رسالة علم اليقين
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ابد الآبدين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه هذه درة يتيمة و جوهرة عظيمة لمير عين الدهر مثلها و لميحز خزانة شكلها ، من وجدها لميفقد خيرا و من فقدها لميجد برا ، اهديتها الي خالصي الخلان و صوافي الاخوان خالصا لوجه الله طالبا رضاه راغبا الي زلفاه فبشراكم ايها الاخوان انها حسناء لميكشف الي الآن لثامها و طوبي لكم معشر الخلان انها مختومة لميفض الي هذا الزمان ختامها ، قد حفظتها الي زمانكم هذا قلوب تقية و اودعتها صدورا نقية ، لمتبتذل في الطروس و لميتفضل بها في الدروس اللهم الا ما برز من مشايخنا الكرام و لضالضنا الفخام اعلي الله مقامهم و رفع في الخلد اعلامهم و منا علي سبيل الاجمال تقريرا و تسطيرا صونا عليها من اطلاع الاغيار و حرصا علي كتمانها عمن ليس من اهل الدار و اني قد رأيت منكم قوابل شريفة و قوالب نظيفة و قلوبا زكية و صدورا نقية و تسليما للحق و اهله و تفويضا الي حملته و محله فلماستحسن كتمانها بعد عنكم و الاستيثار بها دونكم و ارجو من الله سبحانه ان يصونها عن اهل الغمص [ص 3] و اصحاب النقص و يوفقكم للاسترشاد بسنائها و الاستهداء بضيائها لتحصيل اليقين بها في امور دينكم بل آخرتكم و دنياكم و يزول بها عنكم كل شك و يبعد عنكم كل شرك و لاتزل قدم بعد ثبوتها و لعمري ان تمسكتم بهداها و استصبحتم بضيائها لنتضلوا و من تخلف عنها بقي دهره في الالتباس و يختنق في لجج الشكوك بالارتماس و يغرق في بحار المرية بالاغتماس فاعرفوا قدرها و اغلوا مهرها و هذا ابان الشروع في المقصود و جعلت لها مقدمة و ابوابا و سميتها بعلم اليقين و بالله علي اتمامها استعين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
في بعض ما رأينا ان نقدمه تنبيها للغافلين و ايقاظا للراقدين و فيه فصول :
فصل - اعلم ايها الموفق بمطالعة كتابي هذا المستهدي بهداه الذي اتعبنا له انفسنا بتصنيفنا هذا الكتاب و تصدينا ان نوصله الي الحق و اليقين في كل باب ان الانسان اذا صعد من مهاوي الجمادية و ترقي عن دركات النباتية و نجا عن الحيرة البهيمية و تحقق فيه النفس المتنبهة الانسانية و رجع طرفه في اطراف هذه السموات المبنية و الارضين المدحية و هذه النجوم السايرة و الحوادث الدايرة و الاوضاع العلوية و المواليد السفلية و نظر في اصناف الناس و اختلاف آرائهم و اهوائهم و اقوالهم و افعالهم و مللهم و مذاهبهم و استيثار كل رهط منهم رأيا و سلوك كل قوم منهم طريقا و تكذيب بعضهم بعضا و تكفير بعضهم بعضا و تولي بعض بعضا و تبري بعض عن بعض و حكم بعض علي بعض بالهلاك و شهادة بعض علي بعض بالنجاة و سمع منهم اسماء رب و نبي و جنة و نار و برزخ و آخرة و صراط و ميزان و خير و شر و سعادة و شقاوة و كفر و ايمان و فرايض و فضايل [ص 4] و مكروهات و محرمات و محاسن و مثالب و رأي اختلافهم في معاني هذه الاسماء و رأي قرب الاجل و سرعة انقطاع الامل و توارد الآفات و تتابع البليات و امثال ذلك استوحش استيحاشا لايكاد يمكنه القرار و اضطرب اضطرابا لايعرف الليل من النهار و تلجلج قلبه و ترجرج لبه و استمر عيشه و سلب عنه النوم و حمله القلق علي طلب امر يستيقن به النجاة و دعاه الاضطراب الي تحصيل شئ يسكن معه وجيب قلبه بلا ارتياب حتي يستحلي به عيشه و يستقر به لبه لا محالة و من لميكن كذلك فهو بالبهائم اشبه و الي الاموات اقرب فيستوجب الانسان النبيه المتيقظ تحصيل اليقين بالنجاة استيجابا لايماثل و يستفرضه استفراضا لايقابل و يرجحه علي اكله و نومه و يستعمل فكره فيه ليله و يومه فوجوب تحصيل يقين النجاة عليه وجوب جبلي فطري لايحتاج الي حجة و دليل و يستوجبه الانسان من غير روية استيجابه الفرار من الاسد الضاري الفاغر فاه الداني منه بالطبع بلا شك .
فصل - اعلم ان الانسان بعد ما استوجب تحصيل اليقين بالنجاة فشمر عن ساق الجد و عض علي النواجذ و شد الحزام و استعلم احوال الانام و استعمل عقله طالبا للنجاة غير مخاطر بنفسه خادع لها خائن اياها لاعب بها و هو مهتم بامرها عن صدق ففحص عن احوال هذا الخلق رأي اكثرهم بهائم رتع غفلة جهلة يأكلون و يتمتعون كما يتمتع الانعام اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لايرحمون انفسهم و لايصادقون ارواحهم يوقعون رأي العين انفسهم في المهالك و يضيقون علي انفسهم المسالك فان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون لايفهمون ما يقولون و لا ما يقال لهم و لايعلمون ماذا يعملون و لماذا يعملون [ص 5] من اين جاؤا و الي اين يروحون همهم ما يدخلونه في بطونهم فقيمتهم ما يخرجونه من بطونهم و يري انهم لايعلمون خير دنياهم فضلا عن خير اخراهم فاذا كانوا هم لايبالون بانفسهم و لا بما يقولون و لا بما يعملون فاي عبرة بهؤلاء و ليس دعاؤهم الا كخوار البقر و اجسامهم الا كالشجر و قلوبهم الا كالحجر فلا عبرة باجماعهم و تفرقهم و شهرتهم و ندورهم و اقرارهم و انكارهم و تحسينهم و تقبيحهم و لايتزلزل قلب عاقل من تفرق اباعر كما لايطمئن باجتماعهم و لايضطرب بخوارهم كما لايسكن بسكوتهم فقولهم كبولهم و عملهم كزبلهم بلا تفاوت فيعلم جملة ان جميع هؤلاء و اديانهم و آرائهم و اقوالهم و اعمالهم و مذاهبهم من حيث استنادها اليهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا و يستيقن رأي العين ان كل دليل كان بناؤه علي اتفاق هؤلاء او شهرتهم او اخبارهم او تضافرهم او استحسانهم او استقباحهم او فعلهم او سيرتهم و طريقتهم او شئ مما يضاف اليهم اوهن من بيت العنكبوت مع انه اوهن البيوت فكم من اناس اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم رأيناهم اجتمعوا علي اتباع فاسق فاجر يستشنع اعماله جميع العقول السليمة لايرحم نفسه حتي يأوي رمسه و لايعرف هرا من بر ● و هو بالبهائم اشبه فاظهروا له الخلوص و الاعتقاد و استوجبوا اتباعه علي العباد و استرشدوه من ضلالتهم و استعلموه عن جهالتهم و جلسوا عنده جلسة العبيد و اطروا له بالمدح عند كل غايب و شهيد و رووا عنه كرامات و حكوا له معجزات و بذلوا دونه الارواح و الاموال و العرض و العيال [ص 6] و كم من اناس رأيناهم اجتمعوا علي المجانين العريانين كالحمير و له من كل جانب صراخ و نفير فتذللوا له تذلل البعير و اهدوا له هدايا و تحفا و رجحوه علي غيره سلفا و خلفا و استمدوا من باطنه و توجهاته و طلبوا النجاة من بركاته بزعمهم و هو متلطخ بقاذوره في المزابل يستقذره الحيوان الزكي فضلا عن الانسان الالمعي و هم يرونه وليا كاملا و انسانا بالغا و كم من قباب عالية و ابنية متعالية رأيناها رفعت علي ارماس جهلة و اخابيث فسقة و حوطها بضرايح عظيمة و حصون منيعة و قد شاهدناهم في حال حيوتهم و هم كارجس البهائم و انجس الحيوانات لميعلموا حسنا من قبيح و لا اعجما من فصيح اخلاقهم دقيقة و وجوههم صفيقة يشمئز ذو الشامة الصحيحة من نتنهم و يستقذر السجية المستقيمة هيأتهم و يستنكف ذو السليقة القويمة من معاشرتهم قد زخرفوها بالنقوش و فرشوا فيها الفروش و قامت بخدماتها خدم و علي كنسها حشم و كم من اخبار متواترة و روايات متضافرة جاءتنا علي حوادث من رجال معتمدين و اناس في الظاهر معتبرين ثم تبين بعد حين انهم مااخبروا الا عن وهم و تخمين و كم من اناس سكتوا عما يدعي بحضرتهم و لميسكتوا الا عن جهل بالقضية او خوف و تقية او عدم اعتناء بالواقعة او للتلبيس و الخلط للبرية فيحسب سكوتهم الجاهل تقريرا و تركهم الردع تصديقا و كم من اناس موسومين بالعلوم منتحلين للرسوم لهم كتب انيقة و تصنيفات و طروس نميقة و تأليفات يجمعون علي توثيق رجال فسقة ذوي كبائر موبقة فيوثقونهم في كتبهم و يثنون عليهم في زبرهم يطرون في مدايحهم و يلقبونهم [ص 7] بالقاب عليّة و يجرحون رجالا علماء و اناسا حكماء كادوا من الحكمة ان يكونوا انبياء قد تقدس ساحتهم عن كل مثلبة و يستحقون جوامع المنقبة فماتوا فعدوا في عرض العلماء و بقي كتبهم تتداولها ايدي الفضلاء و ذلك مشهود كل ذي عين فانظر من اين الي اين و كم من شهود في الظاهر موثقين و عدول في الاعين معتبرين رأيناهم قد شهدوا علي باطل برشاء منّ برّ او منين و سلبوا الناس بذلك اموالهم و ضيعوا عيالهم و كم من اقوام شاهدناهم يميلون ميل الحكام فاذا مال الحكام الي مذهب تراهم يحث بعضهم بعضا علي الميل اليه و يحسنون ذلك المذهب و ينحتون له ادلة و يحوكون له براهين يزخرفونها بمتشابهات الكتاب و السنة و اقوال السالفين فيبذلون في ترويجه الاموال و يضعون من يخالفه و يحقرونه و يزرون به في المجالس و المحافل بل و يكتبون في حقيته كتبا و تصانيف و رسائل حتي يشيع ذلك الامر في قليل وقت في جميع بلادهم و ينمحي آثار خلافه ظاهرا بل و لرب اناس منتحلين لبعض العلوم الغير المبالين بالدين الغير المتحرجين بالكذب يكذبون علي رسول الله صلي الله عليه و آله و اوصيائه عليهم السلام اخبارا عديدة في تشييد مباني ذلك المذهب و تخريب ما يخالفه و كذلك ديدن الناس قديما و حديثا و كم من اناس يشهدون علي شئ ليسوا من اهل فهم ذلك الشئ فيسمعون شيئا او يرونه و لكن ليس لهم فهم ذلك الشئ و ليسوا من اهله فيشهدون فيه شهادة عن عيان و هم خابطون فيه خبط عشواء و بين ما يحكون و بين ذلك الشئ بون بعيد كما نري اناسا يحضرون محفل عالم و يسمعون منه فيخرجون و يحكون عنه ما لميقله ابدا و لميرد في كلامه ذلك بوجه و هو بريء مما يقولون و كلهم [ص 8] يقولون سمعنا من فلان كذا و رأيه في هذه المسألة كذا و يتبرؤ الي الله من ذلك القول و ذلك المذهب و لذلك يختلفون في النقل و كم من روات ليس لهم ذلك الحفظ و الغالب عليهم النسيان فيروون رواية يحرفون الكلم عن مواضعه و يغيرونه و يبدلونه و هم علي الظاهر معتبرون معتمدون و لكنهم من اجل غلبة النسيان لايمكن الركون الي اخبارهم و الوثوق برواياتهم و كم من اناس حفظوا اول الكلام و حضروه و لميحضروا آخره و لميطلعوا عليه فيحكون اول الكلام و هو بفرده خلاف المرام و كم من اناس يحرفون الكلم عن مواضعه عمدا و يغيرون و يبدلون بحقدهم الباطن لصاحب الكلام و هم في الظاهر بريائهم و سمعتهم و نفاقهم مؤتمنون و قد يأخذون كتاب عالم فيضعون فيه اباطيل و اضاليل و ينسبونه الي ذلك العالم و ساحته بريئة من تلك الآراء و الاقوال فاذا نشروه بين الناس صدقهم الناس و زعموا انه قول ذلك المسكين و هو بريء منه و كم من اناس بجهالتهم اتبعوا رجلا زعموه عدلا ثقة امينا و هو في الواقع منافق قد اظهر الايمان و العلم ليختل الجهلة و يقتنصهم فيكفر المؤمنين و المؤمنات بنفاقه و عداوته الباطنة فيصدقه اولئك البهائم بحسن ظنهم فاذا تري جماعة يبرؤن من رجل بالاجماع و اصل ذلك الاجماع عداوة ذلك الرجل المتلبس المنافق الواحد فيقوم الاجماع علي قدح ذلك الرجل المسكين و البراءة منه و تكفيره من غير اثم و لا حرج و لرب اناس لهم اغراض في تحصيل الدنيا و لهم نفوس ضعيفة لايقدرون علي الصيد كالاسود و السباع فيرمسون شبكة و يقدمون واحدا مثلهم و يجعلونه [ص 9] امامهم و مقتداهم و يبجلونه و يعظمونه في الاندية و المجالس و يدورون الصيد له و يقربونه اليه شيئا بعد شئ حتي يوقعوه في تلك الشبكة فيأكلوه و ذلك ديدن كثير من الناس حتي انهم ربما يفترون الرؤي و يبنون مقابر و يأفكون لها معجزات و كرامات و يحرصون الناس علي زيارتها و الاستشفاء بها و بناء القباب عليها و تعليق القناديل و اسراج السرج فيها ليكون لهم شبكة يصيدون بها الصيود و يذبحونها و يأكلونها و بذلك يعيشون في مدة عمرهم ، و علي هذه فقس ما سواها ، فاذا رأي العاقل اليقظان النبيه غلبة هؤلاء في الدنيا و استيلاءهم عليها و رآهم يثبتون بتوهم و ينفون بتوهم يقولون بخيال و يسكتون بخيال لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها و ان هم الا كالانعام بل هم اضل كيف يمكنه الاعتماد علي اخبارهم و تميزهم و جرحهم و تعديلهم و اتفاقهم و افتراقهم و شهرتهم و ندورهم و تولاهم و تبراهم و يقينهم و شكوكهم و كيف يعتمد علي ما يستند اليهم و يقف علي اقوالهم و اعمالهم سلفهم و خلفهم فلا والله لايعتمد عليهم الا مغرور جاهل ليس له مسكة و لا خبرة باوضاع العالم اليس في ذلك معتبر ان اهل الاقاليم السبعة اربعة اقاليم منهم عبدة الاوثان بعد و هم ايضا رجال لهم اعين و آذان و السنة و قلوب و افهام بحسب الظاهر لهم صنايع و تدابير و دول و رياسات و قريب اقليمين منهم نصاري قد خرجوا عن ملة عيسي عليه السلام و ابدعوا لهم دينا ينفع دنياهم بزعمهم و تركوا من شريعة عيسي كل ما يضر بدنياهم علي حسب افهامهم و البواقي كثير منهم يهود و مجوس و اهل السنة و البقية التي فيهم شيعي و هم اقل قليل اكثرهم اهل [ص 10] البوادي همهم رعي دوابهم و غزاوة بعضهم بعضا و سلب بعضهم بعضا و قتل بعضهم بعضا و قطاع طرق ثم بعد ذلك كثير منهم اهل القري همهم زروعهم و بساتينهم و عيونهم لايلتفتون الي دين و لايعرفون هرا من بر ثم اهل البلدان منهم اكثرهم اهل السوق و الكسبة ليس لهم هم الا اصلاح صنايعهم و تجاراتهم و مكاسبهم يغدون عليها و يروحون الي بيوتهم يأكلون و ينكحون كالانعام ثم بعد ذلك كثير منهم عساكر و جنود و غزاة و حواشي للحكام و السلاطين همهم ما تري ثم بعد ذلك كثير منهم طلبة الدنيا باظهار الدين طمعا في الصدقات و الاوقاف و اكرة القضاة شهود كل قضية و وكيل كل مدع و مطلق النساء و مزوج الارامل و البنات و امثال ذلك ليس لهم هم الا تحصيل دنياهم و الاقتيات و الارتزاق من اعمالهم المنكرة المذكورة و جل فساد المدن من شرور هؤلاء اللهم الا ان يبقي من كل الف الف نفس نفس واحدة معتنية بدينها مهتمة بامر آخرتها تنظر في امرها بنظر العبرة لاتخون نفسها و لاتريد هلاكها تطلب معرفة الضار من النافع و الحق من الباطل و اين هم و كم هم هاه هاه والله العاقل غريب غريب غريب يموت في همه و وحشته ليس له ناصر و لا معين ثم من بين اولئك الآحاد قل من وصل الي امر و تركه آفات الدنيا و اهلها حتي يعيش و يبلغ منتهي مراده فانشدك بالله ايها العاقل الذي اليه وجه خطابي و له تعبي و تصنيف كتابي انت آنسني بانصافك و شاركني في همي و كربتي هل يمكن لي و لك ان نعتمد علي اولئك في شئ من امر الحق و نصدقهم او نعتمد علي دليل ينتهي مقدماته الي شئ مما يضاف اليهم او يستند اليهم فلا و ربك لايمكن لي و لك ذلك ابدا فابتغ ايها الاخ ما دامت لك فرصة في تحصيل اليقين بسبب النجاة فان آفاتنا كثيرة و اعداؤنا [ص 11] جمة و العمر قليل و النظر كليل و مرادي من وضع هذا الكتاب ان اعطيك دليلا في كل باب تحصل به فيه اليقين بلا ارتياب و لكن لا بد لك ان تصغي الي ما اقول حتي تنال المأمول .
فصل - اعلم وفقك الله و ايدك و اعانك في هذه الوحشة و آنسك ان اليقين حالة نفسانية تحصل للانسان قهرا عند حصول اسبابها سواء رضيها الانسان او كرهها و تحصيلها بتحصيل اسبابها فلايملكها الانسان اذا امتنعت و لايقدر علي طردها اذا وردت و انما هو كالحزن و الفرح و الرضا و الغضب فليس هو بامر اختياري فما لميكن اسبابه موجودة لايحدث في نفس الانسان و لا حيلة له في تحصيله و احداثه لنفسه الاتري ان يقينك بالنهار او بالسماء او بالارض او بيدك مثلا امر لاتقدر علي سلبه من نفسك ابدا و اذا رأيت شيئا من بعيد لمتفهم انه انسان او حيوان لمتقدر ان تتيقن انه انسان و لو جاهدت نفسك دهورا .
و الكيفيات الحاصلة لنفس الانسان من حيث الشعور ثلثة ادناها العلم و مرادنا به حضور ما علمته باحد مشاعرك الظاهرة او مشاعرك الظلية البرزخية فذلك الحضور لدينا و في اصطلاحنا علم و ليس هذا الكتاب موضع تحقيق ذلك هذا و لا مشاحة في الاصطلاح فليكن هذا علما و يقابل هذا العلم الجهل و مرادنا به عدم حضور ذلك المعلوم لديك فان لمتر مبصرا ابدا فهو جهل عينك و ان لمتسمع فهو جهل اذنك و هكذا بواقي المشاعر الظاهرة فما لميجر في خيالك و فكرك فهو جهلهما به و هكذا بواقيها فالجهل عدم وجود المعلوم لديك بذاته او صورته المنفصلة ثم اليقين و هو امر عقلاني ليس من شأن الحواس الظاهرة و الباطنة و انما هو شأن العقل المعنوي المدرك للكليات و هو الجزم علي الشئ و البت عليه و صفة حصوله [ص 12] لك انك اذا نزل بفناء ابواب حواسك نازل و طرق باب تلك الحاسة توجه الروح نحو ذلك الباب و رفع الحجاب و اذن له بالدخول فدخل فيها بالانطباع و حضر لديه مثال المدرك فادرك بفعله المتعلق بتلك الحاسة نفسه و لايدرك به شيئا من معانيه و ما يضاف اليه و يوصف به فذلك المحسوس المنطبع هو علمه به و هو معلومه كما حقق في محله فتؤديه الحاسة الي الحس المشترك البرزخي اي البنطاسيا يعني ينطبع فيه اذا استعمل الانسان اياه لا مطلقا و ان كان لنا ان نقول ان اسفله المرتبط بالحواس الظاهرة يستعمل باستعمالها و لكن اعلاه ليس كذلك حتي يستعمله الانسان فاذا استعمله اي قابله الانسان بما انطبع في الحواس ما دام الصورة فيها ينعكس الشبح في بنطاسيا و لايدركه الانسان فيه و لاينطبع ما لميتوجه الانسان اليه فحينئذ يقبل الانطباع و يدركه الانسان فيه و لكن ليس حاجته الي الاستعمال كالنفس مثلا فان له نحو ارتباط بالجسمانيات و تشاكل بها و لايحتاج الي توجه نفساني تام بل هو قريب الي الطبعانيات و الجسمانيات و علي اي حال يقبل الصورة فحينئذ لايري ما في الحواس الظاهرة و ينحصر ادراكه ببنطاسيا و العمود المشهود من القطر النازل لسرعة تعاقب الروح الي الظاهر و الباطن و كذا دارة الشعلة المدارة و امثالها و لولا ان هذا المقام ليس محل التفصيل لهذا المطلب لشرحت الامر و لكن نقتصر بما بينا ثم اذا ثبت الصورة في الحس البرزخي حفظها بماسكته لانه ينصبغ بها انصباغا طبيعيا خارجيا و ان كان اعلي من ساير الطبيعيات فيتوجه اليه النفس و تدركها فيه بفعلها المتعلق به لان ادراك بنطاسيا بفضل ادراك النفس و فعلها فحينئذ تشرف عليه النفس من الملكوت فتدركها مجردة عن المواد بخلاف الحس الظاهر الذي انطبعت فيه من [ص 13] الشبح المتصل بالمادة الزمانية الخارجية و الحس البرزخي الذي انطبعت فيه منتزعة عن المواد الخارجية فالنفس تدركها مجردة و علامة التجرد عدم اختصاصها بالحدود المميزة الخارجية المخصصة المشخصة فتري صورة زيد لا من حيث الكبر و الصغر و الهزال و السمن و في يوم خاص و مكان خاص و حدود خاصة و ما في العين صورة خاصة و كذا في بنطاسيا و لكن النفس تدركها بفعلها اولا ثم بذاتها و فعلها هو الخيال فينتزع فعلها الصورة من بنطاسيا و المراد بفعلها شعاعها الظاهر في الفلك الثالث من افلاك بنطاسيا الظاهرة في الروح الدخاني الذي في الدماغ و هو الافلاك الجسمانية في مراتبه فافلاك بنطاسيا حالة في الافلاك الدخانية و جميع افلاك بنطاسيا برزخية مثالية فنفس تلك الافلاك بنطاسيا و قد حل فيها فعل النفس و شعاعها كما حل شعاع بنطاسيا في الدخان الذي في الدماغ و هو حيوة ذلك الدخان و هو معني قوله تعالي و جعل القمر اي فلك الحيوة البرزخية فيهن نورا اي في السموات الدخانية و الفلك الاول من الافلاك البرزخية هو الحس المشترك المحض و فلكه الثاني و ان كان برزخيا من جنس بنطاسيا الا انه موضع الفكر و الفلك الثالث موضع الخيال كما ان جميع هذه الافلاك الظاهرة جسمانية و لكن الاول للحيوة و الثاني للفكر و الثالث للخيال فالافلاك البرزخية كلها من عالم المثال و بنطاسيا بالقول الاعم الا ان فلكها الاول خاص بالحس المشترك و حيوته باسفل مراتب فعل النفس و فلكه الثالث فلك الخيال و حيوته بفعل النفس اي خيالها فمثال فعل النفس و الفلك كالمرآة و المثال الذي فيها فالحس الخاص بالمرآة الذي من نفس المرآة هو الحس المشترك بالمعني الاعم و الحس الحاصل من المثال الذي فيه هو من فعل النفس فاذا انصبغ نفس المرآة بما انصبغت [ص 14] و ادركته بادراكها ادته الي المثال الملقي فيها و مثال آخر له ان للعين من حيث نفسها ادراكا جسمانيا خاصا بها بذلك تقول رأته عيني و من حيث الحيوة التي فيها اي الحس المشترك ادراك آخر اعلي و ما روي عن الرضا عليه السلام انه سئل العين نور مركبة ام الروح تبصر الاشياء من منظرها قال عليه السلام العين شحمة و هو البياض و السواد و النظر للروح الخبر ، لاينافي ذلك فان ادراك نفس العين ضعيف جدا و الادراك البين القوي للروح و ادراك نفس العين ثابت اذا كان ادراك الروح قائما عليه و الا لماتت و لمتكن حية مدركة و الدليل علي ذلك ما روي ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا ، حيث نسب الادراك الي الحاسة و في حديث الرضا عليه السلام ماكذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ، و يشعر بذلك قوله تعالي لاتدركه الابصار بالمفهوم و قول جميع الناس في ذلك بالطبع مؤيد لذلك بالجملة كما ان للحواس الظاهرة من نفسها ادراكا ضعيفا و للروح منها ادراكا اقوي كذلك للافلاك البرزخية من حيث نفسها ادراك و هو من جنس ادراك بنطاسيا و للنفس منها ادراك بفعلها و شعاعها الملقي فيها فاذا حصلت الصورة لبنطاسيا و فعل النفس و شعاعها فيه انصبغ ذلك الفعل و الشعاع منه انفعال المثال في المرآة منها فاذا تصور بتلك الصورة الكسبية وجدها كما حققناه في محله و اما ادراك النفس الذاتي فهو بتصور النفس بما اكتسبته من مثالها و شعاعها و انتزعته مما حصل في شعاعها و ليس في ادراكها الذاتي تعدد و تميز بين الفكر و الخيال و الوهم و العلم و غيرها بل هو ادراك محض كما لايكون في الروح تعدد كتعدد العين و الاذن و الشم و غيرها و انما هو ادراك وحداني كذلك النفس دراكة [ص 15] بنفسها وحدانية و انما الاختلاف في افعالها و محال افعالها و وصول الشبح الي النفس كوصول المحسوسات الي بنطاسيا بعينها فالعين ينطبع فيها الشبح اولا فتؤديه الي فعل بنطاسيا و هو يؤديه الي بنطاسيا كذلك الحواس الباطنة ينطبع فيها الشبح اولا ثم تؤديه الي فعل النفس و هو يؤدي الي النفس فتجتمع عندها الصور كلها و تدع عنها الخصوصيات هناك لاجتماع الكل فيها و نظرها الي الكل بنظر واحد و حصول الكل لها حصولا واحدا فالحاصل لها مجرد عن المواد و المدد و هو صورة عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد بالجملة طال الكلام و لمنكن بصدد بيانه في هذا المقام فلنرجع الي المرام فاذا حصل الصورة المجردة السارية في كل الزمان في النفس انتزع العقل معناها كما انتزعت النفس الصورة الملكوتية عن البرزخ و انتزع الحس المشترك عن الملك بعينه و لكن العقل لكليته و هيمنته علي جميع الحالات و المقامات النفسانية حصل له امر نافذ في جميع تلك الحالات فلا جرم كان معنويا كليا فانه لب اللب فاذا حصل المعني في العقل انتزع كما سمعت الفؤاد الحقيقة بلا كيف و آيته ما سبق و لسنا الآن بصدد بيانه و سأمثل لك مثالا بينا اذا وضعت ماء في اناء مستطيل امامك في البيت في الساعة الاولي من يوم السبت شهر كذا و سنة كذا و نظرت اليه بعينك انطبع فيها صورة الماء المستطيل بلونه و وضعه لا غير فانتقل الصورة منها الي الحس المشترك كذلك و لكن الطف و هو الماء الخاص الذي تتصوره في ذلك المكان بتلك الحدود علي حسب ما رأيت في الخارج و تراه في النوم الا انه الطف من الصورة الخارجية المرئية بالعين للطافة الحاسة و قد بلغت من لطافتها انك تقدر ان تدرك بها امسك و غدك ايضا و لكن في حدود خاصة لا غير و اما ادراكك [ص 16] الماء بالصورة المائية الممتاز عن التراب بها اي البرودة و الرطوبة و السيلان الخاصة بالماء فهو من شأن النفس و ليس ذلك حظ عينك و لا حواسك الباطنة فالنفس تدرك الصورة المائية علي وجه اطلاقي نسبي مجرد عن المواد و المدد الخاصة المخصصة و اما ادراكك انه عنصري او جسماني او طهور و امثال ذلك فهو من شأن العقل فان هذه الامور امور معنوية و اما ادراكك الماء بانه ماء مطلقا عن جميع القيود الخاصة الشهودية و البرزخية و عن الصورة المجردة النفسية و الامور المعنوية بحيث لاتلتفت اليها ابدا بل اليه من حيث هو هو مع قطع النظر عن كل ما هو سواه فذلك ادراك فؤادي و موضع الحاجة في هذا الكتاب بقدر الكفاية و لو وفقنا لبيان حكمي فؤادي فهو فضل من الله سبحانه زايد علي ما كان في نظرنا عند وضع الكتاب فاذا عرفت الادراك العقلاني فنقول اذا صح آلات العقل و ادواته و حكت له الامر الخارجي بالصدق من غير تبديل و تحريف و حصل له دليل عقلي معنوي علي صدقها و كان مشعر عقله صافيا انتزع مما اتي به النفس معني لايشك فيه فيحكم بالصدق و اما اذا حصل الاختلاف في الرواية و اتاه النفس مرة بشئ و مرة بخلافه او البنطاسيا او الحواس الظاهرة و لميقم له دليل علي صدقها فانه لايستيقن و لايجزم بما اتاه فلايحصل له معني يقيني يحكم به بل يتردد لعدم وثوقه بالرواة فحينئذ يحتاج الي راو ثقة لايحتمل قوله الخلاف حتي يحكم علي الامر باليقين او الي ادلة معنوية عقلية تدله صريحة الي المطلوب فيستيقن فاذا ادت الادوات مرة الماء علي هيئة الماء و مرة علي هيئة الشمس التبس الامر علي العقل انه عنصري ام سماوي فشك و اما اذا حكت له بالصفة المائية لا غير و اطمأن بصدقها له حكم علي الماء باليقين بالعنصرية و لاجل عدم [ص 17] الوثوق بالرواة مطلقا احتاج الناس الي شاهد صدق او دليل يشهد لهم بصحة ما ادت اليهم نفوسهم و لايحصل لهم اليقين الا بشهادة ذلك الشاهد او دلالة ذلك الدليل كما يأتي انشاء الله بالجملة اذا حصل الجزم بصحة الرواية و حصل في العقل معناها فذلك هو اليقين فاليقين هو حالة عقلانية تحدث قهرا للانسان عند حدوث اسبابها و توجه العقل اليها و تدبره فيها فلايمكنه الامتناع عنها عند حصول اسبابها و لايمكنه تحصيلها اذا لمتتهيأ اسبابها ابدا و اذا اختلفت الروايات او الشهود له و نظر اليها و حصل فيه شبحها و كان احديها راجحة و اقرب الي الجزم و الاخري مرجوحة كان الحالة الحاصلة للعقل من الراجحة ظنا و من المرجوحة وهما و ان تساوتا في قربهما الي الجزم و تعادلتا و نظر العقل اليهما و انتزع من كل شبحا و اجتمعا لديه حصل له الاضطراب و التردد و سميت حالته شكا و هذه الحالات قهرية محال تخلفها اللهم الا بتغير اسبابها و حدوث سبب آخر او فناء ما كان فحينئذ اذا نظر اليها العقل تغير و مثال ذلك الشبح في المرآة فان عند حصول الاسباب و هي صقالة المرآة و المقابلة و الضياء وقع المثال في المرآة لا محالة و لايمكن تحريك المثال و تغييره الا بتغيير اسبابه و اما اذا لمتتحقق مقابلة تامة و ضياء صادق و صقالة جلية لمينطبع فيها الشبح كما هو البتة و اشتبه الامر يقينا فمن هذا تبصر امرك و افهمه .
فصل - كما عرفت انه قد لايحصل المعني اليقيني في العقل بسبب اختلال الآلات و اختلاف الرواة فاعلم انه قد يمتنع بسبب كدورة نفس العقل بسبب العوارض العارضة عليه من غلبة الجهل و ظلماته و عدم روحانيته عليه او غلبة العادات او الطبايع او الشهوة او الغضب او الالحاد او الشقاوة عليه فان هذه الامور [ص 18] تعمي و تصم العقل فلايدرك حقيقة الوارد كما هو و ان هو حينئذ الا كمرآة عوجاء كدرة مختلفة السطوح مصبوغة و تتوارد عليه تلك الحالات فلايمكنه تحقيق شئ مما ورد عليه و اخبره الروات به فهو دائما متردد في الريب مشوب بالعيب يزري علي غيره و هو غافل عن نفسه نعوذ بالله و قل من ينجو من هذه الاعراض اللهم الا من عصمه الله فلاجل ذلك و امثاله قل ما يحصل يقين بالواردات و سكون عند الروايات فلايسكن عند كل حاصل الا مغرور جاهل و عن اوضاع النفوس و الطبايع غافل اللهم الا امور يشهد بها جميع العقول بلا اختلاف بينهم فان ذلك مما يحصل به اليقين اضطرارا و لايشك فيه الا مريض مخبط و من انكر ذلك من نفسه فيحتاج الي معالجة طبيب حاذق و لربما لايداوي الا بسيف قاطع و لايسعي في اخماد هذا النور الا مخاطر بنفسه ساع في اهلاكها واطئ علي ادراكها فانا نري من انفسنا و كل نفس حتي الاطفال بل المجانين انهم يستيقنون بوجود النهار و وجود الليل و انهم موجودون احياء مستيقظون يتحركون و يسكنون و لاينبغي لوادّ نفسه ان يلبس عليها حتي تشك في امثال هذه الامور و يدخلها في عداد المرضي و اهل الزمانة و ذلك واضح انشاء الله فعن علي عليه السلام لاترتابوا فتشكوا فتكفروا ، و اما السر في وجود بعض اليقينيات مع اختلال العقول و الانفس و الآلات ان الانسان ما دام حيا باقيا صحيحا لا شك ان له حواس مدركة للاشياء مستقيمة او معوجة و له حيوة تتحرك و تريد و تدرك اشياء صحيحة او مغلوطة و له نفسا ناطقة ينطق بها البتة يمتاز بها عن الحيوانات و عقلا ما مميزا لبعض الامور و من انكر من نفسه ذلك يسأل عن المنكر فيه ما هو و بما ينكر فلا محالة فيه شئ ينكر ذلك و هو البغية التي نكتفي بها في هذا المقام و من لميكن فيه [ص 19] شئ من ذلك فهو ميت و انك لاتسمع من في القبور و تنذر من كان حيا فاذا اعترف بما ذكر فنقول انه ليس من الاموات التي لا مرآة شاعرة فيه مطلقا بل فيه مرآة ما و شعور ما و لو كان عليلا ضعيفا فالمرآة التي لها صقالة ما لاتمتنع عن انطباع شئ ما فيها و انما تمتنع عن معاني المقابل لا مقابل ما فتحكم بوجود مقابل ما يقينا و ان كانت تعجز عن فهم معانيه و مميزاته فان صدقت بما ذكرت و لاينكر ذلك حي فنقول ان من الامور امورا بديهية كبداهة وجود مقابل و منها خفية كمعاني المقابل و مميزاته فمشاعر الناس لاتمتنع عن انطباع تلك الامور البديهية العامة ما دامت باقية ثابتة و لو عليلة و ان امتنعت عن خصوصياتها و عللها و اسبابها الخفية لعلتها و كذلك الروات و الآلات ليست تكذب في الامور العامة البديهية و ادائها الي العقول فلاجل ذلك يحصل اليقين بامور قطعا قهرا و ليس لحي دفعه عن نفسه و لو جاهد جهده لانه من لوازم الحيوة و شعور ما و ذلك مما يحتج الله به علي عباده في الدنيا و الآخرة و يحتج به الانبياء و الاولياء و الحكماء علي الناس و يؤخذون بها ثم كل ما صح المشعر و برئ عن شئ من الامراض ازداد تميزه لمعاني تلك الامور العامة و خصوصياتها و جزئياتها فيحصل له القطع بها و اليقين قهرا بحيث لايمكن دفعه له فبذلك اختلف مراتب الناس في اليقين بالاشياء و اما في الامور العامة فهم متفقون في ادراكها و اليقين بها و تسمي تلك الامور بالبديهيات الاولية التي لايحتاج الحي فيها الي كسب و اما في ما سوي ذلك فيحتاج الي التكسب بمعالجة المشاعر و العقول و رياضتها و تربيتها و اصلاحها حتي يزداد فهمها و قبولها لانطباع الامور فيها و تسمي بالنظريات و الكسبيات و كل شئ حصل للمشاعر بالمعالجة حتي استيقنت به [ص 20] صار عنده بديهيا لايمكنه دفعه عن نفسه البتة .
و من آيات الله سبحانه و حكمته ان جعل جميع الامور النظرية كامنة في الامور الضرورية و جعل منها اليها طريقا يمكن السير منها فيها الي الوصول اليها حتي لايبقي لاحد علي الله حجة و يتمكن كل احد من الوصول اليها و بذلك احتج الله سبحانه في كتابه و الانبياء عليهم السلام في سننهم علي الخلق بتلك الامور البديهية و راضوا اذهانهم بالتدبر فيها و التعمق في نتايجها و دلايلها فقال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم افلاتبصرون و قال قل انظروا ماذا في السموات و الارض الي غير ذلك من الآيات الواضحات البينات و قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، الي غير ذلك من الاخبار فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون بالبينات و الزبر و تلك الامور البديهية هي البينات و هي صراط الله المستقيم الي كل امر نظري خفي فلاجل ذلك عد الكاظم عليه السلام من اسباب اليقين قياسا تعرف العقول عدله فان ما اتفقت العقول علي استقامته هو من ضروريات العقلاء التي لا شك فيها و هو الاجماع الذي لا ريب فيه و لا شك يعتريه فكل امر انتهي اليها في طريق تعرف العقول استقامتها فهو حق لا مرية فيه و يقوم لله فيه الحجة علي خلقه و ما لمينته اليها في طريق تعرف العقول استقامتها فهو مما يسع عامة الامة و خاصتها الشك فيه و الانكار له هذا من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه فذلك هو [ص 21] طريق اثبات التوحيد و النبوة و الامامة و الولاية و الشرايع و فروعها ابدا فالواجب في كل امر الانتهاء اليها في طريق تعرف جميع العقول عدلها و الا فكل يدعي انهاء مطالبه اليها و لنعم ما قال الشاعر :
و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا
اذا انبجست دموع من خدود تبين من بكي ممن تباكي
و انبجاس الدموع هو ما ذكرنا من استقامة طريق الانتهاء بحيث تعرفها العقول فيجب ان لايطأ السالك علي موضع قدم في طريقه الا ان يكون مما يصدقه العقول و يحصل اليقين بعدم كونه مزلة و زحلوفة فتثبت ثبتك الله بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة .
فصل - في اثبات الصانع جل شأنه و هذه المسئلة و ان كانت من علم اعلي و ساير رسائلنا متكفل بها الا اني احب ان لايحتاج المطلع علي كتابي هذا الي غيره من الكتب و الرسائل فاقول اعلم يا اخي و يا من اليه وجه خطابي انك لو تدبرت في نفسك التي هي اقرب الاشياء اليك تجدها علانية انها لمتكن قبل ان تتولد في هذه الدنيا بالبداهة مدة ما كانت الدنيا في سوالف الايام و مواضي الاعوام الي ان وجدت و انك انت لمتوجد نفسك و لمتركبها و لمتخرجها من العدم فانك لمتكن و كنت معدوما و تعلم من نفسك ذلك بداهة و كذا لميوجدك من هو مثلك من اب او ام او اخ او غير ذلك فانهم لايحيطون بك علما فضلا عن ان يوجدوك و لايوجد المعدوم الذي لميكن و لا اثر له و لا عين بنفسه من غير ان يوجده موجد آخر فلها موجد البتة و صانع و مبدع بلا شك و ان قلت ان موجدها الطبيعة فليكن ما كان و سمه ما شئت فان غرضي هنا اثبات صانع ما ايا كان [ص 22] و لايمكن لعاقل ان ينكر ذلك فانه من البديهيات الاولية و كذلك الامر في جميع امثالك و اقرانك و افراد نوعك و جميع المواليد من الحيوانات و النباتات و الجمادات و هي كلها مذعنة مقرة بحدوثها و افتقارها الي صانع يصنعها فان جميعا لميكن بالبداهة دهوراً ثم كان و لميوجد نفسه بنفسه و لميوجده ما هو مثله و لميوجد من غير صانع بالبداهة ثم لا شك في كون وجود جميع المواليد علي نهج الحكمة و الصواب و علي ذلك اتفاق العقلاء و لايحتاج الي ذكر حكم تراكيبها و كينوناتها لكثرة وضوحها و يقصر افهام العقلاء و اوهام الحكماء عن درك جزء من مائة الف جزء حكمة وجود شئ جزئي فضلا عن درك حكم الكليات فضلا عن درك حكم الجميع و تفاخر الحكماء و العلماء في درك بعض حكم هذا الخلق المتقن و الامر المحكم فهذا الصنع الحكيم الذي هو اثر صانع يقينا يدل العاقل علي ان الصانع حكيم فانا لانعني بالحكيم الا من يجري افعاله علي نهج الحكمة و هذه الافاعيل كما تري جارية علي نهج غاية الحكمة و الصواب فالصانع لهذا الخلق الحكيم حكيم و هو حي اذ الميت لايصدر عنه آثار الحيوة و هو عليم فان الحكمة هي العلم و قد خلق الحكماء و العلماء و وضع كل شئ موضعه و هذه الآثار لاتصدر عن جاهل و هو لطيف اذ خلق الخلق اللطيف و خلقه من غيبه لا بآلات و ادوات خارجية و خبير بجميع ما له اذ الخبرة هي العلم و الاطلاع علي مقتضيات الاشياء و من لايعرفها لايقدر علي اجراء كل شئ علي ما يقتضي و ينبغي و هو قدير و اي آية ادل علي قدرته من صنعه المقدورات و هو عادل اذ وضع كل شئ موضعه علي نهج الحكمة و اي عدل اعدل من الحكمة بالجملة كل صفة يلزم [ص 23] للصانع الحكيم ثابت له و يدلنا علي ذلك اتقان الصنع و احكام الخلق بحيث لايشك فيه عاقل و اثباتنا الصفات له لما رأينا من آثار الصفات في ملكه و خلقه و لميدلنا الآثار علي ازيد من ثبوت مبادي لها و لميدلنا علي ان تلك المبادي كالمبادي التي فينا لآثارنا كالهمامة و الروية و حدوث ضمير و ارادة و محبة فينا بل ربما تدلنا علي خلاف ذلك و لسنا بصدد بيانه الآن و هذا ما اردنا ايراده في هذا الفصل علي نهج الاختصار فتدبر .
فصل - ثم من البينات البديهيات ان بني آدم مدنيوا الطبع و كل واحد منهم بعد امعان النظر يحتاج الي جميع افراد النوع و لا بد لهم من الاجتماع و التمدن و كفاية كل واحد حاجة من غيره بها تقوم مدينتهم و يبلغوا منتهي اجلهم و يستنطق صوامت قوابلهم و يخرج الي الفعلية كوامن قواهم و لا بد لكل فعل من مبدء مناسب في الفاعل كما هو مشهود فلما وجب في الحكمة ان يكفي كل واحد حاجة لاخيه و يصدر عنه فعل خلق لاجله وجب ان يكون كل واحد علي طبع مناسب لما خلق لاجله فيكون مبدء صورة ذلك الفعل و يصدر عنه علي نهج السهولة فبذلك خلقوا مختلفي الطبايع و اختلافهم مع اجتماعهم سبب التنازع و التجاذب و التدافع و كان يؤدي ذلك الي فنائهم و عدم بلوغهم الاجل المكتوب لهم و عدم خروج قواتهم الي الفعلية و قد جبلوا عليها حكمة و اتقانا للصنع فمن اعظم اسباب تمدنهم و بقائهم و تعيشهم خلق نفوس فيها مبادي الحكومة و السياسة و حفظهم عن التدافع و التمانع و التنازع و تعليمهم ما به بقاؤهم و صلاح نظامهم اذا اقتضي الحكمة ان يوجدوا جهالا في بدء تكونهم فوجب ان يكون فيهم نفوس عالمة بالرياسة و السياسة حكيمة عادلة عليمة و قد فعل و هم الانبياء و الاولياء [ص 24] و الحكماء و ان لايخلو الارض منهم ابدا و الاخلال بذلك اخلال بالحكمة و عبث في الخلقة و لغو محض و يري كل نفس في نفسه حاجة الي رئيس كذلك لاينكر و يري انه لايقوم عيشه و حيوته الا بذلك و ليس شئ في الخلق يسد ذلك الخرق الا وجود الحكام الالهية و هم الانبياء و كل نفس سواهم يعرف من نفسه انه ليس هو بالذي يقدر علي سد هذا الخرق بداهة و يري عجزه عن ذلك و حاجته الي ذلك و ان قلت اولايكفي وجود هذه الحكام الغالبين علي البلاد قلت انا احتجنا الي الانبياء لدفع امثال هؤلاء و لدفع الظلم عن البلاد و رفع الفساد و دوران الامور معهم كسد الرمق بالرماد و التراب فهو و ان كان يسد اياما الا انه علي خلاف الحكمة و المناسبة التامة و صلاح العامة و يحتاج الناس الي غذاء مشاكل و هو الحكمة فالحاكم المحتاج اليه هو العدل الحكيم و هو النبي لا غير و ليس من الجعل الالهي وضع الفاجر مكان البار و السفيه مكان الحكيم و الجاهل مكان العالم و انما ذلك وضع خذلاني منه سبحانه عقوبة عليهم و لما كان دواعي النفوس كثيرة و بعض النفوس الناقصة من شره و طلبه للرياسة يدعي ذلك المقام و ليس للصدق علامة في ظاهر الخلقة اذ لميقتض الحكمة ان يكون للصادق علامة جسدانية وجب في الحكمة ان يجعل فيهم علامة صدق و مبادي تصدر عنها افعال خارقة للعادة يعرف بها صدق الصادق عن كذب الكاذب فهي المعجزات التي خلقها الله سبحانه فيهم و آثار علم و حكمة و قدرة اظهرها منهم بل هي التي بها استعلت نفوسهم و صاروا انبياء و حكاما فبذلك خلق الله سبحانه انبياء و اولياء و اقدرهم علي افعال و اعمال خارقة لعادة ساير البشر بها تتم الحجة علي العباد و تقوم لله عليهم الحجة و بعثهم الي العباد فهم حكام الله في ارضه [ص 25] و سايسوا الله في عباده و رؤساء الله في بلاده يجب اتباعهم و التسليم لامرهم و الانقياد لحكمهم فمن تخلف عنهم فانما خاطر بنفسه و ان قلت لا شك ان وجود الحكام مما يقوم به عيش الانام فلم كانوا مقهورين مطرودين مغصوبين و لميسوسوا الخلق و لميحكموا بين العباد و منهم من غاب و منهم من قهر و منهم من قتل و منهم من غصب و لو قهروا العباد و سخروا البلاد و لميطق احد مخالفتهم لكانت المدن اثبت اركانا و العباد اقوم عيشا و ارتفع من بينهم التنازع و التجادل و المقاتلة و بقيت البلاد عامرة و النفوس ساكنة و الاقطار مأمونة فكان عيشهم ارخي و خروج قواتهم الي الفعلية اكثر و الحكمة التي قلتها جارية قلت نعم لو كان كذلك لكان كذلك و لكن لو كان كذلك لميظهر سعادة سعيد و لا شقاوة شقي و لميقدر كافر ابدا علي اظهار كفره و لا مشرك علي ابداء شركه و جاء الاجبار و ارتفع الاختيار فلميخرج مستجنات الصدور و لا كوامن القلوب و ليس انهم رفعوا اليد عن العالم بالكلية فيفسد بالكلية بل ظهروا حينا و اظهروا ما به قوامهم و غابوا حينا و بقي آثارهم بقدر القوت و سد الرمق و كلما تري في العالم مما يقومون به فهو من بقايا نواميس الانبياء و لو كانت من ناموس آدم عليه السلام و لميجبروا الخلق بالكلية فلميقدروا علي اظهار مستجنات صدورهم فمزجوا بين الامرين ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و بهذا ابان الله سبحانه غناءه عن خلقه اذا الاجبار هو فعل المحتاج و التخيير هو فعل الغني فالصانع الغني ليس يحتاج الي جبر الخلق علي طاعته و الانقياد له فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر ، انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا فالحكيم الغني يكون صنعه علي نهج الحكمة و الغناء و لو كان علي غير ذلك لكان دالا علي حاجته [ص 26] و افتقاره الي الخلق كحكام الدنيا و هل وجود الانبياء لسد الخلل الا كوجود الماء لرفع العطش فمن لميشرب حتي مات فليس في صنع الحكيم نقص و انما بخس حظه من لميشرب الماء و كوجود الهواء للتنفس فمن لميتنفس حتي اختنق فليس في صنع الحكيم الغني نقص و انما خاطر بنفسه و اهلكها من لميتنفس يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و الله هو الغني ، و ان قلت كما يقال فما بال الارض الجديدة لميبعث اليهم نبي و بلادهم معمورة و كذا الجزاير و اهلها عايشون قلت اما اولا فانهم من ولد آدم اقلا و هو كان نبيا و سيرته فيهم و مودوعة عند علمائهم و في كتبهم و جروا بها نسلا بعد نسل و آثار سياسته فيهم و يسد رمقهم و اما ثانيا لانسلم عدم بعث رسول اليهم و ذلك محض ادعاء بل ربما جاؤا فقتلوهم و غاب اوصياؤهم فبقوا في فترة و طول فترة لعارض لايوجب رفع الحجة و الاكتفاء بسد الرمق اياما ببقايا آثار الانبياء السابقين انتقاما لايوجب نقصا في الحكمة و الوضع الالهي و انا اذلل لك صعوبة نفسك هنا بشئ و هو انك لو رأيت ساعة افرنجية في غاية اللطافة و الرونق و استقامة السير بحيث لاتتخلف دقيقة و عرفت بعض حكم فلكاتها و صفحاتها و مساميرها ثم وجدت هناك مسامير و فلكات لاتعرف سر وضعها في تلك المواضع هل يجوز عقلك ان تكون تلك المسامير و الفلكات من غير حاجة اليها و حكمة فيها ابدا فلا و ربك و انما تحمل ذلك علي نقصان علمك و قصور اطلاعك علي سر الحكمة فيها و اي دليل ادل علي كون جميعها علي نهج الحكمة من دورانها علي نهج الاستقامة و ارائتها الساعات و الطلوع و الغروب بلا تخلف فكذلك اذا عرفت ان هذا العالم علي نهج الحكمة و الصواب و عرفت الوفا من حكمها ثم لمتعرف حكمة شئ احمله علي [ص 27] قصورك و عدم علمك و سلم لامر الله سبحانه و اذعن بحكمته و لاتتزلزل في ايمانك و اسأل الله ان يصلح وجدانك و يعلمك الحكمة فاذا عرفت ان وجود الانبياء و الاولياء من اعظم اسباب التمدن و نظام العالم و قوام عيش بني آدم و وجودهم اكمل و اولي و احسن من عدمهم و الحكيم جل شأنه لميخل في شئ بالاحسن الاولي و قد خلقوا و بعثوا و اتوا بعلم و حكمة و خوارق عادات ثم لمتعرف وجه عمل من اعمالهم سلم لامرهم و انقد لهم و لاتتعرض حتي يعرفك الله الوجه و الحكمة فيه و الذي نريد في هذا الكتاب علي سبيل الاجمال اثبات الصانع و نبوة الانبياء و وحدة الصانع و الاقرار باسمائه و صفاته علي نهج اليقين و اما معرفة ساير الحكم و دفع ساير الاشكالات فمحول علي ساير كتبنا و فيما ذكرنا هنا كفاية للمؤمن الطالب لليقين و اليقين غير معرفة جميع الحكم و الكيفيات و العلل و الاسباب الاتري في تلك الساعة انك متيقن لوضع آلاتها علي نهج الحكمة لما تري من دورانها صحيحا و لاتعرف وجه حكمة جميع فلكاتها و مساميرها و آلاتها و كيفية صنعها فتثبت ثبتك الله علي ما يسر الله لك من اليقين و لاتنقض يقينك في شئ بشكك في شئ آخر و هذا اصل .
فصل - اذا تيقنت بوجود الصانع الحكيم العليم القدير العادل الغني و بصدق الانبياء فاستخبرهم عن ساير صفات الله سبحانه و ساير ما تقصر العقول الناقصة باستقلالها عن فهمه و صدّقهم في جميع ما يخبرون عن اسماء الله و صفاته و افعاله و مراضيه و مساخطه فانهم الانبياء الحكماء الصادقون المؤيدون المسددون حتي انه يجوز لك ان تصدقهم في قدم الصانع جل شأنه و وحدته في الذات و الصفات و الافعال و العبادة و ساير اسمائه و صفاته فلو تدبرت فيهم لرأيت [ص 28] جميعهم قد جاؤا من عند الاله الاحد الواحد الفرد و شهدوا بوحدته و دعوا الخلق الي توحيده و انزلوا العذاب علي من انكرهم و اشرك بالواحد الفرد و اهلكوهم و مسخوهم و لو كان لك او للعالم اله آخر لاتتك رسله و لرأيت آثار ملكه و لميصبر علي انكار الله سبحانه و انكار رسله اياه و قتل عبيده و امائه و انزال العذاب اليهم بشركهم و دعوتهم اياهم بنفي الآلهة و الاضداد و الانداد و الشركاء مع ما يشهد العقول السليمة بوحدته سبحانه فاي دليل ادل علي ذلك و اي شاهد اصدق علي وحدته سبحانه من ذلك فخذ بهذه الادلة الظاهرة الباهرة و اترك شبهات الفلاسفة و الحكماء فانها مضلة نعم اذا اخذت بهذه الادلة و حصلت اليقين فلا بأس بان تأخذ بادلة مؤيدة ليقينك مفصلة لاجماله و اعرض عن كل شبهة و قياس تؤدي الي خلاف يقينك و ان خطر ببالك او طرق سمعك ما يناقض يقينك و شككت فيه فلاتنقض يقينك فيما تتيقن بشكك فيما تشك فيه حتي تسلم فيا اخي اياك و اللعب بدينك و استعمال الهوس و الوسواس فيه و اياك ان تخاطر بنفسك و تداهن في امرك فان العمر قليل قصير و الامر جليل خطير و هذا مجمل ما اردنا ايراده في مقدمة كتابنا هذا فاكتف به و قس عليه ساير ما لمنذكره من اليقينيات فلنشرع الآن فيما قصدناه في تصنيف هذا الكتاب و بالله الاستعانة في كل باب .