و اما قولكم العمل بالاحتياط عسر ظاهر ، ففيه انكم اذا جانبتم الكتاب و السنة و مواضع الاجماع و ما يكون في كل مسئلة من الاقوال و تفكرتم في كل مسئلة انه يحتمل فيها امور غير متناهية يعسر الاحتياط بالبداهة و اما اذا راعيتم الاحوط من الاخبار او الاحوط من الاقوال فلا عسر اليس ان ذلك الاحوط هو قول فقيه آخر و لميكن عسرا عليه و علي مقلديه و لو كان عسرا جانبه لقوله تعالي يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و لقوله ماجعل عليكم في الدين من حرج هذا و في كثير من المواضع لانحتاج الي الاحتياط لوضوح الحكم فيه و الموضع الذي لانعرف فان كان الاحتياط فرضا يبلغ العسر و لعله في قليل من المواضع علي ما قلنا فنتركه لانه موضوع عنا اجماعا و اما ما لميبلغ فلا باعث علي تركه فلاينبغي ترك الميسور بالمعسور اتفاقا من العقلاء و انتم دهشتم عن الاحتياط لانكم تركتم الاخبار و نظرتم في الاشياء بما يحتمل فيها عقلا من الاحكام الخمسة و اما الاخذ بالجزم من الاخبار و مواضع الاجماع و مختلف الاقوال فلا اشكال فيه البتة و لا عسر فان التزمتم بالظن لعسر الاحتياط فلا عسر علي الاطلاق و علي فرض وقوعه في موضع اتركوا ذلك [ص 84] الموضع و اعملوا هناك بغيره ان شئتم .
و اما قولكم التقليد لميثبت ، ففيه انه خلاف الكتاب و السنة فان الله يقول اسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و انتم واقعون تحت قوله لاتعلمون و ان كان عدم علمكم بواسطة توارد الشبهات و الا فلا شك انكم علماء تقدرون علي استنباط الاحكام ان دخلتم من بابه و اما اذا اختل عليكم قريحتكم فعجزتم عن تحصيل العلم فالتقليد لكم اسلم اليس انكم اذا لمتفهموا معني عرفيا لاختلاط اذهانكم تسألون عنه العوام و تقلدونهم و تتكلون علي معرفتهم فافعلوا هنا ايضا مثل هناك هذا و علي فرض محذورية التقليد ليس محذورية التقليد باعظم من العمل بالظن المحرم في سبعين آية و السنة المتواترة فقلدوا من يدعي العلم و هو ثقة عالم اجل من ان يكذب او لايفرق بين العلم و الظن و قولوا ان التقليد كان علينا محرما و لكنا قلدنا من باب اكل الميتة حين التجأنا اليه عند فساد قرائحنا بكثرة الشكوك و الشبهات و ان قلت ان التقليد ظن اجمالي و الاجتهاد ظن تفصيلي و هو اقرب الي العلم اقول نفس هذا الكلام اجتهاد في مقابلة النص فان الله سبحانه فرض علي العباد عند عدم العلم السؤال و هو الظن الاجمالي و لميفرض الاجتهاد و الظن التفصيلي بل حرمه اشد تحريم و هو يعبد من حيث يريد هذا و في الظن الاجمالي ليس مظنة الخطر و في التفصيلي مظنة الاخطار فالظن الاجمالي اولي و ذلك ان المقلد يكل الامر الي العالم و يقلده و يأمن من القول علي الله و الفرية و الفتوي بغير ما انزل الله و الشبهات و الشكوك و اما المفتي فهو كالسابح في اللجة و القبة و لايأمن الغرق فالاغتراف من البحر مع حليته اولي من السباحة في القبة فعلي فرض حرمته اي حرمة التقليد انتم مضطرون اليه و هو [ص 85] اولي لكم من الاجتهاد بتة مع هذا النهي الشديد الذي سمعت و التقليد بشروطه و في محله هو امر مندوب اليه و هو شيمة الصالحين اولئك الذين هدي الله فبهديهم اقتده و ان لكم في رسول الله اسوة حسنة فما بالكم تخصصون حرمة العمل بالظن بزمان انسداد باب العلم و لاتخصصون حرمة التقليد بزمانه و ان قلتم ان البالغ منا مبلغ الاجتهاد يعرف خطاء من يدعي العلم فلايجوز لنا تقليدهم و نحن نعلم انهم مخطؤن في حصول العلم لهم فبعد هذا العلم كيف يجوز لنا تقليدهم قلت هذا محض ادعاء و رجم بالغيب و لايعلم من في السموات و الارض الغيب الا الله و عنده مفاتح الغيب لا عندكم و الرجل يدعي وجود العلم في قلبه و انتم تنكرون ان هذا الا عجب عجاب و قد امرتم بترك التشكيك فيما يرويه الثقة كما روي لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم انتهي ، فلعل عند غيركم قواعد لاتعرفونها او سمعتم بها و لمتثبت لديكم و ثبت لديهم او حصل لهم قرائن للاخبار لميحصل لكم بالجملة بتكم بخطائهم ليس من الانصاف من انفسكم و رجم بالغيب و هو ممنوع عنه هذا و اني اسألكم عن ان حصول العلم للفقيه في غير موارد الاجماع هل هو ممتنع كشريك الباري و اجتماع النقيضين في موضع واحد و قام الدليل العقلي البديهي علي امتناعه او هو من الممكنات و يمكن ان يتعلق به ارادة الله و يوجده ان شاء ليس لعاقل ان يقول بالاول فهو من الممكنات و يجوز وقوعه فاذا جاز وقوعه و ادعي رجال عدول ثقات علماء زهاد بحصوله لهم لايجوز لكم ان تردوا عليهم و تكذبوهم و ان قلتم انه ليس بمحال عقلي كوني و انما هو محال عادي قلت انا نري في انفسنا انه قد يحصل لنا في [ص 86] غير موارد الاجماع قرائن في بعض الاخبار و الاحكام فيحصل لنا العلم به بل يجد هذا كل فقيه من نفسه و لاجل ذلك ربما يدعي الاجماع في محل الخلاف و لايحصل ذلك لغيره فكيف يكون حصول العلم محالا عادة و ان قلت ان ذلك ممكن في البعض و كلامنا في الكل او الاغلب قلت اي مانع عادي ان يحصل لفقيه واحد في اغلب الاحكام علم عادي لغزارة علمه و كثرة تتبعه و ممارسته للاخبار و معرفته باللحن و اطلاعه التام باحوال الرواة و الكتب و المصنفين و حصول كتب كثيرة من العلماء له و نفس قدسية له و خلو ذهن عن الشبهات و صفاء سريرة و عدم ابتلاء بالناس و فراغ بال فيتتبع مجاهدا في الله مستعينا به مستمدا من امامه فيطلع علي حكمه الثانوي عن علم و اذا كان يمكن لفقهاء عديدة في مسائل مختلفة حصول اجماعات خاصة و قرائن مفيدة للقطع يمكن اجتماعها لواحد اذا دخل من حيث دخلوا فيحصل له قرائن قطعية في اغلب المسائل لاسيما اذا كان قائلا بالتسديد كما يأتي لااظن عاقلا ينكر امكان ذلك عادة و يجعل حصول العلم في اغلب المسائل خارقا للعادة و من قبيل المعجزات بحيث اذا ادعي آتيه النبوة يصدق هذا و قولكم بمحاليته عادة محض ادعاء و المحال العادي غير خفي علي احد و انما هو كطيران الجبل و به يعرف الناس المعجزة و يؤمنون بسببه بالانبياء و كيف يكون محالا عاديا و قوم من علماء الشيعة يقولون لايجوز التدين بغيره ابدا و الوف منهم يدعون حصوله لهم و ينكرون كونه محالا عاديا و ان قلتم انا علماء مطلعون علي ادلتهم و كتبهم و اخبارهم و نري انهم خاطئون في دعويهم و اشتبه الامر عليهم و لو كانت تفيد علما لافادت لنا ايضا فانا ايضا رجال مثلهم قلت ان القرائن الحالية خاصة بالمستنبط و لايقدر من حصلت له [ص 87] ان يلقيها الي غيره فلعلها حصلت لهم دونكم الاتري ان رجلين ينظران الي الفجر فيقول واحد ها هو الفجر و يقول الآخر لااتيقن فاذا كان مثل هذا جائزا في المحسوس كيف لايجوز في المعقول الاتري ان التواتر مورث للقطع للسليم و اما المسبوق بالشبهة فلايحصل له العلم كما لايحصل العلم بمعجزات نبينا صلي الله عليه و آله للنصاري مع تواترها عندنا فعدم حصول العلم للمسبوق بالشبهة لايستلزم عدم حصوله لكل احد و قد يفقد الانسان العلم لعادة نفسه بالشك و الاحتمال فانا نري ان رجلا يرتمس في الماء لجنابة واحدة مائة و عشرين مرة و لايتيقن بحصول الارتماس و غيره يرتمس مرة واحدة و يحصل له العلم بصحة الغسل و ليس للرجل الاول ان يقول انسد باب العلم بصحة الغسل في اغتماس واحد و انا اعلم ان كل الناس خاطئون في ادعائهم العلم فاني رجل مثلهم مطلع علي ما اطلعوا عليه فيجب علي الكل الاغتماس مائة و عشرين مرة فكذلك الامر بطريق اولي في المعقولات فانتم بسبب كثرة الشبهات و الاحتمالات و التوغل في الاصول تزلزل اذهانكم حتي صرتم تهيئون لكل امر شبهات و لكل آية احتمالات و لكل حديث تأويلات و غيركم لايفعل ذلك و يمشي علي صرافة طبعه فيحصل له العلم كما يحصل للمرتمس في الماء مرة واحدة و هذا غير عزيز في الناس و من ذلك ابتلي كثير من الناس بالوسواس اعاذنا الله منه فاذ قد ثبت امكان حصول العلم عادة و ادعي اناس ثقات اجلاء علماء ذلك و انتم فقدتم العلم فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و خصصوا عموم حرمة التقليد بهذا المقام كما تخصصون حرمة العمل بالظن .
و اما قولكم فالعمل بالظن متعين ، فلميتعين العمل بالظن اذا صار جميع مقدمات دليلكم مخدوشة و كلها باطلة و اما قولكم و ليس ظن اولي من ظن الي آخره ، [ص 88] فهو زبد زائل و قول باطل كما يأتي و اسوء منه قول القائل انا نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن لنا و ما اشبه هذا في النتيجة بقول من قال للشيطان لا اله الا الله كلمة حق لااقولها بقولك فكما انه قالها و لميطع الشيطان فقد قلتم و لمتطيعوا مصادر الاخبار و كيف لايكون ظن اولي من ظن و الظن الغير المستند الي كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله محرم علي الشيعة اعظم من الخمر و الميتة و لحم الخنزير بسبعين آية في كتاب الله و اخبار متواترة تليت عليك و هل الرأي الا الظن و هل هذا الا قول العامة العمياء فلو عد رجل الدلايل علي حرمة لحم الخنزير لميبلغ هذا المبلغ البتة فلو شاء الله ان يحرم شيئا كيف كان يجب ان يفعل و هل كان يزيد علي ذلك فكيف لايكون ظن اولي من ظن و الظنون الحاصلة من الكتاب و السنة ايا كان رجوع الي الله و رسوله و تحر لدينه و طلب لمراده غاية الامر انه يعجز عن العلم فيقف علي الظن و لايتحول عنه الي غيره لئلايتحول عن دين الله الي غيره و اما الظن المطلق الحاصل لنا من الآراء و الاهواء و الاستحسانات و المصالح و السياسات و غير ذلك فانما هو رجوع الي عقل الفقيه و تدين بدينه و تعبد له و هل فعل النصاري ازيد من ذلك في عبادتهم الفقهاء حيث نسبهم الله سبحانه الي الشرك و قال اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله و ايم الله قسما بارا ان مما كان لايظن ان يترك امرؤ من كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و لايمكنه مباينته هذا الامر و قد فعلوه و هو قول مبتدع في المتأخرين لميكن قبل له ذكر و لعمري ان من ذهب هذا المذهب لايجوز تقليده علي حال و لايصدق علي الله و هو كما سمعت في الاخبار و لو اقول [ص 89] ازيد من ذلك ينكر مني فليكن القول فيهم ما قال آلمحمد عليهم السلام فاقول القول مني في جميع الاشياء قول آلمحمد عليهم السلام فيما اسروا و فيما اعلنوا آه آه قد فعلوا ما فعل الامم في اديانهم و ماابقوا صدق رسول الله صلي الله عليه و آله حيث قال لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتي انهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ، و لعمري يقصر اللسان عن بيان عظم هذا القول و هذا الاختيار و قد مر سابقا ما يكشف عن الحال فراجع و اعظم من الجميع قولهم الاصل حجية الظن الا ما خرج بالدليل فقد جعلوا الاصل المتبع ما حرمه الله في كتابه و حرمه رسوله صلي الله عليه و آله في سنته و قام الاجماع علي حرمته و شهدت العقول عليها فلو صار مثل هذا المنكر في الاسلام معروفا فلايبقي باقية و يمكن الاستدلال علي حلية الخمر ايضا كما فعله رجل من الطلاب في عصرنا و اصر و سجل عليه لعنه الله و افظع من الكل ما ذكره الشيخ المرتضي التستري في كتابه في حجية المظنة نقلا عن بعض العلماء الذي مال او قال بالقياس في الاستدلال علي جوازه ما ملخصه : ان الدليل علي حرمة القياس ان كان من الاخبار فبعضها في معاصري الائمة من العامة و بعض منها تدل علي الحرمة من حيث استلزامه لابطال الدين و محق السنة و بعض تدل علي الحرمة و وجوب التوقف اذا لميوجد ما عداه و لازمه الاختصاص بصورة التمكن من ازالة التوقف بالرجوع الي الائمة عليهم السلام و لايخفي ان شيئا من الاخبار الواردة علي احد هذه الوجوه المتقدمة لايدل علي حرمة العمل بالقياس الكاشف عن صدور الحكم عن المعصوم مع عدم التمكن من تحصيل العلم به و دوران الامر بين العمل بما يظن انه صدر منهم و العمل بما يظن انه خلاف ما صدر منهم و ان كان الدليل [ص 90] الاجماع فثبوته في حرمته في كل زمان ممنوع الخ ، بالجملة قد فعلوا و ادخلوا القياس شيئا بعد شئ في دين الله ايضا و قد كان كثير منهم قبل ذلك يعمل بافراده فالآن ارادوا ان يكشفوا الغطاء و يجعلوه اصلا متأصلا كما فعلت العامة جهارا و فيما ذكرت و ما اذكره من الآيات و الاخبار شفاء العليل و برد الغليل فاكتف بها منا و دعنا .
فصل - في الاستدلال بالاجماع علي حرمة العمل بالظن . قال الشيخ مرتضي التستري في رسالة له في اثبات حجية الظن في استدلاله علي ان الاصل حرمة العمل بالظن بعد ما ذكر آية و حديثا و من الاجماع ما ادعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله من كون عدم الجواز بديهيا عند العوام فضلا عن العلماء و قال ابنادريس في السراير نقلا عن السيد المرتضي اعلم انه لا بد في الاحكام الشرعية من طريق يوصل الي العلم بها لانا متي لمنعلم الحكم و نقطع بالعلم علي انه مصلحة جوزنا كونه مفسدة فيقبح الاقدام منا عليه لان الاقدام علي ما لانأمن كونه فسادا او قبيحا كالاقدام علي ما لانقطع علي كونه فسادا و لهذه الجملة ابطلنا ان يكون القياس في الشريعة الذي يذهب مخالفونا اليه طريقا الي الاحكام الشرعية من حيث كان القياس موجب الظن و لايفضي الي العلم الي ان قال و لذلك ابطلنا في الشريعة العمل باخبار الآحاد لانها لاتوجب علما و لا عملا و اوجبنا ان يكون العمل تابعا للعلم الي ان قال ان اصحابنا كلهم سلفهم و خلفهم و متقدمهم و متأخرهم يمنعون من العمل باخبار الآحاد و من العمل بالقياس في الشريعة و يعيبون اشد عيب علي الذاهب اليهما و المتعلق في الشريعة بهما حتي صار هذا المذهب لظهوره و انتشاره معلوما ضرورة منهم و غير مشكوك فيه [ص 91] من اقوالهم الي آخر ، و معلوم ان مراده العمل باخبار لمتحفف بالقرائن القطعية التي كانت متقدموا اصحابنا يستعينون بها و يستعلمون بها الصحيح من السقيم بالجملة يستفاد من ذلك انهم كانوا مجمعين علي حرمة العمل بالظن و منعهم عن هذين لافادتهما الظن و عن الشيخ في العدة و اما الظن فعندنا و ان لميكن اصلا في الشريعة تستند الاحكام اليه فانه تقف احكام كثيرة عليه نحو تنفيذ الحكم عند الشاهدين و نحو جهات القبلة و ما يجري مجراه و عن موضع آخر منه و اما القياس و الاجتهاد فعندنا انهما ليسا بدليلين بل محظور استعمالهما و قوله عندنا مؤذن بدعوي الاجماع من الشيعة كما هو دأبهم و كذا اقول من البديهيات ان معاصري الائمة عليهم السلام كانوا يعملون بالاحاديث الصادرة و كتب فتاويهم الاصول الاربعمائة و لو كان لهم كتب اخر في الفتاوي لاشتهرت كما اشتهر عن المفيد قدس سره و من تأخر عنه و كتبهم مشحونة باخبار النهي عن الظنون و الآراء و الاجتهادات مطلقا و كانت من المتواترات و المجمع عليها بينهم فمن فحص عن ذلك علم عيانا انه حرمة العمل بالظن كانت معروفة بينهم كحرمة الخمر و الميتة و لحم الخنزير و لو كان بينهم رأي آخر لاشتهر فهذا الاجماع يبطل قول من يقول ان علي الظن بناء العالم سواء كان في عصر الحجج او بعدهم و اما من يقول لعلهم اجمعوا علي ذلك لان باب العلم كان ذلك اليوم مفتوحا و انسد علينا في زمان الغيبة اقول ان فتاويهم التي هي اخبارهم و هي سند اجماعهم مطلقة و مفادها ان الظن ليس من دين الله و لايعبد الله به و انه اكذب الكذب و يحبط عمل العامل به و لميجمعوا علي حرمته عليهم في عصرهم حتي ان منهم من قال بمحالية التعبد به [ص 92] عقلا و الاجماع قطعي في معناه و امر معنوي ان كان عاما فعام و ان كان خاصا فخاص و العام المعنوي لايقبل التخصيص بل اقول قد قام الاجماع من العامة و الخاصة علي انه لايجوز التعبد بالظن في نفس الحكم مطلقا و اما الموضوع فقد يقع و بيان الاجماع انا نجد جميع المسلمين حتي القائلين بالظن المطلق يبتغون لانفسهم دليلا قطعيا علي جواز العمل بالظن فيجعلون الحكم ما حكم به عقولهم قطعا و الظن موضوعا كشهادة العدلين فيعملون به و لايطاوعهم نفوسهم ان يركنوا الي الظن اول مرة و في نفس الحكم بل لااظن ان ملّياً يجوز العمل بالظن في نفس الحكم و كلهم يبتغون دليلا قطعيا علي ما يختارون كائنا ما كان فاذا الاجماع علي حرمة العمل بالظن في نفس الحكم متحقق باقرار الخصم و عمله فمن كان يريد الخروج عن هذا الاجماع فعليه بالدليل القطعي و القطع في الاسلام في الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة الجامعة و العقل الذي يعرف العقول عدله لا العقل الذي يقول واحد به و ينكره الآخر لانه محل النزاع و يجب المحاكمة فيه الي الله و رسوله و اولي الامر و ليس لخصمنا دليل منها بل كان جميع ادلتهم تلك الاربعة التي سمعت و بعض الاستحسانات لايجوز الاصغاء اليه بل لااظن لهذا القول اي الظن المطلق قائلا في المتقدمين و انما هو بدعة حدثت و شر الامور محدثاتها بالجملة قام الاجماع علي العموم و المعصوم داخل فيه قطعا و هو علي وفق الكتاب و السنة و العجب ادعاء الاجماع علي جواز العمل بالظن علي خلاف كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و التمسك بحديث مجهول ان المرء متعبد بظنه الاتعتبر كيف يحكم في هذا المقام حديث الهادي عليه السلام كما قال في حديث فاخبر صلي الله عليه و آله [ص 93] ان ما اجتمعت عليه الامة و لميخالف بعضها بعضا هو الحق فهذا معني الحديث لا ما تأوله الجاهلون من ابطال حكم الكتاب و اتباع حكم الاحاديث المزورة و الروايات المزخرفة و اتباع الاهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيرات و نحن نسأل الله ان يوفقنا للصواب و يهدينا الي الرشاد الخبر ، و يأتي في الفصل الآتي ما يدل علي اجماع الامة عليه سلفهم و خلفهم فالاجماع من الاصحاب كان قائما بالتحقيق و النقل و الذين تخلفوا عنه مسؤلون عنه و ليس ذلك بمسئلة يمكن فيها انقلاب الاجماع اذ لا سند لهم من كتاب و سنة و لو جوزنا ذلك لجاز الاتفاق و حصول الاجماع علي ترك الصلوة و الصيام فخذ بما ذكرت لك و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين .
فصل - في بعض الادلة العقلية المؤيدة المسددة القائمة علي حرمة العمل بالظن في نفس احكام الله و رد بعض اقوال القوم . قال الشيخ المرتضي التستري في رسالة كتبها في حجية المظنة فابتدأ في الاستدلال علي امكان التعبد به و نقل عن دليل المشهور بانا نقطع بانه لايلزم من التعبد به محال ثم قال في هذا التقرير نظر اذا القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف علي احاطة العقول بجميع الجهات المحسنة و المقبحة و علمه بانتفائها و هو غير (ظ) حاصل فيما نحن فيه فالاولي ان يقرر هكذا انا لانجد في عقولنا بعد التأمل ما يوجب الاستحالة و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالامكان الخ ، هذا كلام خال عن التحقيق و الحق الحقيق بالتصديق ان التعبد به محال و تحقيق ذلك ان الظن في نفس الحكم غير الظن الذي هو موضوع الحكم فاذا كان الظن موضوع حكم و كان [ص 94] الحكم عليه قطعيا من الشارع ليس العمل بالظن بل العمل في الظن بالقطع كما اذا حكم الشارع قطعا بان من ظن انه صلي ثلثا يبني عليه و انت بنيت عليه لمتعمل بظنك و ليس الداعي الي العمل ظنك و انما هو موضوع حادث كالمرض و حكم عليه كما حكم علي المرض و انت تعمل بالحكم القطعي الاتري انه اذا قال الشارع اطع فلانا الآثم فيما قال و اطعته اطعت المعصوم و اطعت الله في قوله اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و لمتخالف نهي الله في قوله و لاتطع منهم آثما فانك لمتطعه من حيث هو بل اطعت الشارع فالظن الموضوعي غير الظن الحكمي و اما الظن الحكمي فلماجد في الامة من قال بامكان التعبد به فاني رأيت ان الذي يقول بجواز العمل بالظن المطلق يقيم علي جوازه علي زعمه دليلا قطعيا فاذا اقام عليه دليلا قطعيا كان الظن المطلق موضوعا لحكم اقتضاه دليله كالظن الحاصل من اخبار الشهود نعم لو اقام دليلا ظنيا علي جواز العمل بالظن و عمل به كان قولا بالامكان و لماجد احدا يعمل بالظن بدليل ظني علي زعمه فتبين انه لا قائل بامكان التعبد بالظن عند التحقيق و نتيجة اقوالهم امكان صيرورة الظن موضوع حكم و هذا لا شك فيه الاتري ان متناول الظن حينئذ غير متناول العلم فان متناول الظن حينئذ ان يكون الشئ في الخارج كذا و متناول العلم وجوب العمل به و انت تعمل به بمقتضي الحكم القطعي العلمي و هو غير معني ان الشئ في الخارج كذا فان ارادوا بامكان التعبد به امكان كونه موضوعا فمعني كونه موضوعا غير معني التعبد به فان التعبد به هو عبادة الله بالعمل به اي بالموضوع فلفظهم غير دال علي المراد و ان ارادوا امكان التعبد [ص 95] بالظن في نفس الحكم و في الداعي الي العمل فذلك محال عقلا فان العبادة العمل بمقتضي العبودية و السير الي الله سبحانه و التوجه اليه بما يحب و يرضاه و الاتصاف بصفاته المحبوبة المرضية له فما علمت انه كذلك و اتيت به فقد توجهت الي الله به و سرت اليه و تقربت اليه و ما لمتعلم هل هو يقربك من الله ام يبعدك و هل هو استرضاء الله او استرضاء الشيطان و هل هو اتصاف بمحاب الله ام اتصاف بمحاب الشيطان كيف يمكن تسمية ذلك خدمة لله سبحانه و عبادة له الاتري ان العبد اذا وجد رجلا في البيت و لميعرفه و لميدر هل هو مولاه او عدوه و امره بامر فائتمر لايقدر ان يسمي ذلك خدمة للمولي ابدا و ان قلت انه اذا ظن انه مولاه فامتثل امره لاجل ظنه انه مولاه فهو خدمة لمولاه قلت ان كان ساقه دليل قطعي بان ذلك خدمة المولي فعمله علي الدليل لا علي الظن و المفروض انه لايدري هل يرضي مولاه بالامتثال بمحض ظن انه مولاه ام لايرضي و يظن انه يرضي فلايقدر ان يسمي ذلك تقربا الي المولي و عبودية له البتة و لايطاوعه نفسه ان يسميه بذلك و لو سألته عنه يقول لاادري هل هو طاعة ام معصية غير اني اظن انه طاعة و لاادري ايعاقبني سيدي علي العمل بظني هذا ام يثيبني فتدبر فانه دقيق فالشئ ما لميكن حسنا قطعا او ممكن الحسن قطعا لايحكم العقل بحسنه او بامكان حسنه قطعا فما لميعلموا قطعا ان العمل بالظن ممكن الحسن كيف يحكمون بامكان التعبد به قطعا فان كانوا يعلمون ذلك فالظن موضوع و ان كانوا يظنون فعليهم ان يقولوا نظن امكان التعبد به و لانعلم هل هو ممكن ام محال فمحال ان يحكم العقل بامكان التعبد به علي القطع و لنا الدليل ان التعبد القطعي به محال فافهم و يؤيده الكتاب و السنة و الاجماع و الحكم بامكان التعبد [ص 96] به عجيب بعد قوله ان الظن لايغني من الحق شيئا فتجويزه تجويز صدور القبيح من الله سبحانه و قد سمي الله سبحانه الظن افتراء علي الله كما عرفت و سماه المعصوم اكذب الكذب و ان العمل به محبط للعمل فتجويز التعبد به تجويز امر الله سبحانه بالافتراء و الكذب و ما يحبط العمل و يبعد من الله و يقرب من الشيطان و طاعة الشيطان فانه الذي يأمركم بالسوء و الفحشاء و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر انه محال التعبد بالظن في نفس الاحكام نعم يمكن ان يصير الظن موضوع حكم قطعي لله سبحانه و لاجل ذلك كلهم يتوخون الدليل القطعي علي تجويزه فقد قام الاجماع من الفريقين بل من العامة و الخاصة علي حرمة العمل بالظن في نفس الحكم فاذا صار تجويزه محالا فلا حاجة بنا الي ذكر اقوالهم في وقوعه و ردهم من هذا الحيث نعم الذي يقولون به و يتفردون به انه قد اقمنا دليلا عقليا قطعيا علي ان الفقيه اذا ظن ان حكم الله كذا و كذا في موضوع يجب العمل به هذا المذهب ايضا منهم خطاء فان دين الله لايصاب بالآراء و الاهواء و العقول الناقصة المخالفة في رأيها كتاب الله و سنة نبيه و الدليل المطاع كتاب الله المجمع علي تأويله و السنة التي لا اختلاف فيها و قياس يعرف العقول عدله و ليس لهم شئ من ذلك و الحال ان الامة مختلفون فيه و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و متنازعون فيه و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول لا الي عقولكم و آرائكم و اهوائكم و اسأل من يزعم جواز العمل بالظن في نفس الحكم هل يجب علي المقلدين اتباع عقلك ام لا فان لميوجب فلم يدعوهم الي نفسه و يلومهم علي تركه و يفسقهم و يكفرهم بالتهاون في الاخذ بعقله و عقل امثاله و ان اوجب فاسأله [ص 97] هل انت رب خالق او نبي صادق او امام حاذق و هل اشركك الله في ملكه و عباده او اشركك في نبوة نبيه و امامة خليفته ام لا و من اين قلت يجب علي من لميبلغ درجة الاجتهاد اتباعي و انت خاطئ باقرارك غير معصوم و اي آية تشهد لك و اي سنة تؤيدك و اي اجماع قام علي وجوب اتباع عقلك قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و ان النبي صلي الله عليه و آله قد وجب طاعته علي الخلق بمعجز قد جاء به و ان الامام قد وجب طاعته علي الرعية بنص من النبي صلي الله عليه و آله و انت توجب علي الخلق طاعة ظنك من غير معجز و لا نص و ان زعمت ان لك حجة فأت بها ان كنت من الصادقين و الحجة كتاب مستجمع علي تأويله و السنة الجامعة و بداهة العقول و اي قوة لنفسك اوجبت لك طاعة علي العباد في غير موارد النصوص و انكم تروون ان النبي صلي الله عليه و آله امر بعرض ما يروي عنه علي الكتاب و السنة و ضرب ما يخالفهما علي الحائط و لاتجوزون عرض ظنونكم و آرائكم علي الكتاب و السنة و ترك ما يخالفهما بل توجبون رد الكتاب و السنة اذا خالفا ظنونكم و لو ان رجلا اراد ان يفضل نفسه علي الانبياء مازاد علي ما اوجبتم لانفسكم علي الناس فان كان جميع ذلك منكرا منك اذا ادعيت فلم توجب علي الخلق تصديقك بل يسعهم تكذيبك و لايسع احدا تكذيب حجة الله فانت لست بحجة الاسلام هذا و سبعون آية في كتاب الله تنهي عن العمل بالظن و الروايات المتواترة تنهي عنه و الاجماع ناد بخلافك و دليل العقل المؤيد قائم علي خطائك فاذا ظن المجتهد ان هذا حكم الله يحرم عليه القضاء به و القول بانا قد اقمنا الدليل القطعي علي ان ما ادي اليه ظنه هو حكم الله في حقه و حق مقلديه غير مسموع الا بشاهد من كتاب الله و سنة [ص 98] نبيه و اي شئ اقبح من ان يدعي رجل ان لي دليلا قطعيا علي مخالفة محكمات الكتاب و متواترات السنة بل الحق ان يقال هذا ما ادي اليه ظنك و كل ما ادي اليه ظنك محرم عليك اتباعه و ايجابه علي المقلدين كالميتة و الدم و لحم الخنزير اما الصغري فهي وجدانية و اما الكبري فبسبعين آية و اخبار متواترة و عقول مؤيدة كما سمعت و تسمع و العجب انهم يردون كل حديث يخالف الكتاب و السنة و يضربون به عرض الحائط و لايردون قولا منهم يخالف سبعين آية و روايات متواترة و لايضربون به عرض الحائط فان هم لايضربون فاضرب انت لتكون من المطيعين بالجملة لما كان اقوالهم لا مستند لها مما سمعت لا حاجة الي نقلها و ردها و كفي فيها انها مأخوذة من اقوال العامة متمشية في مذهبهم لا في مذهبنا ،
فدع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المروي عن كعبالاحبار
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
و اتبرك هنا بذكر رواية اسمعيل بن جابر و لو كانت طويلة روي عن ابيعبدالله عليه السلام عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث طويل قال عليه السلام و اما الرد علي من قال بالرأي و القياس و الاستحسان و الاجتهاد و من يقول ان الاختلاف رحمة فاعلم انا لما رأينا من قال بالرأي و القياس قد استعملوا الشبهات في الاحكام لما عجزوا عن عرفان اصابة الحكم و قالوا ما من حادثة الا و لله فيها حكم و لايخلوا الحكم فيها من وجهين اما ان يكون نصا او دليلا فاذا رأينا الحادثة قد عدم نصها فزعنا اي رجعنا الي الاستدلال عليها باشباهها و نظائرها لانا متي لمنفزع الي ذلك اخليناها من ان يكون لها حكم [ص 99] و لايجوز ان يبطل حكم الله في حادثة من الحوادث لانه يقول سبحانه مافرطنا في الكتاب من شئ و لما رأينا الحكم لايخلو و الحادثة لاتنفك من الحكم التمسناه من النظائر لكي لاتخلو الحادثة من الحكم بالنص و بالاستدلال و هذا جايز عندنا قالوا و قد رأينا الله قاس في كتابه بالتشبيه و التمثيل فقال خلق الانسان من صلصال كالفخار و خلق الجان من مارج من نار فشبه الشئ باقرب الاشياء له شبها قالوا و قد رأينا النبي صلي الله عليه و آله استعمل الرأي و القياس بقوله للمرأة الخثعمية حين سألته عن حجها عن ابيها فقال ارأيت لو كان علي ابيك دين لكنت تقضيه عنه فقد افتاها بشئ لمتسأل عنه و قوله لمعاذ بن جبل حين ارسله الي اليمن ارأيت يا معاذ ان نزلت بك حادثة لمتجد لها في كتاب الله اثرا و لا في السنة ما انت صانع قال استعمل رأيي فيها فقال الحمد لله الذي وفق رسول الله الي ما يرضيه قالوا و قد استعمل الرأي و القياس كثير من الصحابة و نحن علي آثارهم مقتدون و لهم احتجاج كثير في مثل هذا فقد كذبوا علي الله تعالي في قولهم انه احتاج الي القياس و كذبوا علي رسول الله صلي الله عليه و آله اذ قالوا عنه ما لميقل من الجواب المستحيل فنقول لهم ردا عليهم ان اصول احكام العبادات و ما يحدث في الامة من الحوادث و النوازل لما كانت موجودة عن السمع و النطق و النص في كتاب الله و فروعها مثلها و انما اردنا الاصول في جميع العبادات و المفترضات التي نص الله عز و جل و اخبرنا عن وجوبها و عن النبي صلي الله عليه و آله و عن وصيه المنصوص عليه بعده في البيان عن اوقاتها و كيفياتها و اقدارها في تقاديرها عن الله عز و جل مثل فرض الصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و الجهاد و حد الزنا [ص 100] و السرقة و اشباهها مما نزل في الكتاب مجملا بلا تفسير فكان رسول الله صلي الله عليه و آله هو المفسر و المعبر عن جملة الفرايض فعرفنا ان فرض صلوة الظهر اربع و وقتها بعد زوال الشمس بمقدار ما يقرأ الانسان ثلثين آية و هذا الفرق بين صلوة الزوال و صلوة الظهر و وقت صلوة العصر آخر وقت الظهر الي وقت مهبط الشمس و ان المغرب ثلث ركعات و وقتها حين وقت الغروب الي ادبار الشفق و الحمرة و ان وقت صلوة العشاء الآخرة و هي اربع ركعات اوسع الاوقات و اول وقتها حين اشتباك النجوم و غيبوبة الشفق و انبساط الظلام و آخر وقتها ثلث الليل و روي نصفه و الصبح ركعتان و وقتها طلوع الفجر الي اسفار الصبح و ان الزكوة تجب في مال دون مال و مقدار دون مقدار و وقت دون وقت و كذلك جميع الفرايض التي اوجبها الله علي عباده مبلغ الطاعات و كنه الاستطاعات فلولا ما ورد النص به و تنزيل كتاب الله و بيان ما ابانه رسوله و فسره لنا و ابانه الاثر و صحيح الخبر لقوم آخرين لميكن لاحد من الناس المأمورين باداء الفرايض ان يوجب ذلك بعقله و اقامة معاني فروضه و بيان مراد الله في جميع ما قدمنا ذكره علي حقيقة شروطها و لايصح اقامة فروضها بالقياس و الرأي و لا ان تهتدي العقول علي انفرادها الي انه يجب فرض الظهر اربعا دون خمس او ثلث و لاتفصل ايضا بين قبل الزوال و بعده و لاتقدم الركوع علي السجود او السجود علي الركوع او حد زناء المحصن و البكر و لا بين العقارات و المال الناض في وجوب الزكوة فلو خلينا بين عقولنا و بين هذه الفرايض لميصح فعل ذلك كله بالعقل علي مجرده و لميفصل بين القياس الذي فصلت الشريعة و النصوص اذا كانت الشريعة موجودة عن السمع و النطق الذي ليس لنا ان نتجاوز حدودها و لو جاز ذلك لاستغنينا [ص 101] عن ارسال الرسل الينا بالامر و النهي منه تعالي و لما كانت الاصول لاتجب علي ما هي عليه من بيان فروضها الا بالسمع و النطق فكذلك الفروع و الحوادث التي تنوب و تطرق منه تعالي لميوجب الحكم فيها بالقياس دون النص بالسمع و النطق الي ان قال عليه السلام و اما الرد علي من قال بالاجتهاد فانهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب علي انهم لايقولون انهم مع اجتهادهم اصابوا معني حقيقة الحق عند الله عز و جل لانهم في حال اجتهادهم ينتقلون عن اجتهاد الي اجتهاد و احتجاجهم ان الحكم به قاطع قول باطل منقطع منتقض فاي دليل ادل من هذا علي ضعف اعتقاد من قال بالاجتهاد و الرأي اذا كان امرهم يؤل الي ما وصفناه و زعموا انه محال ان يجتهد فيذهب الحق من جملتهم و قولهم بذلك فاسد لانهم ان اجتهدوا فاختلفوا فالتقصير واقع بهم و اعجب من هذا انهم يقولون مع قولهم بالرأي و الاجتهاد ان الله لميكلفهم بهذا المذهب الا بما يطيقونه و كذلك النبي صلي الله عليه و آله و احتجوا بقول الله تعالي و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره و هذا بزعمهم وجه الاجتهاد و غلطوا في هذا التأويل غلطا بينا قالوا و من قول الرسول صلي الله عليه و آله لمعاذ بن جبل و ادعوا انه اجاز ذلك و الصحيح ان الله لميكلفهم اجتهادا لانه قد نصب لهم ادلة و اقام لهم اعلاما و اثبت عليهم الحجة فمحال ان يضطرهم الي ما لايطيقون بعد ارساله اليهم الرسل بتفصيل الحلال و الحرام و لميتركهم سدي مهما عجزوا عنه و ردوه الي الرسول و الائمة عليهم السلام كيف و هو تعالي يقول مافرطنا في الكتاب من شئ و يقول اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و يقول فيه تبيان كل شئ و من الدليل علي [ص 102] فساد قولهم في الاجتهاد و الرأي و القياس انه لنيخلو الشئ ان يكون يمثله علي اصل او يستخرج البحث عنه فان كان يبحث عنه فانه لنيجوز في عدل الله ان يكلف العباد ذلك و ان كان ممثلا علي اصل فلايخلو الاصل ان يكون حرم لمصلحة الخلق او لمعني في نفسه خاص فان كان حرم لمعني في نفسه خاص فقد كان ذلك فيه حلالا ثم حرم بعد ذلك لمعني فيه بل لو كان العلة المعني لميكن التحريم له اولي من التحليل و لما فسد هذا الوجه من دعويهم علمنا ان الله تعالي انما حرم الاشياء لمصلحة الخلق لا للخلق التي فيها و نحن انما ننفي القول بالاجتهاد لان الحق عندنا مما قدمنا ذكره من الامور التي نصبها الله تعالي و الدلائل التي اقامها لنا كالكتاب و السنة و الامام الحجة و لنيخلو الخلق عندنا من هذه الوجوه التي ذكرناها و ما خالفها فهو باطل و اما اعتلالهم بما اعتلوا به من شطر المسجد الحرام و البيت فمستحيل بين لان معني شطره نحوه فبطل الاجتهاد فيه و زعموا ان علي الذي لميهتد الي الادلة و الاعلام المنصوصة للقبلة ان يستعمل رأيه حتي يصيب بغاية اجتهاده و لميقولوا حتي يصيب نحو توجهه اليه و قد قال الله عز و جل و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره يعني تعالي علي نصب من العلامات و الادلة و هي التي نص حكمها بذكر العلامات و النجوم في ظاهر الآية ثم قال تعالي و ان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربك و لميقل و ان الذين اضطروا الي الاجتهاد فدل علي ان الله تعالي اوجب عليهم استعمال الدليل في التوجه و عند الاشتباه عليهم لاصابة الحق فمعني شطره نحوه يعني تعالي علاماته المنصوصة عليه و معني شطره نحوه ان كان مرئيا و بالدلائل و الاعلام ان كان محجوبا فلو علمت القبلة لوجب استقبالها و التولي و التوجه اليها و لو [ص 103] لميكن الدليل عليها موجودا حتي تستوي الجهات كلها فله حينئذ ان يصلي باجتهاده حيث احب و اختار حتي يكون علي يقين من الدلالات المنصوبة و العلامات المبثوثة ● فان مال عن هذا التوجه مع ما ذكرناه حتي يجعل الشرق غربا و الغرب شرقا زال معني اجتهاده و فسد حال اعتقاده و قد جاء عن النبي صلي الله عليه و آله خبر منصوص مجمع عليه ان الادلة المنصوبة علي بيت الله الحرام لاتذهب بكليتها حادثة من الحوادث منا من الله عز و جل علي عباده في اقامة ما افترضه عليهم و زعمت طائفة ممن يقول بالاجتهاد اذا اشكل عليه من جهة حتي يستوي عنده الجهات كلها و تحروا سمع اجتهاده حديث بلغ فان ذلك جائز بزعمهم و ان كان لميصب وجه حقيقة القبلة و زعموا ايضا انه ان كان علي هذا السبيل مائة رجل لميجز لاحد ان يتبع اجتهاد الآخر فهم بهذه الاقوال ينقضون اصل اعتقادهم و زعموا ان الضرير و المكفوف له ان يقتدي باحد هؤلاء المجتهدين فله ان ينتقل من قول الاول منهم الي قول الآخر فجعلوا مع اجتهادهم كمن لميجتهد فلميئل بهم الاجتهاد الا الي حال الضال و الانتقال من حال الي حال فاي دين ابدع و اي قول اشنع من هذه المقالة او ابين عجزا ممن يظن انه من اهل الاسلام و هو علي مثل هذا الحال نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدي و اتباع الهوي و اياه نستعين علي ما يقرب منه انه سميع مجيب انتهي ، ذكرت الحديث بطوله لكثرة محصوله و كانت النسخة فيها بعض الغلط [ص 104] و اخرجته لان الذي قصدنا منه واضح فيه بين و عن الصادق عليه السلام في رسالة له الي اصحاب الرأي و الاجتهاد اما بعد فان من دعا غيره الي دينه بالارتياء و المقائيس لمينصف و لميصب حظه لان المدعو الي ذلك ايضا لايخلو من الارتياء و المقائيس و متي لميكن بالداعي قوة في دعائه علي المدعو لميؤمن علي الداعي ان يحتاج الي المدعو بعد قليل لانا قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فائقا لمعلمه و لو بعد حين و رأينا المعلم الداعي ربما احتاج في رأيه الي رأي من يدعو و في ذلك تحير الجاهلون و شك المرتابون و ظن الظانون و لو كان ذلك عند الله جايزا لميبعث الله الرسل بما فيه الفصل و لمينه عن الهزل و لميعب الجهل و لكن الناس لما سفهوا الحق و عظموا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم الله و اكتفوا بذلك عن رسله و القوام بامره و قالوا لا شئ الا ما ادركته عقولنا و عرفته البابنا فوليهم الله ما توليهم ( وليهم ظ ) و اهملهم و خذلهم حتي صاروا عبدة انفسهم من حيث لايعلمون و لو كان الله رضي منهم اجتهادهم و ارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لميبعث اليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم و انما استدللنا ان رضي الله غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيمة الصحيحة و التحذير من الامور المشكلة المفسدة ثم جعلهم ابوابه و صراطه و الادلاء عليه بامور محجوبة عن الرأي و القياس فمن طلب ما عند الله بقياس و رأي لميزدد من الله الا بعدا و لميبعث رسولا قط و ان طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتي يكون متبوعا مرة و تابعا اخري و لمير ايضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتي يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من الله و في ذلك دليل [ص 105] لكل ذي لب و حجي ان اصحاب الرأي و القياس مخطئون مدحضون انتهي ، و عن علي عليه السلام ترد علي احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد فامرهم الله سبحانه بالاختلاف فاطاعوه ام نهاهم عنه فعصوه ام انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضي ام انزل دينا تاما فقصر الرسول عن ابلاغه و ادائه و الله سبحانه يقول مافرطنا في الكتاب من شئ و فيه تبيان كل شئ و ذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه فقال سبحانه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا الخبر ، و انما ذكرت هذه الاخبار لانها مشحونة بادلة قطعية عقلية علي عدم امكان التعبد به فضلا عن وقوعه و لنا ادلة اخري علي عدم جواز التعبد به منها ان الله سبحانه غني لاتنفعه طاعة من اطاعه و لاتضره معصية من عصاه فلميكلف العباد لمنفعة نفسه و انما كلفهم لمنفعتهم و صلاحهم و نظام معاشهم و قوام معادهم فلميأمر بشئ و لمينه عن شئ عبثا او لمحض الابتلاء و الامتحان كما زعمه بعض لما فيه من الترجيح بلا مرجح و لقوله سبحانه ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون و غيرها من الآيات فما من شئ يقربهم من الجنة و يبعدهم من النار الا و قد امرهم به و ما من شئ يبعدهم من الجنة و يقربهم من النار الا و قد نهاهم عنه و لميأمرهم الا بما فيه صلاحهم و لمينههم الا عما فيه فسادهم فامر بامور في اقترانهم بها صلاحهم و لمينه عن شئ الا و في اقترانهم به فسادهم [ص 106] و لايعلم حقايق الاشياء و لايعرف ضارها من نافعها الا المحيط بها الخالق لها و ان العقول الناقصة التي لاتعرف سر ابدانها فضلا عن سر الخليقة لاتعرف حقايق الاشياء فمحال عادة معرفة الجهال بها فلايصيبونها بعلومهم فضلا عن ظنونهم فكيف يجوز لهم العمل بالآراء و الاهواء و الاستحسانات و العقول الناقصة و القياسات و الاصول الموضوعة و كيف يؤدي اصل العدم و اصل البراءة و الاستصحاب الي ما هو ضار حقيقة في الخارج او نافع حقيقة في الخارج و هل يمكن هؤلاء معرفة العقاقير و معالجة المرضي باصل العدم و اصل عدم الضرر او عدم النفع او عدم الحرارة او عدم البرودة او استصحاب انه كان نافعا قبل فالآن نافع او كان امس ضارا فاليوم ضار فان كان لايمكن استخراج معرفة ضرر العقاقير بالادلة الاصولية فكيف يمكن استخراج منافع جميع الاقوال و الاحوال و الافعال و الحلال و الحرام و قد علمت ان الله سبحانه لميأمر الا بالنافع و لمينه الا عن الضار فيا ايها الناظرون انصفوني و رب البيت و احكموا بيني و بين القوم و قولوا هل معرفة العقاقير اسهل و يعرف كثيرا منها كل عجوز او معرفة الحلال و الحرام الذين لايعرفهما الا النبي و لايعرفهما النبي الا بالوحي ما لكم كيف تحكمون و منها عدم قيام دليل يكون حجة شرعا علي الامة علي وجوب اتباع الظن المطلق و جوازه و ان هذه الادلة التي هي اوهن من بيت العنكبوت دليل صدر عن عقلهم بزعمهم و من جعل عقل واحد من الرعية حجة علي جميع الرعية و ليس بمعصوم بل من جعل عقل احد من الرعية حجة عليه في غير ما اجمعوا عليه و اين ثبت ذلك و اي كتاب دل علي ذلك و انما الذي يجب ان يثبت بالعقل وجود صانع و وجوب بعث نبي ثم يجب اتباع ذلك النبي في اصول الدين و فروعه [ص 107] سواء وافقه عقولنا او لمتوافقه و اين ثبت حجية عقولنا و قام الكتاب و السنة علي خلافها و ينكرها عقول اخر موافقة للكتاب و السنة و منها انه هب استدللتم علي وجوب اتباع الظن المطلق اليس يحصل لكم ظن بمعني سبعين آية في كتاب الله ناصة علي حرمة العمل بالظن و اخبار متواترة محكمة في حرمة العمل بالظن و اجماعات منقولة و شواهد بينة فهلاقلتم انا استدللنا جملة علي وجوب العمل بالظن و هذه الآيات افادت الظن بان العمل بالظن في جزئيات دين الله محرم فيجب تركه و ان لمتقولوا ذلك فيلزمكم الدور الظاهر فالعمل بالظن واجب و المظنون من الكتاب و السنة حرمته و الظن الحاصل من الكتاب و السنة اقوي و اقرب الي الحق و اسلم و اقرب الي العلم و التسليم البتة و منها ان الآيات و الاخبار ناصة علي حرمة العمل بالظن مطلقا كما انصف جمع منكم بل جعلها من البديهيات الاولية بل عليه اجماعكم فانكم ايضا توجبون التمسك بدليل عقلي قطعي في اثباته و لاتكتفون بدليل ظني في اثبات حجية الظن علي زعمكم فاذا دل الكتاب و السنة عموما علي حرمة العمل بالظن فتخصيصهما بدليل العقل الغير البديهي و غير المجمع عليه لا مستند له و لو جاز ذلك لجاز نسخ الكتاب و السنة بالعقل و اسقاط بعض الاحكام عن بعض الناس بالعقل و الزيادة و النقصان في الشرايع بالعقل ثم تقولون ان دليل عقلنا يشهد بان مراد الله كان ذلك و لمنغير دين الله فلو كان مراد الله ذلك فلم كلم علي غير مراده و دلس نعوذ بالله علي الخلق و هو العدل الشارع الذي لايستحيي من الحق و انتم تقرون ان مدلول هذه الالفاظ غير ما تقولون فمنطوق الله سبحانه غير مقصود و مقصوده غير منطوق فلميقم له حجة علي الخلق و لميكمل دينه [ص 108] و لميتم نعمته الي ان جئتم و فسرتم كتابه و قيدتم و خصصتم و بينتم نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و منها انكم قلتم بلزوم عصمة الامام لاجل انه لولا العصمة لميحصل العلم للمكلف بمراد الله سبحانه و لميقم لله الحجة علي عباده و لو جاز علي الامام الخطاء و وقع منه الخطاء و امر الله باتباعه للزم امر الله سبحانه بمتابعة الخطاء و الغلط و هو قبيح فما بالكم جوزتم هنا اجتهاد المجتهد مع انه يخطي و اوجبتم طاعته من غير عصمة فيكون امر المجتهد اعظم من امر النبي و الامام فانه مع خطائه واجب الاطاعة و المعصوم لميكن كذلك و ان قلت انتم ايضا توجبون طاعة فقهائكم و يخطون في الرواية و فهمها و بيانها فاقول اولا انا لانوجب طاعة احد بعد المعصوم و لانقلد احدا غيره و انما الفقهاء رواة و علينا ان نفحص عن فتوي المعصوم حتي نعلم انه فتواه فنعمل به و لانوجب طاعة غير المعصوم و لا تقليد سواه لقول الصادق عليه السلام اياك ان تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال و لقول علي عليه السلام يا معشر شيعتنا المنتحلين مودتنا اياكم و اصحاب الرأي فانهم اعداء السنن تفلتت منهم الاحاديث ان يحفظوها و اعيتهم السنة ان يعوها فاتخذوا عباد الله خولاً و ماله دولا فذلت لهم الرقاب و اطاعهم الخلق اشباه الكلاب و نازعوا الحق اهله و تمثلوا بالائمة الصادقين عليهم السلام و هم من الكفار الملاعين فسئلوا عما لايعلمون فانفوا ان يعترفوا بانهم لايعلمون فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا و اضلوا و لقول ابيجعفر عليه السلام من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه الله التيه الي يوم القيمة و لقول ابيعبدالله عليه السلام من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه و من ادعي سماعا من غير الباب الذي فتحه [ص 109] الله فهو مشرك و ذلك الباب المأمون علي سر الله المكنون و لقول علي عليه السلام انما الطاعة لله و لرسوله و لولاة الامر و انما امر الله بطاعة الرسول لانه معصوم مطهر لايأمر بمعصية و انما امر بطاعة اولي الامر لانهم معصومون مطهرون لايأمرون بمعصية انتهي ، فنحن لانطيع آراء الفقهاء و عقولهم و انما نطيع الامام المعصوم و هم رواة حكم المعصوم و اما المجتهد فهو الذي يجتهد برأيه و ظنه فيما لميصح عن المعصومين و اما ما صح فلايحتاج الي اجتهاد و ان كان يروي ايضا بعض الروايات و خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و ظنونه تخطي و تصيب و انكم فرضتم طاعته مع علمكم بانه يخطي و العجب انكم تدعون انه يخطي ثم تقولون ان هذا الخطاء يقينا دين الله الذي من خالفه فسق و ان استحل مخالفته كفر ان هذا الا زور من القول و شطط من الحكم فلو كان مدع للنبوة خاطئا عزل عن النبوة و لميجز طاعته و خاطئكم يجب طاعته و يكفر مستحل مخالفته و ثانيا انا قائلون بالتسديد و نقول بان المجاهد في سبيل الله مخلصا طالبا لدينه مستنبطا تكليفه من الكتاب و السنة مهدي الي سبل دين الله سبحانه يوصله الله الي تكليفه و الآخذ عنه مأمور من عند الله بالسير في قريته ليالي و اياما آمنين فنحن آمنون و الحمد لله مما يخاف منه عليكم و اما غيرنا فيتخطف من حولنا و لا امان له فانه في غير حرم الامن لما سمعت و تسمع و منها ان الله سبحانه خلق خلقا و علم انهم يختلفون و يتنازعون فبعث الانبياء ليحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه و فرض علي المختلفين الرجوع اليهم و قال و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قال فان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول الآية ، فكيف يمكن ان يجعل ظنون قوم مختلفين غير مبتنية علي [ص 110] ما نزل من عنده خليفة في عباده لترفع الاختلاف و هم بانفسهم من اهل التنازع و الخلاف و التشاجر و يحتاجون الي حاكم آخر فلو كانوا بانفسهم مختلفين و وجب علي الناس طاعتهم للزم التناقض فانهم مختلفون و واحدهم مصيب و واحدهم مخطي فقلتم ان الله خير العباد في طاعة المصيب و المخطي و فرض عليه طاعتهما علي وجه التخيير ثم اذا وجب طاعة المختلفين لادي ذلك الي شق العصا و التفرق و الاختلاف و ربما ادي الي البراءة و القتل و التكفير و اللعن و جمع الاحزاب كما وقع و يقع و بلغ الامر الي ما لايصلحه الا ظهور الامام و سل سيفه و لو جاز ذلك لكان بعث الرسل و انزال الكتب لغوا نعوذ بالله و منها انه لا شك ان ما سوي المعصومين ليس بمعصوم من الرعية و التابع و المتبوع كلهم مشتركون في عدم العصمة و لمينزل علي احد منهم وحي و لمير الله منهم احد و لميتصل بملكوت الله احد منهم و انما قام بعضهم فقرأ نحوا و صرفا ثم قرأ اصولا موضوعة ان الاصل عدم فلان و ان الاصل عدم فلان ثم بني يقول بظنه و يضع دينا و مسائل و احكاما اخبروني ما الذي فرض طاعته علي ما سواه و هم ايضا مشتركون معه و يقدرون علي الظن بل لهم ظنون و منهم طلاب علماء حكماء و ان لميبلغوا درجة الاجتهاد علي زعمهم اخبروني ما الذي فرض طاعتكم هل لكم آية من كتاب الله او شاهد من ساداتكم او حديث من سنتكم فأتوني به ان كنتم صادقين و قد تواتر الاخبار في عدم جواز تقليد غير المعصوم في غير ما يرويه عن سمع و نطق بل تدعون انكم اعظم من النبي في كل باب فان النبي قبل نزول الوحي ليس بنبي و انتم تنبيتم من غير وحي و النبي لايجب طاعته قبل بعثه و انتم وجب طاعتكم قبل بعثكم و النبي لايعرف حكما [ص 111] من غير وحي و انكم تعرفون بغير وحي و النبي لايجوز له العمل برأيه و انتم يجوز لكم و النبي خطاؤه غير مغفور و لايجب طاعته و انتم خطاؤكم مغفور و يجب طاعتكم و النبي لو تقول علي الله بعض الاقاويل لاخذ باليمين و انتم اقررتم بالخطاء و ادعيتم ان لكم في الخطاء لاجرا واحدا و المتنبي ما لميكن معصوما لايسمع ادعاؤه و انتم متنبون من غير عصمة و تقولون يجب منا السمع و الطاعة و النبي بغير معجز لايجب طاعته و انتم وجب طاعتكم بغير معجز و النبي لايعرف حكم كل شئ ما لمينزل عليه وحي و انتم تقولون ان المجتهد المطلق من يعرف حكم كل شئ و الله يقول و لقد اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و انتم تدعون انكم تعرفون الايمان من غير وحي روح و ان نبيا ماكان ينبئ الا بعد ان يسدد بروح القدس و انتم تنبيتم من غير ان تسددوا به فاعتبروا يا اولي الابصار فما نبأكم و فرض طاعتكم علي العباد و من انتم حتي تتخذوا عباد الله خولا و ماله دولا يوقر بعضكم بعضا و يعظم بعضكم بعضا و ان الشرف و كل الشرف لآلمحمد عليهم السلام و لمن يروي عنهم من حيث الرواية و الاستناد اليهم و منها من علم علم السياسة و تنبه سر اجمال القرآن و كونه معمي و اجمال اخبار رسول الله صلي الله عليه و آله و اخبار الائمة و كونها منجمة متفرقة بايدي الناس و عدم تصنيفهم كتابا جامعا يستغني به الناس عن هذه المنازعات عرف ان المراد ان يضطر هذا الخلق المنكوس الي طاعة الائمة عليهم السلام و ينتهوا الي بابهم ابدا و يحتاجوا اليهم في كل صغير و كبير و يكونوا معهم مقتفين اثرهم في كل حال و يصدروا عن امرهم و نهيهم و يكونوا عندهم كالميت [ص 112] بين يدي الغسال و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال حتي يحوزوا بذلك فيض الدنيا و الآخرة و فيض الاجتماع كالاعضاء حول قلبها و ينتفعوا بتمدنهم و يصدروا عن امر واحد و نهي واحد و لايختلفوا و لايقع فيهم الشقاق و اتباع الآراء المتشتتة و يجتمعوا علي نظام واحد فهذا سر الامر بطاعة المعصوم و النهي عن اتباع الاهواء و الآراء و الظنون و الاجتهادات في الاخبار المتواترة اشد نهي اشد من كل شئ فان حرمة هذا و وجوب ذلك من الامور الكلية التي عليها مناط التمدن و حيازة سر الخلقة و ليس ذلك كشرب الخمر الذي ضرره علي شاربه و لحم الخنزير الذي ضرره علي آكله و انما باتباع الظنون و الآراء التفرق عن حول السلطان الحق و شق العصا و استبداد كل احد بما يفهم و تفرق المدينة و خراب العالم و عدم بلوغ الكتاب اجله فلاجل ذلك حرم الله ذلك في سبعين آية من كتابه و حرمه الحجج في اخبار متعددة متواترة و اصروا فيه اكثر من اصرارهم في تحريم الخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير اذ ذلك في الحقيقة ادعاء الرياسة و النبوة و الولاية بل اعظم و اعظم من جهة فحرمة ذلك تتلو حرمة ادعاء الامامة المطلقة نعوذ بالله و من تتبع الاخبار التي ذكرناها هنا و الآيات المذكورة هنا و تتبع فصل الخطاب و ساير كتب الاصحاب وجد ذلك بلا غبار نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و قد اغتر من قال بذلك باقوال العامة المدعين للامامة بعد النبي صلي الله عليه و آله غفلة و لميتنبه و منها انكم منعتم من صلوة الجمعة لان الاجتماع مظنة الفساد فلم لاتنهون عن الاجتهاد لانه يفضي الي الفتن و الحروب كما وقع في السلف و الخلف فانه [ص 113] اذا جاز الظن و الافهام مختلفة جاز الاختلاف فاذا جاز الاختلاف جاء التنازع و اذا جاء التنازع جاء التدافع و اذا جاء التدافع جاء الشقاق و الفتن و الحروب و البغي كما وقع و هل هذا الا من جهة الاجتهادات الظنية و الآراء المردية كما قال الاول ان سيدنا معوية كان مجتهدا في قتال علي فان اصاب فله اجران و ان اخطأ فله اجر واحد و منها ان الله سبحانه هو الذي خلقنا لا من شئ لاجل التقرب اليه و المعرفة و العبادة و متابعة رضاه فامرنا بما يقربنا اليه و بما يرضي فهو المكلف بكسر اللام و نحن المكلفون بالفتح و هو الرب و نحن العبيد و هو المطاع و نحن المطيعون و هو الآمر الناهي و نحن المأمورون المنهيون و تكليفنا طاعته و اتباع اوامره و قد انزلها في كتابه و اوحي به علي نبيه صلي الله عليه و آله و لميوح الي غيره شيئا و قال اطيعوا الله لانه الخالق الموجد لا من شئ و اطيعوا الرسول لانه معصوم مطهر مخبر عنه مترجم ارادته و اولي الامر منكم لانهم معصومون مطهرون ثم قال و لاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان امره فرطا فنهانا عن طاعة من لايعلم علم القرآن و هو الذكر و يتبع ادلته العقلية و ما يستحسنه عقله و كان امره فرطا يتقدم علي آلمحمد و يسبق عليهم بالقول و قال و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن فنهانا عن متابعة اكثر اهل الارض لاجل اتباعهم الظن فلايجوز طاعة ظنونكم و آرائكم مع انكم انتم لستم بخالقين للناس و ليس ناصية العباد بيدكم و ليس لكم طاعة مفترضة علي العباد و لستم بمعصومين مطهرين مترجمين عن الله من غير طريق الوحي و ظنونكم لاتغني من الحق شيئا بنصوص الكتاب و السنة [ص 114] فلا عبرة بظنونكم و لاتكشف ظنونكم في الارض عن رضاء الله فوق عرشه من غير نبوة و وحي فافهم .