رسالة حقائق الطب
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله الذي خلق الانسان و علمه البيان و الصلوة علي اعدل الكون و الامكان محمد المبعوث علي الانس و الجان و آله الذين بهم ازاح الله علل الكفر و الطغيان في جميع الازمان و لعنة الله علي اعدائهم سلالة الشيطان اهل الشرك و العدوان .
و بعد فيقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان هذه كلمات شريفة و مطالب منيفة في الحكم الالهية النبوية العلوية المتعلقة بكليات الطب النظرية و قد كان يتلجلج في صدري ان اكتب في الانسان الصغير ايضاً رسالة بعد ان كتبت في الانسان الوسيط رسالة و سميتها بمرآة الحكمة ليظهر التطابق بينهما مع الانسان الكبير و سر قوله سبحانه و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و سر قوله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئاً و هو حسير و كان يتلجلج في صدري ذلك برهة من الزمان الي ان استشرت الله سبحانه بكتابه فخرج قوله عز من قائل و كذلك يجتبيك ربك و يعلمك من تأويل الاحاديث و يتم نعمته عليك و علي آل يعقوب كما اتمها علي ابويك من قبل ابرهيم و اسحق ان ربك حكيم عليم فعلمت ان في تصنيفي في هذا الفن يحصل اجتباء للنفس بحول الله و قوته و يظهر تأويل احاديث آلمحمد عليهم السلام و يتم نعمته سبحانه علي بمعرفتي باحوال الانسان الكبير و الوسيط و الصغير و علي ساير اخواني المؤمنين الراجعين الي كما اتمها علي ابوي ابرهيم و اسحق و هما استاداي و سناداي اعلي الله مقامهما و رفع في الخلد اعلامهما مجملاً ان في هذا الكتاب علماً غزيرا و خيراً كثيراً و تحقيقاً لتأويل الكتاب و السنة و ارائة طريق صرف الآيات و الاخبار الي [ص 3] الانسانين الوسيط و الصغير و ارجو من الله سبحانه توفيق التمام و حسن الختام و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
و اعلم ان غرضنا من تأليفاتنا في العلوم المتفرقة غير غرض الحكماء و العلماء فان نظرهم كان في الاشياء من حيث انفسها حتي انهم قالوا الحكمة هي العلم بحقايق الاشياء علي ما هي عليه في نفس الامر بقدر الطاقة البشرية و نظرنا في الاشياء من حيث الامثلة الالهية الملقاة في هويات الاشياء و لذلك قلنا علمنا علم يبحث فيه عن المعارف الالهية و الحقايق اللاهوتية و الامثلة الملقاة في هويات الاشياء علي ما هي عليه في نفس الامر بقدر الطاقة البشرية علي النهج المقرر من مبادينا و اوائل جواهر عللنا و بين علمنا و علمهم فرق من حيث نفسه و من حيث اثره في النفس اما من حيث نفسه فانهم ينظرون الي الاشياء من الاسفل فتحجب حقايقها بينهم و بين الرب فلايرون الا اياها و لايرونها الا بصورها العرضية المكتسبة و لذلك يكثر التخليط و الاشتباه و الاعتراض و الرد و اللبس في علومهم و نحن ننظر فيها من حيث الاعلي بعين الله سبحانه فنراها من حيث ذواتها علي ما هي عليه قبل اكتساباتها الاعراض بالقرانات المورثة لللطخ و الخلط فلايحصل بيننا اختلاف اذ هي بهذا اللحاظ اثر امر الله سبحانه و امره واحدة و من عند الله و ليس فيما هو من عند الله اختلاف و شتان ما بين المقامين و علمهم اذا حصل لهم بهذا النظر يورث لهم قسوة و غفلة عن الله سبحانه لانها تكون حاجبة بينهم و بين الله سبحانه و هم قاصروا النظر فيها فيغفلون عن باريها البتة و اذا اداموا الغفلة عن الله سبحانه ربما ظنوا للاشياء استقلالاً كما تري ان كثيراً منهم انهمك في الطبايع و بعد عن الله سبحانه و انتهك المحارم و تخلي عن الورع و اورث لهم شكوكاً و شبهات حتي تركوا نواميس الله سبحانه و خلعوا عن اعناقهم طوق العبودية التي هي شرف كل شريف فبقوا يخبطون خبط عشواء يتيهون في البراري و يعيشون في الصحاري لايأوون عمران هداية و لايسكنون قرية رشادة و علمنا هذا يدعو الي الخوف عن الله سبحانه و مشاهدة انواره و مراقبة فيوضاته و امداده و يورث الانزجار عن المعاصي و السيئات المهلكة للنفوس فان بعلمنا هذا يعرف المضار من المصالح و يشاهد ضرر الضار و نفع النافع بعينه فاذا عرف الانسان السم [ص 4] و الدرياق فيوشك ان يجانب السم و يقارن الدرياق و لا قوة الا بالله فانصفوا ربكم اذلك خير نزلا ام شجرة الزقوم و لذلك لاتكاد تجد حكيماً طبيعياً ذا تقوي و عفة الا قليلاً و لاتجد ملازماً لاخبار آلمحمد عليهم السلام سالكاً مسلكهم في العلوم ناظراً بنظرهم الا ذو تقوي و عفاف و زهد و انصاف الا قليلاً و انما ذلك من اثر العلوم و الانظار و خاصية الطرايق و الاختيار هذا و قد كتبوا في العلم الطبيعي علي حسب نظرهم بما لا مزيد عليه و حلوا و عقدوا و اعترضوا و ردوا بما ليس فوقه غاية و لا نهاية حتي انه لايمكن ان يكتب عالم في تلك العلوم شيئا غير ما كتبوا فانهم حازوا اطراف الكلام بالنقض و الابرام فلميبقوا احتمالاً الا و قد كتبوا و لا دليلاً من نحو ادلتهم الا اوردوا فكل من كتب في هذه الاعصار في تلك العلوم فانما يحذو حذوهم و يجمع اقوالهم و يختار احدها و لا حاجة تدعو الي ذلك و حسب الدنيا ما اتعبوا فيه انفسهم و اما الداعي الي اقبالنا في رسم رسالة في هذا العلم غرض غير غرضهم و نظر غير نظرهم و سلوك في غير مسلكهم و انما غرضنا اظهار حِكَم آلمحمد عليهم السلام في هذا العلم و ابداء انهم عليهم السلام لميتركوا شيئا يحتاج اليه هذا الخلق المنكوس الا و قد بينوا و شرحوا و كشفوا عنه و اوضحوا و لكن الناس لا خير فيهم لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فماتغن النذر و لازالة ظن من كان يظن و لعله اكثر الناس ان آلمحمد عليهم السلام لميبينوا الا امر فقه المسائل و انه لا بد في ساير العلوم ان يؤخذ عن غيرهم من اليهود و النصاري و المجوس و العامة العمياء بل لايزعمون في الاخبار علماً اصلاً الا في بعض امر الدين و لو كانوا يظنون انهم عليهم السلام قد كفوا كل امر الدين لماكانوا يؤلون الي العمل بالظن المطلق و لمازعموا ان اكثر المسائل غير منصوصة و يحتاج الي التحري و الاجتهاد فاسقطوا آلمحمد عليهم السلام عن جميع العلوم و اثبتوا لهم فقهاً ناقصاً يحتاج الي تكميل المجتهدين فاوجب هذه العلل و امثالها رسم رسالة في العلم الطبيعي كما رسمنا في ساير العلوم علي طريقة آلمحمد عليهم السلام متمسكاً بعروة ولايتهم مستهدياً بنور مشايعتهم ان شاء الله فقد فصّلنا رسالتنا هذه بمقدمة و عشرة ابواب و خاتمة و سميناها بحقايق الطب .
[ص 5] اما المقدمة ففي بيان امور يجب تقديمها قبل الشروع في الابواب ،
اعلم ان الله سبحانه قديم كامل لايستفيد كمالاً بعد تمام و لايترقب زيادة بعد نقصان و لايحتمل فيه شئ من ذلك و لا غاية لذلك و لا نهاية و كماله سبحانه صفته و صفته غيره و نوره و غيره و نوره خلقه و ليس شئ الا الله و نوره و صفته اذ هو حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و هذا النور مترامي من مبدء القرب الي نهاية البعد الا انه مختلفة المراتب في القوة و الضعف و انما اختلافها لانه لا تعطيل له في كل مكان و لايخلو منه مكان لانه ملأ الدهر قدسه و احاط بكل شئ سعته و ذلك النور من حيث الوصفية لله سبحانه نور و من حيث هو خلق و ظلمة فظهر مختلفة المراتب فمنها ما هو فيها في غاية القوة و منها ما هو فيها في غاية الضعف و قوته من حيث غلبة الوصفية عليه و ضعفه من حيث غلبة الخلقية عليه و هو حيث غلبة الظلمة فظهر هذان الحيثان كالمثلثين المتداخلين او كالكرتين المتساويي السطحين الا ان في جانب كان الوصف اغلب و في جانب كان حيث الخلق اغلب و ما بين ذين بين بين و لكل واحد من هذين مقتضي كما يأتي و نسمي حيث الوصفية بالنور و حيث الخلقية بالظلمة فللنور مقتضيات و هي اللطافة و الرقة و الانبساط و الاحاطة و السعة و للظلمة مقتضيات و هي الكثافة و الغلظة و الانقباض و المحاطية و الضيق لما حققناه في محله في ساير كتبنا و بيناه في ساير مباحثاتنا فبذلك قد تشاكلت مراتب الخلق و تماثلت في نوع الخلقة فما خفي في جانب النور الذي هو جانب الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في جانب العبودية الذي هو جانب الظلمة وجد في الربوبية لان العبودية غليظ الربوبية و الربوبية لطيف العبودية فمن عرف اسرار العبودية عرف اسرار مقامات الربوبية كما روي عن الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ، و من عرف اسرار مقامات الربوبية امكنه معرفة حقايق العبودية الا ان الاولين يعرفون الاشياء من طريق الاستدلال و اللِّم و الآخرين يعرفونها بطريق المشاهدة و الاِن فالظاهر هو عصي العميان في المشي الي الباطن و الباطن هو عين البصير في مشاهدة الظاهر و بينهما بون بعيد و سبيل هذين الي النجاة و انما الخيبة [ص 6] و الخسران لجماعة يعلمون ظاهراً من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فانهمكوا في بحر الطبايع و عموا عن حقايق البدايع و انوار الخالق البارئ الصانع فزعموا ان المدبر لهذا العالم هو الطبع فيا ويلهم من شدة جهالتهم فانهم بفطرتهم الاولية عرفوا انه لا بد لهذا الخلق المتقن و الامر المحكم من مدبر و لكن من جهة فطرتهم المبدلة المغيرة زعموا انه الطبع مع انا نقول لهم انكم اقررتم بالصانع و سميتموه الطبع و لمينزل عليه من سلطان و نحن سميناه بما انزل به من سلطان مع انا نقول لهم ان هذا الصانع الذي اقررتم به لا بد و ان يكون فوق مصنوعه حتي يقدر علي صنعه فاذا كان فوق مصنوعه يجب ان يكون معري من صفات مصنوعه فان صفات مصنوعه لازمة لرتبة مصنوعه فاذا يلزمكم ان تقولوا انه سبوح قدوس احدي المعني لا تركيب فيه و لا نقص يعتريه اذ كان جميع ذلك صفات مصنوعه و يجب ان يكون حكيماً عالماً قديراً خبيراً لما رأينا من آثار صنعه و ينبغي ان يكون مباينا لصفات خلقه بالكلية فان اقررتم يلزمكم الاقرار بالتوحيد و ان انكرتم ادحضتم حجتكم حيث اقررتم بصانع و ان انكرتم الصانع مطلقا ردكم وجود المصنوع الحادث المتغير المدبر الذي لاينكر فقد تبين و ظهر ان الصانع الحكيم هو الواحد الاحد الفرد الازلي الذي اليه مرد كل شئ و بامره قوام كل شئ الذي ارسل الرسل و انزل الكتب و هدي خلقه اليه و وعدهم بما لديه الذي لا نور الا نوره و لا ظهور الا ظهوره و خفي من شدة ظهوره و استتر لعظم نوره و الا فليس لغيره من الظهور ما ليس له حتي يكون هو المظهر له لميغب فيحتاج الي دليل يدل عليه و لميبعد حتي يكون الآثار هي التي توصل عباده اليه بل هو اقرب اليهم منهم فدل علي ذاته بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و ما سواه بمشيته دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة و لما كان بينه و بين خلقه بون بعيد و لخلقه مراتب مختلفة و مقامات متشتتة و استعدادات متباينة و قوي متفاوتة جعل بينه و بين خلقه وسايط و اسباباً علي حسب استعداد كل واحد منهم رأفة بهم و رحمة عليهم و استجابة لدعوتهم و ابقاء لكينونتهم و حفظا لهم عن التلف و الفساد فانه لو اشرق بوجهه عز و جل علي شئ من غير حجاب لاحرق سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره منه و اعدمه عن رأسه فجعل بينه و بين خلقه اسبابا هي [ص 7] حجب انوار وجهه و ايدي قدرته و اكمام مشيته و آلات ارادته بها يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد فلاجل ذلك روي ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و روي عن الصادق عليه السلام انه لميجعل شئ الا لشئ انتهي ، فاجري الله سبحانه افعاله باسباب و ادوات علي حسب استعداد القوابل و تحملهم و من تلك الاسباب الطبيعة فهي سنة في خلقه و آلة من حكمه في اجراء اموره بها يفعل الله ما يشاء و يحكم ما يريد و لتلك الطبيعة جهتان جهة الي ربها و من تلك الجهة هي اسمه سبحانه و صفته مثل ساير خلقه و جهة الي نفسها فمن نظر اليها و استدل بها من حيث الآلية لله سبحانه و الاسمية و الوصفية فهو بسبيل خير و من نظر اليها من حيث نفسها و استند الافعال اليها فهو كاذب مخبط خبط عشواء الاتري ان النجار هو الذي ينحت السرير و يصنعه فاذا نظرت الي منشاره من حيث الآلية و نسبت القطع اليه لمتخط فانها راجعة الي النجار و ان نظرت اليه من حيث نفسه و نسبت القطع اليه مستقلا اخطأت اذ المنشار ليس بحي و لا عاقل و لا حكيم فكيف يقدر ان يقطع الخشب اوّلا ثم علي نهج الحكمة و الصواب ثانياً فاذا نسبت القطع و الافعال البديعة الي المنشار اخطأت الصواب فالذي يزعم ان الطبيعة هي التي تفعل هذه الافعال العظيمة الموافقة للحكمة فقد ضل و غوي فان الطبيعة خلق حدث تحدث بوجود المحدث و تقوي مع المحدث و انما هي مركبة من الكيفيات التي لا علم لها و لا شعور و لا حكمة فكيف تقدر علي ايجاد العالم علي وفق الحكمة و النظام و ان اريد بها الطبع الملكوتي الذي فوق عالم الهباء فذلك خلق ليس له فعلية في عالم القوة و الاستعداد فما لا فعلية له كيف يقدر ان يوجد الاشياء بالفعل فالذي سمعت و ما لمتسمعه هو الفرق بين نظرنا و نظر ساير الاطباء فنحن ننظر الي الامثلة الملقاة في هويات الاشياء و هم ينظرون الي نفس الاشياء فحكمتنا تؤدي الي المعرفة و المحبة و الرجاء و الخوف و الاخبات و علومهم تؤدي الي الشقاوة و الادبار عن الله سبحانه و النزول الي مهابط السجين و لايكادون يصيبون الحق في جميع المسائل اذ الاشياء من حيث انفسها قد لحقتها اعراض غيرت الاحكام الاولية و غلبت عليها حتي اظهرت الاختلاف و ابطنت الايتلاف فمنعت ظهور الاحكام الكلية الالهية في الاشياء فلذلك احوجتهم الي المهنة [ص 8] في كل امر امر و تجربة كل شئ شئ و يأتيهم من هذه الجهة اختلاف شتي في معرفة الاشياء فلايزالون مختلفين الا من رحم ربك و فتح عين بصيرته و اعاره طرفا منه ينظر الي الاشياء من حيث المثال الملقي في هوياتها و من حيث الاعلي فانه يضع كل شئ موضعه و يري كل شئ علي حقيقته الاولية و يعلم سبب اختلاف احكامه الظاهرة و وجهه مثلاً اذا علم ان كل شئ هو اقرب الي المبدء يكون الطف و احر لانه اثر حركته الايجادية و الحركة تقتضي حرارة في الاثر كما بيناه مفصلاً في كتابنا مرآةالحكمة و يأتي في هذا الكتاب الاشارة اليه ثم علم ان الاثر في اول صدوره يابس و علم ان الحرارة و اليبس اذا ظهرتا في جسم كثيف اقتضتا الحمرة فيه لاحتراق الكثيف بهما و اجتماع اجزائه بسبب اليبس و ظهور نور النار اللطيفة في الكثيف يقتضي الحمرة في اللون و ظهور حرقتها في الجسم تقتضي الحرافة في الطعم و علم ان الاثر اذا بعد عن قرب مؤثره قل اثر الحركة فيه و ظهر فيه السكون و علم انه يقتضي البرودة و علم ان البرودة اذا كانت مع يبوسة اقتضت الكدرة لتكاثف الاجزاء و اذا كانت مع رطوبة اقتضت الانتشار و البياض في اللون ثم اذا نظر الي الملح مثلاً و عرف انه يحصل من احتراق وجه الارض بالشمس عرف انه لا بد و ان يكون لونه الاصلي احمر و طعمه حريفاً فاذا رأي فيه البياض عرف انه من مخالطة الماء اذ البياض من مقتضاه ثم اذا فصله في القرع و الانبيق و اخذ عنه مائيته زال عنه البياض ثم اذا اخذ عنه دهنه رأي فيه الحمرة التي عرفها بالحكمة و لما رأي في طعمه حموضة عرف ان الحموضة فيه من مخالطة المائية و الا فطبعه في نفسه حاد حريف و اما الناظرون الي الاشياء من حيث الاعراض فيقولون ان الاشياء الحارة اليابسة منها ابيض و منها احمر غافلون عن سر الحكم الاولي و الثانوي و اذا قال حكيم ان كل حار يابس احمر نقضوا عليه بان الملح ابيض و الفلفل اسود غافلون عن سر الخلقة و قد نشب عرق هذا العيب في جميع اصحاب العلوم و لذلك وقع فيهم الاختلافات الشديدة و جعلوا امرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون بالجملة لما كان نظرنا و لا قوة الا بالله من حيث الاعلي لميكن اختلاف في احكامنا الا و يحدث و العياذ بالله غفلة في الانظار و قلة في الاعتبار و ذلك منا و الينا و الا فاصل الطريقة طريقة الحق الذي لا مرية فيه و لا ريب [ص 9] يعتريه و كما وفقنا الله سبحانه لرفع الغطاء عن اعين العلماء في اغلب العلوم اردنا ان نكتب بحول الله و قوته بعض الكليات في علم الطب بحيث يعلم منها اسرار طب النفوس و الابدان و اسرار اغلب الشرايع التي وضعتها الاطباء اطباء النفوس و هم الانبياء سلام الله عليهم و لمنذكر جزئيات علم الطب لان الاطباء استقصوا القول في الجزئيات بتجاربهم و مهنتهم و كتبهم متكفلة بعلمها و قصدنا الكليات لانهم كانوا عنها غافلين .
البٰاب الاول في حقيقة الجسم و تقسيم مراتبه و في معرفته علوم جمة و انما قدمناها مع علمنا بان اول ما ينظر فيه الطبيب الاسطقسات لان غرضنا في هذا الكتاب تحقيق حقايق الاشياء و لايمكن ذلك الا بمعرفة اصل الشئ و مبدء وجوده فرأينا ان نقدم شطراً من معرفة الجسم علي نهج الاختصار ثم نبين كيفية تجزيه و تقسمه الي الافراد ثم نتبعه ببيان خواص الاسطقسات ،
اعلم ان الجسم المطلق نور ملكوتي قد تصور بالصور المثالية و الحدود الزمانية فله صورتان صورة مقومة و هي الصورة الاطلاقية التي بها امتاز عن ساير الجواهر الملكوتية و صورة متممة و هي الحدود المثالية الزمانية الافرادية اما صورته المقومة التي بها يكون الجسم جسماً فكم و كيف و وقت و مكان و جهة و رتبة علي حسبه من الاطلاق و الابهام فكمه التبري عن المقادير الخاصة فليس فيه طول خاص او عرض خاص او عمق خاص فهو بريء عن جميع هذه المقادير لانه يظهر بجميع الاطوال و العروض و الاعماق فلو كان له مقدار خاص لامتنع عن التصور بغيره من ( التصور باحد خل ) المقادير الخاصة فاذا كان الطول و العرض و العمق ما يشاهد في الافراد فهو لا طول له و لا عرض و لا عمق فما كان يقال انه جوهر له طول و عرض و عمق فانما هي مقادير اطلاقية ابهامية بالنسبة الي الافراد و اما كيفه فالتجرد عن جميع الطعوم و الروايح و الالوان و الملموسات و المسموعات و ساير الكيفيات المبصرة و غيرها فليس فيه احدي هذه الكيفيات فانه يتجلي بكلها فلو كان فيه احدي هذه الكيفيات الخاصة لامتنع عن التكيف بضدها البتة فلما رأينا تجليه بالاضداد عرفنا تجرده عنها و اما وقته فقد سبق الازمان وقته فليس له احد الاوقات الماضية و لا المُستقبَلة و لا الحال فانه قد تعالي عن جميعها و [ص 10] تجلي في جميعها فلو كان له احدها لامتنع عن ضده البتة و هو في كل وقت مع انه لايحويه وقت و اما مكانه فتعالي عن الامكنة الخاصة فهو في كل مكان لايخلو منه مكان من هذه الامكنة المعروفة و مع ذلك لايحويه مكان فانه لايخلو منه مكان و اما جهته فهو مبعد عنه الجهات فانه المتجلي في كل جهة فكيف يكون في جهة خاصة اذ لو كان في جهة خاصة لخلي عنه جهة خاصة البتة لانه شأن كل متجه و اما رتبته فقد تقدس عن الرتبة الجارية في هذا العالم فان كل فرد من افراده له رتبة خاصة منها يبتدي و اليها ينتهي و هو الظاهر في جميع المبادي و المنتهيات فلايختص بواحد منها فاذاً الجسم نور مبرؤ عن المقادير مجرد عن الكيفيات سابق علي الاوقات متعال عن الامكنة مبعد عنه الجهات متقدس عن الرتب اذ هو فوق هذه الحدود متجل في الضدود لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فهو بمنزلة الاحد الظاهر في الاعداد او المداد الظاهر بالحروف و هذا هو الجسم المطلق الذي اعطي تحته حده و رسمه و اسمه فيصدق علي كل فرد انه جسم فكل ما ينسب الي احد الافراد ينسب اليه و كل ما يضاف اليه يظهر في جميع الافراد فانه المتعالي عن جميعها الظاهر بكل فرد فرد منها و هذا غير الجسم الكلي فان الجسم الكلي ليس يصدق علي كل فرد الاتري ان كل فرد ليس بجسم كلي و لكنه جسم بقول مطلق فالكلي ليس الا الجسم المطلق الظاهر في كل الاجسام جملة من حيث ظهوره في الكل فكما ان كل فرد جسم الكل ايضاً جسم فمن حيث ظهوره في الكل كلي منسوب الي الكل ظاهر في الكل فما قيل من ان الكلي ما لايمتنع فرض صدقه علي كثيرين خطاء محض فان هذا صفة المطلق و الكلي لايصدق علي الافراد الكثيرة علي نحو البدلية نعم يصدق عليها جملة فالكلي موجود بوجود جميع الافراد اجمع و المطلق له وجود مستقل لايتوقف وجوده بوجود فرد ابداً فليس المطلق موجوداً بوجود الافراد فان وجود الافراد منه و اليه و لا في ضمنها لانه لايتجزي و لايتبعض و انما يتجزي الكل لا المطلق هذا مع انه لو كان غيرها و في ضمنها لمااعطاها اسمه و انما له وجود مستقل فوق عالم الافراد فلايلزم من استقلاله صيرورته فرداً فافهم فانه دقيق فهذا الجسم علي ما سمعت فوق عالم الزمان باطلاقه و انما افراده زمانية و هو بنفسه ملكوتي و الزمانية هي نسبة [ص 11] فرد زماني الي فرد زماني و اما الملكوتية فهي نسبة مطلق ثابت الي افراد زمانية فنسبة فرد الي فرد زمان و نسبة المطلق الي الافراد ملكوت فافهم و اما كيفية تقسمه فاعلم انه لما استولي علي هذا الجسم المطلق برد البعد عن المبدء جمد و يبس فتجزي علي نهج الاختلاف و الكثرة اللازمين لبرد البعد و يبسه و جموده فتفرقت اوصاله و تكثرت بساطته و اختلف تشاكله و تميز ابهامه لا من حيث ذاته بل من حيث صفاته و تنزله فانه بذاته واقف في رتبته و رتبته لاتقتضي غير ما هو عليه من الابهام و الاطلاق و البعد دونه بمرتبة فلو صعدت رتبة البعد عن مقامها كانت رتبة قرب لا بعد و لو نزل الجسم عن حده و رتبته الي البعد للزم القسر و لا قاسر و انما تجليه و ظهوره يقع في الرتبة الدنيا و لما كانت الرتبة الدنيا ابرد صار تجليه فيها ابرد و اجف فجمد فتفتت علي حسب اقتضاء البرد الاتري ان الماء لو جمد فكسرته لايقع الكسر علي الماء و انما يقع علي الجمد و الجمد وصف الماء و دونه بمرتبة الاتري انك لو كسرت الجمد يصدق علي كل قطعة انه ماء فتبين ان الكسر لايقع علي الماء و الا لكان كل قطعة جزء ماء فبهذا تبصر امرك فلما تجلي الجسم في الرتبة الدنيا جمد فتمايزت اجزاؤه و حصل لكل جزء حد خاص به مميز له فوقفت الاجزاء علي نهج الحكمة و الصواب كما تمايزت علي نهج الحكمة و الصواب فانها تمايز الاحد الثابت و الاحد الثابت اذا تمايز تمايز مرتبطة الاجزاء متناسبة الافراد متصلة الابعاض حتي تكون مظهر الاحد و لو تمايز اجزاء علي خلاف ذلك دل علي انها ليست تنزل الاحد الاتري انك لو كسرت كأساً ثم وضعت كل جزء في مكانه تصور كأساً بلا فطور و لا نقص فيه و اما اذا جمعت قطعاً من كؤس مختلفة لمتلتئم علي هيئة كأس واحد فعدم تناسب القطع يدل علي عدم كونها تفاصيل الواحد الاحد و تناسبها يدل علي انها تجليات الاحد و ظهوراته و من ذلك قال سبحانه لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا لعدم تناسب الاجزاء و ارتباطها و قال اذا لذهب كل اله بما خلق فافهم ترشد فلما كان الجسم المطلق احداً بالنسبة الي اجزائه و جميع اجزائه تفاصيله و ظهوراته فلما تفصلت تفصلت متشاكلة متناسبة مرتبطة متصلة قال سبحانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت اي فساد فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا [ص 12] و هو حسير فكان ذلك الجسم بمنزلة النطفة فلما اوقفها ربها في رحم مكانها مخلاة بالطبع الذي جبل عليه من سر الوحدة وقف الاجزاء المناسبة للرأس في موضع الرأس و الصدر في موضعه و البطن في موضعه و الاطراف في موضعها مرتبطة متصلة دالة علي الاحد فكذلك الجسم لما اوقفه ربه في رتبته و خُلّي و طبعه المجبول عليه من سر الوحدة وقفت الاجزاء كل في حيزه و رتبته اللايقة به و تباعد الجزء الثقيل عن الجزء الخفيف و توسط المتوسط و لما كان الشكل الكري ابسط الاشكال و اشبهها بالاحد الذي هو خارج عن الحدود و التمايز تفصلت علي هيئة الكرات لانه التفصل الاول و لمايوجد قاسر و مانع يصرفها عن الكرية و لذلك يقف كل جوهر سيال اذا خلي و طبعه علي هيئة الكرة فان المعري عن الحدود اذا تحدد لايتحدد في اول امره الا علي هيئة الكرة فصارت اجزاء الجسم كرات فاذا صارت كرات متعددة اختلفت الكرات في السعة و الضيق بحسب اختلاف لطافتها و كثافتها فكل ما كان منها الطف صار اوسع و احوي للباقي و كلما صار اكثف صار اضيق و انما حصل الاختلاف في اللطافة و الكثافة فان البعد لشدة برده تمايزت مراتبه فكان منها اقل بعداً و منها اكثر بعداً فاي ظهور ظهر فيما هو اقل بعداً صار اكثر حرارة و اشد لطافة و اشبه بالمبدء الاول فاقتضي ان يكون الطف و اوسع و اي ظهور ظهر فيما هو اكثر بعداً صار اكثر برداً و اكثر كثافة و اقل شبهاً بالمبدء فاقتضي ان يكون اكثف و اضيق فلاجل ذلك صارت الاجزاء كرات بعضها محيطا بالبعض و اختلف مراتب حدودها علي حسب اختلاف مراتبها فاعالي هذه الكرات تكون الطف كماً و كيفاً و وقتا و مكانا و جهة و رتبة لانها اشد قرباً بالاطلاق و اسافل هذه الكرات تكون اكثفها في تلك الحدود البتة و كذلك تكون اعاليها ادوم بقاء و ابعدها عن الفطور و ادانيها اقل بقاء و اقربها الي الفطور البتة و اما خصوص اعداد هذه الكرات و بعض خواصها فاعلم ان كل اثر له جهتان جهة الي مبدئه و جهة الي نفسه التي هي منتهاه فجهته الي مبدئه احكي له البتة و جهته الي نفسه احجب و ليستا هما جهتين ممتازتين علي القطع و انما هما جهتان متداخلتان متدرجتان يعني كل ما كان من الاثر اقرب الي المبدء يكون احكي له و كل ما كان ابعد كان احجب علي حذو نور السراج فانه متدرج من نهاية القرب الي نهاية البعد و تختلف [ص 13] مراتبه في القوة و الضعف كما ان الظلمة البعيدة متدرجة من نهاية البعد الي نهاية القرب و تختلف مراتبها في القوة و الضعف ففي كل مرتبة نور و ظلمة الا انهما مختلفتان في المقدار فكذلك جهتا الاثر متدرجتان فحيث المبدء في المبدء اقوي و يتدرج في الضعف الي غاية البعد و حيث النفس في المنتهي اقوي و يتدرج في الضعف الي نهاية القرب فجميع مراتب الاثر مركبة من هاتين الجهتين و لكن من البين ان الاثر تنقسم مراتبه نصفين ففي النصف الاعلي يكون جهة المبدء اغلب و في النصف الادني يكون جهة المنتهي اغلب ففي النصف الاعلي يكون آثار المبدء و صفاته و انواره اقوي و في النصف الاسفل يكون آثار نفس الاثر اقوي الا انهما علي تدرج ففي النصف الاعلي ينبغي ان يكون تسع مراتب تجمعها ثلث و في النصف الاسفل ينبغي ان يكون اربع مراتب و لاجل ذلك صارت الثلث اول الافراد و الاربع اول الازواج اما المراتب الثلث فهي جهة الاجمال البحت و جهة مبدء التعلق بالتفصيل و جهة التعلق لا غير و ذلك ان النصف الاعلي من الاثر لغلبة جهة المبدء عليه و ظهوره فيه صارت وجهه و يده و لسانه و امره و حكمه و فعله فلاجل ذلك ظهر متحركاً فعالاً و غلب جهة الفاعل المؤثر فيه فكان يد الفاعل في ايجاد نفس الاثر و فعلُهُ و مشيتُه و اختراعُه في هذه الرتبة يظهر منه البتة فلاجل ذلك قلنا ان له ثلث مراتب رتبة الاجمال الصرف المشاكل للمبدء المتعالي عن التعلقات و رتبة مبدء التعلق و رتبة منتهي التعلق فالرتبة الوسطي هي ذات هذه الجهة من حيث هي و اعلاها جهة آئيتها للمبدء و اسفلها جهة صفتها و فعلها فلاجل ذلك ظهر في ثلث مراتب رتبة اجمال بحت و هو عرشه الاطلس الذي ليس فيه كثرة و رتبة مبدء التفصيل التعلقي و هي الكرسي ففيه مبادي التعلقات و هي الكواكب و البروج و المنازل و رتبة منتهي التفصيل التعلقي و هي رتبة الافلاك فلاجل انها في منتهي التفصيل الفعلي التعلقي ظهرت متعددة و انتهي تعددها الي السبعة فانها مقام التعلق و الارتباط و انت تعلم ان المتعلق مرتبط بالطرفين و فيه ذكر الطرفين كما تري ان هيئة الالف توجد في حركة يدك المتعلقة بها فلما كانت الافلاك رتبة التعلق ظهر فيها سر اربعية المنتهي و ثلثية المبدء فظهرت سبعة ثلثة منها من جهة المبادي و اربعة منها اذكار [ص 14] المنتهيات اما الثلثة التي فيها من جهة المبادي فالشمس و زحل و قمر و اما الاربعة التي فيها من اذكار المنتهيات فالمشتري و المريخ و الزهرة و عطارد و اما الشمس فهي آية الجسم المطلق و لذا صارت قطبا و مركزاً لها و زحل آية العرش و القمر آية الكرسي و اما المريخ فهو ذكر النار و المشتري ذكر الهواء و الزهرة ذكر الماء و عطارد ذكر التراب و لنا في اسرار هذه المراتب بيانات عديدة ذكرنا بعضها في كتابنا مرآةالحكمة و بعضها في غيرها و خصصنا هذا الكتاب بهذا البيان لانا لمنذكرها في غير هذا الكتاب فافهمه ان كنت تفهم و اما سر اربعية المنتهي فان المنتهي هي نفس الاثر كما ان المبدء آية المؤثر بل هو اسم المؤثر و الاثر لايتحقق صدوره الا في اربع كيفيات فان الاثر اذا وقع عن المؤثر يكون اعلاه الذي هو حيث اثريته حارا لانه اثر فعل الفاعل و حركته و الحركة تحدث الحرارة و اسفله الذي يكون في غاية البعد عن مبدء الحرارة يكون بارداً البتة و ما بين ذلك يكون من حيث الاعلي مشاكلاً بالاعلي و من حيث الاسفل مشاكلاً بالاسفل فكان الهواء حاراً و الماء بارداً و كان الاعلي و الاسفل يابسين لان اليبس و عدم خروج الشئ عن حيزه هو الاصل و كان الوسط رطبا لانه الرابط بين الجهتين و لكن يبس النار لتمحضها في مبدئها و عدم توجهها الي غيرها و يبس التراب لتمحضه في نفسه و عدم توجهه الي غيره و رطوبة الوسط لميل احدهما الي الآخر و صار الهواء ارطب لان الرب الطف بعبده في القدسي تقدم الي شبراً اتقدم اليك ذراعاً لعلي نقلته بالمعني و لما كان الهواء جهة ميل النار صار ميله ذراعاً و الماء جهة ميل التراب صار ميله شبرا فبذلك تفصلت الاجزاء و قام العالم علي ما تري و قد برهنا علي جميع ذلك في كتبنا الموضوعة في الفلسفة خصوصاً مرآةالحكمة و لانطيل الكلام هيهنا مجملاً اذا خلي الجسم و طبعه يقوم هكذا بعينه كلما يكون الطف يكون اعلي و كلما يكون اكثف و اثقل يكون اسفل و يظهر سر الحركة من الاعلي الي الاسفل الا انه في الاعالي اشد و يهدؤ شيئا بعد شئ الي ان يصل رتبة يغلب عليها السكون فيظهر في الرأي ساكناً و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب الا انه في غاية الخفاء و السكون فيه اظهر كما ان السكون في العرش خفي و الغلبة للحركة و ما من شئ في هذا العالم الا و فيه حركة و سكون فان جهة الرب سارية في الكل و منها [ص 15] الحركة و جهة النفس سارية في الكل و منها السكون فكلاهما في الكل فاذا عرفت ان الجهتين ساريتان في جميع اجزاء هذا العالم فاعلم ان جميع مقتضيات هاتين الجهتين ايضاً سارية في جميع الاجزاء الا ان كل مقتضي في جزء اغلب و ظهر بذلك الاغلب و سمي به و خفي فيه باقي المقتضيات فالغالب في العرش سر جهة الاجمال و المبدئية و العقل و باقي الجهات فيه خفي و في الكرسي سر مبدء التفصيل و النفس اغلب و باقي الجهات فيه خفي و في الشمس سر المادة اغلب و باقي الجهات فيها خفي و فلك زحل فيه سر العاقلة و نور باطن العرش اغلب و باقي الجهات خفي و في القمر سر الروح و نور باطن الكرسي اغلب و باقي الجهات خفي و في المشتري سر ظاهر العرش و العالمة اغلب و باقي الجهات خفية و في عطارد سر ظاهر الكرسي و سر المتفكرة اغلب و باقي الجهات خفية و في المريخ سر باطن العرش و الكرسي مركباً و سر الواهمة اغلب و ساير الجهات خفي و في الزهرة سر ظاهرهما معاً و سر المتخيلة اغلب و باقي الجهات خفي و في النار سر الحرارة و اليبوسة و مبدء الاثرية اغلب و باقي الجهات خفي و في الهواء سر الحرارة و الرطوبة و ميل المبدء اغلب و باقي الجهات خفي و في الماء سر البرودة و الرطوبة و ميل المنتهي اغلب و باقي الجهات خفي و في التراب سر البرودة و اليبوسة و سر المنتهي اغلب و باقي الجهات خفي فكل شئ فيه معني كل شئ الا ان في المبادي رقاق المنتهيات خفية و في المنتهي غلاظ المبادي فلا روح الا و فيها جسد رقيق و لا جسد الا و فيه روح غليظ فبذلك امكن استحالة الكل الي الكل كما تري من ان التراب يستحيل ماء بالانحلال و بالعكس بالعقد و الماء يستحيل هواء بالانحلال و بالعكس بالعقد و الهواء يستحيل نارا بالانحلال و بالعكس بالعقد و العناصر تستحيل فلكاً بالانحلال كما تري من تولد الروح البخاري من الاغذية و هي روح بلطافة الافلاك و بالعكس بالعقد و هكذا يستحيل الروح البخارية التي في اول تكونها بلطافة فلك القمر الي الطف منها حتي تصير بلطافة فلك عطارد فيحدث منها المتفكرة في الانسان و هكذا يتلطف كل دان حتي يوازي الاعلي في اللطافة و انما ذلك لان الكل من مادة واحدة و انما اختلافها في الصورة و يمكن لكل جزء خلع صورته بالتدبير و لبس اخري فاذا عرفت ان خاصية كل [ص 16] جزء في كل جزء و انما الاختلاف في الخفاء و الظهور فاقول في الجزء الواحد لما كان له مراتب من اعلاه الي اسفله كالهواء مثلاً فان له مراتب من اعلي كرته الي اسفل و اعاليه الطف من اسافله و ارق البتة فكل جزء منه اعلي احكي لسر اعلي و كل جزء اسفل احكي لسر اسفل البتة فاعلي الهواء فيه سر العرش اقرب الي الظهور ثم فيما يليه سر الكرسي اقرب الي الظهور ثم فيما يليه سر الافلاك بترتيبها اقرب الي الظهور ثم فيما يليه سر العناصر بترتيبها اقرب الي الظهور فالهواء بنفسه كأنه عالم اذا خلي و طبعه قام علي ترتيب العالم و كذلك كل جزء فاذا اخذ جزء من اعلي الهواء و نزل الي اسفله و خلي بينه و بين طبعه صعد الي حيزه البتة و اذا اخذ جزء من اسفل الهواء و صعد الي الاعلي ثم خلي و طبعه نزل الي الاسفل لا محالة فلكل منا مقام معلوم احفظ عني هذه المقدمات التي لاتسمعها الا عني و لاتريها الا في كتابي حتي تنفعك في الدنيا و الآخرة فعلي ذلك كل شئ في هذا العالم عالم برأسه فيه جميع الافلاك و العناصر و هذا معني قولنا كل شئ مركب من تسع قبضات افلاكه و قبضة من ارضه و اذا سمع منا السامع ذلك ازدراه فقال اين لكل شئ افلاك و عناصر و كيف يكون كل شئ عالماً برأسه و هذا معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام علي ما نسب اليه ،
اتزعم انّك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و لولا انا نخرج من وضع هذا الكتاب لشرحنا لك كون كل شئ في ملك الله سبحانه في كل ذرة ذرة من الملك حتي تشاهد ان كل شئ فيه معني كل شئ و لكن ليس هيهنا موضع بيانه و لعلك لو كنت فطنا امكنك استخراجه مما ذكرنا و قد بسطنا القول في ذلك في ساير كتبنا المرسومة في الفلسفة فان شئت فراجع و يكفيك في هذا الباب ما سمعت من امر الجسم و تقسيمه و تجزيته .
البٰاب الثاني في بيان احوال اسطقسات المركبات في هذا العالم ،
اعلم ان الاسطقس هو اصل الشئ الذي به يقوم قيام ركن و اسطقسات ظاهر المركبات السفلية كلها العناصر الاربعة المعروفة و هي النار و الهواء و الماء و التراب لانها مراتب ظاهر الاثر و كيفياته و قد حققنا ان الولد ظاهره من نطفة المرأة دون نطفة الرجل و كذلك هيهنا تكون العناصر هي الامهات السفلية كما [ص 17] ان السموات هي الآباء العلوية و ذلك لان الغالب علي السموات جهة المؤثر الفاعل و الغالب علي العناصر جهة النفس المنفعلة فالسموات ذكر بغلبة الحرارة و قرب المبدء و ظهور آثار العقل فيها اكثر فلها سهمان من العقل و سهم من النفس و العناصر انثي فان فيها غلبة البرودة و بعد المبدء و فيها ظهور آثار النفس اكثر فلها سهم من العقل و سهمان من النفس فصارت السموات اباً و العناصر اماً و المركبات الحاصلة اولاد بينهما تحصل من نكاحهما علي كتاب الله و سنة نبيّه صلي الله عليه و آله و خطب بينهما الولي صلوات الله عليه و آله و عقد بينهما عقداً دائماً علي مهر السنة خمسمائة درهم و هي ان يدفع اليها عوض بضعها مقامات التوحيد الخمس في عشرة انوار في عشرة اطوار و كيفية نكاحهما و تولد الاولاد من بينهما انهما بعد النكاح اجتمعتا و كانتا قبل اي قبل النكاح رتقاً اي عزباً لاتلقي السماء شيئا الي الارض و لايخرج من الارض شئ فانكح الولي السماء الارض علي مهر السنة كما مر فزف الله سبحانه كل واحد منهما الي الآخر بالفتق فتحرك السماء علي الفاعلية علي الارض فاندفق منها نطفة شعلات كواكبها و قويها الي الارض فوقعت في رحم بطون العناصر و مكنتها و حركتها حتي خرجت منها نطفة لطايفها في جوفها فان نطفة المرأة تقذف في رحمها فتحركت نطفة لطايفها الي ان وقعت في رحمها فعقدها حرارة تلك الشعلات فجعلها علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسيت لحماً ثم نفخ فيه الروح و تولد في فضاء العالم فصار ولداً علي حسب قابليته و الولد المتولد بينهما هو الانسان و انما الجماد و النبات و الحيوان هي مقدمات وجود الانسان فالنطفة هي الجماد و العلقة هي المعدن و المضغة هي البرزخ بين المعدن و النبات كالمرجان و الصدف و امثالهما و العظام هي النبات و اللحم هو البرزخ بين النبات و الحيوان كالنخل و النساء النابتات و النبات المسمي ببورايخ و هو حيوان علي هيئة الخروف تنبت و اصله من سرته يرعي ما حوله و الروح هي الحيوان و الولد هو الانسان فجميع هذه المراتب مقدمات وجود الانسان فتسقط قبل استكمالها كما قال سبحانه مخلقة و غير مخلقة و نقرّ في الارحام ما نشاء الي اجل مسمي فالجماد و النبات و الحيوان و برازخها اولاد ناقصة لاينتهي بها فعل الفاعل الي الغاية المقصودة من فعله و العلة الغائية وجود الانسان و الباقية [ص 18] مقدماتها كما شاهدت و لما كان المقصود في هذا الباب بيان حقيقة الاسطقسات لانطيل الكلام في كيفية تولد المتولدات و تبين مما بينا و اوضحنا من سر التطبيق و عدم الاختلاف في الخلق ان اسطقس ظواهر المتولدات هو هذه العناصر الظاهرة و لكن اسطقس مواد المتولدات هي الشعلات الفلكية فان الولد يتولد من عشر قبضات تسعٌ من الافلاك و واحدة من الارض اما التسع التي من الافلاك فقبضة من العرش و منها يخلق مادة قلبه و قبضة من الكرسي و منها يخلق مادة صدره و قبضة من فلك زحل و منها يخلق مادة عاقلته و قبضة من فلك المشتري و منها يخلق مادة عالمته و قبضة من فلك المريخ و منها يخلق مادة واهمته و قبضة من فلك الشمس و منها يخلق مادة مادته الثانية و قبضة من فلك الزهرة و منها يخلق مادة متخيلته و قبضة من فلك عطارد و منها يخلق مادة متفكرته و قبضة من فلك القمر و منها يخلق مادة روحه فهذه تسع قبضات خلق منها مواد قواه و مما منها في غيب العناصر خلق مادة جسده الظاهر فهذه عشر قبضات خلق منها مواده و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث الانسان خلق من شأن الدنيا و شأن الآخرة فاذا جمع الله بينهما صارت حيوته في الارض لانه نزل من شأن السماء الي الدنيا فاذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت ترد شأن الاخري الي السماء فالحيوة في الارض و الموت في السماء و ذلك انه يفرق بين الارواح و الجسد فردت الروح و النور الي القدرة الاولي و ترك الجسد لانه من شأن الدنيا و انما فسد الجسد في الدنيا لان الريح تنشف الماء فييبس فيبقي الطين فيصير رفاتا و يبلي و يرجع كل الي جوهره الخبر ، و اما صورها فاعلم ان هذه العناصر هي ارض القابلية و هي كما بينا و شرحنا سارية في جميع المراتب الا ان غاية ظهورها في هذه العناصر الظاهرة فلها ايضاً مراتب عشرة فمما منها في العرش خلق صورة قلبه و مما منها في الكرسي خلق صورة صدره و مما منها في فلك زحل خلق صورة عاقلته و مما منها في فلك المشتري خلق صورة عالمته و مما منها في فلك المريخ خلق صورة واهمته و مما منها في فلك الشمس خلق صورة مادته الثانية و مما منها في فلك زهرة خلق صورة متخيلته و مما منها في فلك عطارد خلق صورة متفكرته و مما منها في فلك قمر خلق صورة حيوته و من ظواهر العناصر خلق بدنه الظاهر فتبين ان اسطقس [ص 19] مواد المولود من الافلاك و اسطقس صورته العناصر كما ان مادة الولد من ابيه و صورته من امه و لكن هذه العناصر التي هي محط انظار الاطباء هي الاسطقسات الاولية للانسان و ساير المركبات و هي ليست بعباطتها تتركب فتتولد منها الاولاد يعني ليس يمكن ان يؤخذ حصة من النار و حصة من الهواء و حصة من الماء و حصة من التراب فيجمع بينها فيحصل منها المركب فان هذه الاجزاء بعباطتها لكل واحد حيز ليس يستقر في غيره اذا خلي و طبعه فان النار و الهواء صاعدان و النار اعلي و الماء و التراب نازلان و التراب اسفل و هي مختلفة في الرقة و الغلظة فليس يمكن تركيبها بعباطتها كما تشاهد من عدم امكان مزج التراب بالهواء و مزج الهواء بالماء و مزج النار بها فانا قد حققنا في الفلسفي انه لا بد في اجزاء المركب من المشاكلة في السيلان حتي يتحقق الامتزاج و لذا وصف اميرالمؤمنين عليه السلام انه نار حائلة و ارض سائلة و هواء راكد و ماء جامد فتبين انها بعباطتها اسطقسات اولية و ليست بالمقارنة القريبة و قد حققنا فيها انها لايتركب بعضها مع بعض الا بالتدبير و كيفية التدبير ان تجتمع في ثلث كيان يعبر عنها بالروح و النفس و الجسد و مرة بالزيبق و الكبريت و الملح فما لمتتركب العناصر اولا في هذه الكيان لميتولد عنها الولد البتة فالاسطقسات القريبة هي هذه الثلثة و قد نعبر عنها بالماء و الدهن و الارض و الطبيب ما لميفرق بين الاسطقسات البعيدة و القريبة لميتمكن من العلاج الحقيقي الوحي و نحن ان شاء الله تعالي نفصل القول في ذلك حتي ينفع الله به اخواننا الاطباء و ساير ابناء الحكمة .
اعلم ان الانسان كما تري و تشاهد يتولد من نطفة امه و ابيه و ان كان كل واحدة منهما مركبة من العناصر لكن كيان العناصر استحالت و تغيرت اليهما فالعناصر كانت اسطقسات النطفتين و النطفتان هما الاسطقسان القريبان فنطفة الام هي ذلك الماء و الزيبق الذي اشرنا اليه و نطفة الاب هي ذلك الدهن و الكبريت الذي اشرنا اليه و ذلك لان نطفة الام باردة رطبة رقيقة مائية و نطفة الاب غليظة دهنية حارة يابسة فنطفة الام علي مزاج الروح و نطفة الرجل علي مزاج النفس و التراب الذي يموثه الملك بينهما هو علي مزاج الجسد و ذلك ان طبع النطفتين مضاد احدهما مع الآخر و لايأتلفان ابداً فيأمر الله سبحانه ملكاً [ص 20] يأخذ قبضة من التراب فيموثه بينهما فيصير رابطاً بينهما فببرودته يناسب نطفة الانثي و بيبوسته يناسب نطفة الذكر فيؤلف بينهما و هذا التراب مصاحب معهما من حيث كانتا خارج العالم نباتا او حيوانا و كان معهما في بطن الذكر و الانثي الي ان تولدتا و اندفقت نطفة الرجل في رحم المرأة فكان التراب ابداً معهما و الملك يموثه بينهما فيؤلف به بينهما فتبين ان العناصر الاولية استحالت الي ماء الذكر و الانثي و التراب و ذلك التراب ايضاً ليس بعبيط كما يؤخذ من الارض و انما هو ايضاً مركب من العناصر مدبر الا ان الغالب عليه طبع التراب و لولا تركيبه لميشاكل المائين و كذلك الماءان مركبان هو الذي خلق من الماء بشراً انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج و النطفة في لغة العرب الماء القليل فكما ان الماء مركب التراب ايضاً مركب فتبين ان الاسطقسات القريبة الماء و الدهن و الارض و ان كل واحد منها مركب من العناصر فلاجل ان الاسطقسات القريبة ثلثة تولد منها ثلثة اعضاء رئيسة فان من الامشاج خلق الولد لكن ما كان فيه التراب اغلب خلق منه الكبد و ما كان فيه الدهن اغلب خلق منه القلب و ما كان فيه الماء اغلب خلق منه الدماغ و ان كان الكل في الكل و لما كان الاسطقسات الاولية اربعة تنفصل الاخلاط الي اربعة و كل واحد منها له طبايع اربع و مراتب ثلث فروحانيات هذه الاربع تصعد الي الدماغ و تصير غذاء له و ما يشاكله من الاعضاء و نفسانياتها تصعد الي القلب و تصير غذاء له و ما يشاكله من الاعضاء و عكرها و ارضيتها تكون غذاء للكبد و ما يشاكلها من الاعضاء فالاخلاط من حيث الطبايع اسطقسات اولية للبدن و من حيث المراتب اسطقسات ثانية فالصحة الخاصة للاعضاء من صلاح مراتب الاخلاط و المرض الخاص من فساد مراتب الاخلاط و الصحة العامة للاعضاء من صلاح طبايع الاخلاط و المرض العام فساد طبايع الاخلاط و لايكاد يقع الا بتفسخ الجسد كله و هو الفساد الكلي لا المرض القابل للعلاج الذي هو محل نظر الطبيب فلربما تكون الاخلاط من حيث الطبايع صالحة و انما يحدث الفساد في روحانيتها خاصة فيفسد الدماغ و ما يشاكله من الاعضاء خاصة و لا فساد في نفسانيتها او عكرها و ربما يكون الفساد في نفسانيتها خاصة فيفسد القلب و ما يشاكله من الاعضاء خاصة و ربما يكون الفساد في عكرها بخصوصه فيفسد الكبد و ما يشاكلها خاصة و ما لميفهم [ص 21] الطبيب هذه المراتب فلربما يكون الفساد في الروحانيات وحدها او النفسانيات وحدها او العكر وحده فيستفرغ الخلط فيخرج الصالح و الفاسد و يحدث امراضاً اخر باخراج الصالح في الاعضاء الصالحة فان باخراج خلط صالح يغلب ضده علي العضو الصالح فيحدث مرضاً و من هنا يأتي الفساد في كثير من المعالجات و انما الواجب عليه اصلاح احد الاسطقسات القريبة و هو امر عسير لايتأتي الا بمعرفة خواص العقاقير التي هي من خاصتها لا الطبايع العامة و سيأتي الكلام في ذلك انشاء الله و لما عجز القوم عن معرفة الخصوصيات عمدوا الي الطبايع العامة فالامراض الخاصة علي ما بينا و شرحنا و اوضحنا ثلثة انواع : امراض مائية و امراض دهنية و امراض عكرية و قد يسمي هذه الثلث اذا فسدت بالطرطير فان الطرطير هو العكر المسمي بالفارسية بالدردي فالاخلاط هي الاصول الاولية و هي ما لمتتركب ثلثة انواع ليست تتركب منها الاعضاء في بدن الانسان و اما الاسطقسات المادية فليست محل نظر هذه الاطباء الظاهريين و ان كانت محل نظر الاطباء المحققين فانهم يلاحظون صلاح كل كوكب و فساده في معالجاتهم و يلاحظون نسبة العقاقير الي الكواكب و يلاحظون نسبة كل عضو الي كوكب و يعلمون ان بفساد كل كوكب يفسد العضو المنسوب اليه و بصلاحه يصلح كما ان بفساد كل اسطقس من الاسطقسات السفلية يفسد العضو المنسوب اليه و بصلاحه يصلح فتبين و ظهر ان جميع مراتب هذا العالم اسطقسات المركبات الا ان بعضها اسطقسات مادية و بعضها اسطقسات صورية و هي كلها اولية و ليس تتركب منها الاعضاء ما لمتتكون اولا ثلثة كيان كون روحاني و كون نفساني و كون جسماني و كذلك هذا العالم له ثلثة كيان كون روحاني و هو كون العرش و كون نفساني و هو كون الكرسي و الافلاك فروعه و كون جسداني و هو كون العناصر فالعرش دماغ العالم و الكرسي قلبه و العناصر جسده فافهم ما ذكرت لك ما لاتجده في كتاب و لاتسمعه من خطاب و هذا القدر في بيان الاسطقسات كاف للحكيم ان شاء الله .
البٰاب الثالث في المزاج و انت لعمري لو تدبرت في كلمات القوم لكن بعد ما فهمت كلامي لرأيت ان القوم يعلمون ظاهراً من الحيوة الدنيا العرضية و هم عن الآخرة [ص 22] آخرة حقايق الاشياء غافلون و لولا ان من شأني في تصانيفي ان لااذكر اقوال اهل كل علم و لااتعرض لتزييفها لرأيت خطأهم في غالب ما بنوا عليه امرهم و لكني علي مقتضي قوله سبحانه و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون و لاجل ان العمر اقصر من ان يشتغل الانسان بتزييف الاباطيل اقتصر علي امر الحق علي نهج حكمة آلمحمد عليهم السلام قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر بالجملة بعد ما عرفت ان الاسطقسات الاوليّة مراتب هذا العالم فلنبين اولاً كيفية حصول المزاج علي قول مطلق ثم نتبعه بذكر الامزجة الخاصة و كيفية تركبها و حصولها اعلم ان ظاهر المزاج هو الكيفية الوحدانية الحاصلة ظاهراً من امتزاج كيفيات مختلفة علي نسبة معلومة و في الحقيقة المزاج نور يصدر من تحت حجاب الواحدية و يظهر في مرآة تلك الكيفية الوحدانية لما صارت قابلة لتجليه و هو المشار اليه بقوله عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و ما لميتعلق به ذلك النور لميصدر عنه الافعال الخاصة به فان الفعل من الفاعل و الفاعل هو الله سبحانه و يظهر فعله علي يد امثلته و اسمائه و صفاته المتسمع في الدعاء سبحان الضار النافع فالضار هو الله سبحانه و يده في الضرر هو حقيقة المزاج ففعل الضرر يصدر من الله سبحانه بيده المقارنة التي هي ذلك النور المنطبع في تلك الكيفية البرزخية الحاصلة بين الكيفيات الذي هو مثاله الملقي في هويته و يظهر فعله علي يد تلك الكيفية فان تلك الكيفية بمنزلة الجسد و ذلك النور روحه و تلك الكيفية هي جهة نفس المزاج و ذلك النور هو جهته من ربه فلا ضار و لا نافع الا الله سبحانه فمن ذهب يزعم ان عقاراً من العقاقير يضر او ينفع فهو مشرك بالله العلي العظيم فان الضرر و النفع حادثان مخلوقان و لا محدث الا الله سبحانه و قد روي عن ابيعبدالله عليه السلام في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايكون الشئ لا من شئ الا الله و لاينقل الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لاينقل الشئ من العدم الي الوجود الا الله انتهي ، فالله سبحانه هو المؤثر و ذلك النور اسمه المؤثر بذلك التأثير الخاص و مثاله الملقي في هوية المركب و يظهر الفعل من ذلك الاسم علي يد الجسد كما بينا و شرحنا فهذا هو حقيقة المزاج لا غير و اما كيفية تكون ظاهره و باطنه اعلم انه لما اراد الصانع الجليل [ص 23] احداث مزاج في مركب اخذ من رطوبة ذلك المقام اربعة اجزأ و من يبوسة ذلك المقام جزء فيدبرهما بيديه الفاعلتين الحرارة و البرودة علي نحو التعاقب فيحل اليبوسة في الرطوبة و يعقد الرطوبة في اليبوسة حتي يجعله ماء و تلك الرطوبة مع تلك اليبوسة متشاكلة فان تلك اليبوسة هبائية صالحة للتمازج مع الرطوبة الهوائية و هذا الماء بارد رطب قد تكون من طبيعتين الرطوبة و اليبوسة ثم ان الله سبحانه يسلط النار علي الماء حتي تغلظه و تلزجه و يختلط معه من الاجزاء اليابسة الهبائية جزء في جزئين يعني جزئين من الماء مع جزء من الهباء و يصير دهناً فالدهن يتولد من الماء كما تولّد المرأة من المرء فالدهن نفس الماء و زوجته المخلوقة من ضلعه الايسر فلاجل ذلك صار الماء مقام الروح و مرآتها و صار الدهن مقام النفس و مرآتها و هذا الدهن مركب من جسدين جسد الماء و جسد الاجزاء الهبائية التي بها تلزج و تغلظ و يكون حاراً يابساً فحصل الطبايع الاربع فيها علي نحو التشاكل و التماثل فيجعل الله سبحانه هذا الدهن زوجة الماء لانه مشاكل له قابل للممازجة معه و النكاح منه فيجمع الله سبحانه بينهما بكمية مناسبة لذلك المركب الذي شاء و اراد و وضع بينهما من الاجزاء الهبائية بكمية مناسبة فالف بينهما بالحل و العقد تأليفاً حقيقياً لانه قد ثبت في الحكمة ان التأليف لايتحقق الا بين المحلولات المتشاكلات و ان اليوابس لا الفة بينها لعدم الرطوبة الرابطة المنفعلة و هذا الذي ذكرنا هو النار الحائلة اي المتغيرة عن كيانها المتغلظة في الدهن و الارض السائلة برطوبة الماء المنحلة فيه و الماء الجامد بيبوسة الاجزاء الهبائية و الهواء الراكد بتلك الاجزاء فتشاكلت الاسطقسات و تماثلت و صارت صالحة للتركيب فاخذ الله سبحانه من كل واحد من هذه الكيان الثلثة الصاحبة للكيفيات الاربعة علي حسب ارادته و مشيته مقداراً معلوماً فدبرها بيديه الحرارة و البرودة الي ان ركبها و حلها و عقدها حتي تولد منها المولود المعين ذو مزاج واحد متشاكل الاجزاء فاشرق علي هذا المركب نور من تحت حجاب الواحدية و انطبع في مرآت هذا الحاصل المركب فصار مؤثراً بالله سبحانه فيما شاء كيف شاء و بغير ذلك لميتحقق مولود ابداً فالماء ابوه و الدهن امه و الاجزاء الهبائية هي الرابطة بينهما ببرودتها تناسب الماء و بيبوستها تناسب الدهن فهذه الثلثة [ص 24] هي اسطقس جميع المولدات و قد خفي علي الاطباء ذلك حتي زعموا ان الاسطقسات القريبة هي العناصر الاربعة و اني لها بصلاحية التركيب مع شدة تناكرها و اختلاف حيزاتها و رقتها و غلظتها و اني يمكن للنار ان تمازج التراب و اني يمكن للهواء ان يمازج الماء ما لمتتغير عن كيانها و تصير مشاكلة صالحة للممازجة و اما الماء فقد يشاكل الدهن في السيلان و لما في الماء من الاجزاء الهبائية المشاكلة لهبائيات الدهن و يشاكلهما الهباء لما فيهما من الاجزاء الهبائية فالدهن بين الماء و التراب كالكلاب يرتبط بالماء من حيث السيلان و بالتراب من حيث الغلظة فتربط الثلثة ربطاً صادقاً حقيقياً و يتحقق المركب بعد الفعل و الانفعال بينهما فالتراب يغلظ الدهن بيبسه و الدهن يغلظ الماء بغلظته و الماء يرقق الدهن برقته و الدهن يرقق التراب برقته فيخرج من بينها شئ وحداني متشاكل الاجزاء قابل لان يتعلق به نور الواحد جل شأنه و هذا هو المزاج الحق و من اراد ان يعرف تفصيل ذلك فعليه بكتابنا مرآةالحكمة فانه متكفل بتفصيل الواقع و لولا انا فصلناه في ذلك الكتاب و لميكن لنا اقبال بالتكرار لبسطنا القول هنا ايضا و لكن علومنا شتي و يلزمنا العناية بكلها و الوقت اضيق من ان نفصل مطلباً واحداً في كتابين فهذا هو تفصيل حصول المزاج من بين الاركان فلكل مولود طبايع اربع و كيان ثلثة و الشئ قائم بكيانه و الكيان قائمة بطبايعها و لاجل ذلك تري الانسان الصغير متولداً من نطفة ابيه البيضاء و نطفة امه الصفراء و التراب الذي يموثه الملك بينهما فاركان وجوده هذه الثلثة و طبايعه اربعة الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة فظهر كيانه في دماغه و قلبه و كبده و طبايعه في اخلاطه و اخلاطه لاتصل الي اعضائه ما لمتستحل الي الكيان فالصفراء العبيط و الدم العبيط و البلغم العبيط و السوداء العبيط لايصير مدد عضو و غذاءه ابداً ما لمتستحل الي ماء و دهن و عكر ثم يؤخذ من الماء و الدهن و العكر لكل عضو علي حسب ما يليق به فيؤخذ للعظام مثلاً منها و العكر ازيد و لللحم منها و الدهن ازيد و للسمين منها و الماء ازيد و هكذا للاعضاء فيؤخذ منها للدماغ مثلاً و الماء ازيد و للقلب و الدهن ازيد و للكبد و العكر ازيد و لذلك تري الاثفال الخارجة من الانسان ماءا و دهنا و عكراً لا غير فاما ما تخرج من الاثفال في الكيلوس ففيها رطوبة مائية و دهانة صابغة و عكر [ص 25] كما يفصلها منها اصحاب الصناعة و اما ما تخرج من الاثفال من الكيموس فكذلك رطوبة مائية تخرج من طريق الكلية و المثانة و دهانة صابغة تنجذب الي المرارة و عكر ينجذب الي الطحال و امّا ما تخرج منها ممّا يفضل عن غذاء الاعضاء من الاعضاء فهي ايضاً ثلثة رطوبة مائية و هي العرق و دهانة لزجة و هي الشعر الذي تراه يخرج من الاعضاء و عكر و هو الوسخ و لو لميكن الاخلاط تستحيل الي هذه الكيان اولاً لماتفصل اثفالها الي هذه الثلثة فاذا كان الاعضاء منقسمةً الي الاقسام الثلثة و غذاؤها ايضاً منقسماً الي الاقسام الثلثة و اثفالها ايضا منقسمةً الي الاقسام الثلثة استبصر الحكيم منها ما ذكرنا ان الاخلاط لاتتركب منها الاعضاء و انما تتركب من الكيان الثلثة و كذلك الامر في الانسان الفلسفي و قد بيناه في كتابنا مرآةالحكمة مفصلاً و كذلك يكون الامر في الانسان الكبير فهو مركب من عرش و هو الماء و لذا روي ان اول ما خلق الله الماء و هو في جميع العوالم كذلك كما سمعت في امر المزاج ان اول ما يتكون الماء و من كرسي و هو الدهن و هو مخلوق من نفس العرش و الافلاك تفاصيله و اجزاؤه و من عناصر و هي العكر فالعالم مركب من هذه الكيان ثم هذه الكيان تحدث علي ما شرحنا من الكيفيات الطبيعية و لذا يوجد الطبايع في كلها و كل ركن منها مركب من الطبايع و لكن قوام العالم بهذه الاركان كما تري بالجملة المزاج في الظاهر كيفية متشاكلة الاجزاء تحدث من امتزاج الاركان الثلثة امتزاجاً انحلالياً بعد الفعل و الانفعال و تلك الكيفية مرآة ينطبع فيها نور الواحد جل شأنه و هو المثال الملقي في هويتها فيجري سبحانه افعاله علي يده التي هي ذلك النور و المزاج الظاهر لتلك اليد كالكم ليدك فيفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و تفصيل القول في المزاج يقتضي رسم فصول .