اعلم ان الامور ثلثة و من لميعرف الفرق بينها هو في امره مختلط و يكون دائما علي شبهة و ارتياب و هي عقلي و عادي و شرعي فانها اما تقليدي تسليمي او استدلالي اجتهادي فالاول هو الشرعي و الثاني اما متعلقه الكليات فهو العقلي او الجزئيات و هو العادي و علي هذه الثلثة مدار العالم و اساس عيش بني آدم فالامر العقلي هو الكلي الذي ينبغي ان يعرف بالعقل و مدركه العقل و يستدل عليه بالعقل بادلة قطعية لايحتمل النقيض في الواقع مورثة ليقين لا شك فيه و لا ريب يعتريه بحيث لو اجتمع عليه اهل الدنيا و انكروا عليه ذلك لرد الكل و استبد برأيه و ليست ادلة ذلك ما هو مقرر في كتب اهل المجادلة [ص 31] من القياسات الاقترانية و الاستثنائية و امثالها فانها لاتورث اليقين و انما تورث عجز النفس عن القول بغير المطلوب و اقامة الدليل علي خلافه و مع ذلك حين يرجع الي قلبه يري فيه الاضطراب و احتمال عدم موافقة الواقع فغاية امر هؤلاء العجز عن الاستدلال علي خلاف الامر المثبت بها و العجز عن نقض الدليل و منعه او رده و ان كان قلبه بعد في قلق و اضطراب فالمثبت بهذه الادلة ليس بقطعي تسكن النفس اليه و تقطع بانه موافق للواقع و ليس لاقوي منه في العلم رده او النقض عليه او منعه و انما ادلة ذلك الموعظة الحسنة كما قررناه في محله و يأتي في قاعدة علي حدة و هذا الامر هو امر العقائد فانه يجب فيها اليقين و لايكفي فيها العجز عن الرد مع اضطراب النفس و لايجوز رد الدليل العقلي بالعاديات و لايرد الا بمثله اذ لايزول القطع العقلي بالعادي و انما يزول بعقلي مثله فافهم و الامر العادي هو الجزئي الذي يعرف بالعادة و مدركه النفس و يستدل عليه بالعاديات المورثة للقطع العادي و تسكن النفس اليه عادة و ان كان اذا راجع عقله و استعمل فيه العقل احتمل فيه بالاحتمال العقلي مخالفة الواقع و اضطرب فيه بسبب ذلك و ذلك كالعلم الحاصل من اخبار الثقة و العدلين و التواتر و الشياع و المحسوسات و العرف و غير ذلك فان النفس تسكن الي اخبارهم بحسب العادة و تطمئن و ان كان اذا راجع عقله احتمل عقلا كذب الثقة و العدلين و تواطؤ القوم علي الكذب او اشتباههم او سهوهم و عدم امتناع شئ من ذلك بل ربما يحصل هذا العلم بسبب القرائن و خط الثقة و ختمه بل ربما يحصل من اخبار الاطفال و الفساق اذا انضم اليها القرائن و المشركين و الكفار و المنافقين و غيرهم و علي هذا القطع العادي اساس العالم و مدار عيش بني آدم و لولا العمل بهذا [ص 32] القطع في الامور العادية لضاق بهم الخناق و اعتسر عليهم الامور و اشتدت و لزم الحرج الشديد و لايمكن لاحد المشي في امر من الامور اذ ليس يمكن لاحد الاستدلال بالعقل في الجزئيات فان شأنه درك الكليات و الاستدلال عليها علي النهج الكلي و امور العالم غير جارية علي النهج الكلي لاجل العوارض العارضة لكل جزئي جزئي و اختلافها بسبب العوارض فخلق الله سبحانه لاجل درك الجزئيات مدرك النفس المدركة للجزئيات فتعرف بها و تستدل فيها بالعاديات كما قررنا و تسكن اليها اذا حصل العلم العادي بها و لايجوز نقض الدليل العادي و لا منعه و لا رده الا بعادي مثله مثلا اذا اخبر ثقة اي من يوثق به بخبر و حصل العلم العادي لايجوز رده بانه ليس بمعصوم و يحتمل فيه الكذب و السهو و النسيان و الخطاء فلايجوز الركون الي خبره فان ذلك رد عقلي لا عادي و الانسان يحصل له العلم عادة باخبار الثقة قهرا نعم يمكن الرد بان يقال ان ثقة آخر اخبر بخلاف هذا الثقة او قامت القرائن علي كذب هذا الثقة فان بذلك يمكن رد هذا الدليل فانه عادي مثله و يجتمع العلم العادي مع الشك و الظن العقلي و لا حرج و لا تنافي فافهم و الامر الشرعي هو الذي يعرف بالشرع سواء كان كليا ام جزئيا و دليله الشرع و مدركه النفس و لكن تستدل عليه بالشرع فيثبت الامر الشرعي بالدليل الشرعي سواء حصل اليقين العقلي او العادي به ام لميحصل و لايجوز النقض عليه و الرد له الا بامر شرعي و دليل شرعي آخر مثله و لايرد بالعقلي و العادي ابدا بعد ثبوته بالشرعي فان الشرع ميزان العقل لا العكس و بعد مخالفتهما نعلم خطاء العقل فالذين يردون الشرعي بالعقلي خاطئون فان العقول ليست بمعصومة بعد ما شابت بالاعراض و الامراض كما قدمنا في قاعدة و العقل الذي [ص 33] لايخالف الشرع هو العقل المعصوم و هو عقل المعصوم لا غيره مثلا اذا شك الانسان في صلوته هل هو في الثالثة او في الرابعة قام الدليل الشرعي علي انه يجب البناء علي الاربع و مع الظن بالثلث يبني علي الثلث و يجب ان يعتقد شرعا انه علي ما بني مع انه لايقطع عقلا و لا عادة انها اربع او ثلث و لكن يقطع شرعا انه اربع اذا بني عليها و ثلث اذا بني عليها و لايجوز رده بالعقل او العادة بعد ثبوت لزوم هذا الاعتقاد بالشرع و لايرد الا بشرعي مثله بان يستدل له بحديث آخر و دليل شرعي آخر علي جواز البناء علي الاقل حين الشك و كذا اذا شك في ثوبه الطاهر هل اصابه نجس ام لا يجب الاعتقاد بطهارته شرعا مع انه لايقطع عقلا و لا عادة بطهارته فلايرد عليه بدليل عقلي و لا عادي و انما يرد بدليل شرعي آخر و هكذا باقي احكام الشرع فيشترط في كلها العلم الشرعي و الدليل الشرعي و لا راد لها الا الشرعي و يجتمع هذا العلم مع الشك و الظن العقليين و العاديين و لا حرج و لا تنافي فافهم راشدا موفقا فانها قاعدة سديدة مأخوذة من مخازن العلم و معادن الحكم و لا تخلص الا بها و لا راحة الا فيها .
اعلم ان اثبات الازل تعالي قدره و معرفة النبي المطلق و الحجة المطلقة من العقليات يجب الاستدلال عليها بالعقل القاطع و معرفة النبي الشخصي و ان كان يمكن بالعقليات في الخاتم و الفاتح و لكن لايجب معرفة الاشخاص بالعقليات و تكفي بالعاديات و هي محلها العام للمكلفين جملة و ثبوت شرايعهم و اخبارهم و آثارهم و اقوالهم و افعالهم و احوالهم من العاديات ليس للعقليات فيه مدخل الا بعضها لبعض و ليس تكليف العامة و يجب معرفتها بالعاديات [ص 34] و الاستدلال عليها بها و ان احتمل في كل شئ منه الف شك و ظن عقلي فكلها ليس بشئ و انما يعتبر فيها العلم العادي و الدليل العادي و اذ لميمكن الاستدلال عليها بالعقلي و لميكن تكليف احد ان يستدل عليها بالعقلي فاي ضرر في الشك العقلي و الظن العقلي فيه اذا كانا لايرفعان الا بدليل يقيني عقلي و هو مما لايمكن ان يؤتي بها و لايكلف الله نفسا الا وسعها و ما آتيها و عرفها و ثبوت احكام الشرايع و التكاليف بالشرعيات و هي تعبدية ليس للعقل و العادة في نفسها مدخل للعامة و يكفي فيها الاخذ بالشرعيات و هي الاصل في الباب و الميزان فان وافقها العقل و العادة و الا فالمرجع فيها الشرعيات و العمل بالشرايع و استبراء الذمة منها من العاديات ليس للعقل فيها مدخل فمن اخذ بما ذكرت هدي و رشد و استراح و اتي بما عليه و من لميفعل فلنفسه اتعب و لبنيان دينه خرب و هلك من حيث لايعلم فمن رام اثبات الازل و معرفة النبي المطلق بغير العقليات فقد اخذ دينه بالتقليد قبل ان يؤسس بنيانه فاختطفته ايدي الرجال و ساء به الحال و ضل في المآل و من رام معرفة الاشخاص بالعقليات المحضة و هو قاصر عنها بل عامة المكلفين قاصرون عن تلك ضل في بوادي الضلالة تائها و بات علي جناح الهلاكة حيران و لميفز بالمراد لما ليس فيه لذلك من الاستعداد و انما سبيل معرفة الاشخاص هو العاديات و تعرف بها و تسكن النفس اليها لان مرجع كثير من العاديات الي البديهيات و المحسوسات و من البديهي سكون النفس الي البديهيات مع انها ليست بعقليات و يحتمل فيها الاحتمالات العقلية و لايمكن ردها بالعاديات و لايقام عليها العقليات و مع ذلك تسكن النفس اليها و تطمئن بحيث تزول الجبال و لمتزل و ان كان تختلف مراتب [ص 35] العلم العادي في القوة و الضعف كما هو محسوس و لكن كلها علم عادي عليه المدار في جميع الاعصار و كذلك معرفة اخبارهم و آثارهم و ما ذكرنا من العاديات فمن رام معرفتها بالعقليات فقد تردد في بوادي الريب ابدا و تلجلج في مسالك الشك سرمدا اذ لايمكن ان يقام عليها دليل عقلي يمتنع خلاف مدلوله عقلا بل ليس للعقل فيها مدخل و لاينبغي ان يستعمل فيها فانها من الجزئيات و مدرك العقل كلي يدرك الكليات الاتري انك تري بعينك الشمس طالعة و تقطع به و تتيقن و لاتقدر ان تأتي بدليل عقلي يمتنع خلاف مدلوله انها طالعة في تلك الحالة و انك لست بساه و لا لاه و لميشتبه عليك و ليس في عينك مرض و لست بنائم و يحتمل عقلا مع قطع النظر عن العادة جميع هذه الاحتمالات و لا رافع لها من العقل و مع ذلك تقطع بطلوعها بحيث لاتشك بل الناس يسمون الشاك في طلوعها حينئذ موسوسا او مريضا بمرض الجنون و الماليخوليا او مكابرا و هو كذلك و لربما يبتلي الانسان بهذا المرض فلايكاد يقطع بامر عادي ابدا و يحتمل في كل امر محسوس عادي الاحتمالات العقلية فلايكاد يسكن الي شئ و انما يحصل هذا المرض لكثير من الطلبة حتي يضيع عنهم العرف و العادة فلاتسكن نفوسهم الي شئ سمعوه او رأوه حتي اني سمعت من بعضهم و هو يعد نفسه من عرض العلماء يقول في مقام سد باب العلم و وجوب العمل بالظن ان المشافه للامام السامع من فلق فيه ايضا ماكان يحصل له العلم بمدلول كلامه و انما كان يعمل بالظن انظر ان التعمق في كلام العامة و دخول البيت من غير بابه الي اي مقام يؤدي فهم الانسان و كيف يعوجه و شتان ما بين هذا القول و بين قول من يقول الآن يحصل العلم من الاخبار و الحق مع هؤلاء الاخيار [ص 36] فان العلم العادي يمكن تحصيله كما نجد في انفسنا بداهة فهم المراد من كتب التواريخ و ساير الكتب المصنفة للعلماء رضوان الله عليهم و كتب المعاصرين للائمة عليهم السلام بل و قبلهم و لانتوقف في شئ من ذلك و لايختلج في قلوبنا شك و لا ارتياب بل نتلقاها بارد القلب ثلج الفؤاد مع انه ربما يحصل لنا التردد في المراد في بعض الاحيان و لانقطع بمراده من العبارة و مع ذلك لايمنعنا من القطع في الباقي و علي ذلك مدارنا في جميع الاعصار و لا شك ان الفرق بين العلم و الظن و الشك ان القلب ساكن في العلم غير محتمل لخلافه و في الظن و الشك متلجلج غير مستقر و في جميع ما ذكرنا قلب غير المبتلي بهذه الامراض ساكن مطمئن و علي ذلك مضت الدهور و تقضت القرون و تكالم الناس و تكاتبوا من عصر آدم الي يومنا هذا و هم ساكنوا القلب مع انه قد يحصل لهم الاضطراب في بعض المقامات و لايمنعهم ذلك من القطع في الباقي فهذه الوساوس من الشيطان و يريد ان يستفز الانسان و يزعزع قلبه عن القطع في الايمان فان في العمل بسكون القلب اثرا عظيما و في تزلزل القلب للشيطان مدخل عجيب كما حققناه في محله و يأتي لحصول العلم من الاخبار قاعدة مخصوصة فترقب فالواجب ان يسلك في فهم الآثار و الاخبار و اثباتها طرق العاديات و لايجري الاحتمالات العقلية بوجه من الوجوه و يجب ان يعمل بها سواء كان العقل مع ذلك متيقنا او ظانا او شاكا يعني سواء كان الدليل العقلي قائما بحيث يمتنع خلاف مدلوله او قام علي خلاف مدلوله ايضا دليل عقلي آخر الا انه مرجوح او قام علي خلافه ايضا دليل مساو له فانه ليس مدرك ذلك العقل بوجه من الوجوه و انما مثل ذلك انه يجب العمل بقول الفقيه سواء رضي به غيره او لميرض و لكن اصحابنا [ص 37] رضوان الله عليهم اجروا في العاديات العقليات فاختلط الامر علي اكثرهم فانسد عليهم باب العلم و اوجبوا العمل بالظن مع انه عند التحقيق لايحصل ظن لهم فانك لو شككت بوجود زيد في الدار فقلت انه لميكن قبل اليوم فيها فبحكم الاصل عدم دخوله فيها ليس الآن في الدار لايحصل للانسان ظن بعدم دخوله فيها و كذا لو علمت بوجوده فيها و شككت في اول دخوله و قلت الاصل في وجود الحادث التأخر فلميدخلها الي الآن و انما دخلها حين ما التفتنا فانه آخر جزء من الزمان السابق لايحصل لك ظن بدخوله في تلك الساعة و انما هي صرف قاعدة اجريتها لا اثر لها في النفس و انت باق علي شكك لو انصفت فكذلك بمحض قولك ان الاصل عدم التحريف و عدم الدس و عدم السهو و عدم نقل الكلمات عن معانيها و عدم المجاز و عدم الاضمار و عدم الاشتراك و عدم السقوط من قلم النساخ و عدم التقية و هكذا لايحصل لك ظن بانه لميقع شئ من ذلك فان ذلك قاعدة حكمية وضعية لايورث في النفس شيئا ففي الحقيقة لا علم لهم و لا ظن بصحة صدور الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم صلوات الله الملك الجبار و كذلك يجري هذه الاصول في كتب اصحابنا المتقدمين و المتأخرين التي يستنبطون منها الاجماع و الشهرة فتلك الكتب ايضا يحتمل فيها و في كلماتها جميع ذلك و لا بد من اثبات تلك الاصول كما قالوا ان لفظ الخبر لايجوز العمل به الا بعد اثبات اصول عشرة منها ما ذكرنا فكتب الاصحاب ايضا كذلك و انت تعلم ان محل استنباط القرائن للاخبار و لاقوال العلماء الاخيار الكتب و الكتب الفاظ لا بد في جواز الركون اليها من اثبات الاصول العشرة و قد عرفت ان تلك الاصول لاتنبئ عن الواقع و انما هي قاعدة موضوعة لاتفيد علما [ص 38] و لا ظنا فصارت القرائن و الشهرة و الاجماع ايضا مشكوكة و الاصول غير مفيدة للظن اللهم الا ان يحصل لهم من الخارج و من تضاعيف هذه المشكوكات امور و قرائن ظنية و انما كل تلك المحنة لاجراء الاحتمالات العقلية في الامور العادية و ليسوا كذلك في غير امور فقههم فانهم يأتيهم الكتب و الخطوط من الاطراف فيقرؤن و يعملون بها عن علم و يقين و يكالمون الناس و يحولون و يضمنون و يسمعون الاقارير و الشهود و يعملون بها علي الفطرة مع غفلتهم عن تلك الشبهات و لما كان تفقههم موضع توجه و تعمد و التفات الي تلك الشبهات يخدش في قلوبهم جميع ذلك حتي يبلغ الرجل منهم حيث يضيع عنه المفاهيم العرفية و يشتبه عليه الامور العادية و الواجب عليهم اصلاح النفس و ردعها عن هذه الشبهات و اما الاحكام التي وضعها الشارع فانها تثبت بعد ما عرفته بالدليل العقلي و حصلت آثاره بالعادة المعروفة و فهمت معانيها علي حسب العرف و العادة فاذا ثبت المراد حصل العلم العادي بمراد الشارع مثل ما يحصل العلم بمراد المورخين من كتبهم و بمراد النحويين و الصرفيين و الحكماء و غيرهم من الشعراء و الادباء من كتبهم و هذا العلم قد يجتمع مع الظن العقلي و شكه و وهمه و لا ضير فان الواجب هو العمل بالعلم العادي و اليقين العقلي عسر و حرج علي المكلفين فاذا حصل العلم العادي بالمراد صار ذلك المعلوم اصلا موضوعا يجب العمل بمقتضاه سواء حصل اليقين العقلي المستنبط عن الدليل العقلي الخاص به ام لا و سواء ساعدته العادة ام لا فان الشرع يوزن به كل شئ و لا يوزن بشئ و يرجع اليه من كل شئ و لايرجع منه الي شئ فعند ذلك يترك العقل و العادة و يعمل بالشرع ثم ان من الله علي امرء بمعرفة علل تلك الاحكام و حقايقها [ص 39] و اسبابها فتلك منة اخري و الا فله المن علي الدلالة عليها و منه التوفيق علي العمل بها و كم من قاعدة اكتبها في هذا الكتاب و هي باب يفتح منه الف باب و تزدريه مع ذلك اعين الاقشاب و الصلوة علي محمد و آله الاطياب ما طلع نجم و غاب .
اعلم ان مشاعر الانسان ثلثة الفؤاد و العقل و النفس و ذلك لان الانسان هو العالم الصغير انموذج العالم الكبير و فيه من كل جنس من مراتب العالم حصة و قبضة و لما كان العالم له مرتبة حقيقة مجردة عن المعني و الصورة و هي وصف الله الاعظم الاعظم الاعظم الذي وصف به نفسه للعالم الذي هو الانسان الكبير و مرتبة معان و هي العقل الكلي المجرد عن الصور الجزئية النفسية و مرتبة صور جزئية و هي النفس الكلية ذات الصور بمراتبها العشرين المحققة في محلها و الانسان انموذج العالم خلق فيه من كل نوع حصة و قبضة فله فؤاد و هو حصة من الحقيقة الكلية يدرك به الحقايق المجردة عن المعني و الصورة و به يعرف الله و يعرف ما سواه لان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و لايعرف وصف الله سبحانه و حقايق الاشياء الا به و منه المعرفة و ضدها الانكار و له عقل و هو حصة من العقل الكلي به يعرف المعاني الجبروتية و منه اليقين و ضده الظن و الشك و يجتمع اليقين مع الانكار كقوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و له نفس و هي حصة من النفس الكلية بها يعرف الانسان الصور الجزئية الملكوتية و الملكية و منها العلم الذي هو حضور المعلوم عند العالم و ضده الجهل و يجتمع مع الشك و الظن و الوهم لان العلم هو صرف حضور المعلوم عند العالم و قد يطلق العلم علي اليقين و المعرفة و ليس هنا محل [ص 40] تحقيق كل واحد باكثر من ذلك و لما كان العالم صاحب هذه المراتب الثلث و لايدرك الشئ الا ما هو من جنسه جعل الله في الانسان من كل نوع حصة ليعرفه بها و السنة هي الموافقة للكتاب المجيد التدويني الموافق للكتاب التكويني و لا رطب و لا يابس الا و هو فيها فان كان المقصود ادراك حقايق السنة فآلة ادراكها الفؤاد و ان كان المقصود ادراك معانيها المجردة الجبروتية فآلة ادراكها العقل و ان كان المقصود ادراك معانيها سواء كانت الذوات الخارجية او النورية او الذهنية كلية كانت او جزئية من حيث الارتباط بالمواد او الصور الذهنية فمدرك جميع ذلك النفس و ما لميستعمل الانسان في ادراك المدركات بالفتح مداركها لميصب الادراك فان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و لما كان مدرك ما يطلبه الفقهاء من الاخبار النفس و غاية ما يحصل منها و لها العلم قلنا في القاعدة السابقة انه يمكن اجتماع العلم مع الظن العقلي و الشك و الوهم فضلا عن الاجتماع مع اليقين فالعلم صفة النفس و هي اي النفس مدرك لادراك الصور الجزئية و التكاليف الشرعية المتعلقة بما دون العقايد امور جزئية و مدرك ادراكها النفس كما عرفت فلايطلب فيها اكثر من العلم اي حضورها عند نفس العالم فهي معلومات لها ان حضرت عندها و لها في مقامها علم و ظن و شك و وهم فعلمها ما حضر لديها من غير معارض مزيل او مزلزل له فتدركه عالمة بانه الذي انطبع في ذهنه من الخارج او بانه الخارج الواقع فالاول مثل ما انطبع في ذهنه من مدلول الكلام و الثاني مثل نفس الكلام فاذا اصغت النفس الي الكلام و ادركته علمت انها سمعت كلمة هكذا اذا لميعارضه شئ كما يأتي و كذلك اذا ادركت في ذهنها مدلولها علمت انها مدلول تلك [ص 41] الكلمة اذا لميعارضه شئ من عالمه و اما اذا عارضه شئ من عالمه بان انطبع في ذهنه من وجه كذا و من وجه كذا و لميعلم ايهما موافق للواقع او سمع مرة كذا و مرة كذا و لميعلم ايهما الواقع فان غلب احد المعارضين فالغالب راجح و يحصل لها منه الظن و المغلوب مرجوح يحصل لها منه الوهم و ان تساويا حصل لها منهما الشك فلميعلم ايهما الموافق للواقع و انما يحصل الشك و ان لمينطبع شئ فهو الجهل و هذا هو الفرق بين الجهل و الشك فلاتكن من الغافلين فان بعض المنتحلين قد غفلوا عن ذلك و زعموا الجهل شكا مع انه يشترط في الجهل عدم حضور شئ و في الشك حضور الطرفين مع تساويهما و بينهما فرق واضح فلست بشاك في وجود زيد في الدار الا ان يظهر لك امارات وجوده فيها و امارات عدمه و اما اذا لميظهر لك شئ اصلا فانت جاهل بوجوده و عدمه و قد كررنا ذلك في الشك و الجهل لتحفظه لما يأتي فكل ما يحضر عندك من غير معارض عادي انت عالم به و تعلم مطابقته للواقع الثانوي الذي آتاك الله و عرفك كما يأتي و كلما يعارضه شئ فينطبع في ذهنك هكذا و هكذا فانت تتردد بين الامرين ان كانا متساويين و تميل الي احدهما ان كان احدهما الغالب فذلك من ما قال الصادق عليه السلام في وصيته لمفضل من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة ، و لا بد في الشرايع و الاحكام من العمل بالعلم اي ما لا معارض له في النفس فان النفس تطمئن و تسكن عند عدم المعارض و تتردد و تضطرب بين الطرفين اذا كان معارض فيحتج الله سبحانه علي الانسان بما آتاه و عرفه فان كان و لا معارض تم الاحتجاج و ثبتت الحجة و وجب الاخذ به فاذا كان له [ص 42] معارض كل واحد يدعو الانسان الي جانبه و كل واحد علي خلاف الآخر و الرب واحد و النبي واحد صلي الله عليه و آله و دعوة الحق واحدة فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا قال الله سبحانه و ما امرنا الا واحدة فالدعوتان اما ليستا من الله كلتاهما او احديهما من الله و الاخري من الشيطان و لو كنت تعلم ايهما من الله و ايهما من الشيطان لثبتت و انقلب لك الشك علما و لكن لمكان عدم علمك ان الحق مع ايهما كنت في شك فلايتم عليك الحجة و لايجب عليك اتباع احديهما من دون بينة فان حجة الله هي الحجة الواضحة فالبين يتبع و الشبهة يتوقف فيها و لا بد من الوقوف فان المقتحم في احد الطرفين مخاطر بنفسه لايأمن الهلاك عليها و الظن من افراد الشك كما هو في حديث زرارة و لايأمن الانسان علي نفسه فهو ايضا من الشبهات فان الشبهات في مقابلة البينات كما هو معروف في الروايات و المظنونات ليست من البينات بالبداهة فهي من الشبهات فيجب التوقف عند الظن كما قال عليه السلام من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و كما قال النبي صلي الله عليه و آله اذا تطيرت فامض و اذا ظننت فلاتقض ، فالواجب هو العمل بالعلم و هو ما حضر لديك بعد الفحص و الطلب عن مراد الشارع من غير معارض و ما حصل لك مع المعارض تتوقف لديه في الفتوي و ترجع في العمل الي امر لا معارض له و هو الاحتياط او الاخذ باخبار السعة في العمل حتي يأتيك البيان كما يأتي ان شاء الله في محله و لا شك ان الاخذ بالاحوط ان امكن و علم سبيل الاحتياط احوط و الاحتياط ان تتوخي امرا اذا عملت به عملت بحجة الله و مراده البتة قطعا لا غير فان امكن لك ذلك فهو و الا فلا احتياط [ص 43] و يأتي تفصيل ذلك ان شاء الله تعالي .
اعلم ان الله سبحانه احد صمد فلا مدخل لغيره فيه و لا مخرج و ليس فيه و لا معه شئ غيره و لا حاجة له الي شئ غيره لاجل غناه المطلق اللازم لاحديته بل هو عين احديته فلاتلحقه فائدة الخلق و فائدة اعمالهم و افعالهم ففائدة الخلق و فائدة اعمالهم ترجع اليهم و لما علمنا ان فائدة الخلق لا بد ان ترجع اليهم و هو سبحانه غني عن طاعتهم آمن بمعصيتهم لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه و علمنا ان الفائدة منحصرة في دوام بقائهم و تنعمهم في دار البقاء و الوصول الي النعيم الدائم المقيم و مفارقة الشقاء و العناء الثابت الاليم و علمنا انهم جهال لايهتدون الي اسباب ذلك سبيلا الا ان يجدوا عليها دليلا علمنا انه لا بد في الحكمة ان يهديهم الله سبحانه الي اسباب ذلك باسباب موصلة الي ذلك و علمنا انها الانبياء و الرسل عليهم السلام بمقدمات و ادلة ليس هيهنا موضع بيانها فلاجل ذلك بعث الله الرسل و انزل معهم الكتب مقرونة بادلة موجبة للعلم بحقيتهم و اليقين بصدقهم من المعجزات البينات و العلوم و الاخلاق و الاحوال ما ليس هيهنا موضع بيانه باكثر من الاشارة فقد جاؤا و بلغوا عن الله سبحانه شرايعه و احكامه و هدوا الي مراد الله سبحانه و لميقصروا في شئ مما امروا به فانهم معصومون مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و لا شك في ذلك و لا ارتياب و لكن و انما وقع الشك في قلوب الناس لاجل الوسواس الخناس انهم عليهم السلام هل بلغوا عن الله سبحانه ما احدث للمكلفين علما بمراد الله سبحانه بحيث لايحتمل النقيض في صدورهم او ما احدث ظنا يحتمل النقيض باحتمال مرجوح او بلغوا ما يحدث لهم علما [ص 44] لكن عرض لسننهم و آثارهم عوارض فدرس اطلالها و طمس آثارها و اخمد انوارها و زعزع اركانها و اخفي دلائلها فلايحدث بعد ذلك الا ظنا او شكا فاكثروا في ذلك القيل و القال لاستبانة الحال حتي ملأوا بشرحه الطوامير و الطروس و اطالوا في بيانه الابحاث و الدروس فآل امر كثير منهم في آخر الزمان انهم سلام الله عليهم لميبلغوا الا ما يحدث الظنون و آخرون زعموا انهم بلغوا ما احدث العلوم ثم طرتها ما هدمت بنيانها و زعزعت اركانها فلايحدث الآن الا الظنون و زعم جماعة انهم ابلغوا عن الله سبحانه ما احدث العلم و شددوا بنيانه و اتقنوا برهانه بحيث لايزداد في مر الدهور الا ظهورا و لايستفيد حينا بعد حين الا نورا فاحدث في الاول علما و يحدث بعد ذلك ايضا علما الي يوم القيمة فلايهدم بنيانه هادم و لايصرم اصوله صارم و ترقي جماعة من الاولين فزعموا ان بناء العالم و اساس عيش بني آدم علي الظنون و ان العباد متعبدون بظنونهم من اي جهة كانت و من اي شئ حصلت و ان شرايع الانبياء و آثارهم احد اسباب الظن و قالوا نحن نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن منها فنحن ندور مدار ظنوننا فان حصلت من الاخبار و الا فمن حيث حصلت كائنا ما كان بالغا ما بلغ و فصل آخرون فزعموا ان من الشرايع ما يحدث للعباد علما كالمجمع عليه و منها لايحدث الا الظنون كساير الآثار و الاخبار مجملا جعلوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون و نحن نذكر هيهنا لك ما يقتضيه حكمة الله المتعال و قدرة الله ذي الجلال معرضا عن ادلتهم صافحا عن طريقتهم فاعلم انه لما خلق الله الحكيم لفائدة و كانت تلك الفائدة بقائهم الابد و تمتعهم بالنعيم السرمد علم انهم [ص 45] لايصلون اليها الا ان يعملوا بما يورثها لهم و يتركوا ما يورث لهم خلاف ذلك فلزم في الحكمة ان يهديهم الي تلك الاسباب المورثة للبقاء الابدي و النعيم السرمدي و علم انهم مخلوقون له فقراء في كل شئ اليه ليس لهم الا ما آتيهم و لايملكون الا ما اعطاهم و لايعلمون الا ما علمهم و لايهتدون الا الي ما هديهم اليه و علم انهم لايقدرون علي التلقي منه من غير واسطة فخلق لذلك وسائط تعلمهم تلك الاسباب و تهديهم اليها و هي الرسل و الاوصياء عليهم السلام فارسل اليهم الرسل و انزل اليهم الكتب و اصطفاهم بالوحي و ارتضاهم لحمل شرايعه و جعلهم ترجمان حكمته و السنة اداء مراضيه و مساخطه بقدرته و امرهم ان يؤلوا اليهم و يرجعوا الي حكمهم و حذرهم عن مخالفتهم فقال من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و قال فليحذر الذين يخالفون عن امره الآية ، و لايشك عاقل في ان الله سبحانه لايترك الاولي و لايعدل عن الاحسن و قد عاب بذلك علي انبيائه و رسله فما كان نقصا في المخلوق فهو نقص في الخالق بداهة و لايجوز عليه بتة و كذا لايشك عاقل ان اكمال الحجة و ابلاغها بالعلم احسن و اولي من ايصالها بالظن و لايكاد يخدش في ذلك ذو مسكة فلايجوز ان يعدل الله سبحانه عن الاكمل الاحسن الاولي و هو قادر علي ذلك لا راد لقضائه و لا مانع عن حكمه و لا قاهر لقدره و ان قلت ان هذا اكمل و اولي و لكن منع عنه مانع و المانع منا قلت اذا اقررت بان ذلك احسن و اولي و لا مانع عنه من جهته سبحانه فينبغي ان يكون ابلاغه سبحانه علي نهج العلم و الاكمل و قد فعل لانه قال اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فلا نقص [ص 46] من جهته سبحانه بلا نزاع و اما قولك ان المانع منا اليس ان كان المانع منا لميظهر ابلاغ الله سبحانه علي نهج الاكمل و ظهر عجزه و ما انتم له بمعجزين البتة مثال ذلك اذا كان رجل محرم لايفهم العربية و لايحسنها اكنت اذا اخبرته بخبر بالعربية اكنت مبلغا اليه الخبر او منبها اياه به حاشا بل هو من عجزك و سوء تدبيرك و يعيبك علي ذلك كل احد لاسيما اذا عاقبته بالمخالفة فاذا عرفت ذلك في الدرجة العليا فاعرفه في السفلي و هو انه اذا كان مانع منا عن العلم كالمحرم الذي فيه المانع عن فهم العربية و لمنعلم ما اتي به الرسل و الوحي اليس يكون الله سبحانه كمخبر المحرم بالعربية غاية الامر ان عجز المخبر بالعربية اكثر بالجملة الابلاغ هو الايصال الي فهم السامع لا سطح جسده و الايصال الي الفهم التفهيم و التفهيم هو التعليم و التعليم يحصل بعد حصول العلم للمتعلم الاتري ان التلميذ لو كان غبيا لايفهم ما تقول تقول عجزت عن تعليم هذا و انما ذلك لانه لميحصل له العلم و لو كان ذكيا و تعلم قلت علمته ذلك فان لميعلم المكلفون مراد الله سبحانه نقول ان الله لميعلمهم ذلك فلو كان علمهم كانوا يعلمون فمتي لميعلمهم لميفهمهم و متي لميفهمهم لميوصل الي افهامهم و متي لميوصل الي افهامهم لميبلغ اليهم و متي لميبلغ المحتج حجته لا حجة له و لله سبحانه الحجة البالغة علي كل احد و لولا الحجة البالغة كان خلقه الخلق عبثا و بطل الحكمة و القدرة نعوذ بالله فتبين و ظهر ان الخلق لايكون الا للفائدة لهم و الفائدة لاتحصل الا باسباب و لا سبيل لهم الي الاسباب الا بتعليم الله سبحانه و لا تعليم الا بعد حصول العلم لهم و من زعم ان العلم لايمكن حصوله و بابه مسدود بالذات او تجدد انسداده فهو قائل في الواقع بعدم تعليم الله سبحانه و تفهيمه و ابلاغه [ص 47] لما عرفت او عجزه سبحانه عن الابلاغ الواقعي الحقيقي فان الظن باجماعهم ما يحتمل النقيض و ليس يحتمل النقيض الا لعدم العلم بعدمه بالبداهة و لايجهل عدم النقيض الا بسبب نقصان علمه بالوجود و شوبه بالجهل و عدم احاطته فهو بتعليم ناقص بل ليس بالتعليم لان العلم ما لايحتمل النقيض و انما هو باقامة بعض الامارات الناقصة فمنكر حصول العلم منكر للتعليم حقيقة و منكر التعليم منكر للابلاغ الكامل حقيقة و منكر الابلاغ يلزمه القول بعجز المبلغ حقيقة و حاشا ربنا العزيز القاهر القادر الذي لا مانع عن قدرته هذا و قد تكاثرت في المنع عن العمل بغير العلم الآيات و الاخبار فقد قال الله تعالي سيقول الذين اشركوا لو شاء الله مااشركنا و لا آباؤنا و لاحرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتي ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و قال قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشركوا بالله ما لمينزل به سلطانا و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال و اذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله امرنا بها قل ان الله لايأمر بالفحشاء اتقولون علي الله ما لاتعلمون و قال في الشيطان انما يأمركم بالسوء و الفحشاء و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال و ان كثيرا ليضلون باهوائهم بغير علم و قال فمن اظلم ممن افتري علي الله كذبا ليضل الناس بغير علم و قال و لاتقف ما ليس لك به علم الي غير ذلك من الآيات و قد عد بعض اصحابنا قريبا من سبعين آية و يكفي واحدة منها للمسلم لان كلام الله سبحانه مفرده و مكرره سواء في الحجية و قال الصادق عليه السلام من افتي الناس برأيه فقد دان بما لايعلم [ص 48] و من دان بما لايعلم فقد ضاد الله حيث احل و حرم فيما لايعلم و عن النبي صلي الله عليه و آله اذا تطيرت فامض و اذا ظننت فلاتقض و عن ابيالحسن عليه السلام اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه و قال الصادق عليه السلام لايسعكم فيما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلوا عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق قال الله فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ، و عنه عليه السلام ان الله حصر عباده بآيتين من ان يقولوا ( ان الله تبارك و تعالي حصن عباده بآيتين من كتابه ان لايقولوا خ ) حتي يعلموا و لايردوا ما لميعلموا قال الله عز و جل الميؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لايقولوا علي الله الا الحق و قال بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله ، و عنه عليه السلام اياك و خصلتين فيهما هلك من هلك اياك ان تفتي الناس برأيك او تدين بما لاتعلم و عنه عليه السلام انهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال ان تدين الله بالباطل و تفتي الناس بما لاتعلم و عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من افتي الناس بغير علم لعنته ملائكة السموات و الارض و عن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث ليس لك ان تتكلم بما شئت لان الله عز و جل قال و لاتقف ما ليس لك به علم ، و عن الصادق عليه السلام اياك و خصلتين مهلكتين ان تفتي الناس برأيك او تقول ما لاتعلم و عنه عليه السلام اياك و خصلتين هلك فيهما الرجال ان تدين بشئ من رأيك او تفتي الناس بغير علم و عن ابيجعفر عليه السلام قال من افتي الناس بغير علم و لا هدي لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه و عن ابيعبدالله عليه السلام اذا سئل الرجل [ص 49] منكم عما لايدري فليقل لاادري و لايقل الله اعلم فيوقع في قلب صاحبه شكا و اذا قال المسئول لاادري فلايتهمه السائل و عن ابيجعفر عليه السلام لو ان العباد اذا جهلوا وقفوا و لميجحدوا لميكفروا و عن الصادق عليه السلام القضاة اربعة ثلثة في النار و واحد في الجنة رجل قضي بجور و هو يعلم فهو في النار و رجل قضي بجور و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو يعلم فهو في الجنة و سئل ابوجعفر عليه السلام عن حق الله علي العباد قال ان يقولوا ما يعلمون و يقفوا عند ما لايعلمون و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن ذلك فقال ان يقولوا ما يعلمون و يكفوا عما لايعلمون فاذا فعلوا ذلك فقد ادوا الي الله حقه و عن ابيعبدالله عليه السلام في وصيته لمفضل من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه ، الي غير ذلك من الاخبار المتجاوزة حد التواتر فانظر وفقك الله تعالي انه هل يسع الشيعي بعد ما ورد عن ساداته و مواليه الذين يفترض طاعتهم و يقر بعصمتهم ما يزيد علي حد التواتر ثم وافق كل تلك الاخبار الكتاب و كان فيه في النهي عن ذلك قريب من سبعين آية و ساعدهما دليل العقل ان يتخلف عن جميع ذلك و يقول بجواز العمل بالظن في احكام الله سبحانه و هل يجوز للشيعي متابعة تلك الادلة الظنية التي هي اوهن من بيت العنكبوت و لايرضي بها احد ممن له طبع مستقيم و ترك الكتاب و السنة مع صراحتهما و هل يجوز للشيعي ان يترك كل هذا او يأولها و يركن الي تلك الادلة الاصولية التي هي [ص 50] اوهن شئ في الدنيا هذا و قوم من العدول الثقات الذين لايتهمون بالفسق و لا بالجهل ينادون ان باب العلم مفتوح و انا لانفتي الا بالعلم و الكتاب و السنة ايضا معهم يشهدان بعدم انسداده فكيف يمكن ان يسكن قلبه الي تلك الادلة السخيفة و لايتزلزل ابدا نعوذ بالله و اذا بني الشيعي ان يرد كل هذه الآيات و الاخبار في مسئلة فباي حديث بعده يؤمنون و من تدبر في هذه الاخبار و غيرها مما تركناها هنا و اوردناها في كتابنا فصل الخطاب و اوردها ساير اصحابنا المحدثين بنظر الاعتبار و ترك الانس بموافقة القوم و الاستيحاش عن مخالفتهم عرف علي نحو البداهة ان العمل بالظن و الاجتهاد ليس من دين الله و لا رسوله كما يعرف ان شرب الخمر و ساير المآثم حرام في دين الله و لااظن ان يبلغ الآيات و الاخبار في تحريم محرم مبلغها و من زعم انه يأول هذه الاخبار فقد اتخذ مذهبا لايقوم معه للاسلام عمود و لايخضر له عود فانه لو فتح باب التأويل لمابقي لذي حجة حجة و قد قال صلي الله عليه و آله نحن معاشر الانبياء نكلم الناس علي قدر عقولهم ، فاين التأويل و هم قد نطقوا للهداية و التعليم فالعمل بالظن حرام كحرمة الزنا و شرب الخمر و لا عبرة بالعمل به و العامل به فاي عبرة باجتماعهم او افتراقهم بعد ذلك فيجب العمل في جزئي الامور و كليها بما علم صدوره عنهم صلوات الله عليهم فانه لا علم الا لله و لايظهر الا علي السنة حجج الله فما صح عنهم صح عن الله و ما لميخرج عنهم جهل جهلاء و هو من الطاغوت و قد امرنا ان نؤمن بالله و نكفر بالطاغوت و لا حاجة لنا الي ذكر ادلتهم و تزييفها فانهم لو صنفوا الف كتاب و حشوها بالادلة علي حجية الظن بادق اوهامهم يبطل جميعها آية من كتاب الله سبحانه او خبر واحد صح [ص 51] صدوره عن النبي صلي الله عليه و آله و الحجج عليهم السلام و كلها جهل جهلاء و خطوات شيطان و ذكرها و التعرض لها و ردها تضييع عمر و الباطل يموت بترك ذكره فلنقتصر بما ذكرناه علي سبيل الاختصار فبعد ذلك
فدع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المروي عن كعبالاحبار
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
فما صدر عنهم و صح صدوره عنهم في خصوص شئ فاعمل به و اعمل بما وضعوه قاعدة في غير المنصوص و اني لنا بغير منصوص بعد قوله عليه السلام كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه امر او نهي ، و اي شئ يخرج من تحت عموم كل شئ فالواجب متابعة الآثار و الاقتصار علي الاخبار و مجانبة الاغيار و لا قوة الا بالله العلي العظيم و لايستوحشنك في طريق الحق قلة اهله فان الناس اجتمعوا علي مائدة شبعها قليل و جوعها طويل و قليل من عبادي الشكور و هذا المقدار من الآيات و الاخبار كاف ان شاء الله للابرار و من لايسكن قلبه بما ذكرنا من الكتاب فليس باهل للكلام بل لاينبغي ان يكلم الا بالتقية فانهم لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فما تغن النذر .
اعلم ان الله سبحانه هو الحق الدائم الازلي و امره و حكمه حق لانه بالحق و من الحق و لايجوز في الحكمة اخترام الحق و انقطاعه و غلبة الباطل عليه لان الحق من الله و بالله و الي الله و هو غالب علي كل شئ غير مغلوب و دائم ثابت لايزول و لايحول و قوام العالم و نظامه بالحق اي بامر الله الذي هو الحق فلو ارتفع الحق عن العالم لفني العالم فانه ينقطع عن امر الله سبحانه و لايقوم شئ الا بامر الله فبالحق حيوة العالم و قوامه و حركته و ثباته [ص 52] لانه من امر الله و ان اخترم يوما ما و ارتفع لظل العالم ميتا لا حراك له و دليل بقاء الحق في العالم نظامه و دوران افلاكه و سبح نجومه و ثبات ارضه و بقاؤه علي حاله و هذا مما لا ريب فيه و لا شك يعتريه و مايتذكر الا اولوا الالباب و انت لما علمت بمقدمات عندك ان النبي صلي الله عليه و آله هو كان حامل الحق في آخر الزمان و كان دينه و شرعه حيوة العالم تعلم ان دينه و شرعه لا بد و ان يبقي الي يوم القيمة فانه لا نبي بعده فبدينه و شرعه تقوم السموات و الارض و ذلك قوله تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره ثم اذا دعاكم دعوة من الارض اذا انتم تخرجون فاذا الواجب بقاؤ دينه في جميع الاعصار و الازمان الي يوم القيمة بل هو باق و آيته بقاؤ السماء و الارض و قيامهما و لما كان دينه و شرعه غير مخصوص بقوم دون قوم و عصر دون عصر بل كان عاما لكل قوم و في كل عصر و يتجدد في كل قوم و في كل عصر وقايع لمتكن قبل و لا بد و ان يكون لتلك الواقعة حكم من الله سبحانه لتكون بذلك قائمة حية وجب في الحكمة نصب من يقوم مقامه لئلايضيع من في اصلاب الرجال و يظهر في ساير الاعصار و يدل علي ذلك ما نقله العاملي عن الطبرسي في الاحتجاج عن النبي صلي الله عليه و آله في احتجاجه يوم الغدير علي مفسر كتاب الله و الداعي اليه الا و ان الحلال و الحرام اكثر من احصيها او اعرفها فآمر بالحلال و انهي عن الحرام في مقام واحد فامرت ان آخذ البيعة عليكم و الصفقة منكم بقبول ما جئت به عن الله عز و جل في علي اميرالمؤمنين و الائمة من بعده ، و علة اخري في وجوب نصب القائم ان كل امر لما طال في قوم و توارد عليه الافكار و تتابع عليه الانظار يقع فيه شكوك و شبهات يضيق منها المخرج و يلعب [ص 53] به ايدي المنافقين و الاشرار و الناصبين الفجار فيضمحل بمر الدهور و الايام و في تصاريف الاعصار و الاعوام حتي لايبقي من الاصل الا اسمه و من الواقع الا رسمه فيجب في الحكمة نصب حافظ لذلك الامر يحفظه عما ذكر لئلايبطل الدين و يمحق الشرع المبين و يدل علي ذلك ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله ان لكل بدعة من بعدي يكاد بها الايمان وليا من اهل بيتي يذب عنه و يعلن الحق و يرد كيد الكائدين ، و له علل اخري ليس هيهنا موضع بيانها و من الثابت الجازم بيننا ان ذلك القائم بعد النبي صلي الله عليه و آله علي و عترته عليهم السلام و لذلك قال صلي الله عليه و آله في اواخر عمره ما رواه العامة و الخاصة اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لنتضلوا و قال لاتعلموهم فانهم اعلم منكم ، و احاديث متواترة رواها العامة و الخاصة فالمرجع بعد النبي صلي الله عليه و آله الي علي عليه السلام ثم بعده الي وصيه و وصي وصيه الي ان انتهي الامر الي مولينا و سيدنا بقية الله في ارضه عليه السلام و هو الحافظ للشرع بعد ابيه عليهما السلام و لولا ذلك لالتبس علي المسلمين امورهم و لميعرف الحق من الباطل لكثرة تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و دس الداسين و افتراء المفترين و حذف السارقين و شبهات المشبهين الي غير ذلك من آفات الدين في مر الدهور و الاعصار فلولا وجود الحافظ لبطل امر الدين و انمحق الشرع المبين اسرع من سحاب بدده العاصفة من الرياح و دليل حفظه بقاء السموات و الارضين و قيامهما و بقاء النظام و لكن اكثر الناس لايعلمون و لما حكم الله و قضي لبقية الله صلوات الله عليه الغيبة لمصالح هو اعلم بها غيبه عنا و ابقي فينا آثاره و اخباره فان آثار آبائه هي [ص 54] آثاره و هو روحها و به قوامها و حيوتها فانهم نفس واحدة و روح واحدة و طينة واحدة و امرهم واحد و حكمهم واحد و علمهم واحد و حديثهم واحد فلا بد في الحكمة اذا غاب عنا ان يستخلف فينا آثارا تكون نوره و بدله و القائمة مقامه و ما يكون بدله و القائم مقامه لاينبغي ان يكون الا حقا و من الله و بالله و الي الله حتي لايضيع رعيته في غيبته و خفائه و ليكون عليهم حجته بالغة و حكمته فيهم كاملة ان لايقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين او يقولوا انما كان آباؤنا في اوهام و شكوك و شبهات و ظنون و كنا ذرية من بعدهم ضعفاء لانقدر ان نبدع دينا من عندنا فصرنا علي آثارهم مقتدين او يقولوا قد اهملتنا و غيبت حجتك فاكلنا و تمتعنا كما يتمتع الانعام اذ ماكنا نريك حتي نسمع منك و لانري حجتك حتي نصغي اليه و لميك بايدينا امر نقطع به انه منك فليس لك اليوم علينا حجة و كنا بالدين جاهلين فوجب في الحكمة استخلاف اخبار صحيحة و آثار قطعية لتقوم بها الحجة عليهم اذا دخلوا البيت من بابه و طلبوا الحق من مآبه فيصح عملهم بها و تكون قاطعا لاعذارهم يوم القيمة و يهلك بعدها من هلك عن بينة و يحيي من حي بعدها عن بينة فمن ظن انه لايجب استخلاف اخبار صحيحة يمكن طالب الحق الوصول اليها و يصح عند الله عمله بها هو كمن يظن انه لايجب ان يستخلف رسول الله صلي الله عليه و آله معصوما فانه لا فرق بين الاقوال و الرجال فكما يكفي هنا اخبار متشابهة يكفي هناك رجال متشابهة و كما يكفي هيهنا الاجتهاد يكفي هناك الاجتهاد فالقول بعدم وجوب استخلاف آثار صحيحة يصل اليها المجاهدون في سبيل الله البتة كما قال سبحانه الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا لايتمشي في مذهب الامامية و لما علمنا ان بقية الله صلوات الله عليه و علي آبائه [ص 55] معصوم مطهر علمنا انه لايخل بالحكمة فقد فعل و خلف و يجب الرجوع اليها كما امروا و الاستنباط عنها كما اوقفوا و لكن الله سبحانه لما بني حكمته علي نهج الاولي و الصواب و كان في الحكمة ان يجري الايجاد علي نهج الاختيار و لايمنع قابلية عن مقتضاها حتي ينال كل نصيبه من الكتاب و كان في الامة رجال يسعون في اطفاء نور الله عز و جل و ابطال دينه و مخالفة ارادته لميمنعهم عن ارادتهم خذلانا و املاء و جري الامر في اخبارهم ايضا مثل ما جري في الحجج بعد رسول الله صلي الله عليه و آله من ادعاء الضلال مع ادعائهم و دعوة الناس الي انفسهم كما يدعوا الحجج الي انفسهم و كذلك جري في اخبار رسول الله صلي الله عليه و آله في عصره و بعده فانه صلي الله عليه و آله كذب عليه في عصره حتي قال قد كثرت علي الكذابة و ستكثر فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار و قال ايضا سيكذب علي كما كذب علي من كان قبلي ، فقد كذب علي الائمة عليهم السلام في اعصارهم حتي قال الصادق عليه السلام ان الناس اولعوا بالكذب علينا و سأل بعض اصحابنا يونس بن عبدالرحمن رحمه الله فقال يا بامحمد ما اشدك في الحديث و اكثر انكارك لما يرويه اصحابنا فما الذي يحملك علي رد الاحاديث فقال حدثني هشام بن الحكم انه سمع اباعبدالله عليه السلام يقول لاتقبلوا علينا حديثا الا ما وافق القرآن و السنة او تجدون معه شاهدا من احاديثنا المتقدمة فان المغيرة بن سعد لعنه الله دس في كتب اصحاب ابي احاديث لميحدث بها ابي فاتقوا الله و لاتقبلوا علينا ما خالف قول ربنا و سنة نبينا محمد صلي الله عليه و آله فانا اذا حدثنا قلنا قال الله عز و جل و قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال يونس وافيت العراق فوجدت بها قطعة من اصحاب ابيجعفر و وجدت اصحاب [ص 56] ابيعبدالله متوافرين فسمعت منهم و اخذت كتبهم فعرضتها بعد علي ابيالحسن الرضا عليه السلام فانكر منها احاديث كثيرة ان يكون من احاديث ابيعبدالله عليه السلام و قال لي ان اباالخطاب كذب علي ابيعبدالله عليه السلام لعن الله اباالخطاب و كذلك اصحاب ابيالخطاب يدسون هذه الاحاديث الي يومنا هذا في كتب اصحاب ابيعبدالله عليه السلام فلاتقبلوا علينا خلاف القرآن فانا ان حدثنا حدثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة انا عن الله و عن رسوله نحدث و لانقول قال فلان و فلان فيتناقض كلامنا ان كلام آخرنا مثل كلام اولنا و كلام اولنا مصداق لكلام آخرنا و اذا اتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه و قولوا انت اعلم و ما جئت به فان مع كل قول منا حقيقة و عليه نور فما لا حقيقة معه و لا نور فذلك قول الشيطان و عن ابيعبدالله عليه السلام كان المغيرة بن سعد يتعمد الكذب علي ابي و يأخذ كتب اصحابه و كان اصحابه المستترون باصحاب ابي يأخذون الكتب من اصحاب ابي فيدفعونها الي المغيرة فكان يدس فيها الكفر و الزندقة و يسندها الي ابي ثم يدفعها الي اصحابه فيأمرهم ان يبثوها في الشيعة فكلما كان في كتب اصحاب ابي من الغلو فذلك مما دسه المغيرة بن سعد في كتبهم و عنه عليه السلام ان اهل الكوفة نزل فيهم كذاب اما المغيرة فانه يكذب علي ابي يعني اباجعفر عليه السلام قال حدثه ان نساء آلمحمد اذا حضن قضين الصلوة و ان والله عليه لعنة الله ماكان ذلك من شئ و لاحدثه و اما ابوالخطاب فكذب علي و قال اني امرته ان لايصلي هو و اصحابه المغرب حتي يري كوكبا كذا و عنه عليه السلام ثلثة كانوا يكذبون علي رسول الله صلي الله عليه و آله ابوهريرة و انس بن مالك و امرأة و عنه عليه السلام انا اهل بيت [ص 57] صادقون لانخلو من كذاب يكذب علينا و يسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس كان رسول الله صلي الله عليه و آله اصدق البرية لهجة و كان مسيلمة يكذب عليه و كان اميرالمؤمنين عليه السلام اصدق من برء الله بعد رسوله صلي الله عليه و آله و كان الذي يكذب عليه و يعمد (ظ) في تكذيب صدقه بما يفتري عليه عبدالله بن سبا لعنه الله و كان ابوعبدالله الحسين بن علي عليه السلام قد ابتلي بالمختار ثم ذكر ابوعبدالله عليه السلام الحارث الشامي و بنان فقال كانا يكذبان علي علي بن الحسين عليه السلام ثم ذكر المغيرة بن سعد و بزيعاً و السري و اباالخطاب و معمر و بشار الاشعري و حمزة اليزيدي و صايد النهدي فقال لعنهم الله انا لانخلو من كذاب يكذب علينا او عاجز الرأي كفانا الله مؤنة كل كذاب و اذاقهم حر الحديد و عن الباقر عليه السلام لمنزل اهل البيت منذ قبض رسول الله صلي الله عليه و آله نذل و نقصي و نحرم و نقتل و نطرد و وجد الكذابون لكذبهم موضعا يتقربون الي اوليائهم و قضاتهم و عمالهم في كل بلدة يحدثون عدونا و ولاتهم الماضين بالاحاديث الكاذبة الباطلة و يحدثون و يروون عنا ما لمنقل تهجينا منهم لنا و كذبا منهم علينا و تقربا الي ولاتهم و قضاتهم بالزور و الكذب و كان عظم ذلك و كثرته في زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام الخبر ، الي غير ذلك من الاخبار الشاهدة النادية علي ان المنافقين قد دسوا في كتبهم و آثارهم و حرفوا و غيروا و زادوا و نقصوا و كذلك الرواة الثقات منهم لايخلون من سهو و وهم في الخبر و ان لميتعمدوا الكذب و من هذا القبيل ايضا كثير في اخبارهم فبقي اخبارهم الحقة لحكمة لايعرفها الا الخصيصون ممزوجة بالباطل فاتيا جميعا فلو خلص الحق لميخف علي ذي حجي و لو خلص الباطل [ص 58] لميخف علي ذي حجي و لكن اخذ من كل ضغث فمزجا و اتيا جميعا ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و يكون لاهل الحق مستند يستندون به و يكون لاهل الباطل ملجأ يستترون به و هذا والله من التدبير الحكيم من حكيم عليم لايغالب في امره و لايمانع في حكمه و هو المقدر لذلك لعلل ليس هيهنا موضع بيانها و هو والله لو شاء غير ذلك ماقهره قاهر و لامنعه عن ارادته مانع و لكنه حكمة بالغة لايجوز غيره في صلاح النظام و هكذا ابقي للحق و اهله مجملا بقي بعد بقية الله صلي الله عليه اخبار حقة ممزوجة بالباطل كما بقي بعد النبي صلي الله عليه و آله اخبار حقة ممزوجة بالباطل كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان في ايدي الناس حقا و باطلا و صدقا و كذبا و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصا و محكما و متشابها و حفظا و وهما الخبر ، و كما انه صلي الله عليه و آله خلف بعده اميرالمؤمنين فقام معه رجال ادعوا مثل دعواه حتي تحير الجاهلون فلاتجد في الدنيا حقا صرفا محضا عن الباطل ابدا حتي كتاب الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه فقد حرفوه و قدموا فيه و اخروا و حذفوا منه حتي انه لايعلم آي من آي فما ظنك باخبار آلمحمد عليهم السلام فهم عليهم السلام خلفوا بعدهم آثارا و لكن القي الشيطان في امنيتهم كما انه يقول و ماارسلنا من رسول و لا نبي و في قراءة اهل البيت و لا محدث الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته و ذلك سنة قد خلت من قبل و لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتي انهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه فبعد بقية الله صلوات الله عليه ايضا كان الامر كذلك حرفا بحرف و ببقاء الحق الذي في هذه الاخبار تقوم السموات و الارض [ص 59] و تعمر الديار كما عرفت و دليل بقاء الحق فيها بقاء الدنيا و هكذا يكون الامر حتي يتميز الخلائق و يظهر شمس المغارب و المشارق فهنالك يظهر الحق خالصا من شوب الباطل و يعود الشرع علي البدء و يجري الاحكام علي حسب الواقع و لكن هذه البني الممزوجة و الاعين المرمودة لاتطيقها و لو ظهرت لها و كلفت بها لتفرقت بنيتهم و تبددت جماعتهم و تشتت شملهم و الله حكيم عليم رؤف رحيم لان الزمان زمان خلط و مزج و ان من شئ الا و فيه اعراض غريبة و لطخ من غيره لحكمة ليس هيهنا موضع بيانها فلاتقوم بنية الناس الممزوجة الا بذاتياتها و اعراضها ما دام يريد الله ذلك فلا بد لكل منهما المدد حتي يبقيا قال الله سبحانه كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و الشرع هو مدد بني الخلق و بالعمل به قوامهم و نظامهم فلا بد و ان يكون مددهم مشاكلا لهم ممزوجا فيه الحق و الباطل حتي اذا عملوا بهما يمد كل من جهتيهم بهما من حيث لايعلمون و لذلك وقع المزج في جميع الكتاب و السنة و الا فلايغالب الله في تقديره و لايمانع من محتوم امره و ذلك امر لايحتمله الا الخصيصون العالمون بالكم و الكيف و اللم و تدبير سياسة المدن و ما به قوام العباد فمن رام غير ذلك فلنفسه اتعب و لروحه انصب فادخلوا البيت من بابه كما اريد منكم و كما امرتم و لاتتكلفوا علم ما زوي عنكم فان الله لايحب المتكلفين و سلموا الامر لمدبره تفلحوا لان الله يقول قد افلح المؤمنون روي اي المسلمون ان المسلمين هم النجباء ، فلاينبغي في هذه الاعصار الا هكذا و لااريد منهم الا هذا لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و لايكلف الله نفسا الا وسعها فاسترح و لاتغتم مما قدر الله سبحانه و لاتتكلف ما لمتؤمر به و لاالقي عليك [ص 60] و لااريد منك و لايصلح لك و لاتتحمله لو اوتيته و لميكلفك الله سبحانه بعلم الغيب و لميكلف المرضي بغذاء الاصحاء و انما لهم ادوية بشعة مرة كريهة و لو تكلفوا غيرها لميعطوا و لو اعطوا لهلكوا و الله لايحب المتكلفين و سيأتيك طريق العمل بما شاء الله كيف شاء الله .