و منها ان الله سبحانه ارسل رسولا و انزل عليه كتابا و سن له سنة فجعله خاتم الرسل و جعل كتابه خاتم الكتب و جعل سنته خاتم السنن فانزل في كتابه في سبعين آية حرمة العمل بالمظنة و نص بانه لايغني من الحق شيئا و نطق رسوله صلي الله عليه و آله في اخبار متواترة بل متجاوزة حد التواتر ان العمل بالمظنة في الدين حرام محرم علي الاطلاق فصار من شعار دينه الذي هو خاتم الاديان ان المظنة ليست من دينه كما ان الخمر او لحم الخنزير محرم ليس من دينه و كل من ورد كتابه و سنته رأي باوضح وجه انه ليس من هذا الدين و ان كان خارجا من هذا المذهب و العجب من اناس غفلوا عن هذا الوضوح و هم مصرون علي اثباته حتي جعلوه الاصل في الحجية و قالوا بعموم حجيته حتي ادخلوه في اصول الدين و جوزوا فيها الظن نعوذ بالله فكيف يراعي النبأة من [ص 169] اصمته الصيحة و كيف يدخل نبأتي في آذانهم و هم عن صيحة الحق صم و لكني اقول الحق و الله يهدي السبيل فاقول لو قال لهم نصراني ان كتابكم هذا ينطق بان الظن ليس من دين الله في دين من الاديان و شرع من الشرايع و لا اختصاص له بدينكم و قد عاب الله سبحانه علي كل امة عملوا بالظن و كتابكم شاهد علي ذلك و نبيكم ايضا قال في اخبار متواترة ذلك كما ان كل نبي نهي عن ذلك امته و نبيكم يقول ماكنت بدعا من الرسل و انتم تزعمون ان نبيكم خاتم الانبياء و دينه باق الي يوم القيمة و لايخترم و لايزهق فان الباطل كان زهوقا و اريكم بعد فقد نبيكم و غيبة وليكم علي زعمكم تدعون ان العلم الذي كان عليه مدار الحق في جميع الاديان مرتفع عنكم و قد اخترم و سد بابه عليكم و ان مداركم علي ظن و لم‌يكن من دين نبي من الانبياء و لا من دين نبيكم و قد نطق كتابكم الذي لايسعكم انكاره بذلك فانتم لستم علي دين نبيكم و لا دين احد من انبياء الله سبحانه و انتم اليوم علي امر لايغني من الحق شيئا و ماذا بعد الحق الا الضلال ماادري ماذا يجيبون ذلك النصراني هل يقولون ان نبينا قال كذا و ربنا قد انزل كذا و لكن عقولنا حكمت بكذا و حكمت بان ظن المجتهد راجح و مخالفة الراجح قبيح فيقول لهم فانتم اتخذتم هواكم الهاً و استبددتم بعقولكم دون ربكم و نبيكم و اما انا فاقول لو حاجكم النبي صلي الله عليه و آله يوم القيمة تحت عرش رب العالمين و قال يا رب انك انزلت سبعين آية في كتابك بحرمة العمل بالمظنة و قلت لتبين للناس ما نزل اليهم فبينت لهم و اصررت لهم اصرارا و دعوتهم ليلا و نهارا حتي تواتر عندهم عني اخبار و صرحت و اوضحت و اطلقت و لكنهم [ص 170] استبدوا بعقولهم و قالوا ان ظن المجتهد راجح و العدول عن الراجح قبيح مع انك قلت ان الظن لايغني من الحق شيئا و انا قلت ان الظن اكذب الكذب ، فعدلوا عن كتابك و عن سنتي و ارتكبوا قبيح مشاقتك و مشاقتي و رضوا بمخالفتي و مخالفتك و رجحوها بعقولهم السخيفة و آرائهم الضعيفة مع انه انذرهم قوم آخرون و حذرهم طائفة من امتي فلم‌يرتدعوا و قالوا نحن نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن و نحن متبعون ظنوننا الحاصلة في صدورنا لا الاخبار المسطورة في سطورنا فاحكم بيننا بالحق و افتح بيني و بينهم فتحا و نجني و من معي من المؤمنين ،

ماذا تقولون اذ قال النبي لكم ماذا صنعتم و انتم آخر الامم

فاعدوا الجواب ليوم فصل الخطاب .

و اما نحن فنقول ان نبينا خاتم الانبياء و كتابه خاتم الكتب و دينه خاتم الاديان فهو نبي كل زمان يحتج علي الزمان الآتي كما احتج علي زمان وجوده و القي علي هذه الازمنة من علم الله كما القي علي اهل زمانه فانهم شركاء في التكليف و المقتضي و الباعث و قد قال صلي الله عليه و آله بامر الله اني رسول الله اليكم جميعا و قال الله سبحانه و ماارسلناك الا كافة للناس فهو رسول كل قرن الي يوم القيمة فلو كان يجوز عند عاقل من العقلاء ان يبعث الله رسولا لايحصل من قوله القطع بقول الله سبحانه و حكمه و يحتمل في كلامه السهو و الخبط و الدس من نفسه و التحريف من نفسه لدين الله و كلما يقولون اليوم و يكون الناس في الاخذ عنه متزلزلين و يكتفي احد بالعمل بالظن المطلق بحكم الله و لو من غير اخذ عن ذلك النبي ثم يقول اني [ص 171] من امته و حكمي الذي حكم به ظني حكم ذلك النبي عقلي كعقله و نفسي كنفسه فما حكم به ظني يحكم به ذلك النبي ايضا لا محالة و يحكم به الله لا محالة و لايتفاوت ظني و ظن النبي بل ظني و علم النبي بل ظني مساو لعلم الله و يقول للنبي انا اعمل بقولك لا من حيث انه قولك بل من حيث حصول ظن لي بان هذه المسئلة قول الله و دينه فلو كان يتم لله الحجة بمثل هذا النبي في زمان ظهوره يتم بمثله حجته في زمان خفائه و هو مبعوث الي الزمانين و الله مستعبد لاهل الزمانين و يحتج به عليهم في الزمانين فاي فرق بين هؤلاء و هؤلاء في العبودية لله سبحانه و الحاجة الي الدعوة و الرسول نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فلا بد و ان يكون بعد النبي و الولي في الامة احاديث هي كمتفوهات النبي و الولي يوم حضورهما و يكون الناس في الاخذ بها علي يقين كما كانوا علي يقين من متفوهات النبي صلي الله عليه حتي يقوم الحجة عليهم و من يجوز ان يكون الدين كذا كما يقولون لا بد و ان يجوز ان يكون الدين يوم بعثة النبي كذا و من جوز ذلك لا حجة له علي عصمة الانبياء و نصب الخلفاء و من زعم ذلك فحسابه علي ربه و حده معلوم فان وجب ان يكون النبي معصوما حتي يحصل القطع بمراد الله و يحتج الله به علي خلقه وجب ان يكون دين الله قطعيا علميا و الا فاي حاجة الي العصمة و العدالة كافية فان وجب ان يكون قطعيا في زمان وجب ان يكون قطعيا في كل زمان هو نبيه و النبي خاتم الانبياء و نبي كل زمان و اهل كل زمان عبيد الله محتاجون الي التكليف و اقامة الله الحجة عليهم الي يوم القيمة فوجب ان يكون دينه قطعيا لاهل كل زمان و ليس اليوم في يد الشيعة الفرقة المحقة الا هذه الاخبار المأثورة فان كانت قطعية فبها [ص 172] و كانت كتفوه النبي الصادق بالحق و الا كان الحق عنهم مرتفعا بل يرجع هذا النقص الي النبي نعوذ بالله حيث لم‌يبلغ و الابلاغ ان يوصل المبلغ ما عنده الي من امر بالابلاغ اليه و ما عند النبي هو الحق فان بلغ ذلك الحق الينا و اوصله الينا فهو و ان لم‌يبلغ فمابلغ رسالاته البتة و ان قلت قد بلغ و لكن عرض عوارض جعلته ظنيا قلت ان كان يجوز و يتم بعثته ان يعرض عوارض في زمان ظهوره يجوز ان يعرض عوارض اليوم فهل يجوز ان يبعث نبي و يقوم بين ظهراني العباد و يحدث بامر الله و يأتي الرياح و يذهب بصوته حتي لايستمع آذان المستمعين صوته او يسمعوا شيئا و لم‌يصح عندهم هل برئ ذمة ذلك الرسول عن الابلاغ ام لا و هل يجوز له ان يقول كان الواجب علي ان انطق بينهم و هذا هو الابلاغ سمعوا ام لم‌يسمعوا فمااريكم الا انكم تقولون انه قد نطق و ذهبت الرياح بصوته فلم‌يصل الينا فاذا لم‌يبلغ ارأيتم لو امر نبي بالابلاغ الي جميع بني‌اسرائيل فجاء الي واحد اسرائيلي في برية فاخبره ثم ذهب هل يقال انه بلغ امر الله الي بني‌اسرائيل فمااريكم الا انكم تقولون انه بلغ الي بعض امته و ترك البعض و قطع القواطع بين الذين علموا و بين الذين لايعلمون اليس ذلك تقصيرا من النبي المبعوث الي الكل المأمور من عند الله بالابلاغ الي امته و امته الكل الي يوم القيمة و اما لو بلغ ظاهرا الي البعض بلسانه الظاهري و بلغ الي الآخرين بروات اخباره و رسله و نقلة اخباره و حفظة آثاره و قرنها بادلة قطعية حتي جعلها في الحجية و الحقية كالمنطوقة بلسانه لم‌يقصر و قد بلغ ما ارسل به الم‌تر ان السلطان لو بعث الي قرية رجلا بامر و لم‌يقرنه بقرائن قطعية و آثار يعلم منه صدقه فعصته القرية ليس له عليها حجة و لايعاقبها البتة و اما ان اعطاه [ص 173] توقيعا مختوما و جعل له قرائن الصدق فعصته عذبها عذاباً نكراً و لم‌يجُر في سلطانه فالنبي ان لم‌يحمل اخباره من يعتمد عليه و لم‌يجعل لها قرائن قطعية جعلتها في الحجية كمنطوقاته لم‌يكن له حجة علي من تصل اليه و كان لهم ان يقولوا انا ماعلمنا انها منك و نهيت عن اتباع الظن فليس لك علينا حجة و لذا روي لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم و روي اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ، بالجملة كون النبي مبعوثا علي اهل كل عصر و عدم قيام حجة الله بالظن في عصره و في كل عصر و عدم كون شئ في ايدينا الا هذه الاخبار دليل ابين من الشمس في رابعة النهار انها مرفوعة المنار ساطعة الانوار قطعية الصدور ظاهرا او تقريرا و بها تقوم حجة الله سبحانه علي عباده يوم النشور .

و منها ان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم و هم جهال مقبلون اليه من غاية البعد و الجمادية و لم‌يك يقوم الا بامر و نهي و تعليم و تأديب فخلق من لطفه انبياء ابتعثهم اليهم يتلون عليهم آياته و يزكونهم ليعلموهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين و لم‌يخل ارضه من حجة عليهم و من تعليم و تأديب مذ خلقها فكانت الرسل تأتيهم تتري و ان غاب يوما حجتهم كان علمه و آدابه بينهم فانه ان غاب غاب تقية و خوفا و لايخاف علي علمه المحفوف بالقرائن القائم مقامه في رعيته الي ان جاء نبينا صلي الله عليه و آله فتلي عليهم آياته و زكيهم و علمهم الكتاب و الحكمة الي منتهي ايامه فابي الله ان يدع الارض بلا حجة داع اليه فنصب بعده عليا عليه السلام و بعده الحسن عليه السلام و هكذا [ص 174] الي ان نصب الخلف بن الحسن عليه السلام فغاب عن الانظار تقية و خوفا فلم‌يبق للناس انسان معلم و مؤدب مشهود من الله سبحانه معصوم فلو زوي عن الناس ايضا علمه و آدابه ما يعلمون الناس علما انه من الله سبحانه و انه دين الله لم‌يبق بين الله و بين خلقه وسيلة يبتغونها اليه البتة و من ثم قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم فان علمه و آدابه في قلوب المؤمنين متشتتة و هم بها عالمون و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام كيف ينتفع الناس بالغائب المستور قال كما ينتفعون بالشمس اذا سترها السحاب و عن الخلف عليه السلام و اما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا غيبها (ظ) عن الابصار السحاب ، و يأتي في ذلك مزيد بيان انشاء الله فاحاديثهم المأثورة هي القائمة مقامهم في مغيبهم بل هي الامام المنطوقي فان احاديثهم تفاصيل عقلهم و علمهم قد ظهرت في عالم اللفظ و النطق و من ذلك قيل كلام كل امرئ دليل عقله بل هي عقلهم الظاهر في صورة الالفاظ و هي الروح المشار اليه في قوله تعالي اوحينا اليك روحا من امرنا و انت تعلم ان اول ما خلق الله روحهم و هو عقلهم فانه الروح من امر الله فاحاديثهم الروح من امر الله الظاهر في صورة الالفاظ به تحيي موات النفوس استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و المؤمن حي به و الكافر ميت عنه يخرج الحي من الميت اي المؤمن من الكافر من احيي نفسا فكأنما احيي الناس جميعا فاحاديثهم تحيي بها ميت القلوب فهي الروح يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي و هي الروح الانسانية لان النبي صلي الله عليه و آله اخرج الناس باحاديثه و علمه و آدابه من حد البهيمية الي حدود الانسانية الناس كلهم بهائم الا المؤمن فاحاديثهم هي الروح الانساني [ص 175] و هي العقل الذي يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان فتبين و ظهر لمن كان من اهل النظر ان السنة هي الروح المنطوقي و العقل الملفوظي و هي عقلهم و روحهم المعصوم المطهر عن الخطاء و الزلل المعتصم بالله المصون عن كل جهل و شيطانية و لايضر بها ما كان يلقي الشيطان كما لم‌يكن يضر بهم عليهم السلام وجود اعدائهم و خلطهم انفسهم في عدادهم فان الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته و الله عليم حكيم و جعل ذلك كذلك ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين كفروا و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة بعد البينة و يهلك من هلك متجاوزا عن البينة و علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور فمن عصم آل‌محمد عليهم السلام حتي لايشتبهوا باعدائهم و تم نورهم و لو كره الكافرون عصم آثارهم التي هي آل‌محمد المنطوقي عن اعدائهم المنطوقي و هي ما يدس و يحرف و يغير و يبدل و لايضر بهم كيدهم شيئا و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين فالاخبار التي عليها المدار بين الشيعة الابرار هي امامهم اليوم الظاهر و هي عقلهم و روحهم و حجة الله عليهم و لايعقل ان يكون حجة الله ظنية و وهمية و غير معصومة عن نقص يمنع عن الحجية و يزلزل اقدام النفوس و يورث لها حجة علي الله سبحانه فمن رام يجوز ذلك علي هذه الآثار لزمه تجويز عدم العصمة و التشابه بالاعداء و ظنية الحجية لآل‌محمد عليهم السلام فان لم‌يجز هناك لم‌يجز هنا فان هذه الاخبار هي الامام اليوم و كل شئ احصيناه في امام مبين اي ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة فلم‌يتركوا شيئا يحتاج اليه الناس الي يوم ظهورهم الا و بينوا في اخبارهم فان منعهم عن ظهورهم تقية لم‌يمنع من اظهار علمهم و آدابهم تقية و ان كان تقية فرضا فهي الحكم الثانوي و دين الله المناسب لاهل اعصار الغيبة [ص 176] و لايعقل مانع عن قطعية دين الله الثانوي اذ كل ما اقتضي العالم و القوابل هو دين الله فماذا يمنع الحجة عليه السلام عن اظهار هذا فما اظهروه معصوم مطهر و امام مظفر لايشوبه شك و لا ارتياب و هو معصوم في كل باب راجعه فارغ القلب ساكن البال مطمئن النفس كما كنت تسكن الي آل‌محمد عليهم السلام ان رأيتهم و قد كانوا يفتون بالاختلاف و الزيادة و النقصان و التقية و مر الحق و كن بحيث تعلم انك لو شاهدتهم بعينك و سألتهم بلسانك لم‌يكونوا يزيدوك علي ما في يدك اليوم البتة فان هذا بايصالهم و لهم السنة صدق لاتعرفها و ايدي معطية باسطة لاتراها و انما يراها و يعرفها اولوا الالباب لا غير فخذ هذا البرهان السماوي الالهي و اطمئن عن قواطع الارض و شبهات القوم فانها نفخ في غير ضرام و قياس الامر السماوي الالهي بامور العباد الارضية و ادلتهم شاهدة و كلام السماء و اهلها لايشتبه بكلام الارض و اهلها فعلي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور .

و منها انا استدللنا علي العامة حين قالوا لايجب نصب الخليفة بعد النبي بانه لايجوز لسلطان عاقل يغيب عن ملكه اياما ان لايخلف خليفة في ملكه يرجعون اليه عن التشاجر الذي هو جبلي هذا الخلق المنكوس و ينفذ اوامره و نواهيه في رعيته و يبين لهم ما يرضيه و ما يسخطه فيتفرق رعيته و يتبدد ملكه و يتشتت ما جمعه في مدة مديدة بنصب و تعب كيف يجوز لنبي هو عقل الكل ان يدعي انه خاتم الانبياء و شريعته باقية الي مائة الف سنة فيبقي فيهم زمنا قليلا ثم يموت و لايخلف في القوم من يقوم مقامه و يجمع شمله و ينفذ امره و نهيه و يحفظ دينه حتي لايلعب به المنافقون و لايفسده المنتحلون و يوصل الي اهل كل عصر ما ينبغي لهم و يرفع التشاجر و يحكم بينهم حال التنازع و يحفظ الثغور و يجند الجنود [ص 177] حتي يظهر دينه علي الاديان و يفتح الامصار حتي يجري دينه مجري الليل و النهار فلم‌يكن لهم حجة في جوابنا ففلجت حجتنا و غلبناهم فنستدل اليوم علي القوم انه لايجوز لسلطان مدبر ان يذهب من بين رعيته و هو يعلم ان رعيته يقهرون خلفاءه و يسعون في اطفاء امرهم و لايترك بينهم قانونا محفوظا لايذهب به الحدثان و لايبليه الجديدان كيف تجوزون هذا المنكر علي نبي هو عقل الكل يعلم ان نبوته باقية الي يوم القيمة و ان اعداءه يقهرون خلفاءه بعده حتي يغيب خليفته و يبقي رعيته دهورا بلا راع ظاهر و ان المنافقين يلعبون بدينه و يدسون و يحرفون و يأولون و يكذبون و ينسون و تنطمس الاعلام و تذهب القرائن و تخفي العلامات لو لم‌يؤسس اساسا محكما فيذهب من بينهم و لايترك بينهم دينا قيما محفوظا من طوارق الحدثان و يرد الخلق الي الجاهلية الاولية التي انقذهم منها بكد يمينه و عرق جبينه و كذا يغيب خليفته و هو يعلم ان غيبته تطول ازيد من الف سنة و لايترك بينهم ما يرجعون اليه عند الاختلاف و يستخرجون منه حلال الله و حرامه و يعرض عن الدين و حفظه بالكلية و يتركهم و شأنهم مع جهالتهم في غلبة الجهال و دول الضلال و يذهب غير متوجه الي رعيته ابدا لايبالي بهم هلكوا ام بقوا عرفوا دينه ام لم‌يعرفوا حاشا ثم حاشا و والله حاشا الم‌يرد في التوقيع الرفيع انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء الخبر ، صلي الله عليه من راع رؤف رحيم قادر عليم حكيم انصفني هل يناسب ذلك الذي يظنون لطف الرب الرؤف و عناية النبي العطوف و حفظ الولي الالوف انشدكم الله انصفوني هل ترك الناس علي ما تقولون احكام للامر ام تخريب و افساد و هل الموافق للحكمة [ص 178] ما اقول او ما تقولون فان انصفتم و اقررتم بالحق فاخبروني هل في ايدي الشيعة اليوم الا هذه الاخبار و هل مرجعهم الا هذه الآثار فان لم‌تكن هذه صحيحة فما مفزع الشيعة اليوم و ما مرجعهم و اين معقلهم و ما الذي خلفه النبي صلي الله عليه و آله بينهم و ما القول الثابت الذي به ثبتهم ليثقف به اودهم و يقيم به عوجهم و يجمع به شملهم هل هو الظنون السخيفة او الآراء الباطلة و الاهواء المردية فان لم‌تك في ايديهم الا هذه الاخبار هل هي صحيحة و خلفوها بيننا لطفا او سقيمة ؟ معروفة حقها من باطلها او مشتبهة ؟ يهتدي الي حقها من طلب الحق ام لايهتدي ؟ علي حقها نور لايشتبه بظلمة الباطل ام لا ؟ يحفظها الحجة عن تطرق الباطل دائما ام لا ؟ من يقدر ان يوصل الناس الي الظن يقدر ان يوصلهم الي اليقين ام لا ؟ يكفي في خليفة الله و هي اليوم الاخبار ان يكون مظنون الخلافة او يجب ان يكون معلوما ؟ ما لكم كيف تحكمون ثبتنا الله و اياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة .

و منها انشدكم الله ربي و ربكم ان تنصفوني فيما اسألكم و تحكموا بالقسط و لاتخاطروا بانفسكم و انظروا بعين الانصاف هل الاكمل و الاحسن و الاولي ان يخلف الحجة في زمان غيبته و اوان استتاره بين رعيته آثارا قطعية مصونة عن دس الداسين و تحريف المحرفين و لعب اللاعبين و اخبارا محفوظة معصومة قطعية يحصل للمكلفين ان دخلوا البيت من بابه و لم‌يأنسوا بشبهات اعدائهم القطع بتكليفهم و يتبصروا بدينه و يهتدوا بهداه و يحصل لهم العلم بما اراد الله منهم و لايكلهم الي ظنونهم المردية و آرائهم المهلكة و عقولهم الناقصة فيتفرقوا ايدي سبا مشقوقة العصا راجعين الي الجاهلية الجهلاء او يتركهم سدي مهملين [ص 179] متزلزلين في الدين موكولين الي شبهات المشبهين و تأويل الغالين و تحريف المحرفين شاكين ظانين في ظلمات الاحتمالات خابطين و لايكون في ايديهم قطعي من امر الدين انصفوني و رب البيت و الحرم و الحطيم و زمزم لااظن عاقلا في الدنيا يقول ان هذه اكمل و اولي و احسن من ذاك فان قال ان الاكمل هو الامر الاول فاقول هل ربكم يترك الاولي و هل نبيكم يرتكب خلاف الاكمل و هل وصيكم عدل عن الاحسن و انما تقولون و من دينكم ان نبينا صلي الله عليه و آله لايترك الاولي فان كان لايترك الاولي في افعاله الخاصة بنفسه كيف يترك الاولي في امر بعث لاجله و امر من عند الله بابلاغه و تحمل الصدمات لاجله فلا و رب الكعبة لايترك الاولي و ماترك بل بين فرايض الله و اقام حدوده و نشر شرايع احكامه و سن سنته حتي صار في ذلك من الله في رضا و انزل الله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و من البين انه لم‌يترك بيننا الا هذا الكتاب و هذه السنة فالواجب ان يكونا قطعيين يفيدا العلم و العمل و يكونا معصومين محفوظين عن شر الاشرار و كيد الفجار و لانحتاج معهما الي تراء و لا تظن و لا الي اعدائه و منافقي رعيته و الي اجتهاد و رأي و قياس فجميع اخبارنا الا ما ابانوا كذبها صحيحة منسوبة اليه صادرة عنه مورثة للعلم كاشفة عما اراد الله منا و كيف تجوزون ان يصدر من الله سبحانه ترك الاولي و قد عاقب بعض انبيائه بترك الاولي و سر استحالة صدور ترك الاولي علي سبيل الاشارة ان الله سبحانه لايفعل فعلا بمقتض من ذاته فانه احدي قديم فيفعل ما يفعل علي حسب قوابل الخلق [ص 180] و بديهي ان ما كان اولي هو مقتضي وجوده اقوي من الذي ليس باولي و مانعه اضعف فما كان كذلك لاتتجاوزه المشية الجارية علي نهج الحكمة و الصواب الي غير الاولي فبذلك استحال صدور غير الاولي عن الله سبحانه و عن الذين هم اوكار ارادته الكلية و لم‌تسكن المشية الا فيهم و لم‌تبرز الا عنهم في الزيارة القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستأثرت به سنتكم و في الخبر ان الله جعل قلوب اوليائه وكرا لارادته ، فمحال ان يصدر خلاف الاكمل و الاحسن و الاولي عن الله و عن رسوله و حججه الكليين عليهم السلام و لا شك ان كون الدين بحيث يحصل منه العلم و يطمئن به النفس و يسكن به الفؤاد اكمل و اولي من ان تكون النفس متزلزلة و القلب مترجرجا لايدري هل هو دين الله ام لا و هل يرضي الله به ام لا و هل هو صادر عن الله ام لا فاذا كان كون الدين معلوما قطعيا اكمل و اولي من المظنون لم‌يعدل الله سبحانه الي غيره البتة و ليس في ايدينا اليوم غير هذا الكتاب و غير هذه الاخبار فهي قطعية الصحة مورثة للعلم موجبة للعمل بلا شك و لا ارتياب ،

هذا اعتقادي فيه قد ابديته فليقبل الواشون او فليمنعوا .

و منها ان الله سبحانه قديم و جميع ما سواه حادث و كل حادث مفتقر الي القديم و الله سبحانه خالقه و مخرجه من العدم الي الوجود الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون ، هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه ، قل الله خالق كل شئ ، الله خلقكم و ما تعملون ، ام حسب الذين يعملون السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون ، و عن الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما [ص 181] و لا ثالث غيرهما ، و قد خلق الاشياء بالمشية فما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك ، و الله سبحانه لايسهو و لايلهو و انما خلق ما خلق مما سواه عن عمد و علم و حكمة فلم‌يقع و لن‌يقع و محال ان يقع في الملك شئ الا بعمد من الله و علم و حكمة و ارادة فهل تحسبون بعد هذه الآيات البينات المحكمات و الاخبار الساطعة الانوار الموافقة للكتاب المؤيدة بالعقل المستطاب ان يغلب المنافقون و اعداء الرسل و الاولياء الله في دينه فيريد الله اظهاره و اعلانه و جعله قطعيا و يغلبه الاعداء و يحولوا بينه و بين ارادته نعوذ بالله و الله بالغ امره قد جعل لكل شئ قدرا و هو القاهر فوق عباده فلم‌يغالبه احد و لم‌يقهره مخلوق ضعيف و لم‌يحل بينه و بين ارادته من اخرجه من العدم الي الوجود و هو قائم بامره و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و في الدعاء كل شئ سواك قائم بامرك ، حاشا و كلا فجميع ما وقع بمشيته و ارادته و حكمته و علمه و عمده و لايكلف خلقه بما لم‌يخلقه و لم‌يرد من بريته ما لم‌يشأ لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها فهذه الاخبار الموجودة علي ما هي عليه و بكل ما تقولون و تجوزون فيها من الاحتمالات و الشكوك و الشبهات هل صارت كذا بمشية من الله و حكمة و تدبير و قهر خلقه فيه و غلبهم ام غلبه الخلق و حالوا بينه و بين ارادته منها فلم‌يبلغ مناه فيها و لم‌يفز بما اراد لااظن مسلما يتفوه بان الله سبحانه قهره خلقه و غلبه و لم‌يدعه يظهر دينه كما يشاء فهو اراد ان يكون الاخبار كذا بجميع ما هي عليه و شاء ان تكون الآثار علي ما ترون البتة و لم‌يشأ غيره و لو شاء غيره لماغلبه احد [ص 182] من خلقه و لماقهره و لماحال بينه و بينه فهذه هي مراد الله اليوم و ما تعلق به مشيته و ما كان موافقا لحكمته فهل الذي اراده و شاءه و هو موافق لحكمته هو دينه الذي اراده من خلقه و كلفهم به ام الذي لم‌يشأه و لم‌يرده و لم‌يكن موافقا لحكمته فكلف العباد بدين لم‌يشأه و لم‌يخلقه و لم‌يكن موافقا لحكمته لااظن عاقلا في الدنيا يختار الاخير فقد شاء هذه الاخبار ان تكون كذا و هي كذا موافقة لحكمته و هي التي جعلها دينا لخلقه و اراد منهم الاخذ بها و التمسك بذيلها البتة و استنباط الاحكام منها فهي كائنة ما كانت دين الله موافقة لمشية الله و حكمة الله فمن اخذ بها امتثل ارادة الله و وافق مشية الله و من تخلف عنها فقد ظلم نفسه و تكلف و الله لايحب المتكلفين لان حبيبه يقول و ما انا من المتكلفين ، ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فهذه الاخبار صحيحة الصدور من الله سبحانه الا ما كذبه الله و نفاه عن نفسه و اظهر انه افتراء عليه و افسده كما قال ان الله لايصلح عمل المفسدين و اما ما اصلحه و لم‌يفسده و لم‌يزهق فهو حق لا مرية فيه و لا ريب يعتريه منه و اليه و ان لم‌يكن شئ منها صحيحا عرضيا و ارضيا صحيح طولي و سماوي و ان لم‌يكن صحيحا صدوريا ظاهريا فهو صحيح صدورا تقريريا و تصديقيا و السنة الله غير محصورة ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها فعن النبي صلي الله عليه و آله ما جاءكم عني من حديث موافق للحق فانا قلته و ما اتيكم عني من حديث لايوافق الحق لم‌اقله و لن‌اقول الا الحق و عن ابي‌جعفر عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد من الناس يقضي بقضاء حق الا ما خرج منا اهل البيت و اذا تشعبت بهم الامور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام و في الزيارة ان ذكر الخير كنتم [ص 183] اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و اشهد ان الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و روي نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر ، الي غير ذلك من الاخبار فنحن لانحتاج و لانكلف بعلم الغيب و ما لم‌نحط به من الوقايع العرضية بل لانخشي الناس ان يحولوا بيننا و بين ديننا فان ديننا يأتينا من السماء لا من باب البيت فافهم هذه الحكم السماوية الالهية المحمدية العلوية و ان خلج بقلبك بعض اعتراضات و بعض النقض فمحل تحقيقه ساير كتبنا و هي به مشحونة .

و منها انا نري ان من الاخبار ما هي متواترة لفظا او معني و لا نزاع فيها و بعضها محفوفة بقرائن قطعية و لا نزاع فيها ايضا و بعض منها قد ادعي في بلاد الاسلام جمع من العلماء الاعلام انها صحيحة الصدور علي اصطلاح القدماء و بنوا عملهم عليها و ليسوا بمن لايعتني بهم و لم‌يكن لهم في المذهب خطر و لم‌يتبعهم احد بل كثير من اهل الاسلام اقتدوا بهم و اتبعوا آثارهم و كانوا من اول زمان الغيبة بل من ازمنة الظهور الي الآن و ليس امرهم بهين و نري من سويهم يقولون نحن نظن صحة صدورها او نشك في البعض و لم‌يتصد احد بتكذيب الاولين و ادحاض حجتهم و لم‌يقم احد يأتي ببرهان قطعي و لا ظني علي عدم صحة صدور تلك الاخبار و كذب تلك الآثار من اول زمن الائمة عليهم السلام الي الآن و لم‌تدل آية و لا رواية علي ذلك و لا اجماع و لا دليل فاذا كان في الاسلام او المذهب قول معتني به و عمل به جم كثير و جمع غفير و لم‌يقم الله علي بطلانه شاهدا من آية و لا رواية و لا اجماع و لا دليل عقل و لا شهرة بل لم‌يقم عالما و لا جاهلا واحدا يقول ان هذه الاخبار مكذوبة علي الائمة [ص 184] الاطهار و لاتكون حقا و غاية خلافهم انا لانعلم كيف هي بل يقولون نحن ايضا نظن صحة صدورها و لم‌يقم مبطل مكذب في الدنيا فأي شئ بعده حق و بأي امر يمكن ان يعتمد و اي تقرير من الله و من رسوله و حججه اعظم من ذلك و اية بينة اصدق من ذلك و سيأتي ان ذلك حجة الله العظمي في الماضين و الآتين و به يثبت نبوات الانبياء و المرسلين و وصايات الاوصياء المرضيين و لا حجة في جميع ملك الله اعظم من ذلك و من لم‌يسكن بهذه البينة ليس له حجة علي شئ من امر دينه و يعيش في ارتياب و يموت في ارتياب و اما ما سوي ذلك من الاخبار المنسوبة الي العترة الطاهرة فما لم‌يكذبه الله سبحانه بآية محكمة او سنة قائمة او اجماع قائم او دليل عقل بين او قراين مفيدة لليقين بوضعه و كذبه و هي منسوبة الي الحجج بمحضر من الله و رسوله و حجته القائم و هم شاهدون مستمعون عالمون قادرون يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و لايقارون علي باطل و لايغرون به و لايمكنون منه معصومون مطهرون مأمورون من عند الله باحقاق الحق و ازهاق الباطل و نقص الزايد و زيادة الناقص و اقامة الدين فهو ايضا حق نؤمن به و نحققه و نعمل به و لانشك فيه و لانتهم الحملة البتة اعتمادا علي الله و علي رسوله و علي الحجج عليهم السلام فلو قالوا لنا بما اعتمدتم و ركنتم نقول بتصديقكم و سكوتكم مع علمنا بانكم عالمون قادرون معصومون آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر و قد روي من معاني الاخبار بسنده عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال الا هل عسي رجل يكذبني و هو علي حشاياه متكي قيل يا رسول الله و من الذي يكذبك قال الذي يبلغه الحديث فيقول ماقال هذا رسول الله قط فما جاءكم عني من حديث موافق للحق فانا قلته [ص 185] و ما اتيكم عني من حديث لايوافق الحق فلم‌اقله و لن‌اقول الا الحق انتهي ، فكل ما لم‌يكذبوه بمخالفة الحق فهو حق فافهم فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف و اعتبر ان جميع اخبارنا الا ما شذ و ندر صحيحة و الحمد لله و هذه الادلة ادلة سماوية الهية لاتجدها في كتاب و لاتسمعها من خطاب يريدون ليطفؤا نور الله بافواههم و الله متم نوره و لو كره المشركون و فيما ذكرنا هنا كفاية فلانطيل الكلام بذكر غيره و ان اردت الزيادة فعليك بساير كتبنا .

فصل - في كيفية حصول العلم بمراد الله سبحانه من آيات كتابه و سنة حججه عليهم السلام . اعلم ان اعظم اسباب دخول الشبه و الشكوك في اذهان القوم و التباس الامر عليهم انهم قعدوا في بيوتهم يتفكرون في كل شئ و كل كلمة و كل عبارة من حيث هو و ما يحتمل عروضه عليه من الاعراض وحده و هذا الخيال الجأهم الي ان قالوا ما لم‌يثبت عشرة اصول لم‌يثبت معني كلمة و دون اثباتها خرط القتاد و بعد اثباتها ليست تفيد كون الواقع كذا و الجأهم الي ادلة ظنية مخدوشة يثبتون بها ان المراد من هذه العبارة هذا فابتلوا بهذه الوساوس و انهم يخوضون في الاصول من الخارج قبل ان ينظروا في الاخبار و يتجسسوا خلال الديار و في المثل الساير بين الاعاجم ان حساب الدار غير حساب السوق و صار مثلهم في ذلك مثل من يريد سفرا الي فراسخ عديدة يسافر فيها الناس دائما و يبلغون مقصدهم فقعد في بيته يتفكر اني اريد ان اسافر الي ذلك المنزل و من الممكنات ان لايكون في الطريق ماء و الاصل عدم الماء فانه حادث و الاصل عدم كل حادث فاحتاج الي المعاول و السجال و الارشية و الفلكات و احتاج الي اكرة يحفرون الآبار و من الممكنات ان لااصيب فيه طعاما و الاصل عدمه [ص 186] لما مر فاحتاج الي حمل اطعمة و من الممكنات ان يكون في الطريق لصوص و قواطع و هو من الاحتمالات العادية فاحتاج الي بدرقة و اعوان و اسلحة و هكذا يتفكر في الاحتمالات و في كل احتمال يحتمل احتمالات اخر مما لا نهاية لها قلة و كثرة و كيفية و وقتا و مكانا و وضعا و يقول لي لا بد من تحصيل ما يطمئن الانسان بسببه انه يصل و ذلك محال فان ابواب الاحتمالات لاتنسد و من الاحتمالات ان نحتاج الي اشياء ليست تخطر ببالنا فلانعلمها ثم يتعاونه اصحابه في ذكر الاحتمالات و يتناصرون و يقوي بعضهم شبهة بعض و يزين بعضهم لبعض رأيه و اذا تزاحمت الخيالات في شئ كثر الوجوه و الحيوث فيه و الاحتمالات فيها فمحال ان يحصل لمثل هذا الرجل العلم بانه يصل الي مقصده سالما مع جميع هذه الاحتمالات فهو دائما متردد في ريبه لازم بيته يصرف عمره في يحتمل يحتمل و اشك و اشك و اظن و اظن و الناس يسافرون في ذلك الطريق ليالي و اياما آمنين لايخطر ببالهم شئ من تلك الاحتمالات و ما احسن ما قال الشاعر :

ظفر الطالبون و اتصل الوصل و فاز الاحباب بالاحباب

و بقينا مذبذبين حياري بين حد الوصال و الاجتناب

بالجملة و هم بانفسهم اذا خرجوا و سافروا يرون انهم لم‌يكونوا يحتاجون الي شئ من تلك العدة التي صرفوا في تحصيلها و حملها معهم و ان لذلك الطريق و امنيته قرائن و اعلاما و ادلة في الخارج يراها كل من خرج مع الناس و لكن القوم لايفيضون من حيث افاض الناس و تري الرجل يجادل في الاصول ثلثين سنة و لا له علم بالعربية و لا راجع كتب الاخبار و لم‌يجس خلال الديار و في كل مسئلة تطرح يبدؤ بالنظر بعقله و فكره و يجادل فيه سنين و لايراجع مرة [ص 187] الاخبار و لعلها متواترة في ذلك المعني و لايجوز التخلف عنها و هو دائب طول ليله و نهاره في يحتمل و يحتمل فهم في ريبهم يترددون و لو ارادوا الخروج لاعدوا له عدة و لكن كره الله انبعاثهم فثبطهم و قيل اقعدوا مع القاعدين الاتعتبر انهم اذا فرغوا احيانا من اصولهم و دخلوا عرصة الفقهاء و غاصوا في لجج الاخبار تقوم لهم قرائن لايحتاجون الي اجراء شئ من تلك الاصول و لايحتمل بعد تلك الاحتمالات فتري كتبهم الفقهية خالية عن القواعد الاصولية اللهم الا ما تكلفوا تفننا و ماكانوا يحتاجون اليه البتة و اما الذين مشوا علي الفطرة و ابتدأوا بمراجعة الاخبار و تركوا اسباب الالتباس و افاضوا من حيث افاض الناس يرون الاخبار ساطعة الانوار مرفوعة المنار لهم في فهم المطالب منها قرائن من صدر الكلام و عجزه و من السؤال و الجواب و ورود مسئلة واحدة بالفاظ مختلفة في اخبار عديدة و شواهد مفاهيم العلماء و اجماعاتهم و شهرتهم و تحقيقاتهم بحيث لايخفي ابدا وجه علمهم بالمضامين و ان التبس عليهم احيانا بعض المطالب يعدونه من المتشابهات فان الامور ثلثة للرعية الجاهلين بالحقايق امر بين رشده فيتبعونه و امر بين غيه فيجتنبونه و متشابهات بين ذلك فيتركونها لئلايقعوا في الهلكات و لايعملون فيها بظنونهم و آرائهم و ليس لاحد من الرعية فهم جميع علوم آل‌محمد عليهم السلام علي الحقيقة هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه الآية ، فنحن نحصل العلم بمضمون الآيات و الاخبار علي ما وصفنا ● و نحن نعلم ان [ص 188] حججنا مبعوثون علي جميع معاصريهم و علي جميع الخلق الي يوم القيمة قال يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا ، و ماارسلناك الا كافة للناس و امروا بالابلاغ و الايصال و تفهيم احكام الله جل جلاله و هداية الخلق فعليهم التفهيم و التبيين قال سبحانه ثم ان علينا بيانه و قال لتبين للناس ما نزل اليهم و قال فلله الحجة البالغة و قال ان عليك الا البلاغ فعليهم ان يفهموا العباد مرادات الله سبحانه فان تكلموا بما يعقلون فهو و الا فعليهم تفهيم لغتهم و مرادهم و ليس علي العباد ان يحصلوا لانفسهم فهما بل علي الله التفهيم و التبيين و الايضاح قال سبحانه و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون ، فعن ابي‌ابرهيم عليه السلام في قوله تعالي قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم اجمعين مبلغ الحجة البالغة الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمه العالم بعلمه لان الله عدل لايجور يحتج علي خلقه ما يعلمون يدعوهم الي ما يعرفون لا الي ما يجهلون و ينكرون و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام المعرفة من صنع من هي قال من صنع الله عز و جل و ليس للعباد فيها صنع و قال ان الله عز و جل احتج علي الناس بما آتيهم و عرفهم و قال ليس لله علي خلقه ان يعرفوا قبل ان يعرفهم و للخلق [ص 189] علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوا و سئل عمن لم‌يعرف شيئا هل عليه شئ قال لا و قيل له اصلحك الله هل جعلت في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا فقيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف نفسا الا ما آتيها ، فعليهم التعريف و التبيين لاهل كل زمان و اقامة القرائن لاهل كل عصر فعن ابي‌عبدالله عليه السلام ماكلم رسول الله صلي الله عليه و آله العباد بكنه عقله قط و قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا معاشر الانبياء امرنا ان نكلم الناس علي قدر عقولهم ، و امام كل عصر حاضر ناظر قادر حكيم مأمور بالايصال و الابلاغ و التفهيم فهم عليهم السلام قد بينوا كلامهم بحيث يفهم كل من تدبر في الاخبار تكليفه و بدون ذلك لايستقيم الابلاغ و البيان البتة و ان اغلب ما يذكره الاصوليون متمش في مذهب العامة علي ان الرب غايب عن درك الابصار و النبي قد مات و لا نبي بعده الي مأة الف سنة الي يوم القيمة و بقي ما بقي من اخباره و العالم خراب لا رئيس فيه فنحن نتكفل الدين الي يوم القيمة و لم‌يبق من النبي الا اربعة آلاف حديث و هي لاتكفي عشرا من اعشار الدين فتكميل دينه علينا فلنا ان نقول و عليه ان يرضي الي يوم القيمة و لايمكن ان نقول في الدين من غير روية فنضع مدارك نسميها شرعية فوضعوا اصل البراءة و الاستصحاب و بقاء الشرايع السابقة الا ما ثبت نسخه و القياس و الدليل العقلي علي ان الحسن و القبح عقليان و لا بد و ان يدركه عقولنا و الاستحسان فان كل حسن راجح و العدول عن الراجح الي المرجوح قبيح عند العقلاء و المصالح المرسلة و عدم الدليل دليل العدم و ترك الاستفصال عند قيام الاحتمال يفيد العموم في المقال مع جهل المسؤل بالحال و عدم ثبوت [ص 190] الحقايق الشرعية و امثال ذلك من مزخرفاتهم و جعلوا هذه المدارك لهم نبيا يستنبطون عنها المسائل و يفتون بها لئلايخلو حادثة من حكم و المجتهد المطلق ظنه مفترض الطاعة في الامة كافتراض طاعة النبي صلي الله عليه و آله مع انه غير معصوم و لا منصوب من قبل الله و لا رسوله بالجملة كون مدلولات الاخبار ظنية ايضا من تلك القواعد المتمشية في مذاهبهم و اما في مذهبنا فلنا رب شاهد قادر حكيم بر لطيف و لنا نبي بر رؤف رحيم و من بره و رأفته نصب بيننا وليا شاهدا قادرا برا رؤفا مأمورا من عند الله سبحانه بالتعريف و التبيين و التفهيم و التقريب و التبعيد و الاخفاء و التصريح و ان العالم حي فيه حيوته و هي الامام فلايتحرك عضو منه و لايسكن الا بتحريك ذلك الروح و تسكينه و هو مطلع علي ما تحت الارضين السفلي و فوق السبع العلي لايخفي عليه خافية يعلم ان زاد في دين الله زايد و ان نقص منه ناقص و ليس يترك ابليس يغوي عباد الله في مسئلة كلية او جزئية الا و يقيم في مقابلها ما يدل علي انها باطل ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و كل باطل في اي مسئلة من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش منسوب الي ابليس و كل حق من التوحيد الي ارش الخدش منسوب الي الامام عليه السلام روي عن ابي‌جعفر عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد يقضي بقضاء حق الا ما خرج من عندنا اهل البيت و روي عنه عليه السلام كل ما لم‌يخرج من هذا البيت فهو باطل و في القدسي لم‌اكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء انتهي ، فطريقتنا غير طريقة العامة و ما يتمشي في مذهبهم [ص 191] لايتمشي في مذهبنا و بالعكس و ان بعض اصحابنا غفلوا عن حيوة العالم فمشوا علي منهاج العامة فصار ما صار فاذا كان علي الحجة البيان و التعريف و هو معصوم لايترك تكليفه و هو حجة علي من يليه من اهل عصره و كلمات الحجج السابقين حجة علي من ستصل اليه من اهل القرون و جاؤا للتفهيم فما بالهم لايكلمون بحيث يفهم مراداتهم فعليهم ان يتكلموا بحيث يتضح للمكلفين مطالبهم فان كان الفاظهم مما يفهمه المكلف في لغته و متفاهم المكلف يطابق مرادهم فيتركونها تقريرا و ان كان لايفهم منها مرادهم علي متفاهم المكلف عليهم ان ينصبوا قرائن لبيان مرادهم لاهل كل عصر و يقربوا و يبعدوا و يقيموا و يعوجوا حتي يظهر المراد علي وجه السداد فنحن نعرف معاني الاخبار كذلك و نراجع القرائن من صدر الكلام و عجزه و السؤال و الجواب و الوقت و المكان و السائل و المسؤل و فتاوي العلماء و ورود المسئلة بالفاظ متعددة و العقل و اللغة و العربية و امثال ذلك و نعرف من جميع ذلك معاني الاخبار كما نفهم معاني كتب الفقهاء و الشعراء و الادباء و المورخين و الآثار كما عليه المدار في جميع الاعصار و من قال ان معاني جميع ذلك مظنونة لاينبغي ان يكلم معه فلا مطمع في رجوعه الي الحق و لانحتاج الي استماع اقوال العامة و نقضها و ابرامها و حلها و ردها و اعتراضها ما قال آل‌محمد عليهم السلام قلنا و ما دان آل‌محمد عليهم السلام دنا و نحن احياء متصلون بمبدء الحيوة هو الحي لا اله الا هو فما عرفناه يقينا شاء ان نعرفه و ما جهلناه شاء ان نجهله و مايشاؤن الا ان يشاء الله و ما يمسك الله من رحمة فلا مرسل له و ما يرسله فلا ممسك له و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

[ص 192] فصل - في كيفية حصول العلم بمواقع الاجماع . اعلم ان اصل معني الاجماع هو اتفاق الكل علي امر من الامور و هذا هو المتبادر منه عند كل قوم لايشكون فيه و هذا هو العرف العام في معناه و اما ما فسروه بانه اتفاق جماعة يكشف عن رضاء المعصوم او اتفاق جماعة علي قول يطابق قول المعصوم او اتفاق جماعة احدهم المعصوم و امثال ذلك فهي اصطلاحات موضوعة و لا مشاحة في الاصطلاح فكل احد مختار في اصطلاحه يضعه كيف يشاء فالنقض و الرد في تلك الاصطلاحات مما لاينبغي و انما الكلام في ان الاجماع الوارد في الاخبار ما معناه فاقول لا شك ان معناه اللغوي ليس بمقصود و الحقيقة الشرعية فيه موقوفة علي تنصيص الشارع و قد ورد في بعضها تصريح و تنصيص علي ان مرادهم منه المعروف في العرف العام و هو قوله صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي ضلالة ، و الامة اسم واقع علي الكل و ما روي عنهم عليهم السلام اذا اختلفت عليكم احاديثنا فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا فانه لا ريب فيه ، فان الشيعة لفظ واقع علي كل الفرقة المحقة و ما روي عن الهادي عليه السلام في حديث الجبر و التفويض اجتمعت الامة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك ان القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون و علي تصديق ما انزل الله مهتدون لقول النبي صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي ضلالة فاخبر صلي الله عليه و آله ان ما اجتمعت عليه الامة و لم‌يخالف بعضها بعضا هو الحق فهذا معني الحديث لا ما تأوله الجاهلون من ابطال حكم الكتاب و اتباع حكم الاحاديث المزورة و الروايات المزخرفة و اتباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيرات [ص 193] و كذلك في كتاب الكاظم عليه السلام قال امر لا اختلاف فيه و هو اجماع الامة علي الضرورة التي يضطرون عليها و الاخبار المجتمع عليها المعروض عليها كل شبهة و المستنبط عنها كل حادثة و امر يحتمل الشك و الانكار و سبيل استيضاح اهله الحجة عليه فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها الخبر ، و كذلك حديث ابي‌عبدالله عليه السلام ينظر الآن الي ما كان من روايتهما عنا في ذلك المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه ، و لفظة اصحابك جمع مضاف يفيد العموم و التعبير عنه بالمشهور ليس يفيد ان المشهور علي المعني المتعارف هو الاجماع بل الاجماع مشهور فان كل مجمع عليه مشهور يقينا لا العكس بالجملة الاخبار ساطعة الانوار واضحة المنار في ان المراد من الاجماع هو اجماع كل الامة او كل الفرقة و ليس تلك المعاني التي يذكرونها في الاخبار فالاجماع المنصوص عليه هو الضروري و هو لا شك في حجيته و لا ريب في اعتباره ثم لايخفي ان الضروري ليس ما يتفق عليه كل اهل الدعوة من اسودهم و ابيضهم و رجالهم و نسائهم و صغيرهم و كبيرهم و حاضرهم و باديهم و الا لايحصل ضروري في الدين فكم من شخص في بعض الجبال و البراري مسلم لايعلم ان صلوة الظهر اربع ركعات بل لايعلم صلوة بل و في البلدان و المفروض ان بنت تسع سنين مكلفة و اغلبهن لايعرفن صلوة و اعدادها مع انهن مسلمات فالمراد الكل العرفي من اهل المرة و الاعتناء بالدين و لايحتاج في العلم بالضروري من تتبع احوال جميع اهل الدعوة بل يحصل العلم العادي به من تضافر السماع و شدة [ص 194] النكير علي المخالف و رؤية كل من يراه علي ذلك مسلما فهو حالة نفسانية تحصل لكل ذي مرة معتن بالدين بحيث لايرتاب فيه الاتري انك لم‌تر كل الناس و كل من عاصرك فضلا عمن سلف و حصل لك علم ضروري بان الصلوة مما فرضها النبي صلي الله عليه و آله و هي من شرعه و دينه و كذا الصوم و كذا الزكوة و الخمس و الحج و الجهاد و هكذا و انه كان يحرم الزنا و اللواط و شرب الخمر و الميسر و ينهي عن اتخاذ الاصنام بالجملة العلم بذلك امر نفساني يحصل لكل ذي مرة معتن بالدين بل قد يحصل ذلك للمخالف ذي المرة و الاعتناء بتحقيق الامور و لا شك فيه و لا ريب يعتريه و هو حجة من الله سبحانه و الحائد عنه كافر حائد الي النار و هو اعظم من جميع الاخبار و هو معرض كل الآثار و عليه المدار في الاعصار و اما غير ذلك من اصناف الاجماع علي مصطلح العلماء فليس علي حجيته نص خاص من الله و رسوله بل ليس باجماع علي المعني العرفي و المعني الذي جرت النصوص عليه كما سمعت فهو امر غير الاجماع و انما اصطلحوا عليه الاجماع و كل فسره بتفسير و اما ما يستدل به علي حجيته هو ان المدار في حجية كل حجة صدورها عن المعصوم و عن الله سبحانه و هو السلطان المنزل من الله سبحانه فاذا نحن قطعنا بقول المعصوم قطعا عاديا لا شك فيه يجب ان يكون حجة و قد روي عن محمد بن علي عليهما السلام ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم‌تعلموا فردوه الينا ، و هذا هو سر حجية كل حجة و لايزيد علي هذا حجة بل هذا يزيد علي مثل الخبر القطعي الصدور فان اللفظ من حيث هو يحتمل وجوها و هذا القطع قطع بالمراد فهذا اوكد في الحجية عن الخبر اللفظي البتة [ص 195] و هذا الكلام لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لما كان الحاصل من الضروري القطع بقول الحجة لا عن طريق اللفظ و كان ذلك حاصلا من تلك الاسباب ايضا مثله سميت بالاجماع كما سمي الضروري بالاجماع فاطلاق الاجماع عليها مجاز في العرف العام و ان كان حقيقة اصطلاحية ففي الحقيقة هو في الحجية كالاجماع الذي لا ريب فيه كما قال الحجة عليه السلام في دعاء التوجه فذكر الدعاء الغير المشهور ثم قال و السنة المؤكدة التي هي كالاجماع الذي لا خلاف فيه وجهت وجهي الدعاء ، و انما قال كذلك لاجل ان الذي لا خلاف فيه حجة لا من حيث نفسه بل من حيث دخول المعصوم فيه فاذا نطق بالسنة المعصوم فهو كالاجماع الذي لا خلاف فيه فهذا الاجماع الاصطلاحي هو في الحقيقة تراكم قرائن و اخبار و احوال و اقوال في المسئلة بحيث يحصل القطع بانها قول الحجة عليه السلام و ليس ذلك يحصل لنا من اتفاق جماعة عديدة مع عدم نص و لا اثر و لا قرائن خارجية و لا داخلية و لا ملاحظة سيرة و اعمال و احوال حتي نفسره بانه اتفاق جماعة نعم الضروري هو اتفاق الامة علي امر من الامور الدينية و المعصوم احد الامة و اما ساير الاجماعات فيحتاج الي تراكم ما ذكرنا فكثيرا ما نحن نراجع الاخبار و الآثار و نلاحظ السيرة و عمل ما اطلعنا عليه من اصحابنا و اقوالهم و احوالهم و نضع كلا من المعارض موضعه او نعرف ضعفه فيحصل لنا علم بان هذه المسئلة هي قول الحجة عليه السلام و من لم‌يحصل له هذا القطع فليدع الله ان يصلح وجدانه و يحصل ذلك لكل فقيه في كل عصر و لايحتاج هذا القطع الي مجهول النسب كما زعموا و لا عدم وجدان الخلاف و لا اخبار جمع بالاجماع او عدم الخلاف و غير ذلك فان ذلك من اسباب حصول الظن بعدم [ص 196] الخلاف و حصول الظن و الحدس باتفاق الكل و ليس ذلك بغيتنا و لاينفعنا اذا حصل و لايضرنا اذا لم‌يحصل و جميع ذلك امور ظنية لاتغني من الحق شيئا فذلك القطع الذي اشرنا اليه اذا حصل و كثيرا ما يحصل هو الاجماع المحصل و المحقق الخاص فلربما لايحصل ذلك لرجل آخر معاصر بل ربما يحصل له القطع بخلاف ذلك فان القطع يمكن فيه وجود المناقض فيحصل لرجلين قطعان متضادان و لا ضير فانهما عاديان فلايعاب عليهم اذا ادعوا اجماعا مع عدم مجهول النسب في القائلين او كثرة المخالف او قلة الموافق بل ربما يحصل ذلك لرجل و لايجد قائلا به الا واحدا بالجملة اذا حصل هذا القطع لرجل يكون حجة عليه و يجب عليه اتباعه و اما اذا نقله لغيره فلايكون عليه حجة لقول الكاظم عليه السلام ما لم‌يثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له هذا من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه الي ان قال فما ثبت لك برهانه اصطفيته و ما خفي عنك ضوؤه نفيته ، فاخبار المخبر بالاجماع اخبار عن اجتهاده و وجدانه لا عن السمع و النطق و قد ذكرنا انه يجتمع قطعان عاديان متناقضان في عصر واحد في شئ واحد لرجلين ناظرين في ذلك الامر فلعلنا اذا اطلعنا علي اسباب قطعه وجدنا خطاءه و اخبار الثقات حجة اذا كان عن سمع و نطق لا عن وجدان و اجتهاد الاتري ان الاخباري الذي يقول اني افتي في كل مسئلة بالعلم اتري ان جميع فتاويه اجماع منقول و اعظم من الخبر اللفظي حاشا بل كله اخبار عن وجدانه فلعلنا نلاحظ دليله و لايحصل لنا ما حصل له و ان قلت ان الفتاوي غير الاجماع قلت [ص 197] ان فهمت ما قدمناه ان الاجماع الحقيقي و الذي يدل عليه النصوص هو الضروري و هذا ليس باجماع و انما هو علم حاصل عن تراكم القرائن و لايحتاج الي زيادة رجال و كثرة اقوال عرفت انه لا فرق بينه و بين فتوي المفتي عن علم الا في قوة العلم و تأكده فان العلم العادي له درجات فالعلم الحاصل عن العدلين ليس كالعلم الحاصل عن التواتر البتة فالعلم الحاصل في كل مسئلة للاخباري انزل من العلم الحاصل له من الاجماع المحقق ثم قد يلحق بالضروري المحقق العام و يراد منه اتفاق جميع العلماء علي امر و السر في ذلك ان المسئلة ان كانت مما يعم الحاجة اليها يستعملها كل احد فتصير ضرورية عند كل ذي مرة و اما اذا لم‌تكن مما يحتاج اليه كل احد و انما يحتاج اليه البعض تصير ضرورية عند البعض دون الكل الاتري ان وجوب السعي بين الصفا و المروة ضروري عند كل من حج و عند العلماء الضابطين و لايعرفه اغلب المكلفين و الزكوة في كل عشرين دينارا نصف دينار ضرورية عند العلماء الضابطين و لايعرفها اغلب المكلفين و هكذا لايعرف ما يخص النساء الرجال و ما يخص الرجال النساء و ما يخص المسافر الذي لم‌يسافر قط و هذا واضح و مع ذلك عند اهله بديهي لا نكير عليه فلما كان العلماء الضابطون للاحكام الممارسون للاخبار و الجايسون خلال الديار متجسسين عن حقايق الاحكام و اسبابها و مواردها و مصادرها يحصل لهم دون غيرهم ضروريات لايعرفها العوام الغير المحتاجين الي تلك المسائل و كما ان ضروريات العامة لاتخفي علي ذي مرة معتن بالدين ضروريات العلماء ايضا لاتخفي علي ذي مرة منهم متتبع عالم و لايقع فيها خلاف فالمحقق العام في الحقيقة ضروري و يصير مناط الكفر و الايمان بينه و بين الله و ان لم‌يكفر منكره في الحكم العام و لكن [ص 198] اذا اطلع عليه و انكر يكفر بالله العلي العظيم ككفر منكر الصلوة و الصوم و انما قلنا بعدم كفره في الظاهر لانه يحتاج الي تتبع تام فلعله لم‌يتتبع كما ينبغي و لم‌يطلع و لم‌يحصل له فمن اسباب العلم بهذا اخبار العلماء بالاجماع و عدم الخلاف و تراكم القرائن و شهادة الاخبار بل ربما يراجع الرجل الاخبار و قول بعض و يحصل القطع له بعدم الخلاف علي ان هذا المدرك بديهي لايخالف فيه احد احدا و هذا الاجماع ايضا نوع من الضروري و يحصل للاخباري و الاصولي و هذا الاجماع يضر فيه وجود المخالف الذي يعتني بقوله و لايمكن ان ينقلب او يقوم شهرة او اجماع في المتأخرين علي خلافه فانه الحق الذي لايمكن انقلابه و استحالته و الشاذ عنه شاذ الي النار فهذا الاجماع في الاولين و الآخرين سواء لايخالفه احد من العلماء و هو من الضروري حقيقة الا ان المسئلة لم‌تكن عامة البلوي كالحيض الذي يعرفه النساء دون الرجال و غسله و عدده و ايامه و لونه و صفته معروفة عند النساء بديهية و لايعرفها الرجال فالمحقق العام ضروري العلماء فان قسمت الضروري الي ثلثة كان احسن ضروري الامة و ضروري الفرقة و ضروري العلماء و ان تجاوزت عن اتفاق الكل جاء الاختلاف فما حصل العلم بقول الحجة في محل الاختلاف هو المحقق الخاص و يمكن تعارض محققين البتة و اما السكوتي فهو مما لايكاد يعرف و لم‌نجد من يستدل به و هو محض فرض نعم اذا حصل حق و اما المركب فهو ايضا مشكل الا انه اقرب حصولا من السكوتي و لسنا بصدد بيان اقسام الاجماع و انما الغرض كيفية العلم به و كيفية حصوله و هو ما اتينا عليه و اما الشهرة بمعني ان يقول جماعة كثيرون بقول و يخالفه نادر من اصحابنا واحد او اثنان او ثلاثة و امثال ذلك فنحن لم‌نجد [ص 199] علي حجية ذلك من دليل و لا باعث الا ان من يقول بالظن يعمل به لحصول الظن منه و اما غيرهم فيستندون الي خبر زرارة و قوله عليه السلام فيه خذ بما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر فقلت يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ، و نفس هذا الخبر ليس في كتب اصحابنا المصححة الا ان مضمونه موافق لساير الاخبار فيحمل المشهور فيه علي ما في المقبولة الحنظلية فيكون المراد منه اتفاق الاصحاب علي رواية علي نحو اذا اختلفت عليكم احاديثنا فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا ، و هذا هو الظاهر من الرواية و الذي عرفه زرارة الاتراه قال يا سيدي انهما معا مشهوران مأثوران فلو كان المشهور هو الذي خلافه شاذ و كان في القول كيف كان يمكن ان يكونا معا مشهورين فالمراد ان الروايتين مشهورتان قد رواهما اصحابنا متفقين في روايتهما و هو الذي اشار الرضا عليه السلام في حديثه اذا ورد عليكم عنا فيه الخبر باتفاق يرويه من يرويه في النهي و لاينكره و كان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما يجب الاخذ بهما الخبر ، و كذا في الحنظلية قد نص عليه و قال ينظر الي ما كان من روايتهم عنا المجمع عليه بين اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه ، و هذا الخبر نص علي ان المراد الاتفاق علي الرواية و كذلك حديث الرضا عليه السلام و هو الظاهر من حديث زرارة و هو الذي فهمه زرارة من كلام الامام عليه السلام و لو كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المحل ففيه ايضا خذ بما يقول اعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك ، فالواجب ان يأخذ الانسان بجميع ما يقول اعدل الرجلين و ان قال من عنده و ليس المراد منه قطعا فكذلك خذ بما اشتهر يعني برواية [ص 200] اشتهرت لا بكل شئ اشتهر بين الاصحاب و لا شك ان الآن اشتهر بين اصحابنا العمل بالظن و لم‌يأمر الامام بذلك قطعا بالجملة المتفاهم العرفي منه الاخذ بمشهور الروايتين و ليس الباعث علي تعميمه الا قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المحل و لكن هيهنا قرائن كثيرة ان المراد مشهور الرواية و ان قلت ان الراوي اذا لم‌يعمل بروايته فهو اما حصل له شئ اقوي منه فالخبر عنده ضعيف لايعتني به و ان كان عنده صحيحا و لم‌يعمل بمضمونه فهو فاسق لايعتني باخباره فالراوي يعتني بخبره اذا كان عاملا به فالمناط الفتوي به لا الرواية المحضة قلت ليس كذلك فان الرجل ربما يروي رواية صحيحة الصدور و يشتهر الرواية و يتفقون علي صحة صدورها و عمل بمضمونها بعض و لم‌يعمل بها بعض لما رجح في نظره خبر آخر متفق علي روايته ايضا او محفوف بقرائن اخر قطعية فعدم عمل بعض بالرواية لايدل علي فسقهم و لا علي ضعف روايتهم واقعا فلا دخل لعملهم بالرواية هيهنا نعم اذا لم‌يعمل بها احد من الاصحاب فتلك متروكة من جهة ان الحق لايرتفع عن الامة فلو كان العمل بها صحيحا لماكانت تترك و صحة الرواية غير صحة العمل فلعلها صدرت تقية بالجملة محض الشهرة في الفتوي ليس بحجة شرعية و لايدل عليه الخبر ظاهرا نعم قد يكون المشهور اجماعا و حجة اذا حصل العلم بدخول الامام عليه السلام فيهم بواسطة الامارات و القرائن فيكون محصلا خاصا كما مر و اما بدون ذلك فليس باجماع و لا حجية فيه و رب مشهور و لا اصل له و بهذا القدر نكتفي ايضا في الباب فانهم لايختلفون في ان الاجماع قطعي غاية ما في الباب انهم يختلفون في جزئياته و هو سهل .