن من ناحية الدبور قال و الدم في الطبايع الاربعة في البدن من ناحية الجنوب قال فاستقلت النسمة و كمل البدن قال فلزمه من ناحية الريح حب الحيوة و طول الامل و الحرص و لزمه من ناحية البلغم حب الطعام و الشراب و اللين و الرفق و لزمه من ناحية المرة الغضب و السفه و الشيطنة و التجبر و التمرد و العجلة و لزمه من ناحية الدم حب النساء و اللذات و ركوب المحارم و الشهوات و عن ابيعبدالله عليه السلام انما صار الانسان يأكل و يشرب بالنار و يبصر و يعمل بالنور و يسمع و يشم بالريح و يجد الطعام و الشراب بالماء و يتحرك بالروح و لولا ان النار في معدته ماهضمت او قال حطمت الطعام و الشراب في جوفه و لولا الريح ماالتهب نار المعدة و لاخرج الثفل من بطنه و لولا الروح ماتحرك و لاجاء و لاذهب و لولا برد الماء لاحرقته نار المعدة و لولا النور ماابصر و لاعقل فالطين صورته و العظم في جسده بمنزلة الشجر في الارض و الدم في جسده بمنزلة الماء في الارض و لا قوام للارض الا بالماء و لا قوام لجسد الانسان الا بالدم و المخ دسم الدم و زبده الخبر .