في اثبات وجوب العمل بالعلم و اليقين و حرمة العمل بالظن المطلق في الدين و في هذا الباب فصول :
فصل - اعلم ان لليقين بالمعني الاعم ثلث مراتب لان الاشياء لها ثلث [ص 29] مراتب :
فالاولي يقين حقيقي و هو مرادف للمعرفة كما قال الله سبحانه و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و ذلك ان المعرفة ضدها العام الانكار كما قال الله سبحانه ام لميعرفوا رسولهم فهم له منكرون لانها هي الوصول الي الاشياء حقايقها و الكشف عنها و المشاهدة لها فان وصل اليها و شاهدها و كان له ذلك المشعر فهو من اهل المعرفة و ذلك المشعر مشعر وحداني و حقايق الاشياء وحدانية و الدليل هناك نفس المدلول به يعرف و به يستدل عليه في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لمادر ما انت و في آخر يا من دل علي ذاته بذاته و في الخبر اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فالحقيقة لاتعرف الا بها و هي هي فلا تعارض بينها و بين نفسها و لا اختلاف دلالات و امارات حتي يحصل التردد فان عرفها عرفها و الا فهو منكر لها كما قال سبحانه ام لميعرفوا رسولهم فهم له منكرون و يمكن ان يجحدها بعد ما عرفها كما مر في الآية المذكورة و قال الله سبحانه يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها فالانكار انكاران انكار جحود بعد المعرفة و انكار عدم المعرفة و قد يشتبه علي الناس الانكار في الاخبار فلايعرفون معناه و لايفرقون بين المعنيين و الانكار الموجب للكفر هو انكار الجحود كما روي لو ان الناس اذا جهلوا وقفوا و لميجحدوا لميكفروا ، و اما الانكار بمعني عدم حصول المعرفة فهو الجهل بالمعني الاعم و لايوجب كفرا لعدم قيام الحجة عليه و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و في حديث الكاظم عليه السلام فيما لميثبت بالادلة الثلثة وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له ، مع انه ربما يكون حقا في الواقع و قد يعبر عن الانكار بمعني الجحود بعدم المعرفة [ص 30] كما روي من لميعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية ، و ليس المراد الجهل و ان لميقصر في الطلب و قد يقع في الاخبار لميعرف بمعني الجهل كالانكار كما روي انه سئل الصادق عليه السلام هل علي من لميعرف شئ قال لا ، و لا بد من فهم لحن الاخبار كما روي انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له فيعرف اللحن .
و الثانية اليقين العقلي و هو حالة حاصلة للعقل المدرك للمعاني الكلية الجبروتية عند الاطلاع علي الادلة الكلية المعنوية و وصوله بها الي معني كلي حاصل عن تلك الادلة و انما ذلك لان الدليل لا بد و ان يكون من سنخ المدلول حتي يوصل المستدل اليه و كذا لا بد و ان يكون المستدل ايضا من سنخ المدلول حتي يصل الي المدلول فلايمكن ان يري العين مثلا بالادلة المعنوية معني كليا لانها ليست بمعنوية و كذا لايوصل الدليل المعنوي الحواس الباطنة الي درك المعني الكلي فانها دراكة للصور فالمستدل بالدليل المعنوي العقل و يوصله هو الي معني كلي و الدليل في هذا المقام غير المدلول بل هو ظله و آيته او اصله و علته و هذا اليقين لما كان حاصلا من الدليل الخارجي يضاده الشك فان الدليل ان كان مؤديا للعقل الي المدلول و هو حين كون الدليل حاكيا لتمام المدلول اذ لو لميكن حاكيا لميكن دليلا تيقن به بالمدلول و ان لميكن مؤديا و كان حاكيا لجهة من جهاته و هناك دليل آخر يكون حاكيا لجهة اخري من المدلول و هو لايدري ان كل واحد حاك لجهة منه بل يحسبه حاكيا للكل و هما متعارضان حصل التردد له و لميصل الي تمام المدلول بكل واحد و لو عرف ان كل واحد حاك لجهة ارتفع التناقض و لميحصل له تردد و شك البتة فيضع [ص 31] كل دليل موضعه و لربما يتيقن بهما بتمام المدلول اذا كان له تانك الجهتان حسب كما اذا نظرت الي آيات الكلي في الافراد قامت لك ادلة انه داخل فيها و قامت لك ادلة اخري انه خارج فان كنت جاهلا بالامر حصل لك الشك و ترددت هل هو داخل فيها موجود بوجودها او خارج عنها و هو بالنسبة اليها كالشمس و المرايا فتشك في المسئلة اذا جهلت ان كل دليل حاك لجهة من جهات الكلي و حسبت كل واحد حاكيا عن تمامه و اما اذا علمت ان كل واحد حاك لجهة من جهاته عرفت بهما جميعا انه داخل في الافراد لا كدخول شئ في شئ و خارج عنها لا كخروج شئ عن شئ و هما معا تمام معرفته في هذا الباب فافهم المثل بالجملة اذا كان الدليلان متدافعين متساويين في الدلالة حصل الشك للعقل فلميتيقن باحدهما و ليس ان احد الدليلين باطل فان الباطل لايحكي و لايدل بالذات و الذي لايحكي و لايدل ليس بدليل و لايحصل منه الشك اللهم الا ان يشك في كون الدليل دليلا فهو حينئذ من هذا الحيث مدلول يحتاج الي دليل آخر فرجع ايضا الشك الي المدلول لا الدليل و ان كان احد الدليلين راجحا في حكاية كل المدلول في نظر المستدل و الآخر مرجوحا في نظره حصل في نفسه الظن من الراجح و الوهم من المرجوح فصيرورة الادلة سبب اليقين او الشك او الظن و الوهم راجعة الي حسبان المستدل و الا فنفس الادلة في الواقع حاكية لما جعلها الله حاكية له في مقامها و حدها علي حسبها و قد يحصل هذه الحالات للعقل من دليل واحد اذا جهل الانسان حد دلالته و مقدار دلالته و وجه دلالته فلربما يطلع علي دليل هو دليل في الواقع و لكن دلالته خفية لانه دليل باشارة او فحوي او حيوث و لحاظات فلايعرفها الانسان حق معرفتها فيلوح له دلالة [ص 32] علي مطلوبه من حيث و يلوح علي ضده دلالة من حيث فيحصل الشك له في المطلوب او يرجح دلالة حيث فيظن و يتوهم ضده حينئذ و اما ذلك الدليل في نفسه فهو دليل علي المطلوب بكله و بكل حيث منه علي كل حيث بالجملة كلما يدرك منه الدلالة هو مواجه لشاخص المدلول و يحكيه بقدر صقالته و من حيث مواجهته و اما الدليل الذي لايفصح عن كل المدلول لكدورته فليس هو دليل معاني المدلول و لايطلب منه اياها و لايستدل به عليها و انما يستدل به علي كليات المدلول لانه لايحكي الا اياها فليس كدورة الدليل الغير الحاكية سبب الشك في المدلول بل هي مورد الجهل كما يأتي و اعلم ان اليقين هذا يجامع الانكار الذي هو ضد المعرفة فيمكن ان يكون الرجل متيقنا بمسئلة غير عارف بحقيقتها فان يقينه حاصل من الدليل و كل دليل لايوصل مستدلا الا الي صفة المدلول و هي مدلوليته فالمتيقن متيقن بصفة ما تيقن به و المعرفة مشاهدة ذات المعروف فيمكن اجتماع وصول الانسان الي صفة شئ مع عدم وصوله الي ذاته كما انك تري ظهور الاشياء و لاتعرف حقايقها .
و الثالثة اليقين الصوري و هذا اليقين مرادف للعلم الذي هو حضور المعلوم عند العالم فانت متيقن بتلك الصورة الحاصلة عندك و هذا اليقين ضده الجهل يعني عدم حضور صورة المعلوم لديك فكما انك اذا انطبع صورة زيد في عينك قلت رأيته و ان لمينطبع صورته في عينك قلت لماره كذلك اذا انطبع صورة زيد في ذهنك قلت علمت و اذا لمتنطبع قلت لماعلمه و هو قوله سبحانه هل علمتم ما فعلتم بيوسف و اخيه اذ انتم جاهلون و الجهل غير الشك و قل من يتنبه بذلك فان كثيرا من الناس اذا جهل شيئا و لميدر هل هو كذا او كذا يزعمه شكا [ص 33] و الحال ان الشك هو التردد الحاصل من الدليلين المتعارضين للعقل و هو حالة وجودية و الجهل هو حالة عدمية فلايقال اني شاك هل في فلك القمر كوكب آخر ام لا اذ لميدل دليل علي وجوده و دليل علي عدمه بل هو جهل صرف و عدم حصول صورة عند النفس مطلقا فنحن لسنا بشاكين فيما لميصل الينا من الاحكام الشرعية و غيرها بل نحن جهال بها و حكم الجاهل غير حكم الشاك كما يأتي في محله انشاء الله و هذا العلم و اليقين قد يحصل بمشاهدة نفس المعلوم كمشاهدة الشمس بالعين و الصوت بالاذن و قد يحصل من ادلة صورية لانه لا بد و ان يكون الدليل من سنخ المدلول فان كان الدليل حاكيا لصورة المدلول و اطلع المستدل عليها انطبع في ذهنه شبح تلك الصورة و حصل له العلم بها و الا لميحصل في ذهنه صورة فيجهلها او انطبع في ذهنه منه صورة مبهمة فيحصل له العلم بتلك الصورة المبهمة و اما ما يترائي من الشك و الظن و الوهم في هذا المقام فليس ذلك من شأن النفس من حيث هي هي بل شأنها انطباع ما قابلها حسب ثم بعد الانطباع اذا ادت ما وصل اليها الي العقل بواسطة فعله و ظله الذي هو فيها فالعقل هو الذي يستيقن مطابقتها للواقع او يشك او يظن او يتوهم و ليس الذهن الا كالمرآة ينطبع فيها ما قابلها علي حسبها فلايشتبهن عليك الامر فتقول اني ربما اقطع بدلالة اللفظ علي معناه و ربما اظن او اشك او اتوهم مع انه من الادلة الصورية و مدلوله ايضا صوري فكيف لايكون هنا شك و ظن و وهم فانك لاتشك في انطباع ما انطبع و عدمه و انما اليقين و الشك في مطابقته الواقع و عدمها و ذلك امر عقلي لا نفسي الاتري ان العين جسم صيقلي ينطبع فيها ما قابلها فاذا انطبع فيها صورة زيد رأيتها اما فهم ان ما رأيت هل هو مطابق للواقع [ص 34] او مخالف و هل هو انسان ام جماد ليس من شأن العين و انما هو من شأن العقل فكذلك شأن الذهن انطباع صورة المقابل فيه اما معرفة انها هل تطابق الواقع ام لمتطابق فهي من شأن العقل و ان قلت ان العقل علي ما قلت مدرك للمعاني الكلية و اما معرفة ان هذه الصورة مطابقة للواقع ام لا ليست من الكليات قلت ان المطابقة و عدمها من المعاني و ليست بامر ينطبع في مرآة الصور غاية الامر انها من المعاني الجزئية و ادراكها من شأن العاقلة التي هي حصة من فلك زحل و العاقلة فعل العقل و رأس من رؤسه المتعلقة بمعاني الاشياء الجزئية فيكتسبها ثم يؤديها الي العقل فيدركها العقل مجردة عن الجزئية كما مر في المقدمة فمثلهما كطهارة الماء مطلقا و طهارة هذا الماء الخاص فان طهارة هذا الماء امر معنوي يدرك بالعاقلة فتؤديه الي العقل فيجرده عن قيد الخصوصية و هذا معني ما يقال ان دليل المجادلة لايوصل الا الي الصور او المعاني المرتبطة بها و اعلم ان دليل الفؤاد الحكمة و هو في الحقيقة تفصيل المدلول و ظهوره اذ المعروف بالفؤاد معروف بنفسه و انما ينظر الي التفاصيل و الظهورات ليري ما يريده فيها اغلظ و اكثف اذا كان الفؤاد غليظا كثيفا عاجزا عن درك الحقايق و دليل العقل الموعظة الحسنة و هي اليقينيات الاولية المؤلفة المنتجة لمعني كلي كقوله عليه السلام ان كان الامر كما يقولون و هو كما يقولون نجوا و هلكتم و ان كان الامر كما تقولون و ليس كما تقولون فانتم و هم سواء ، و دليل النفس المجادلة و هي اذا كانت بالتي هي احسن تأليف قضايا قطعية مشتملة علي طرفي النتيجة تنتجها بواسطة الوسط و الكتب مشحونة بها و لسنا الآن بصدد بيان ازيد من ذلك .
[ص 35] فصل - ثم الامور بلحاظ آخر ثلثة عقليات بالمعني الاعم و عاديات و شرعيات و لكل واحد دليل من جنسه يستدل عليه بدليل من جنسه و ينقض فيه بجنسه و يرد بجنسه و يطلب فيه يقين من جنسه و لماجد من غيرنا من نقح ذلك .
اما العقليات فهي امور يستدل عليها بالمجادلة او الموعظة او الحكمة بادلة عقلية يقينية و حاصل الاستدلال اليقين بان هذا المعني مطابق للواقع جزما لايحتمل الخلاف فلايضره اذا خالفه كل من علي الارض و ليس يرجع عن اعتقاده و لايحتمل خلافه و لايحتمل ان يكون عند احد من العقلاء دليل علي خلافه و كل من يقول بغير ذلك هو علي خطاء فلايعارضه يقيني آخر ابدا و بهذا اليقين يجب تأويل ما يعارضه من الكتاب و السنة البتة فانه لايحتمل ارادة الله و ارادة الحجج خلافه بتة فلايجوز العمل بظواهرهما الموهمة خلافه و لكن هذا الدليل و هذا اليقين الذي يجب تأويل ما يعارضه من الكتاب و السنة ليس هذا الذي سموه بالدليل العقلي الذي هو اوهن من بيت العنكبوت اذ هو مؤلف من خيالات و شعريات و استحسانات و مصالح و توهمات يحتمل فيها احتمالات كثيرة فيقولون به يوما علي اضطراب و يرجعون عنه بعد يوم و قد ملأوا طروسهم منه و شحنوه بالاستدلال و النقض و الرد و ان قلت قلت اذ هذا في الحقيقة وقوف عند الانقطاع و العجز عن الجواب و النفس مضطربة شاكة و غيرهم يستدل علي خلافه مثلهم و يدعي البداهة فيما ذهب اليه بل هو ما اجمع عليه العقلاء بحيث لايوجد فيه خلاف او ينتهي الي ذلك بالبداهة كقولك هذا نهار و هذا ليل و هو قول الكاظم عليه السلام او قياس تعرف العقول عدله ، و يجب ان يكون مثل هذا الدليل مؤيدا بساير محكمات الكتاب و السنة اليقينية فحينئذ ان رأينا آية مخالفة له في الظاهر [ص 36] او سنة معارضة له ظاهرا يأولان البتة للقطع بعدم ارادة الظاهر منهما و اما ما تعارض فيه الانظار و اختلف فيه الآراء فلايجوز تأويل الكتاب و السنة بهما ابدا و هو الاستحسان المنهي عنه و الرأي المحرم الاخذ به و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و الي اولي الامر منكم و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و هيهنا قد ضل الاحلام و زل الاقدام و وقعوا في الآراء و الاهواء و قد تواتر الاخبار في النهي عنها و ظهور حرمتها في الشرع في مذهبنا كظهور حرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير بلا شك و لكن قد زل فيها اقدام نعوذ بالله و قد يتعارض هنا الادلة و لايحصل القطع باحدها فيحصل الشك او الظن و الوهم كما مر .
و اما العاديات فهي امور جزئية ظاهرية صورية لها ادلة عادية قد يحصل بها القطع بها قطعا عاديا اي لايحتمل عادة خلافها و ذلك كالقطع الحاصل بالقرائن و الامارات و الشياع و التواتر و السيرة و الطبايع و الملازمات و الاقتضاءات و الاسباب و العلل العادية و هذا اليقين مدركه العاقلة عرصته تحت عرصة اليقين العقلي و هو في محله يقين قطعي جزمي و يمكن ان يجامع الحالات العقلية جميعا فلربما يكون اليقين العادي في شئ و انت تتيقن به ايضا عقلا و لربما تظن عقلا او تشك او تتوهم او تجهله فانهما في مقامين و لكل واحد مشعر خاص به الاتري انك تقطع بوجود البحر المحيط مثلا بسبب تضافر السماع و ربما لميقم لك دليل عقلي علي وجوب وجود البحر المحيط و ما لميقم لك دليل عقلي فهو مجهول عقلي و لربما قام لك دليل ضعيف عقلي و حصل لك وهم عقلي او قام لك دليلان متعارضان فيه فحصل له شك عقلي او رجح احدهما و حصل لك ظن عقلي فلايضر [ص 37] شئ من ذلك باليقين العادي و من تزلزل في العاديات القطعية بالاحتمالات العقلية فهو سفيه قطعا الاتري ان ما رأيته بعينك تقطع به عادة و لميقم لك دليل عقلي علي وجوب وجوده فمن قال اني لااعلم ان هذه شمس طالعة لانه لميقم لي دليل عقلي علي طلوعها يعد سفيها البتة خارجا عن زمرة العقلاء بتة و كذا من شك في وجود الشمس لاجل انه يحتمل عقلا ان يكون قد اخطأ عيني و ليس عدم ضرر هذا الاحتمال لاجل انه ضعيف و كأن يقال ان الاحتمال الضعيف لايضر بالدليل بل لاجل انهما في عرصتين و لو كانا في عرصة واحدة لكان يضر البتة و ان كان اضعف ضعيف و مدار العالم و اساس عيش بني آدم في الحيوة الدنيا بهذا اليقين العادي فمن زعم انه شك او ظن لاجل الاحتمال العقلي لا بد و ان يقول بالظن في اثبات الانبياء و جميع ضروريات دينهم و يخرج بذلك عن زمرة العقلاء و يدخل به في زمرة اهل الشك و الريب في الدين بل المجانين و من قال ان اليقينيات العادية ظنيات و انما تسكن النفس علي طرف لاجل الغفلة عن الطرف الآخر فاذا توجهت الي الطرف الآخر ظن او شك البتة فانما قاله من غير تحقيق فانه ان اراد التوجه الي الاحتمالات العقلية فقد ذكرنا انهما في عرصتين و يجامعان و لايضر اجتماعهما باليقين العادي و ان اراد التوجه العادي الي الخلاف فهو ان كان علي يقين من الطرف الآخر لايضره ذلك عادة اللهم الا ان يتوجه الي الخلاف بحيث يعتاد نفسه التوجه الي الخلاف و يحصل له ماليخوليا فيرتاب اولا ثم يشك فيزول يقينه بالكلية كمن يوسوس في اعماله حتي لايكاد يقطع بانغماس يده في الماء اذا غمسها و مثل ذلك يسمي مجنونا و لهذا الجنون [ص 38] درجات اوائلها تشتبه بالتحقيق و التدقيق في الامور و اواخرها تبلغ الوسواس و الماليخوليا و الجنون فيفتضح فان الامراض تدريجية و اما التوجه العادي الي الخلاف فلايجعل اليقين ظنا و شكا ابدا كما انك اذا تعمدت التوجه الي احتمال عدم كون الشمس طالعة حين رأيتها لميضرك و اما الذي يتضرر بالتوجه الي الاحتمال المخالف فانما كان غرورا او مسامحة او تكلفا و سماه يقينا غرورا او مسامحة او تكلفا و علامة ذلك زواله بادني توجه الي المخالف فاذ قد امكن مجامعة هذا اليقين مع الجهل العقلي و الوهم و الشك و الظن و اليقين فليس ذلك ظنا البتة تفكر في ما اقول بعين الانصاف حتي تفوز مع الفائزين نعم ربما لميحصل اليقين عادة لمكان قيام دليل آخر عادي علي خلافه فحينئذ يكون وهما ان كان مرجوحا او ظنا ان كان راجحا او شكا ان كانا متساويين فاسأل من يقول بحجية الظن و انسداد باب العلم هل تقول بانسداد باب العلم العقلي و توجب العمل بظن عقلي و لمتؤمر بتحصيله في الدين او تقول بانسداد باب العلم العادي و توجب العمل بالظن العادي و باب العلم العادي لمينسد بتأييد الحجة و حفظه و تسديده و الدلايل واضحة و القرائن قائمة في كثير من المسائل و المواضع و ان وجد موضع لميحصل العلم و لعله الاقل له حكم يقيني عنهم عليهم السلام من التوقف و السعة في العمل او الاحتياط كما ذهب اليه بعض فيؤل الي العلم ايضا و هذا ايضا من العاديات فان جميع امور العالم ايضا كذلك كم من شئ في العالم يحصل به العلم العادي و كم من شئ لايحصل به علم عادي فيتوقف الانسان عن البت عليه طبعا الي ان يحصل العلم بعد ذلك و اسألهم عن هذه الاحتمالات التي يذكرونها في معاني الكتاب و السنة و استخراج المراد منها و يتزلزلون بها هل [ص 39] هي احتمالات عقلية و لاينبغي لكم ان تجروها في العاديات و من اجراها يعد من السفهاء البتة كما اذا كنت قاعدا تحت بناء عال محكم في النظر فتقول ان سقوط هذا السقف بغتة من الامور الممكنة و ليس بممتنع باتفاق العقلاء فيجوز وقوعه البتة ثم تقول كم من سقف في الدنيا وقع بغتة و قتل من تحته بالبداهة ثم تقول و هذا سقف من السقوف و يمكن وقوعه بغتة فنحن في شك من وقوعه و حفظ النفس واجب البتة و ان فررنا من تحت هذا السقف لايضرنا سقوطه بتة و ان وقفنا تحته يحتمل سقوطه و تضررنا منه و عدم الضرر راجح عقلا فالفرار من تحته راجح و سبب امن و اختيار المرجوح علي الراجح قبيح عقلا البتة فتقوم فتفر بسرعة دهشا ذعرا انشدك بالله هل يعد فاعل ذلك من العقلاء و هل يفرق بينه و بين المجانين و السوداويين فتبين ان هذه الاحتمالات العقلية لاتجري في العاديات و لايجوز التفوه بها و الفكر فيها لانها ممرضة مفسدة للنفس معوجة لها مخرجة اياها من زمرة العقلاء انشدك بالله هل تفرق بين قول القائل في كلمة قال رسول الله صلي الله عليه و آله و ما يشاكلها انا لانتيقن بمعناه اذ يحتمل المجاز و النقل و التحريف و السهو و جريه علي عرف خاص في ذلك اليوم و الاشتراك بقسميه و امثال ذلك فمن اين نعلم انها بهذا المعني الذي نحن نفهمه الآن و بين ما ذكرنا و غيره من العقلاء يعزم عليه بعزائم الله جميعا ان معناه تكلم رسول الله صلي الله عليه و آله بلا شك و بلا ريب يعلمه كعلمه بان الشمس طالعة فهذه الاحتمالات ليست في محلها و هي ممرضة للنفس تورث الماليخوليا و اضطراب النفس فلايتيقن صاحبها بعد ابدا من دليل بشئ من امور الدنيا و اني تكلمت واحدا منهم في الظن فقال ان الحاضر في مجلس الامام لميك يحصل له من كلام الامام الا الظن لوجود [ص 40] تلك الاحتمالات نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فاسألهم كما قدمنا هل هي احتمالات عقلية او احتمالات عادية فان قالوا هي عادية فليس كثير منها بعادية اذ جميع اهل الدنيا دائما يراجعون كتب التواريخ و كتب الادباء و الشعراء و الاطباء و المنجمين و الفلاسفة و غيرهم من ارباب العلوم و يفهمون كلماتهم و يجدونها مرتبطة مفيدة متوافقة من اول الكتاب الي آخره بل يجدون الكتب متوافقة في معاني الالفاظ و يفهمون منها العلوم و الادلة و المعالجات و يجربونها و يجدونها صحيحة و يعلمها بعضهم بعضا و يخبر بها بعضهم بعضا من غير نكير من العقلاء و من غير التفات الي هذه الترهات و الخزعبلات و الشكوك و الشبهات و يتصفحون كتب و كلمات من تقدم علي الحجج و من عاصرهم و من تأخر عنهم و يفهمون الكل و يتيقنون بالكل فما بال كلمات افصح العرب و العجم لايحصل بمعناها العلم و هي محل هذه الاحتمالات فهل ذلك الا وسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ليخرب عليهم دينهم الاتري ان الناس يقومون و يقعدون بعزيمة و قصد و لايوسوسون ابدا فاذا حضر الصلوة التي هي من الدين يوسوسون في تكبيرهم و نيتهم و ليس ذلك الا ان الشيطان عدو الدين و صديق الدنيا فيخلي عنهم في الدنيا فيجرون علي الطبع و يركبهم في امر الدين فيخربه عليهم و كذلك يحصل العلم بجميع كتب العالم في انحاء علومهم و اما كتب آلمحمد عليهم السلام فيحتمل فيها هذه الاحتمالات هل هذا الا من وسواس الشيطان و العجب انهم سموها تحقيقا و صرفوا عمرهم فيها الي ان انتهي ان دورة اصولهم لاتتم الا في ثلثين سنة و اربعين بل زعم بعضهم انها بالتحقيق لاتتم الا في الف و مأتي سنة و يعدون ذلك فخرا و يحسبونه ذخرا و لنعم ما قال الشاعر :
[ص 41]ظفر الطالبون و اتصل الوصل و فاز الاحباب بالاحباب
و بقينا مذبذبين حياري بين حد الوصال و الاجتناب
و ادعو لهم ببقية الشعر فاقول :
فاسقهم منك شربة تذهب الغم و تهدي الي طريق الصواب
فلما كان التفقه من امر الدين و عدوه ابليس اللعين قام يوسوس لهم بهذه الوساوس و الاحتمالات العقلية التي لايجوز اجراؤها في العاديات فخرب عليهم العلم و غيرهم اناس مثلهم علماء حلماء اتقياء محققون ابرار يمرون بعين تلك الاخبار و يفهمونها بلا غبار و يحصلون العلم بها و القطع العادي بمضمونها و لاامنع من وجود مواضع قليلة لايحصل العلم فيها و هي ايضا عادية فيتوقفون فيها او يفحصون حتي يحصل لهم العلم العادي ايضا و هل تظن باولئك الاخيار الاتقياء انهم في قولهم يحصل لنا العلم كاذبون او لايفرقون بين الظن و العلم حاشاهم و هم يشقون الشعر في التحقيق و ان قلت فالاخبار علي ما قلت تكون سبب حصول العلم كساير اسباب العلم فهي تفيد العلم للقائلين بالظن ايضا قهرا و ان سموه ظنا اشتباها اقول حاشا ان الاحتمالات العقلية اذا قويت و اشتدت غلبت في الخيال و انعكست منه في الحس المشترك و نزلت لهم منزلة العاديات و اضرت بعلمهم العادي حقيقة فاحالته ظنا و زلزلت اقدامهم و اضطرب بها نفوسهم كما يضطرب قلوب اهل الماليخوليا حقيقة و يرون باعينهم ما لايراه الاصحاء و يدعون البداهة في اخفي الاشياء و القرب في ابعد الاشياء و المرض في اصح الاشياء و هكذا فاصحاب الظن محي عن نفوسهم رسم العلوم و اضطربت بالظنون و هم صادقون في اخبارهم عن نفوسهم بانه انسد عليهم باب العلم و يعملون بالظن و لعمري قسماً باراً انهم [ص 42] بعد تمكن اصولهم من انفسهم و اشتداد الاحتمالات يبلغ امرهم مبلغا يزول عنهم الظن و يصيرون شكاكا في جميع امور الدنيا حتي المحسوسات كمن كان يغتسل من جنابة واحدة مائة و عشرين مرة علي العد و ماكان يحصل له العلم بالانغماس الي ان كان يختنق و يسود فيحملونه و يخرجونه عن الماء و يرشون عليه الماء البارد حتي يفيق فكان يسأل بعد هل اغتسلت ام لا و كان اذا اراد ان يعطي اجرة الحمام يمد يده نحو صاحب الحمام بالكروة فاذا اراد المسكين ان يأخذها منه قبض يده بسرعة كالمستهزئ و كان يكرر ذلك عذرا بان النية لا بد و ان تكون مقارنة لاعطائي الكروة و اني اشك هل قارنها ام لا و آخر كان يكبر تكبيرات متعددة و ينقض صلوته و يعيد مرات و آخر يغمس يده في الماء و يلتمس الناس انظروا هل اغتمست يدي في الماء ام لا و آخر كان لايصلي في الظلمة و يقول اني لااتيقن هل قابل اصابع رجلي القبلة ام لا و ان كل ذلك الا من تعويد النفس بالشكوك و الاحتمالات العقلية و اجرائها في الامور العادية و اما في نفس الاخبار و ثبوتها فبعد ان فارقنا العامة في الاقرار بالولي و الحافظ و منّ الله علينا بوجوده فلايحتمل شئ من الاحتمالات التي يذكرونها و فينا اليوم اخبار صحيحة هي خليفة للصادقين عليهم السلام و اليها المفزع في ايام الغيبة و هي مقررة مسددة صحيحة نعم لو كان الامر كما ظنه العامة و قلدتموهم غفلة و اشتباها من عدم وجود راع و حافظ للدين لكان الامر كما تقولون و اسوء و لعمري لميكن شئ اليوم يجوز الاعتماد عليه و كان الحق معكم بل كنتم مفرطين مسامحين و لميكن ظن و كان شك محض و اما بعد وجود الحجة فهو الحافظ الذي لايلهو و لايسهو و لايترك الاولي و لايجانب الاكمل و بحفظه [ص 43] و رأيه و تأييده نصحح الاخبار التي عليها المدار و نعرف معانيها و لانخشي احدا و نخشي الله بعد تمام النعمة و كمال الدين كما يأتي بالجملة الامور العادية لايجري فيها الاحتمالات العقلية و يجب ان يكون ادلتها ايضا عادية كما عرفت و عرصتها الجزئيات المشهودة .
و اما الشرعيات فهي امور وضعية من الشارع يستدل عليها بالامور الشرعية و ان لميساعدها العقلية و العادية فهي لها يقين شرعي يجب الركون اليها و الاخذ بها و الاطمينان فيها و ان كنت فيها شاكا عقلا و عادة او ظانا بخلافه كما اذا شككت في ثوبك الطاهر هل اصابه نجس ام لا فتستدل علي طهارته بانا كنا علي يقين من طهارته و لميحصل لنا يقين بنجاسته و قد حكم الشارع يقينا بان مثل ذلك طاهر فهذا طاهر يقينا و لكن بيقين شرعي و ليس لك دليل عقلي علي انه لميصبه نجاسة و انت في العادة شاك في اصابة النجاسة اياه و لكن باليقين الشرعي الوضعي انت متيقن بطهارته و لايعارض هذا اليقين الشك العقلي و العادي و لا ظنهما و لا وهمهما و كاليقين الحاصل من شهادة العدلين و امثال ذلك فاليقين الشرعي نتيجة الدليل الشرعي و له عرصة خاصة و نحن نحكم به و نجري عليه و ان لميكن لنا دليل عقلي او عادي و لا بد لمن اراد الثبات علي امره ان يجري في كل عرصة بما يناسبها و يستدل بما يصاقعها و يعارض بما يقاطرها حتي يكون من الفائزين فتثبت .
فصل - اعلم ان الدليل العقلي آلة يحتاج اليها علي البت في معرفة الصانع و نبي مبعوث من قبله و علي جواز الاستعمال في معرفة حقايق الاشياء و كليات الامور و المعاني و لعل من كان موزون العقل و سليمه و صافيه ان يعرف بعض [ص 44] الاحكام الاولية و اما الدليل العادي فهو آلة يحتاج اليها في اثبات شخص النبي و ان رجلا خاصا قد جاء و ادعي النبوة و اتي بالمعجز و في صحة ما ينسب اليه من الاقوال و الافعال و في فهم معاني اقواله و اوامره و نواهيه و آدابه و في اثبات اوصيائه و به يحتج الله علي عباده و لايطلب منهم الدليل العقلي عليها و في ساير الوقايع و الحوادث و الجزئيات الظاهرة في العالم كلا و طرا فان من شئ جزئي ظاهر في عالم الشهادة الا و يسلك فيه بالعادة و يستدل عليه بالادلة العادية و يستحصل فيه اليقين العادي و اما الدليل الشرعي فهو آلة يستدل بها علي ما وضعه الشارع من الاحكام كما وضعه و اما الموضوعات لها فهي تثبت بالعادية فبهذه الادلة الثلثة عمرت الديار و عبد الجبار فمن سلك في اموره هذا المسلك و وضع كل شئ محله صار معتدلا في علمه بالغا واصلا ثبتنا الله و اياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و تلك حدود الله و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه .
فصل - اعلم ان الله سبحانه غني عن خلقه لاينفعه طاعة من اطاعه و لايضره معصية من عصاه فلميأمر الخلق بما هو نافع له و لمينههم عما هو ضار به بل امرهم بما ينفعهم و بما فيه قوامهم و صلاح نظامهم في معاشهم و معادهم و نهاهم عما فيه فسادهم و بوارهم و ضياع معاشهم و معادهم فاذا يختلف المصالح بحسب اختلاف المراتب ثم الاعصار و الامصار و الاشخاص و الاحوال و القرانات اذ لايعقل ان يكون نسبة شيئين الي شئ واحد علي حد سواء فلما نظرنا في الخلق رأينا ان لهم اولا مرتبتين مرتبة خلوصهم عن الاعراض و الامراض و كونهم علي حسب ما اراد الله منهم في اصل الخلق و مرتبة شوبهم بالاعراض [ص 45] و الامراض الاتري ان الانسان في الوضع الالهي الاولي ان لميمنع عنه مانع له هيئة معتدلة خاصة و اما بسبب الاعراض و الامراض تتشوه و تتغير و تعدل عن ذلك الوضع و تنحرف فكذلك للسموات و الارض و ما تولد بينهما وضع الهي في غاية الاعتدال و الكمال لو خلص الزمان عن الاعراض و الامراض ظهر و وضع ثانوي و بين هذين الوضعين تفاوت فاحش فاقتضاؤهما مختلف علي حسب اختلاف وضعهما و صلاحهما مختلف علي حسب اقتضائهما البتة و لله سبحانه احكام اولية للاشياء في عرصة حقايقها لاتظهر الا بعد خلوص الزمان عن شوب الاعراض حتي انه لو علمها عالم لميجز اجراؤها اليوم و احكام ثانوية لها في دار الاعراض و الامراض و تلك تكون علي حسب اعراضها و امراضها التي منها عجزها و قوتها و جهلها و علمها و ذكاوتها و بلادتها و سفاهتها و حكمتها و قربها و بعدها و صحتها و مرضها و اتصالها و انقطاعها و معرفتها و انكارها و خوفها و امنها و حركتها و سكونها و تفردها و اجتماعها و ازمنتها و امكنتها و اقاليمها و بلادها و جيرانها و قرناؤها و حالاتها و بداواتها و امثال ذلك فبهذه و بما لايمكن حصره من الاعراض يختلف الاحكام فاصطلحنا علي الاحكام الاولة بالاولية و الواقعية و علي الثانية بالثانوية و النفس الامرية اما الاحكام الاولية فقد ضرب دونها الحجب من يوم هبوط آدم علي نبينا و آله و عليه السلام و قتل قابيل هابيل و ميل الآفاق و عروض الاعراض و طروء الامراض فارتفع عن الناس تلك الاحكام و لاتقع الا في رجعة آلمحمد عليهم السلام و قتل ابليس و صفاء الزمان و اهله حتي انه لو علم امرؤ اليوم شيئا من تلك الاحكام لايجوز له العمل به و هو مريض فضلا عن ان يجب عليه طلبه و لاجل ذلك منعنا عن استعمال [ص 46] الدليل العقلي في استنباط احكام اليوم فان العقل الجزئي لايدرك الا الحكم الواقعي لعدم احاطته بالاعراض فليس مثله الا كمريض لايقدر علي النهوض يعلم ان حكم الصحيح القيام في الصلوة و الجهاد و لايجوز له التكلف و العمل به و انما الواجب عليه الصلوة قاعدا و القعود عن الجهاد فكذلك المرؤ اليوم لو علم حكم الناس في الرجعة ليس له العمل به و انما الواجب عليه ما كلفه الله به اليوم فما زعموه ان الحكم الاولي ما نطق به الشارع و يجب طلبه و الثانوي ما اضطررنا اليوم بالعمل به من باب اكل الميتة فهو قول بعيد عن التحقيق فان الشارع قد بعث في زمان طروء الاعراض و عروض الامراض و قد حكم باحكام المرضي في زمانه و اودع اوصياءه احكام الازمنة الآتية و الكل حكمه و هم مأمورون من جانبه و جانب الله بايصال الاحكام الي العباد في كل عصر و هم معصومون مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و يوصلون الي كل احد حكمه اذا لميعص الله و طلب العلم و اتي بيته من بابه و يجب علي كل احد ان يطلب حكمه في زمانه و ليس بمأمور بطلب حكم اهل الزمان السابق فالحكم الاولي باصطلاحهم اي ما هو حقه من عند الله هو ما يوصله اليه الحجة المستحفظ للدين باذن الله لا ما ذكروه لغيره في زمان غير زمانه و هذا هو الحكم الثانوي باصطلاحنا و من ظن ان النبي صلي الله عليه و آله حكم بحكم واحد لرعيته فقد حكم بان آلمحمد عليهم السلام قد حكموا بغير ما انزل الله في عباده اذ الاختلاف نشأ من عندهم و هم عليهم السلام قد تعمدوا في القاء الخلاف بينهم كما يشهد به اخبارهم فقد قال ابوعبدالله عليه السلام انا نجيب علي الزيادة و النقصان و قيل له ليس شئ اشد علي من اختلاف اصحابنا قال ذلك من قبلي و كما روي موسي بن [ص 47] اشيم انه افتي في مسألة واحدة في مجلس واحد بثلاثة اجوبة مختلفة و عن ابيالحسن عليه السلام قال اختلاف اصحابي لكم رحمة و قال اذا كان ذلك جمعتكم علي امر واحد و سئل عن اختلاف اصحابنا فقال عليه السلام انا فعلت ذلك بكم لو اجتمعتم علي امر واحد لاخذ برقابكم و في رواية زرارة اجاب ابوجعفر عليه السلام في مسألة واحدة بثلثة اجوبة مختلفة فسأله زرارة عن ذلك فقال ان هذا خير لنا و لكم و لو اجتمعتم علي امر واحد لقصدكم الناس و لكان اقل لبقائنا و بقائكم ، الي غير ذلك من الاخبار و فيه تأويل قوله تعالي هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب و ان قيل ان حكم النبي صلي الله عليه و آله واحد و ان صدر عن الاوصياء عليهم السلام خلافه فقد صدر تقية قلت هل كان اتقاء الائمة عليهم السلام بحكم النبي صلي الله عليه و آله ام لا لايقدر ان يقول لا فان كان بحكمه فما قالوه هو الحكم النفس الامري في حال التقية و هو حكم الله يتقرب به اليه و يقبله عند عروض هذا العرض و يجب علي الرعية استعماله بحكم الله فهو الدين الالهي عند هذه الحالة قد كتبه الله لهم عند عروض هذا العرض فتقيتهم ايضا دين رسول الله صلي الله عليه و آله و ما جاء به من عند الله تعالي و حكمه فاذا كان الاختلاف من عندهم علي اي وجه كان و هم حاكمون بحكم الله و حكم رسوله في رعيتهم كان الاختلاف من عند الله و عند رسوله و ليس هذا الاختلاف بالاختلاف في الحق و انما كان الاختلاف عين الحق و صلاح كل نفس في كل عصر و من هذا الباب كان رسول الله صلي الله عليه و آله يظهر من دينه شيئا بعد شئ و ينسخ حكما بعد حكم و يغير علي حسب المصلحة و الاشخاص و الاوقات الاتري ما رواه الصدوق قال لميطلق النبي [ص 48] صلي الله عليه و آله لبس الحرير لاحد من الرجال الا لعبدالرحمن بن عوف و ذلك انه كان رجلا قملا و كما روي عن ابيجعفر عليه السلام قال نهي رسول الله صلي الله عليه و آله عن اكل لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر و انما نهي عن اكلها في ذلك الوقت لانها كانت حمولة الناس و انما الحرام ما حرم الله في القرآن ، و امثال ذلك كثيرة لمن يفهم سر السياسة و منه الاحكام التي كانت في اول الاسلام ثم نسخها و هذا هو الاختلاف بحسب القوابل الا ان القوم لايتنبهون و كلما يقولون في احكام النبي صلي الله عليه و آله نقوله في احكام آلمحمد عليهم السلام و احكامهم هي احكامه المنزلة عليه نزلت اليه و لمايأن اوانها فاودعها اوصياءه حتي يبرزوها في اوقاتها بالجملة الحكم الثانوي باصطلاحنا هو حكم المختلفين و لا بد فيه من الاختلاف و هو من عندهم يوصلون الي كل احد حكمه و الا لميعرف احد حكمه و ما وصل اليه هو حكمه الذي لو شافه الامام اجابه به و لو شافه رسول الله صلي الله عليه و آله و هو كذا اجابه به و ليس وجوب الاخذ به من باب اكل الميتة بل هو اكل من الطيبات و الميتة من الخبائث بل من باب انه حكمه من عند الله قد كتبه في اللوح المحفوظ قبل ان يخلقه و يخلق السموات و الارض كما يأتي في محله انشاء الله .
فصل - لا شك ان اليقين و الظن و الشك و الوهم حالات قهرية نفسانية لاتدفع اذا عرضت و لاتجلب اذا امتنعت و في اليقين يكون القلب ساكنا مطمئنا و في البواقي يكون القلب متزلزلا مضطربا قهرا و ان كان في الظن اميل الي جانب و لكنه متزلزل يقينا و لذلك سماه الله شكا حيث قال و ان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن الآية ، فلايعلم في حالة [ص 49] الاضطراب هل هو حق و من عند الله او باطل و من عند غير الله و هل هو مما اراده الله منه او لميرده و هل هو محبوب لله او مبغوض له و هل هو حين تمسكه به مرضي لله سبحانه او مسخوط له البتة و هل به يتقرب الي الله او يتباعد عنه اللهم الا ان يقوم دليل بتي علي ان هذا الظن مأمور باتباعه من عند الله و الدليل البتي هو الكتاب المستجمع علي تأويله و السنة التي لا اختلاف فيها و الدليل العقلي الذي اجمع العقول علي حقيته و صحته و صحة استنتاج النتيجة عنه و في هذه العقول عقول المعصومين عليهم السلام و لا حجية فيه بدون ذلك فاذا قامت الادلة الثلثة او احدها و ليست تفترق البتة كما ورد في حديث الثقلين المجمع عليه سكن القلب حينئذ علي ذلك الظن و صار كأنه موضوع حكم و الحكم فيه قطعي يسكن القلب لديه و حينئذ يمكن ان يعبد به الرحمن و الا فلا و قد قام الاجماع من جميع الفرق الملية علي ان الله سبحانه لايعبد الا باليقين و لايمكن التقرب اليه الا باليقين حتي ان الذين يجوزون العمل بالظن المطلق يقيمون علي زعمهم دليلا قطعيا علي جواز الاستناد اليه فيجعلونه موضوع الحكم العقلي القطعي و من ذلك يعلم ان الله سبحانه لايعبد الا بالقطع اجماعا من المليين و ليس الظن المحض الانتهائي الا كالشك و لايتمسك به عاقل و لايسكن اليه نفس و النفس في هذه المدة القليلة من حيوتها اذا كانت نبيهة طالبة لتحصيل النجاة القطعية لاتستقر الا بالعلم بالنجاة القطعية قهرا كما روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فاذا اصابه اطمأن و قر الخبر ، فلااظن عاقلا يشك في ذلك بل هو امر طبيعي لايطاوع الانسان طبعه اذا اراد منه غير ذلك البتة و يزعجه دائما حتي يطلب النجاة القطعية بالدليل القطعي فالظن [ص 50] لايغني من الحق شيئا الا ان يقوم عليه دليل قطعي و الدليل القطعي هو كتاب الله المنبئ عن رضاء الله و سخطه فانه سبحانه اعلم بما يرضاه و ما يسخطه و لايحكم عليه احد و لايطاوع احدا ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ، الا له الحكم و اليه ترجعون فلايعلم ما يرضاه و ما يسخطه الا هو فان اخبر في كتابه النازل من عنده برضاه نعلم قطعا انه راض بهذا الامر و اتباع هذا السبيل و ان اخبر بسخطه نعلم قطعا انه ساخط و كذلك اذا اخبر النبي الامين المبعوث من عنده لهداية الخلق الي مراضي الله و مساخطه علمنا ان الله سبحانه راض او ساخط ثم بعده لا مخبر عن الله سبحانه و عن رضاه و عن سخطه و اما الائمة عليهم السلام فهم يروون عنه و ليسوا بانبياء و لمينزل اليهم وحي يؤسس لنا امرا فهم مقتدون برسول الله صلي الله عليه و آله متبعون لامره لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يفتون اذا افتوا بما اودع الله في صدورهم من علم كتابه و سنة نبيه فاخبارهم علي اليقين ايضا من اسباب حدوث اليقين فعن الصادق عليه السلام سألني ابنشبرمة ما تقول في القسامة في الدم فاجبته بما صنع رسول الله صلي الله عليه و آله قال ارأيت لو ان النبي صلي الله عليه و آله لميصنع هكذا كيف كان يكون القول فيه قال قلت له اما ما صنع النبي صلي الله عليه و آله فقد اخبرتك و اما ما لميصنع فلا علم لي به و سئل عن مسألة فاجاب فقال الرجل ان كان كذا و كذا ما كان القول فيه فقال له مه ما اجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلي الله عليه و آله لسنا من ارأيت في شئ و قال في حديث ان الله فرض ولايتنا و اوجب مودتنا والله مانقول باهوائنا و لانعمل بآرائنا و لانقول الا ما قال ربنا عز و جل و عن [ص 51] ابيجعفر عليه السلام قال يا جابر انا لو كنا نحدثكم برأينا و هوانا لكنا من الهالكين و لكنا نحدثكم باحاديث نكنزها عن رسول الله صلي الله عليه و آله كما يكنزون هؤلاء ذهبهم و فضتهم و عنه عليه السلام لو انا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا و لكن حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه فبينه لنا ، الي غير ذلك من الاخبار فالدليل القطعي في الكتاب و السنة و اخبار العترة الطاهرة سلام الله عليهم و ما اجمعت العقول عليه و ليس ذلك الا في البديهيات و فيها عقل الحجة المعصوم فمهما قام دليل علي لزوم طاعة شئ من هذه الامور يسكن فيه القلب و الا فلا و لايعبد به الرحمن و لايكتسب به الجنان و لايجوز التعويل عليه فما يستدل عليه احدهم و يخالفه الآخر و مع ذلك دليله اوهن من بيت العنكبوت و ليس الا رأي و استحسان و قول هذا ينقاد و هذا لاينقاد و هذا ينساق و هذا لاينساق و هذا يقبله عقلي و اسلمه و هذا لايقبله عقلي و لااسلمه و ليس الا وقوفا عند العجز عن رده و النقض فيه فذلك محرم علي هذه العصابة المرحومة حرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير كما يأتي و اسأل القوم هل كان يسوغ لرسول الله صلي الله عليه و آله فيما لمينزل عليه جبرئيل و لميوح اليه شئ من الله سبحانه ان يجتهد بعقله و يستفرغ الوسع و يحصل الظنون و يفتي به ام لا فان قالوا نعم كذبوا الله فوق عرشه فان الله سبحانه يقول ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قال ماادري ما يفعل بي و لا بكم ان اتبع الا ما يوحي الي و قال لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فان لميكن لرسول الله صلي الله عليه و آله فيما لمينزل اليه وحي فيه ان يقول باجتهاده و نظره و رأيه و عقله كامل و قد اشهده الله خلق السموات و الارض كيف يجوز لهؤلاء ان [ص 52] يقولوا في كثير من المسائل بآرائهم و اجتهادهم و استحساناتهم و ادلتهم العقلية بزعمهم مع جهلهم و عقولهم الناقصة و هل هو الا نقص في الدين و ادحاض لحجتهم و تخريب للشرع المبين و ان كان لايجوز لآلمحمد عليهم السلام ان يجتهدوا فيما لمينص عليه رسول الله صلي الله عليه و آله و يستدلوا عليه بعقولهم كما سمعت و يقولون اسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله و يقولون لانعلم ما لميقله رسول الله صلي الله عليه و آله ، فكيف يجوز لهؤلاء ان يجتهدوا و يقولوا بآرائهم و ادلتهم العقلية في الاصول و الفروع و اسألهم هل كان علي احد في عهد رسول الله صلي الله عليه و آله قبل ان يصدر عنه امر او نهي ان يجتهد و يستفرغ الوسع و يحصل الظنون و يستدل بالاستحسانات و المسلمات و غيرها و يستخرج لنفسه حلالا و حراما او لميكن فان قال كان الواجب عليهم ذلك فقد كذبه اتفاق العقلاء من اهل الاسلام انه لميكن كذلك و لو كان كذلك لاتسع شرع لهم قبل ان يشرعه رسول الله صلي الله عليه و آله بل كانوا واقفين موقف امره و نهيه دائما و يسكتون عما سكت عنه و يأتمرون بما امر و يجتنبون عما نهي و ماكانوا يسبقونه بوضع شريعة و مسائل جزئية فرعية او اصولية كلية يفرع عليها فروع فان لميكن للامة في زمانه ان يجتهدوا و يستخرجوا بعقولهم شريعة و قواعد كلية فكيف يجوز لهؤلاء بعده ان يفعلوا ذلك و قل لهم اليس ان عبدا من عبيد السلطان اذا كان مرخصا من جانبه ان يعمل في ملكه برأيه و ما جوزه عقله و ما استحسنه هو اعظم و اكرم علي السلطان من عبد له لميرخصه ان يعمل بعقله في ملك السلطان اليس اعتماد السلطان علي ذلك اكثر من اعتماده علي هذا اوليس ذلك اقرب اليه من هذا افليس ان [ص 53] هؤلاء يجب ان يكونوا اكرم علي الله من رسوله و حججه اذا لميرخصهم ان يتصرفوا في ملكه برأيهم و لميأذن لعبيده باتباعهم اذا قالوا بآرائهم و رخص هؤلاء ان يقولوا بعقولهم و فرض علي المسلمين بزعمهم اتباع عقولهم و من لميفعل فهو فاسق لايقبل شهادته و ان تهاون و استخف فهو كافر مخلد في نار جهنم علي زعمهم اليس هذا تناقضا في الدين و خروجا عن طريقة المسلمين و قل لهم ان هذه الاصول التي تضعونها بعقولكم و لاتقرأون عليها كتابا و لاتروون فيها حديثا و تجادلون فيها صباحا و مساء و تزعمون انه لولاها لايفهم كتاب و لا سنة و لايعلم مذهب و لا دين هل هي واجب علمها و تحصيلها ام لا فان لميك واجبا فما شأنكم في هذا التضييع للعمر و تحريص الناس عليه و نكيركم علي تاركه و ان كان واجبا فهل بين الله ذلك في كتابه و شرحه نبيه في سنته ام لا و حكم الله و رسوله في ما اختلفتم فيه من مسائله ام لا فان بينا و حكما فاتلوا علينا كتاب الله و سنة نبيه فيما اختلفتم فيه و الله سبحانه يقول اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و قال و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قال ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و قال تبيانا لكل شئ و مافرطنا في الكتاب من شئ ، و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين ، و تفصيلا لكل شئ و الا فانتم القائلون بان الله انزل دينا ناقصا فاستعان بكم علي اتمامه او انزل دينا تاما فقصر الرسول عن ابلاغه او انتم شركاء لله فلكم ان تقولوا و علي الله ان يرضي و لعلكم تقولون بالاخير فاني اجدكم تقولون ان باب العلم بالواقع مسدود و نحن نعمل باجتهادنا و ظنوننا المطلقة و ان عملنا بالاخبار يوما ما فنعمل بها لا من حيث انها اخبار بل من [ص 54] حيث حصول الظن لنا بحكمنا و هذا الذي ظننا به ربما كان هو الحكم الواقعي الذي كلفنا به و كتبه الله في اللوح المحفوظ و انزله علي نبيه صلي الله عليه و آله و ربما لميكن و ربما كان دين الله الواقعي و ربما لميكن الا انا نظن بانه هو هو و كل ما ادي اليه ظنوننا يجب ان يرضي الله به و يجعله دينه الآن و يكلف العباد به الآن فان كان مظنوناتكم هذه هي دين الله الذي كتبه عليكم في اللوح قبل اجتهادكم فانتم من عجائب الخلق حيث لايخطيه ظنونكم ابدا و تهتدي اليه دائما علي صراط مستقيم و انتم تطلبون غيره و يعجز عنه يقينكم و قد قال الله سبحانه ان الظن لايغني من الحق شيئا ، و روي ان الظن اكذب الكذب ، و انتم اكذب كذبكم لايخطي ما كتبه الله في اللوح المحفوظ و هذا من اعجب العجائب و ان لميكن حاصل ظنونكم ما كتب الله لكم يوم اول في اللوح المحفوظ و لميجعله تكليفكم و دينكم في علمه قبل ان يخلقكم فتبين انكم تقولون ان دينه الثانوي تابع لظنوننا و يجب ان يرضي بما ظننا و اجدكم تقولون ان لله تعالي دينين دينا قد سد بابه علينا و هو عنده و دينا استخرجناه بظنوننا و يجب ان يجعله دينه بعد ما حكمنا فيه بظنوننا و استخرجنا و ليس هو قبل استخراجنا بدين الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ و لميجعله الله قبل ظننا له دينا و لنا تكليفا فهو تابع لكم في الدين الثاني و متي عدلتم عن دينكم الثانوي يعدل الله عنه فمااريكم الا كالمصوبة الا انهم يقولون ذلك في الدين الاولي و انتم تقولون بذلك في الدين الثانوي و اذا كان الدين الاولي مضروبا دونه الحجب و لاتصلون اليه و ليس في وسعكم الوصول اليه فلستم مكلفين به فليس بدين لكم و الذي هو دينكم يكون الله تابعا لكم فيه ثم هل يسعكم الوصول الي الدين الاولي باليقين ام لا [ص 55] فان لميسعكم فلستم مكلفين به لقوله سبحانه لايكلف الله نفسا الا وسعها و ان كان يسعكم فما بالكم تقولون بسد بابه و ان قلتم لايسعنا الوصول اليه باليقين و لكن يسعنا الوصول اليه بالظن يقينا فهو قول مخبوط فان اليقين اذا لميسع و لميوصل اليه يقينا كيف يوصل الظن اليه يقينا و لااظنكم تقدرون تقولون ذلك فانكم تقولون ربما وصلنا اليه بالظن و ربما اخطأناه فليس الظن يوصل اليه يقينا و لايسعكم الوصول اليه بالظن يقينا بل يسعكم الوصول بالظن الي الحكم الثانوي الذي ظننتم و الحكم الثانوي غير واجب المطابقة مع الاولي و ليس بدين الله السابق و امر معين مكتوب كما ظننتم فاذا انتم شركاء لله في وضع الدين لكم ان تظنوا و عليه ان يرضي بعد ظنكم فهو ايضا يرضي بظنكم من باب اكل الميتة اذ لميمكن ايصالكم الي دينه الاصلي فرضي بظنكم من باب اكل الميتة نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و اراكم تدعون بلوازم اقوالكم ان دين النبي صلي الله عليه و آله منسوخ و دينكم منصوب و انتم افضل من النبي صلي الله عليه و آله فانكم تقولون ان النبي بعث بدين الله الاولي ثم سد الله باب العلم به فلا احد يعرفه و لا احد يقدر علي العمل به و انكم قمتم بعده و استخرجتم احكاما بظنكم و قد يوافق دين الله و قد لايوافق و هو دين ثانوي معمول يجب العمل به فما جاء به مرفوع عن الامة و ما جئتم به منصوب في الامة و هو ماكان يجوز ان يعمل برأيه و انتم يجوز لكم فانتم رجال لكم دين ثانوي و افضل من النبي و اقوي و ان قلت نحن لسنا ندعي ان لنا دينا و لكنا نتوخي دينه و لانقول بدين آخر قلت اذا كان دين النبي لايصاب بالعلم كيف يصيبه الظن فلايسعكم ان تدعوا انكم اصبتموه و يحتمل [ص 56] ان يكون هذا دينه و يحتمل ان لايكون فاذا كيف يكون هذا حكم الله يقينا في حقكم و حكم الله ما نزل علي النبي و من لميحكم بما انزل الله فهو كما تعلمون و اقول ايضا ان دين الله ما وضعه الله و ما وضعه غير الله فليس يقال انه دين الله و ما وضعه الله فهو ما نزل علي رسوله صلي الله عليه و آله و لميتخذ نبيا آخر و ظنونكم هذه ان كانت مما وضعه الله و من دينه فاتونا بآية من كتابه تدل علي ذلك او حديث من سنة رسوله صلي الله عليه و آله كاشف عنها و ان لميكن هذا الامر نزل من عنده و تقولون برأيكم و عقلكم فليس بدين له فان دين كل احد ما يضعه بعلمه فاذ لميضعه الله بعلمه و وضعتم ذلك بعلمكم و عقلكم فهو دينكم لا دين الله سبحانه و مااوجب علي العباد دينكم و لستم بانبياء و لا معصومين بل ماامضاه علي انفسكم و ان قلتم ان ما نقول دين الله وجدناه بفحصنا و بحثنا عنه قلت اخبروني هل كان هذا دين الله لكم قبل ظنكم او بعد ظنكم فان قلتم انه دين الله بعد ظننا فقد قلتم بان دين الله الثانوي تابع لظنوننا و ليس له دين قبل ظنوننا و هذا تصويب ثان و قبحه واضح و ان قلتم انه دين الله قبل ظنوننا فكيف اصبتموه يقينا و انتم طلبتم غيره فتصيبونه دائما بالخطاء و لاتصيبون دين الله الاولي و انتم تطلبونه و تقصدونه و تجاهدون في طلبه ان هذا الا مجازفة محضة ثم ان الله سبحانه يقول في كتابه ان فيه تبيان كل شئ و تفصيل كل شئ فهل تفصيل دينكم في كتابه ام لا و روي ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة ، فان قلتم ان مسائل ديننا الثانوي و تفصيله و حدوده و احكامه ليس في كتاب الله و سنة نبيه ادحضتم حجتكم و ان قلتم انه فيهما ففيهما الدين الاولي و الثانوي معا فكيف تهتدون بظنونكم الي تلك الامور و المعاني [ص 57] و المرادات من الكتاب و السنة و انتم لاتدرون مواضعها و مصادرها و مواردها و مع ذلك انتم قاصدون غيرها فاحصون عن الدين الاولي دونها و لاتهتدون بما اندرج فيهما من الدين الاولي فما سد عليكم باب ذلك دون هذا ثم اري لازم قولكم انكم افضل من النبي بادعائكم لان النبي صلي الله عليه و آله ماكان يعلم دين الله الا بوحي و لايستنبط دين الله الا ببيان من الله و انتم تستنبطونه بغير وحي و بيان من الله ثم ان النبي صلي الله عليه و آله بعث علي جميع الناس في الاعصار الي يوم القيمة ام لا فان قلتم لا ادحضتم حجتكم و ان قلتم نعم قلت هل في شرعه حكم اهل كل زمان ام لا فان قلتم لا ابطلتم امركم و ان قلتم نعم قلت هل حكم زمانكم مع ما انتم عليه من بلياتكم و موانعكم من اصابة الحق و اضطراركم الي الظن و تفصيل احكامكم في شرعه و دينه ام لا فان قلتم لا خرجتم عما انتم فيه و ان قلتم نعم قلت ما اهدي ظنونكم اليه مع عدم توجهكم اليه و عدم ارادتكم له بحيث لايخطي ابدا و ما اعجب انكم تطلبون من الله و تبتهلون اليه في معرفة غير دينكم و ما انسد عليكم بابه و تقعون علي غيره و يصير هو دينكم ثم ان انسد عليكم الدين الاولي يقينا فطلبكم له طلب محال و هو غير جايز و غير سيرة العقلاء فان طلب المحال لغو فاطلبوا دينكم الذي يمكنكم الوصول اليه و ليس بمحال فما معني انكم تطلبون غير الدين حتي تقعوا علي الدين ثم هل بلغ دينكم الثانوي اليكم ام لميبلغ فان بلغ هذا فما باله وسعه ابلاغ هذا دون دينه الاولي ثم ان بلغ فلم احتجتم الي الاجتهاد و الظنون و المفروض انه بلغ دينكم الثانوي اليكم و ان لميكن له دين ثانوي فالذي تقولون ما هو و ان كان هذا دينه فعليه ابلاغه ما لكم كيف تحكمون [ص 58] ام لكم كتاب فيه تدرسون ان لكم فيه لما تخيرون و اراكم انكم ساجلتم الانبياء و الاوصياء في فضلهم بحيث لو اراد انسان ان يساجلهم في فضلهم و يفضل نفسه عليهم مازاد علي ذلك فاني اراكم تدعون امرا يلزمكم انكم تدعون انكم افضل من الانبياء فان النبي هو المخبر عن دين الله و انتم صرتم تخبرون عن دين الله فالنبي لايخبر عن دين الله الا بوحي و انتم تخبرون بغير وحي فانتم افضل و النبي يحتاج الي نزول ملك و انتم لاتحتاجون و النبي ماكان يجوز ظنه و انتم يجوز ظنكم و ان الله لميكن يتبع النبي في دينه و يتبعكم و النبي يشترط فيه العصمة و انتم لايشترط في اخباركم عن الله عصمة و النبي ان قوّل علي الله مأخوذ و انتم ان اخطأتم لكم اجر من الله يدخلكم به الجنة و النبي ينزل بالخطاء و يبعد عن الله و انتم تتقربون بالخطاء و تزدلفون لديه و يجل خطركم و قدركم بكل خطاء اخطأتم و النبي ان افتري علي الله يعزل عن النبوة و انتم ان افتريتم علي الله يصير مدادكم كدماء الشهداء و النبي مع الخطاء ليس يجب اتباعه و هو ليس بنبي و انتم مع الخطاء يجب علي الخلق تقليدكم فيه و اتباعهم لكم و النبي و ان عرف المسألة بعقله يقينا لايجوز له القول به الا بوحي من الله و انتم تقولون به و لماتحيطوا بها علما و النبي يقول لو عصيت لهويت ، و انتم لستم تهوون و يجل قدركم يوما فيوما و تدرون انكم غير معصومين بالجملة لوازم كلامكم انكم افضل من النبي و لايزيد متفضل عليه علي ذلك ابدا .