رسالة القواعد
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم ابد الآبدين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان هذه درر يتيمة و فوائد عظيمة و قواعد مضبوطة و اصول متأصلة استنبطتها من الكتاب و السنة و آثار العترة الطاهرة صلوات الله عليهم اجمعين في سوالف الازمان و الايام و خوالف الاعوام و كانت في دفاتري متفرقة و في صحفي متشتتة و لميقدر لي جمعها و ترتيبها الي الآن و قد تفكرت في هذا الاوان في تقلبات الدنيا و تصاريفها و رأيت انها تفني و تبلي بمرور الايام و تقضي الاعوام فاحببت جمعها في رسالة مخصوصة لتكون لي من الباقيات الصالحات و وسيلة الي الدرجات و تلك القواعد في فن اصول الفقه و لكني دخلت بيتها من غير الباب الذي دخله الاكثرون فانهم قد دخلوا فيه من باب قد كثر فيه الاعتراضات و الايرادات و قد هُيئ لكل مطلب فيه اعتراض و رد و ايراد و لايكاد يخلو فيه حق عن باطل معترض بازائه و يقين عن شك واقف بحياله فاحببت ان ادخل فيه من باب لميحيطوا به علما و لميهيئوا للداخل فيه اعتراضا و منعا فيدخل الناظر فيه بفطرة سليمة الهية غير مغيرة [ص 3] و لا مبدلة فيقف علي الحق من غير تردد فان الطبع لو خلي عن الشبهات يعرف بالفطرة الالهية صرف الحق قال ابوعبدالله عليه السلام ما من احد الا و قد يرد عليه الحق حتي يصدع قلبه قبله ام تركه ، فاذا كان القلب غافلا عن طريق الشبهة و ورد عليه الحق عرفه ان انصف و هذا الباب الذي قد دخلت منه في هذه الرسالة باب لميتفكروا فيه حتي يعترضوا عليه او يمنعوا او يردوا بل لغرابته ترتاع نفوسهم و تدهش فتستمع اليه حتي تعرف ما هو فاذا اصغي اليه الانسان غافلا عن وجوه الشبهات يصدع الحق قلبه و يقبله ان شاء الله فخذها و كن لله من الشاكرين و سميتها كما هي بالقواعد راجيا من الله حسن ختامه في التقدير انه بالاجابة جدير و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
اعلم انه قد اجمع الموحدون علي ان الله سبحانه كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه لا في قدرته و لا في علمه و لا في قوته و لا في سلطانه و لا في حكمته فليس بعاجز و لا جاهل و لا ضعيف و لا مقهور و لا بعابث في شئ من الاشياء و مقتضي كماله في جميع ذلك ان يكون خلقه علي اكمل وجه و احسن طور بحيث لايمكن احسن منه و اكمل هذا مع ان خلقه سبحانه آية تعريفه و تعرفه به عرف نفسه له به و لذا قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فلو كان آية تعريفه و تعرفه ناقصة لدلت علي ان صانعها ناقص و كان يجب ان يعرف و يوصف بالنقص تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و لو كان في خلقه امر واقع علي نهج العبث و اللغو لدل علي ان صانعه عابث لاغ او جاهل بنهج الحكمة و الصواب او عاجز عن جري فعله علي نهج الحكمة و الصواب و تعالي الله عن جميع ذلك علوا كبيرا فمن لطيف حكمته ان بعث في عباده [ص 4] الذين خلقهم مدنيي الطبع مختلفة الطبايع جهالا رسلا مبشرين و منذرين معلمين حكاما بينهم بالعدل هداة الي الحق و الي طريق مستقيم و انزل معهم الكتاب و الحكمة و علمهم ما لميكونوا يعلمون و احتج عليهم بابلاغ الرسل فاراد منهم ما علمهم و عذرهم عما لميبين لهم و لميكل امرهم اليهم و لميلق حبلهم علي غاربهم و ملك الرسل نواصيهم و استرعاهم امرهم و لولا ذلك لميعرفوا مآلهم و ما لهم و ما عليهم و لميبلغوا غاية ما اريد من خلقهم و هلكوا قبل ان يصلوا الي ذلك فخذها بابا من العلم يفتح منها الف باب فكل قول في مسئلة يلزم منه شئ من خلاف ذلك باطل و عن حلية الاعتبار عاطل فاعرف هذه المقدمة السديدة و اضبطها و اتقنها و فرع عليها ما سنذكره فكم من امرء يسلم قاعدة بالاجمال و ينكر فروعها لدي تفصيل الحال .
انه قد اجمعت العدلية علي ان الله سبحانه عدل لايجور و قسط لايظلم و قد قال الله سبحانه ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون و هذه الآية رد من الله سبحانه علي منكري العدل و لكن الاجمال مصدق في كل حال و الشأن في تصديق التفصيل في المآل فمن الظلم ان يسد علي احد طريقا ثم يأمره بسلوكه فان لميفعل يعاقبه بتركه او يسلك باحد طريقا ثم ينهاه عنه و يعاقبه علي سلوكه او يخفي علي احد امرا ثم يأمره بالتعبد به كأن يأمره بالعموم و كان مراده منه الخصوص من غير بيان فاذا ائتمر بالعام عاقبه عليه او بالعكس او يأمره بمرسل و كان مراده منه محدودا من غير بيان فاذا لميأت به عذبه عليه او بالعكس او يأمره بمجمل ثم يعاقبه بتركه العمل به مبينا و هو لميبينه او يكلفه بشئ و هو يحب ناسخه الذي لمينزل ثم يعاقب العامل علي العمل به [ص 5] او يخاطبه بما مفاده الفضل و مراده الفرض ثم يعاقب المستمعين بتركه و اعتقاد فضله او العكس او يخاطبه بما مفاده الاعافة و مراده الحرمة و لميبين ثم يعاقبه بفعله و اعتقاد اعافته او العكس او يخاطبه بما لايعرف الا ما عنده و كان مراده غير ما عنده و لميبين مراده ثم يعاقبه بمخالفته لمراده او يخاطبه بالمتشابه و كان مراده المحكم فاذا لميأت بالمحكم عذبه عليه او يأمره بالعمل بعلم و يقين ثم يسد عليه طريقه فاذا عمل بالظن او الشك عذبه عليه و عاقبه او يكلفه بما لايطيق فاذا لميعمل به وبخه و عاقبه او يخاطبه و يأمره بما لايعرف فاذا توقف اهلكه و امثال ذلك مما لايستحسنه العاقل لمن له ادني شعور فضلا عن الرب العدل القسط الحكيم و هذه قاعدة اخري خذها و راعها بالمحافظة عليها فقد جمعت لك في هذه المقدمة كل شئ تريد و اياك و التهاون بها و ازدرائها و الريبة فيها فان من ارتاب شك و من شك كفر و من كفر هلك فكم من امرء يسلم المقدمات البديهية و ينكر ما يتفرع عليها .
مقتضي حكمة الله التي اجمع عليها الموحدون المتألهون و علمه سبحانه ان لايكل العباد الذين يعلم انهم لايزالون مختلفين لاختلاف عقولهم و افهامهم و اهوائهم و آرائهم و قراناتهم و طبايعهم و اوضاعهم و بلادهم الي انفسهم حتي يأكلوا و يتمتعوا كما يتمتع الانعام ثم يفعل كل واحد منهم علي حسب هواه فيغشم بذلك بعضهم بعضا و يظلم بعضهم بعضا فيراق بذلك الدماء و تباح به الفروج و يبطل به النسل و يهلك به الحرث و يفسد به البلاد و يستأصل العباد فانه ان فعل ذلك و عاقبهم علي فسادهم يلزم منه الظلم كما عرفت و ان لميعاقبهم عليه لزم منه بوارهم و فسادهم و لزم منه العبث في الخلق اذ خلقهم [ص 6] و اهملهم ثم اماتهم و اقبرهم كمن صنع فخارا ثم كسره ثم صاغه ثانيا و كسره و هكذا و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا اذ العابث ليس غير هذا و الحكيم من يراعي لفعله غاية فمن اعترف بحكمته سبحانه وجب ان يعترف ان لخلقه الخلق غاية و الغاية لايجوز ان تلحقه لغناه المطلق فيجب ان تلحق خلقه و لاتكون الا فضله الذي يتفضل به علي خلقه فان سوي في الفضل بين من يناقض في فعله و عمله حكمته و صنعه و بين من يوافق كان ذلك ظلما منه تعالي لان فعله سبحانه حسن و حكم و مخالفه قبيح و عبث و شتان بين المحسن و المسيء و ليس المحسن الا من يوافق احسان الله و يتخلق باخلاق الله و ليس المسيء الا من يضاد احسان الله في خلقه و حكمه و يتخلق بضد اخلاق الله و ليس القريب من الله كالبعيد و لا الظلمات كالنور و لا الظل كالحرور و لا الاحياء كالاموات و ان لميسو بينهم مع انه وكلهم الي انفسهم من غير بيان يبين لهم فذلك مما يوجب الحجة لخلقه عليه بل هو ايضا ظلم كما اوضحنا و شرحنا و بينا في القاعدة السابقة فلزم في الحكمة ان ينصب فيهم من يقوم مقامه في الاداء و يعرف مقتضي حكمته و صنعه و احسانه في خلقه و يكون متخلقا باخلاقه عاملا بارادته سبحانه ليمتاز عن غيره فيقيمهم علي احسان الله و يعرفهم اخلاق الله و يهديهم سبل الله و يوقفهم علي مرضاة الله ثم من اهتدي بعد ذلك فانما اهتدي لنفسه و من ضل فانما ضل عليها و هلك من هلك عن بينة و حيي من حيي عن بينة ثم لميكن الله ليظلمهم بل هم انفسهم يظلمون و لايحتج عليهم بما لميبين لهم و لميرد منهم ازيد مما علمهم و اخبرهم و اوحي اليهم و ذلك قوله سبحانه و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون و قال ان علينا للهدي و قال ان [ص 7] علينا بيانه خذها قاعدة كلية ترشدك الي سبل الهدي و تنجيك عن طرق الردي و اعتن بها فانها من مقباس النبوة و مشكوة الولاية و اياك و التهاون بما اذكر و النظر فيه بعين الازدراء .
مقتضي الحكمة التي اجمع المتألهون عليها و الغني المطلق المجمع عليه ان لايردع الله مسيئا عن اسائته الا فضلا و لايمنع محسنا عن احسانه و الا لزم العبث في التكليف و ارسال الرسل و خلق الجنة و الوعد بها و خلق النار و الوعيد بها او الاحتياج من نفسه الي الخلق و ذلك كله محال فلا عليه الا بيان الحق من الباطل و الرشد من الغي و تخلية السرب و اصحاب الامداد مع الفريقين و حفظ الذوات و الصفات و الآلات و الادوات و الاعراض و الاعمال و الاقوال و الاحوال في كل حال ليهلك من هلك باختياره المحفوظ للهلاك عن بينة و يحيي من حي باختياره المحفوظ للحيوة عن بينة فلايهلك هالك الا بمدد صاحب من الله سبحانه و تخلية بعد البيان و لايحيي حي الا بمدد صاحب من الله و تخلية بعد البيان فاستحق الاولون بذلك النار دار البوار جهنم يصلونها و بئس القرار و استوجب الآخرون بذلك النعيم المقيم جنات يدخلونها و نعم القرار فالله سبحانه اولي بالطاعة من العبد لانه اطاع بمدد و بيان و لولا ذلك لمااهتدي اليها ابدا و العبد اولي بسيئاته من الله لانه اساء من نفسه و ان كان بمدد من الله و تخليته التي لولاها لماقوي عليها ابدا و ان شئت المثل فاعتبر بضرير امرته بالسير الي المشرق و نهيته عن السير الي المغرب و لا بد في سيره الي اية الجهتين بقودك له فان مشي الي المشرق فمشي بقودك و ارشادك اياه اليه و لولا ذلك لامتنع عليه المشي و ان اختار علي نفسه المشي الي المغرب فيمشي [ص 8] بسلوكك به و قودك له و لولا ذلك لامتنع عليه المشي اليه كذلك تقدير العزيز العليم قال الله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و قال قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و قال و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون و من هذه القاعدة السديدة عرف ان الله سبحانه لايمنع المقصر عن تقصيره الا ان يشاء فضلا و جودا و ليس بلازم في الحكمة و لايمنع المجاهد عن جهاده و ثوابه الذي جعل له من هدايته اياه سبله و يسدد المجاهدين و يبلغهم الي ما وعدهم و يمد المقصرين و يبلغهم الي مقتضي تقصيرهم فاحفظ هذه القاعدة السديدة فانا لمنقدمها الا لحكمة و لضرورة تأتي و ليس هيهنا موضع بيانها ازيد من ذلك .
محال في عدل الله سبحانه ان يكلف عبده ما لايطيق كيف و هو قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و الوسع دون الطاقة فكل ما ثبت ان الله كلف عبده به علم انه في وسعه و لو جاهد العبد وسعه لقدر عليه و من قال اني جاهدت وسعي فلماقدر عليه مع ثبوت ان الله كلفه به فقد كذب الله في كتابه حيث يقول الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و يقول لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و هو يزعم انه كلفه بما ليس في وسعه و هو افتراء علي الله سبحانه و كذا محال ان يكلف الله العبد ما لميؤته فانه ليس في قدرته بل يكلفه بما آتاه فاذا تكلف العبد و ضيق علي نفسه بما لميؤته الله لميوجر و خالف الحنيفية السمحة السهلة و قد قال الامام عليه السلام ان الخوارج ضيقوا علي انفسهم و ان الدين اوسع من ذلك ، فاذا كان الله يكلف العبد ما آتاه بل دون ما آتاه فان الطاقة مما آتاه [ص 9] و لميكلف بقدر الطاقة بل كلف كل نفس بقدر الوسع كان جميع ما كلف ميسورا كما قال يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و قال ماجعل عليكم في الدين من حرج فكل من لميصل الي الميسور دل علي عدم اعطائه الطلب حقه لانه تعالي قال الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و علي عدم التقوي لانه قال ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا و علي عدم التصديق بالحسني لانه قال و شرح فاما من اعطي و اتقي و صدق بالحسني فسنيسره لليسري و اما من بخل و استغني و كذب بالحسني فسنيسره للعسري و مايغني عنه ماله اذا تردي و كشف عن حقيقة حال الاكثرين و قال و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لايوقنون فافهم ان كنت تفهم فتبين للناظر البصير و الناقد الخبير ان جميع ما كلف الله عباده به يسر و وسع و لا حرج في الدين و المدعي عسر ما في الدين مكذب علي الله مخالف كتاب الله المجيد خذها قاعدة كلية تغتنم بها في الدنيا و الآخرة و اياك و الانكار لما يتفرع عليها .
العقل الخالص الصريح احب الخلق الي الله سبحانه و لايكمله الله الا في من يحب و هو ما لميتدنس بادناس النفس الامارة و الشهوات المضلة و القرانات المبعدة عن الله صائب يصيب الحق و لايخالفه و كان مع الحق و الحق معه و لايخالف نظره شيئا مما شرع في الدين فيثبت ما اثبته الشرع و ينفي ما نفاه لانه من نور الشارع و شعاعه و النور تابع للمنير و الله سبحانه لايثبت الا ما فيه صلاح الخلق و بقاؤه و ثباته و لاينفي الا ما فيه فساد الخلق و بواره لانه في نفسه لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه فلايأمر و لاينهي لصلاح نفسه و لا لعبث بل يأمر و ينهي لصلاح الخلق و لما كان العقل من نوره اذا كان علي فطرته [ص 10] يعرف ما فيه الصلاح و الفساد و لذلك سمي الله الفطرة دينا و قال فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله اي تلك الفطرة ذلك الدين القيم فالفطرة هي الدين و الدين هو الفطرة فكلما اثبته العقل الصريح الخالص غير المبدل اثبته الشرع و بالعكس و اما اذا تدنس بادناس النفس و اتبع العادات و انصبغ في الطبايع و غلب عليه الشهوات و استفزه الغضب و قاده النواميس و غير ذلك و بدل فطرة الله يعمي عن الحق و يصير الحسن عنده قبحا و القبح حسنا فمتي ما اتبع العادات يستحسن ما اعتاده و يستقبح ما اعتاد علي رفضه كما تري ان جميع الناس يستحسنون ما اعتادوا علي فعله و يستقبحون ما اعتادوا علي تركه حتي انه لو فعل واحد منهم ما لمتجر به العادة يستقبحه عقلاء القوم و ينكرون عليه اشد الانكار و الخارج عن عادتهم لايري قبحا في ذلك ابدا ، مثالب قوم عند قوم محاسن ، و الغرقي في هذا البحر كثير من الناس بل لايكاد ينجو منه الا قليل قليل و كذلك قد يعمي العقل بسبب الشهوات فاذا غلبت عليه شهوة شئ يخفي عليه جميع مقابحه و يظهر عنده محاسنه و لذلك قيل حب الشئ يعمي و يصم ، بل الشهوة تخفي المقابح الموجودة و تثبت محاسن معدومة ، و ذلك بحر ضل فيه السوابح ، فكثير من الناس يستحسنون الاشياء و يستقبحون تركها لميلهم اليها و اما الغير المائل اليها فلايري فيها حسنا ابدا بل ربما يري فيها قبحا كثيرا و قد يعمي العقل عن الحق بواسطة النواميس كمن عرف رجلا بانه كبير و كبره آباؤه و اخوانه و نشأ عليه و تواتر علي سمعه تعظيمه و توقيره و صغر عنده نفسه و ذلت له و بخعت عنده فاذا خالفه رجل و استهان به و خففه و صغره يعظم عليه بحيث يكاد ان يهلك او يهلكه بل يعزم علي قتله و يكفره [ص 11] و يلعنه و لعل ذلك الرجل يكون للاهانة و الاذلال مستحقا و للازدراء به اهلا و محلا و لكن جعله القوم ناموسهم يعزرونه و يوقرونه فيصدقونه في كل ما يقول و ان كان باطلا و ينكرون كل من يقول بخلافه و ان كان حقا و ذلك ان حب الناموس غلب علي عقلهم فيرون مخالفه قبيحا يجب رده و موافقه حقا كائنا ما كان بالغا ما بلغ و مثل ذلك من طالت الازمنة في توقير الناس له و تعظيمه فاذا استهان به رجل يوما ما كبر عليه و اخذته العزة بالاثم و مثل ذلك القواعد المسلمة و المشهورة بين الناس و المسموعة من الاكابر فانها ايضا ناموس يغلب علي اكثر الناس فينكرون مخالفه لا محالة و لعل الخطاء في اصل القاعدة و لكنهم اخذوها مسلمة من غير روية و طال ما سمعوها من كل لسان من اشباههم فزعمتها النفس انها حق لاينكر و امر حقيقي قد تواتر و يجب تصديقها و رد منكرها و ذلك ايضا بحر كثير الحيات و الحيتان تعلو مرة و تسفل اخري و قل من فاز منه بساحل و قد يعمي العقل عن الحق بواسطه غلبة الطبع و داهية هذا العمي اعظم و ادهي فان العادات و النواميس وجوهها غالبا محسوسة و النجاة منها اسهل و اما شر الطباع فاعظم و اعظم و وجهه خفي يشتبه كثيرا ما بالفطرة و ليس بالفطرة فخطره اعظم من الغير و لكل طبيعة مقتضيات فاذا غلب السوداء مثلا علي رجل يحصل له خيالات واهية و ادلة فاسدة حتي انه ربما يصل الي مقام يدعي القطع علي شئ بل الشهود و ليس له في الخارج اثر بوجه من الوجوه فان اليبس السوداوي يغلب علي الحس المشترك و علي الخيال فيتجسم ما ارتسم فيهما حتي انه ربما يظهر ما فيهما و يري كالدائرة المرئية من الشعلة الجوالة و الخط المحسوس من القطر النازل بسرعة فيدعي صاحبه المشاهدة و العيان مع انه مرض [ص 12] غلب عليه و لهذا المرض درجات ادناها يحصل لمن ادام التفكر في شئ مدة حتي تصور في خياله و تجسم فيدعي المشاهدة و العلم القطعي العياني و ليس من الواقع بمراح و لا مغدي فاذا شاب معها الصفراء الفاسدة و احترقت بحرارتها يصير ماليخوليا و يحصل له في حسه المسمي ببنطاسيا خيالات مجسمة محسوسة له فيدعي الانكشاف و يحلف انه رآها رأي العين و ليس الا خيال في نفسه قد تجسم مثل ما حكي بعض الثقات انه قد مرض رجل بهذا المرض و كان كل ما يحضر عنده من الطعام يري فيه ابرا و يتهم الناس بارادة قتله و يقول انتم عازمون علي قتلي تجعلون في طعامي ابرا لتقتلوني بها و كلما كانوا يحلفون له انه ليس كذلك لايصدق و يقول انتم تريدون ان تلبسوا علي و ماكان يأكل شيئا حتي اذا ضعف و رقوا له قالوا له فلان الرجل كيف حاله عندك قال ثقة عدل قالوا ايقدم علي قتل امرء مسلم قال لا قالوا ابينك و بينه عداوة قال لا قالوا اذا اتاك بطعام تأكل قال نعم فلما اتوا بالرجل و اتاه بطعام و وضعه عنده رأي فيه ابرا قال يا فلان انت ايضا عاديتني و اردت قتلي و وضعت في الطعام ابرا و قد يحصل مثل ذلك لمن عضه الكلب الكلب فيري في الماء جروا و لايقدر ان يشرب ماء و لايدخله و كثيرا ما يحصل ذلك لشاربي ماء البنج و ذلك ليبسه يجفف البنطاسيا و يتجسم فيه الخيالات و يزعم انه رأي الله و صعد السماء و كلمه الموتي و حشرت اليه و هكذا فلا عبرة بشئ من هذه الانكشافات و هذا المرض له مراتب فقد يكون قليلا و لايخرج الرجل به عن شبه الاعتدال و عما عليه اغلب الناس و قد يشتد و يخرج الرجل به عن الاعتدال و كل من تدبر في امر و اشتد فكره فيه يأنس به بحيث لايكاد يخرج من ذهنه لما تحجر الخيال في ذهنه و ذلك [ص 13] كبعض من يحصل له بكثرة مراجعة الشبهات و الشكوك و الاحتمالات شبهات لاتكاد تخرج عن ذهنه ابدا و لو استدللت بجميع الكتاب و السنة بل يري ادلة ائمة الهدي ادلة واهية و خيالات شعرية مع انهم عليهم السلام ادلاء الله في بلاده و حجج الله علي عباده و السنة الله الناطقة و حجج الله البالغة و ذلك لانه ، تغيرت البلاد و من عليها ، و من غلب عليه السوداء يتقوي في نظره كل دليل يناسب طبع السوداء للمشاكلة و يتضعف كل دليل يضاده مثلا يتقوي عنده كل دليل كان مؤداه الانزواء و الجبن و ترك الجهاد و الاعراض و التوحد و الشقاق و الطلاق و التفريق و الفساد و امثال ذلك مما يناسب طبع السوداء و يتضعف ما يكون مؤداه اضداد ذلك و قد يغلب الصفراء علي رجل فيكثر غضبه و يثار غضبه و عداوته بادني شئ و لعله لايقتضي كل ذلك الغضب فيلعن الناس بادني شئ و يتبرء عنهم و يعاديهم و يكفرهم و يشبه السباع في طبعه و يخفي عليه وجوه حسن المسامحة و المداراة بل يستقبح ذلك بل يرد علي من ذكر حسنها و يستقبح الاغضاء و العفو و الستر علي الناس و يتقوي عنده ادلة الانتقام و الاخذ و الضرب و البطش و اجراء الحدود و الطيش و الجهاد و الدفاع و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و الآراء و المصالح المرسلة و التشديد علي الناس و التكاليف الصعبة و امثال ذلك و اذا غلب البلغم علي رجل يتقوي عنده ادلة المداراة و المداهنة و الاغضاء و المصالحة و الدعة و ترك الناس و الشهوة و الميولات و الاتصالات و العمارات و الخفض و يخفي عليه وجه النهي عن المنكر و الامر بالمعروف و السياسة و اجراء الحدود و القتل و الغارة و الغضب في الله و الجهاد و ما يناسبها و اذا غلب الدم علي رجل يتقوي عنده ادلة المحبة و الشهوة و الميل و سرعة [ص 14] الغضب و سرعة الاقبال و الادبار و العجلة و الايصال و الاتصال و الارتفاع و علو الهمة و السخاوة و الشجاعة و البطش و الكبرياء و الجلال و امثال ذلك و يخفي عليه وجه الاعراض و الزهد و الادبار و التدبير و الحزم و الصبر علي النوايب و التثبت و التبين و امثال ذلك فاذا صار العقل مقيدا بقيد الطبايع علي ما وصفت يعمي عن الحق العدل الواقع و لايبصره و انت اذا تتبعت تري العقول اغلبها مقهورة بما ذكرنا
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكتاب مما يطول
و لذا لاتري عقلين متفقين في جميع الامور فاذا كان الامر كذلك لايجوز الاعتماد علي العقول وحدها ما لمتوزن بالميزان القويم و القسطاس المستقيم و ان ادعت القطع فمن قال ان الدليل العقلي ليس بحجة فقد احسن و اجاد اذا اراد العقول الضعيفة المنصبغة الملوثة و من قال هو حجة فقد صدق و اصاب اذا اراد العقول السليمة الموزونة بالميزان القويم و هو الميزان العدل المعصوم عن الميل الي غير الحق ذو اللسان العدل
فدع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المروي عن كعبالاحبار
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
و لما كانت الاحلام ضعيفة و العقول مشيبة وجب في الحكمة نصب علم لميكن مدنسا بهذه المغيرات المبدلات و وجب علي ساير العقول الرجوع اليه فما وافقه يجب اتباعه و ما خالفه يجب اجتنابه سواء كان ذلك في التوحيد او ما دونه الي ارش الخدش و اما ما اجمع عليه العقول بحذافيرها مع اختلاف شوائبها فذلك حق لا مرية فيه و صدق لا ريب يعتريه لان اتفاقها كاشف عن ان حكمها ليس [ص 15] من جهة انغمارها في الشوائب المذكورة بل هو من جهة الفطرة المشتركة بينها التي هي نور الله الذي منه بدئت و اليه تعود و ذلك نظره حق فانه الدين القيم و آية الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات و الارض و لان فيها حينئذ العقل المعصوم غير المشيب و نظره حجة و اني لك بالظفر بمثل ذلك و لماتحط بها علما و انهم لايزالون مختلفين الا من رحم ربك فلاتعتن بعد ذلك برأي العقل فيما اختلف فيه و ان قطع به ما لميكن مطابقا مع ذلك العقل الذي هو علي الفطرة
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فيأخذه عنا
و ان قال قائل ان الرجوع الي ذلك الحكم و فهم كلامه ايضا بالعقل و لعل المترافعين يختلفان ايضا في فهم مراد الحكم من قوله فكيف المخلص اقول الحكمة التي اقتضت نصب الحكم اقتضت ان يكون عليه البيان و الابلاغ و الايصال فله الحجة البالغة و الابلاغ فذلك عليه لا علي المترافعين فاذا سلما لامره و ترافعا اليه و رضيا بحكمه فالابلاغ و التفهيم عليه لا علي غيره فيعرفهما الحكم الواقعي بلسان يفهمهما المراد و يوقفهما علي الارشاد و يقطع الاعذار حتي لايبقي لذي مقال مقال و لذي حجة حجة و ذلك لان الحكم حكم بقوله و ابلاغه و تفهيمه فاذا لميفهم حكمه بحيث يقطع الراد اليه انه حكم الله سبحانه فليس بحكم و قد عرفت لزوم الحكم في غير هذا المقام فالقول الفصل في هذه القاعدة انه اذا اتفقت العقول علي شئ كائنا ما كان بالغا ما بلغ هو الحجة التي لا مرية فيها كما روي ان المجمع عليه لا ريب فيه و اما ما اختلفت فيه فيجب رده الي الحاكم المنصوب قال الله سبحانه و ان تنازعتم [ص 16] في شئ فردوه الي الله و الرسول و اولي الامر منكم و قال فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و عليه البيان و التعريف قال تعالي شأنه و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون و قال و انزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم الآية ، هذا هو الذي استنبطناه من مشكوة النبوة و اقتبسناه من مصباح الولاية و وزناه بالقسطاس المستقيم و جميع ما في الكتاب و السنة من المناهي عن الرأي و الهوي يكون في الاستبداد بالعقول اذ من استبد برأيه هلك .
اعلم ان الحجة البالغة الكاملة لاتقوم لله علي خلقه الا بالعلم و اليقين و ذلك لان خلق الله الخلق لايكون الا لغاية و هي التفضل عليهم و استفادتهم من فضله و جوده و لايمكن وصولهم اليها الا بالدلالة و لا دلالة الا بالامر و النهي و لا امر و لا نهي الا بالفضل و العدل و لايظهران الا بالترغيب و الترهيب و لا ترغيب الا باراءة الفضل و حصول اليقين به و لا ترهيب الا باراءة المخوف المهول و حصول العلم به فان المجهول و المشكوك و المظنون لايرغب اليه و لايرهب عنه لاحتمال ان يكون ما ظن انه مرغوب اليه مرهوبا عنه و بالعكس فلايقوم الايتمار بالامر الا بعد اليقين بالامر و لا الانتهاء عن المنهي الا بعد اليقين بالنهي فانهما عين الدلالة و الدلالة المجهولة و المشكوكة و المظنونة لاتوصل الي الغاية و لاتهيج النفس الي طلبها كما عرفت فوجب تحصيل العلم في كل مكلف به قليلا من كثير و ما في ايدي الناس اليوم لايخلو من امرين امر ليس فيه اختلاف و هو ما يجده الناس بالضرورة التي اضطرت بصايرهم الي التصديق [ص 17] بها و الاذعان لها فهو الحق الذي لا مرية فيه و الصدق الذي لا ريب يعتريه و هو مما دعاهم الله اليه بالسنة ارادته و محال مشيته كما عرفت و امر فيه اختلاف يثبته قوم و ينكره آخرون فما سبيله ذلك وجب في الحكمة المجمع عليها ان ينصب حكما لرفعه و ايقافهم علي الحق الموافق للواقع و تلك الحكمة بعينها تقتضي ان يكون ذلك الحكم مما اجمعوا عليه و وجدوه بالضرورة الحاصلة في قلوبهم لو لمينكروا الحق بعد عرفانه حتي يترافعوا اليه و يرجعوا الي حكمه و يسلموا لامره و تلك الحكمة بعينها تقتضي ان يبين لهم ذلك الحكم ما اختلفوا فيه و يعرفهم الحق فيه و الا لميتحقق لوجوده فائدة ثم لميتحقق لوجود الخلق فائدة و لزم العبث تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فمحال في الحكمة ان يكل الله قوما مختلفين الي عقولهم و آرائهم و اهوائهم فيقوم بينهم العناد و القتال و التعادي و التبري و لا رافع للخلاف بينهم و لا حاكم بينهم بالقسط فيكون بذلك خلقه عبثا و حكمته ناقصة كما مر فالحكمة الكاملة توجب نصب العلم لكل خلاف واقع و لا بد للناس ان يدعوا عقولهم و آرائهم و اهوائهم في كل ما اختلفوا فيه و ينفروا الي ذلك العلم المنصوب و العلم المصبوب الذي اضطروا بالضرورة التي وجدوها في بصائرهم الي التصديق به و الاذعان لحكمه و التسليم لامره فمن لميفعل ذلك و قنع بعقله في ما هنالك فقد ضاد الله في سلطانه و خالف نبيه في برهانه و اوصيائه في ايمانه بل قال انا ربكم الاعلي او نبيه المصطفي او من اوصيائه الذين هم في الافق الاعلي لانه يقول اقول في مقابلة قول الله و حكمه و قول النبي و اوصيائه عليهم السلام و بذلك نطق الكتاب و سنة النبي و الائمة الاطياب صلوات الله عليهم و قال سبحانه انما كان قول المؤمنين [ص 18] اذا دعوا الي الله و رسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا و اطعنا و ليس لهم ان يقولوا ان لنا عقولا و تكفينا و ذم قوما و قال المتر الي الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الي كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولي فريق منهم و هم معرضون و بين و فصل و قال فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الامر الذي فيه اختلاف كائنا ما كان مرده الي حكم من ليس فيه اختلاف و لا محيص عنه الي الآراء و الاهواء و ستتلي عليك من الآيات و الذكر الحكيم في ذلك ما تضطر الي تصديقه ان لمتعرض عن الحق فهذه قاعدة اخري تحيي بها موات القلوب و تعيش بها المهج فخذها و كن من الشاكرين و لاوليائه من المسلمين .
لما عرفت ان الخلق لايكون الا لغاية و الغاية لاتظهر الا بالدلالة و الدلالة لاتكون الا بالحجة و الحجة لاتقوم الا بالعلم فما دام الخلق مكلفين لا بد و ان تكون الحجة قائمة عليهم و لا بد و ان يكون العلم باقيا بينهم اذ بذهابه من بينهم تبطل الحجة و ببطلانها يفني الدليل و بفنائه يبقي الغاية في الغيب و لمتظهر و بعدم ظهورها يحصل العبث في الخلق و هو محال ان يصدر من الحكيم فلا بد و ان يكون العلم بكل مكلف به في كل عصر باقيا و العلم لايحصل الا من ادلة و امارات محصلة للعلم فلا بد من بقاء الدلائل و الامارات المورثة للعلم في كل عصر و قرن عرفها من طلبها و دخل البيت من بابه و لايجوز في الحكمة خفاء تلك الادلة و الامارات في مر الدهور و الاعصار لان بخفائها بوار العلم و استيصاله و لايحصل العبث من الحكيم فمن زعم خفاء تلك الامارات مطلقا [ص 19] زعم العبث في خلق الحكيم و تعالي عن ذلك علوا كبيرا و انما الناس يتفاضلون في معرفة تلك الامارات و كل من طلبها و اتي البيت من بابه وصل اليها البتة قال الله سبحانه الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا اي لنثيبنهم و من البين ان الثواب لايكون الا علي الطاعة و الطاعة لاتكون الا بالامتثال و الامتثال لايكون الا بايتمار امر صادر عن المطاع لا باتباع الاهواء و الآراء فمن جاهد في الله كما امره الله سبحانه ثوابه معرفة السبل و الوصول اليها و من جاهد في غير الباب الذي امره الله فقد اتي البيت من ظهره و استحق الحرمان فلميهتد الي العلم سبيلا و زعم انسداد بابه نعم الباب مسدود من الظهر مفتوح من الامام و لا بد من السلوك في الطريق المأمور به و امارات العلم و اسبابه تأتي ان شاء الله فترقب .
اعلم ان الله سبحانه حكيم لايفعل العبث و عالم بخلقه لايجهل شيئا من امرهم مما فيه صلاحهم و به نظامهم في معاشهم و معادهم و انما خلق هذا الخلق كرما و جودا و لطفا و رحمة فلايلعب بهم و لايلهو عنهم و لايهملهم و انما يفعل بهم دائما ما فيه صلاحهم و من جملة ذلك ان بعث فيهم رسلا مبشرين و منذرين و انزل معهم الكتاب و الحكمة و علمهم ما لميكونوا يعلمون و هداهم الي ما فيه صلاح انفسهم و ابدانهم و اموالهم و ما يضاف اليهم و ما يقترن بهم و مقتضي ذلك اللطف و تلك العناية ان لايخلي بين اهل الباطل و ما يشتهون من اضلال العباد و الافساد في البلاد و اللبس علي الضعفاء امورهم فان الباطل في خلقته شبيه بالحق كالسفاح و النكاح و الرياء و الاخلاص كما بين الله سبحانه في كتابه من امر الكلمتين و الزبدين فاذا كان خلق الباطل في صورته لحكمة [ص 20] شبيها بالحق يلتبس علي الضعفاء امره لا محالة و يشتبه علي الناس شأنهما فوجب في الحكمة ان يجعل الله لكل واحد منهما علامة يمتاز بها عن الباطل فجعل للحق دواما و ثباتا و نورا و اتفاقا و اتحادا و حقيقة و للباطل زوالا و انتفاء و ظلمة و اختلافا و تكثرا و فناء و لا شك انه لايشتبه النور بالظلمات و الانتفاء بالثبات و لذا روي ان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا ، فلزم في الحكمة ان يخرم الله امر الباطل و يفسده و يبين فساده و بطلانه للمكلفين المرتادين للحق حتي لايخربوا العباد و لايفسدوا في البلاد و قد بين ذلك في كتابه و قال لايفلح الساحرون ، لايفلح الكافرون ، لايفلح الظالمون ، لايفلح المجرمون و قال لايفلح الساحر حيث اتي و قال ان الله لايهدي كيد الخائنين و قال ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و قال بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون و قال جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا و قال و يريد الله ان يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون و قال الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون و قال ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون و قال ويلكم لاتفتروا علي الله كذبا فيسحتكم بعذاب و قد خاب من افتري و قال خاب كل جبار عنيد و قال و قد خاب من حمل ظلما و قال قد افلح من زكيها و قد خاب من دسيها و قال و الله لايهدي القوم الكافرين ، و الله لايهدي القوم الظالمين ، ان الله لايهدي القوم الفاسقين ، و عن المحاسن عن الصادق عليه السلام ليس من باطل يقوم بازاء الحق الا غلب الحق الباطل و ذلك قول الله بل نقذف بالحق [ص 21] علي الباطل ، الي غير ذلك من الآيات و الاخبار و هي كثيرة لمن جاس خلال الديار فاذا كان لايفلح الساحر و الكافر و الظالم و المجرم و الخائن و الكاذب و لايصلح الله عمل المفسد و يقذف بالحق علي الباطل و يكون الباطل زهوقا و يقطع دابر الكافر و يبطل الباطل و يخيب المفتري و كل جبار عنيد و من حمل ظلما و لايثيب الله الكافر و الظالم و الفاسق فلايبقي اشتباه في الحق و الباطل و المطوق و العاطل و لايستوي الظلمات و النور و لا الظل و لا الحرور و لا الاحياء و لا الاموات و هذه القاعدة و الآيات و الاخبار عامة في كل جزئي و كلي بحيث لايشذ عنها شاذ و علي ذلك بناء العالم و اساس عيش بني آدم و لولا ذلك لميقم للحق سوق و لميثبت له عمود و لميخضر له عود و انت لو حفظت هذه القاعدة لمتشق ابدا من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش و هذه القاعدة من اشرف القواعد و اكرم الفوايد و هي اصل كل خير و سنخ كل نور فاحفظها و كن من الشاكرين و بها تثبت نبوة الانبياء و امامة الاصفياء و ولاية الاولياء و عدالة العدول و فقه الفقهاء و ايمان المؤمنين و شرايع المتشرعين الي غير ذلك فاحفظها و اعرف قدرها و اغل مهرها .
اعلم ان الذي يحتاج اليه العبد اما له قدرة في الصنع فيه او ليس له قدرة في الصنع فيه اما الاول فهو موكول الي العبد و ان كان هو ايضا بمبادي ليس للعبد فيها صنع و بمشية لله سبحانه هي روح صنع العبد علي التفصيل المقرر في مقامه و انما وكل الله ذلك الي العبد ليخرجه عن حد البطالة و الاضاعة و الغي و التعطيل لطفا منه سبحانه في تدبيره و ذلك كالزرع مثلا فان العبد يمكنه اثارة الارض و نثر الحب و السقي بعد اجراء المياه و حفر القني [ص 22] و الآبار و امثال ذلك و قد يحمل الله بعض ذلك عن العبد لطفا منه و كرما و اما ما ليس له صنع فيه فان الله سبحانه قد تكفل ذلك باسباب اخر و كفي العبد مؤنته و لميكل اليه شيئا من ذلك كاجراء الافلاك و تسيير الكواكب و اجراء الرياح و السحاب المسخر بين السماء و الارض و انبات النبات و خلق الجنين مثلا و امثال ذلك فقد تكفل الله هذه الامور باسباب اخر فوق صنع العبد تجري بامر الله و لا صنع للعبد فيها و هذه الكلية جارية في التشريع كما هي سارية في التكوين ففي التشريع ايضا امور للعبد فيها صنع و قد وكل الله اليه امره بمشيته و يجب عليه العمل به و ان كان القدر روح عمله لايعمل الا به و ذلك كالتدبر و التفكر و النظر و الجد و الطلب من اهله و محله و مجالسة اهل العلم و مسائلتهم و امثال ذلك و اما الخفايا و البواطن الغيبية التي لايعلم بها العبد مما لا صنع له فيها و له حاجة فيها ففي الحكمة تكفل الله سبحانه امر ذلك باسباب اخر و وكل بها اسبابا اخر لها صنع فيها مثلا ان العبد يقدر ان يطلب بعثة النبي و يصغي الي مدعيه و يطلبه و لكن لايقدر علي معرفة المحق و المبطل و السحر و المعجز فانما ذلك علي الله سبحانه فان العبد يحتاج الي معرفة ذلك و لا صنع له فيها و لايقدر علي الكشف عن حقيقتها فذلك علي الله ان يقرر الحق و يبطل الباطل ليسد حاجة عبده كما كان يحتاج الي الحنطة و عمل ما له الصنع فيه من نثر البذر و اثارة الارض و السقي و اما ما لميكن له الصنع فيه كالانبات تكفله الله سبحانه له و انبته كذلك في معرفة النبي و الائمة عليهم السلام اذا صنع العبد ما له فيه صنع فالباقي الذي لا صنع فيه من معرفة الحق و الباطل علي الله سبحانه و يجمع ذلك كله قوله سبحانه لايكلف الله نفسا [ص 23] الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و قوله ماجعل عليكم في الدين من حرج ، و قيل لابيعبدالله عليه السلام المعرفة من صنع من هي قال من صنع الله عز و جل و ليس للعباد فيها صنع و قال ليس لله علي خلقه ان يعرفوا قبل ان يعرفهم و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوه و قال لرجل اكتب ان من قولنا ان الله يحتج علي العباد بما آتاهم و عرفهم الي ان قال و ماامروا الا بدون سعتهم و كل شئ لايسعون له فهو موضوع عنهم و لكن اكثر الناس لا خير فيهم و قيل له اصلحك الله هل جعلت في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا فقيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف نفسا الا ما آتيها و قال عليه السلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و قال كل شئ امر الناس به فهم يسعون له و كل شئ لايسعون له فهو موضوع عنهم ، الي غير ذلك من الآيات و الاخبار و كذا القول في اقوال الحجج و شرايعهم فانما علي العبد اخذ الرواية عن الرواة و النظر فيها بقدر ما له فيه صنع كالعرض علي الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة الجامعة غير المتفرقة و ما علم من اجماع العامة في عصر صدور الخبر ان علم و ذلك غالبا لايعلم الا من نفس الخبر الصادر تقية او خبر آخر و الاخذ عن الثقة او غير الثقة مع عدم صاد عنه مانع عن العمل به و امثال ذلك فان لنا صنعا في هذه الموارد و ان لنا علما قطعيا بها اذا كانت علي ما وصفنا فما علمنا بحسب الاسباب المعدة لذلك المقدورة لنا صحة الاخبار نعمل به و ما لمنقدر عليه و ليس لنا صنع فيه فذلك علي الله سبحانه و علي الحجج كالبيان و التعريف و حفظ الدين عن شرايد الملبسين و تحريف المحرفين و دس [ص 24] الداسين و تغيير المغيرين و كذب المفترين فذلك مما ليس لنا صنع فيه و لانقدر عليه و لانعلم به ابدا لاسيما بعد الف سنة و ازيد فذلك علي الله سبحانه لا علي غيره قال تعالي شأنه انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون و قال اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قال ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه فنحن اليوم لانعرف الحديث المدسوس فيه و غيره و المكذوب و غيره و المحرف و غيره و المغير و غيره فحفظ ذلك و ايقاعنا علي الحق علي الله سبحانه فانا محتاجون الي ذلك و لانقدر علي ذلك مثل ساير ما يقوم به حيوتنا و بقاؤنا و لانقدر عليه و قد تكفله الله سبحانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فعلينا ان نأتي بما كلفنا و علي الله ان يأتي بما تحمل و قد يأتي و علي هذا الاصل الاصيل يسهل الخطب و يهون الامر قال الصادق عليه السلام من عمل بما علم كفي ما لايعلم ، فادخل مدينة الشريعة بقلب بارد ساكن و لاتخش شيئا من دس الداسين و تحريف المحرفين و كذب المفترين و ايدي الملبسين و اعلم يقينا ان لك معقبات من خلفك و رقيبا من بين يديك يحفظونك من امر الله قال ابوعبدالله عليه السلام ان الارض لاتخلو من حجة كيما ان زاد المؤمنون شيئا ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم و عن احدهما عليهما السلام ان الله لميدع الارض بغير عالم و لولا ذلك لميعرف الحق من الباطل و عن ابيعبدالله عليه السلام ان جبرئيل نزل علي محمد صلي الله عليه و آله يخبر من ربه عز و جل فقال يا محمد لماترك الارض الا و فيها عالم يعرف طاعتي و هداي و يكون نجاة فيما بين قبض النبي الي خروج النبي [ص 25] الآخر و لماكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء و قال ابوجعفر عليه السلام ان الله لميدع الارض الا و فيها عالم يعلم الزيادة و النقصان من دين الله عز و جل فاذا زاد المؤمنون شيئا ردهم و اذا نقصوا اكمله لهم و لولا ذلك لالتبس علي المسلمين امورهم و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله لايدع الارض الا و فيها عالم يعلم الزيادة و النقصان فاذا زاد المؤمنون شيئا ردهم فاذا نقصوا اكمله لهم فقال خذوه كاملا و لولا ذلك لالتبس علي المسلمين امورهم و لميفرق بين الحق و الباطل و عن الحجة عليه السلام انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء ، الي غير ذلك من الاخبار فقد تبين و ظهر ان من اتي بما علم و قدر من امر الشرايع كفاه الله امر ما لايعلم و لايقدر و يوقفه علي الحق و الصواب انه كريم وهاب و احفظ هذه القاعدة في كل باب .
اعلم ان الله سبحانه هو المفيض الحق و الغني المطلق و القاضي لحاجة ما سواه و الممد لما عداه و لا شئ لاحد دونه الا بعطائه و لا قدرة لاحد سواه علي شئ الا به فهو الضار النافع و المعطي المانع و لا سواه فكما ليس لسواه وجود الا به كذلك لا علم لاحد الا بتعليمه و لا فهم لاحد الا بتفهيمه و تعليمه و تفهيمه باسباب قدرها و جعلها للتعليم و هم الانبياء و الرسل و الائمة عليهم السلام فبهم يعلم الله من سويهم و يعلمهم كما شاء و اراد فلا علم لاحد من دون هؤلاء الا بتعليمهم و هدايتهم و ارشادهم قال الله سبحانه انما انت [ص 26] منذر و لكل قوم هاد و قال هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين و قال فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و لايعلمون لانه يقول اخرجكم من بطون امهاتكم لاتعلمون شيئا و قال و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين و قال و مااوتيتم من العلم الا قليلا اي قليلا منكم و هم الائمة عليهم السلام و الحجج فلا احد يعلم شيئا الا بتعليم الله سبحانه قال تعالي لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و ما شاء ان يحيطوا به من علمه فانما شاءه باسبابه و هم الحجج عليهم السلام و الفاقد لشئ لايسعه تحصيل ما يفقده من عند نفسه لانه ليس له اداة يناله بها الا ان يعطيه غيره فالجاهل لايسعه تحصيل العلم لنفسه من غير الاخذ من عالم و الله سبحانه عدل لايجور لايحتج علي العباد بما يجهلون و لايكلفهم ما لايطيقون و قد قال سبحانه لايكلف الله نفسا الا وسعها و ليس في وسع الجاهل تحصيل العلم لنفسه و قال لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و لميؤت الجاهل شيئا و لو كان آتاه لماكان جاهلا فلا شئ علي الجاهل و لا تكليف عليه ابدا حتي يعلم و يعرف فيكلف بقدر ما علم و عرف فلذلك ارسل اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و احتج عليهم بهم و بما علمهم و لميكونوا لو لميرسل الرسل مكلفين بان يبحثوا عن دين لهم يتدينون به اذا لميكونوا يعرفون ما الرب و ما الدين و ما التكليف قال الصادق عليه السلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و قال كل شئ لايسعون له فهو موضوع عنهم و قال اي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه و قال ابوابرهيم عليه السلام في قوله تعالي قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم [ص 27] اجمعين مبلغ الحجة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمه العالم بعلمه لان الله تعالي عدل لايجور يحتج علي خلقه ما يعلمون يدعوهم الي ما يعرفون لا الي ما يجهلون و ينكرون و في الدعاء و اي جهل لايسعه جودك الدعاء ، فالناس ما داموا جاهلين معذورون لا تكليف عليهم و لا حجة و قد جعل الله غفلة الناس عذرا و قال ان تقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين هذا مع انه ليس من العدل عقلا و نقلا ان يؤاخذ الجاهل الغافل علي ما ارتكب تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا قال الله سبحانه و ماكنا معذبين حتي نبعث رسولا فمحض ارسال الرسل و انزال الكتب دليل علي ان الله سبحانه لميرض لهم جهالتهم و لميكلفهم بجهلهم و لميحتج عليهم به و جهالة العباد ثابتة ما لميعلمهم الله سبحانه فكما كان علم الخير و الشر و النفع و الضر و الحلال و الحرام عند الله سبحانه معلوما و لكن ما لميظهره لعبيده كانوا جاهلين و كانوا معذورين غير مكلفين بشئ منه حتي يظهره لهم كذلك بعد ما انزله الي رسوله و عرفه اياه و لميظهر الرسول للعباد لمصالحهم و عدم تحملهم فهم بعد تعليم الله رسوله و عدم تعليم الرسول امته جاهلون معذورون غير مكلفين بشئ حتي يعلمهم الرسول كما كان في بدو الاسلام يعلم النبي صلي الله عليه و آله جميع الشرايع و الاحكام لانه كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و لميكن احد مكلفا ان يجتهد بنفسه لنفسه صلوة و لا صوما و لا عبادة حتي يعلمهم النبي صلي الله عليه و آله بل لميكن لهم ان يسألوه عن تكليف جديد و لميكن ذلك من طلب العلم بل هو من باب الاقتراف و استعجال ما لميحن وقته و الي ذلك يشير ما عن المجمع قال سأل رجل رسول الله صلي الله عليه و آله عن الحج افي كل عام يا رسول الله فاعرض عنه حتي عاد مرتين او ثلثا [ص 28] فقال رسول الله صلي الله عليه و آله ويحك و ما يؤمنك ان اقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت و لو وجبت مااستطعتم و لو تركتم كفرتم فاتركوني ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم علي انبيائهم فاذا امرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم و اذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه انتهي ، و الي ذلك يشير قوله تعالي لاتسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم اي عن اشياء لمتبد لكم ان تبد لكم تسؤكم بالجملة ليس طلب العلم الفحص عما لميكلف العبد به و انما هو طلب التكليف و لا تكليف الا بعد امر النبي اياهم و نهيه و هما بعد الاظهار و الابراز فالتكاليف ليست الا ما ظهرت و الخير و الشر و النفع و الضر كثير مخزون عند النبي صلي الله عليه و آله ما لميظهر و ليس ذلك بتكليف العباد و كذلك اذا اودعه النبي صلي الله عليه و آله وصيه و علمه اياه و اوصاه ان يظهر كل مسئلة في وقت خاص لايق بها و لايظهرها قبل ذلك و لايكتمها بعد ذلك فكل ما هو مخزون عند الوصي و لميظهره علي حسب الوصية ليس للعباد الفحص عنه و هم باقون في جهالتهم به ما لميظهر معذورون في جهلهم و ليس عليهم العمل به و توخيه و الاحتياط فيه و ليس ذلك من المتشابهات كما زعمته الاخباريون و جعلوا ما لا نص فيه من المتشابهات و اوجبوا الاحتياط فيه و جعلوا له حكما كما لميكن ما كان عند النبي صلي الله عليه و آله مخزونا قبل البعثة و لمايظهره من المتشابهات و لميكن تكليف احد تكلفه و كما لميكن ما كان عند الله تعالي مخزونا تكليف احد قبل بعثه الرسل و لله الحجة البالغة و البالغة ان تبلغ المكلف فما زعموه انه قد ورد الامر بالاحتياط و التوقف فيما لميظهروه اشتباه محض فانه لميرد خبر بازيد من التوقف في المتشابهات و ليس فيها ان المتشابه ما لا نص فيه [ص 29] بل المقبولة الحنظلية لامحة بانه ما ورد فيه نصان متعارضان و اشتبه الحق بالباطل و عجز المستنبط عن الترجيح و هو كذلك فان الشبهة ما اشتبه الامر فيه و الاشتباه لايحصل الا بقيام دليلين علي شئ واحد و اما ما لا دليل عليه فهو مجهول و لذا ورد الاثر في ذلك انه مطلق كما روي عن الصادق عليه السلام كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص و عنه عليه السلام الاشياء مطلقة ما لميرد عليك امر او نهي و عنه عليه السلام كل شئ مطلق حتي يرد فيه نهي و عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله تعالي حد لكم حدودا فلاتعتدوها و فرض عليكم فرائض فلاتضيعوها و سن لكم سننا فاتبعوها و حرم عليكم حرمات فلاتنتهكوها و عفا لكم عن اشياء رحمة من غير نسيان فلاتتكلفوها و عن الصادق عليه السلام ان عليا عليه السلام كان يقول ابهموا ما ابهمه الله و عنه عليه السلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ، الي غير ذلك من الاخبار و يأتي تفصيلها فيما بعد ذلك ان شاء الله فما كان عند الائمة عليهم السلام موجودا و لمينصوا عليه لميكن تكليف احد الفحص عنه و التكلف له و الاحتياط فيه اذ لا تكليف الا بالبيان و لميبينوا و عليهم البيان و كذلك ما نصوا عليه عليهم السلام و بينوه لواحد من رعيتهم او اكثر الا انه لميصل الينا بعد فلسنا بمكلفين بشئ منه و لميجب علينا الاحتياط فيه و ليس ذلك من الشبهات اذ نحن باقون علي جهالتنا و لله الحجة البالغة و لميبلغ تكليفنا الينا فذلك ايضا مطلق علينا و قد قال الله سبحانه و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون ، و عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله يحتج علي العباد بما آتيهم و عرفهم و سئل ابوعبدالله عليه السلام عمن لايعرف شيئا [ص 30] هل عليه شئ قال لا و قال عليه السلام كلما غلب الله عليه من امر فالله اعذر لعبده و هذا من الابواب التي يفتح كل باب منها الف باب و قال من عمل بما علم كفي ما لايعلم و في حديث المرفوعات منها ما لايعلمون و قال ان الله عز و جل احتج علي الناس بما آتاهم و عرفهم و قال ليس لله علي خلقه ان يعرفوا قبل ان يعرفهم و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوه و قال ان الله يحتج علي الناس بما آتاهم و عرفهم الخبر ، قال الله عز و جل لايكلف الله نفسا الا ما آتيها فاذاً كلما علم الله سبحانه و لميوح به او اوحي الله سبحانه الي نبيه و لميبلغه لعدم صلاح الزمان و حلول وقته او بلغه الي الوصي بعده و لميظهره تقية و عدم تحمل الوقت و اهله او بلغه و اظهره و لميصل الينا بعد موسع علينا و لا تكليف لنا فيه و السبيل فيه قوله عليه السلام كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص ، و ليس بشبهة بل هو مجهول و الشبهة ما قام عليه دليلان و اشتبه و سيأتي بيان ذلك مفصلا في قاعدة مخصوصة فترقب .