سوانح سفر خراسان
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد اتفق لي سفر الي مشهد الرضا صلوات الله علي مشرفه في سنة سبع و ستين بعد المأتين و الالف فلما وصلنا الي قصبة تربة الشيخ حيدر اتاني رجل بكتاب الفوايد المدنية للمولي محمد امين الاسترابادي رحمه الله الذي قد كتبه في الرد علي علمائنا المجتهدين فاشتريته و استأنست به في الطريق و طالعته فوجدته قد بالغ في قدح العلماء الاصوليين كثيرا و اورد عليهم ايرادات كثيرة و تصلب في حماية علمائنا الاخباريين غاية جهده و من البين انه ليس مبني طريقة الاخباريين و الاصوليين علي مذهبين متباينين ممتازين في الاصول بحيث ان يلزم الانسان ان يكون اما علي طريقة هؤلاء او علي طريقة هؤلاء و اذا اختار طريقة يلزمه ان يجانب ما يقوله اهل الطريقة الاخري بالكلية فان كلتا الطائفتين الههم واحد و نبيهم صلي الله عليه و آله واحد و ائمتهم عليهم السلام اناس مخصوصون كل منهما يريدون اتباع هؤلاء يشاركون في اصول المذهب و كل منهما يريد اتباع آثار محمد صلي الله [ص 3] عليه و آله و اهل بيته الطاهرين غاية الامر انه قد اشتبه بعض الامور النظرية علي بعضهم و الاشتباه و الخطاء و النسيان بين كلا الفريقين مقسوم و ليس ان يكون احدي الطائفتين معصومة عن الخطاء و الزلل و احديهما خاطئة بل يجوز السهو و النسيان و الخطاء و الاشتباه علي كلتيهما البتة و لذلك تري علماءنا الاخباريين رضوان الله عليهم يخالف بعضهم بعضا في اصول تفقههم و فروعه و ليس ان يكون كل مسئلة قالها اصولي تركها اخباري و لا العكس بل هو علي حسب الانظار فكل من راجع الاخبار و نظر اليها بعين الاعتبار فهم منها شيئا و عمل به و انا والله نعلم ان علماءنا الاصوليين رضوان الله عليهم لميتعمدوا الخلاف علي آلمحمد عليهم السلام و ان اشتبه عليهم بعض الامور كما ان علماءنا الاخباريين لميتعمدوا الخلاف علي آلمحمد عليهم السلام و ان اشتبه عليهم بعض الامور و الواجب علي هذه العصابة المرحومة اقتفاء آثار آلمحمد عليهم السلام كائنا ما كان بالغا ما بلغ ثم ان اشتبه عليهم الامر في بعض الموارد فالله اولي بالعفو و نسأله ان يعفو عنا و عنهم بكرمه و فضله و كل منا اخبارينا و اصولينا مشاركون في الخطاء راجون العفو من الله سبحانه ثم لا شك ان مسائل الدين ليست ببديهية يعرفها كل احد في بادي نظره فهي نظرية تحتاج الي النظر و الفكر و الاستدلال عليها و انما يستدل عليها بالكتاب و السنة و هما عربيان فلا بد من معرفتهما و لايعرفان الا بعلم العربية سواء كان بتعلم الكتب النحوية او بمعاشرة العرب و فيهما الفاظ لا بد و ان يبحث الانسان عنها و يفحص حتي يعلم و فيها امر و نهي و عام و خاص و ناسخ و منسوخ و بيانات لاتعرف الا بعلم الكلام فهذه الجملة هي علم الاصول الذي يحتاج اليه الاخباري و الاصولي و قد الف [ص 4] هذه الجملة علماؤنا المتقدمون رضوان الله عليهم في كتاب و سموها اصولا و لا شك ان الفقه لايعرف الا بعلم الاصول غاية الامر انه قد غاص في بحار هذه الجملة جميع علمائنا و كل واحد منهم اخرج شيئا و هم بين مخطئ و مصيب سواء سموا انفسهم اخباريين او اصوليين فلايحتاج الي قدح قوم خاص و تصلب لقوم خاص كلهم اصوليون لا بد في تفقههم من علم الاصول و كلهم اخباريون يراجعون الاخبار و ان ظن الاخباري ان الاصولي لايراجع الاخبار فقد اساء و ان ظن الاصولي ان الاخباري ليس له اصول فقد اساء و ان ادعي طائفة منهم انه لميخطي في مسألة فقد ادعي بما ليس فيه و نري الاخباري يرد علي الاخباري و يخطئه فما ظنك بالمخطي مخطئ ام مصيب و اني بعد الامعان من النظر لماجد فرقا بين الاخباري و الاصولي اذ رأيت بعض هؤلاء يقول بمسائل هؤلاء احيانا و بعض هؤلاء يقول بمسائل هؤلاء احيانا فاحببت لما وجدتني فارغا في عرض الطريق ان اكتب بعض ما يسنح بالبال مما يتعلق باصول الفقه و طريق الاستدلال علي المسائل الفقهية و احكم علي الفريقين بالقسط فان الله يحب المقسطين و لما كان قصدي ان لااحكم بغير ما انزل الله و بغير الامور البديهية المتيقنة مما انزل الله سبحانه فارجو ان اصيب في محاكمتي و لااخطي انشاء الله فان الله سبحانه قد ارسل الرسل و انزل الكتب و اراد الهداية و التعليم فبلغ الي القلوب و الافهام فاذا قصدها الانسان و توجه اليه بكله لايكاد يخطي انشاء الله لقوله سبحانه الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا نعم اذا تفكر الانسان من ذات نفسه في شئ و اراد ان يستخرج كنهه باستقلال عقله او عقول غير المعصومين عليهم السلام يخطي في كثير من المسائل و ارجو من الله سبحانه ان لااخطي من هذه الجهة [ص 5] فان الهادي جاهد في الهداية و التفهيم معصوم و انا بتوفيقهم و هدايتهم معرض عن غيرهم منقطع اليهم قائل بقولهم دائن بدينهم مطلع علي مزال اقدام من سلف مجتنب عنها و الله العاصم و به استعين فاسمي هذه الرسالة بسوانح سفر خراسان و اعنون فصول الكلام بسانحة سانحة .
اعلم ان الله سبحانه في ذاته عالم قادر مختار اذ لا معلوم و لا مقدور و لا مختار قد خلق مشيته اولا فعلم بها و قدر و اختار ما خلق بمشيته فكان جميع خلقه سبحانه عالما قادرا مختارا الا انهم في هذه الصفات مختلفون في القوة و الضعف حتي انك تجد افراد بني آدم مختلفين في هذه الصفات فلاجل ذلك وصف الله سبحانه الاشياء بالعقل و اشار اليهم باشارة العقلاء حيث قال و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قال اتينا طائعين و الاخبار نادية بشعور كل شئ و اختياره متواترة و ان اردت ذلك فراجع اخبار عرض ولايتهم علي جميع الاشياء و لاتأول و لاتستنكف و ارجع اليها عقلك لا اياها الي عقلك فجميع الاشياء علماء قادرون مختارون علي حسب درجاتهم و ان الله سبحانه لميكلف اهل درجة الا بقدر ما وضع فيهم من العلم و القدرة و الاختيار قال سبحانه لايكلف الله نفسا الا وسعها و في آية الا ما آتيها روي الا ما عرفها ، فقد جعل في كل نفس ما اراد منه و لميرد منه الا ما جعل فيه فكلهم كانوا عارفين بما يريد الله منهم قال عليهم السلام ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما ، قال تعالي اعطي كل شئ خلقه ثم هدي فلما انزلوا الي دار البلي و الاختبار و عرضهم الاعراض و طرء عليهم الامراض نسوا ما علمهم الله سبحانه مما اراد منهم فاحتاجوا الي تنبيه و تذكير فلذا قال سبحانه [ص 6] و ذكر فان الذكري تنفع المؤمنين و التذكير ظاهر في امر منسي و سمي مبالغة رسوله ذكرا فقال ذكرا رسولا و سمي كتابه ذكرا قال فاسئلوا اهل الذكر فارسل الله اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و سن لهم السنن و شرع لهم الشرايع و ذكرهم بذلك جميع ما جعل فيهم اولا و نسوه عند النزول و منه قوله سبحانه و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لمنجد له عزما قال نسوا الله فانسيهم انفسهم و هل النسيان الا لما كنت ذاكرا له قال سبحانه و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي بالجملة ثبتت المعرفة في بدء الخلقة و نسوا الموقف و احتاجوا الي التذكير فذكرهم الله برسله و كتبه له الحمد و المن و له الشكر و الطول و الفضل و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
الناسي لايذكر نفسه و لا ناسيا آخر و انما يحتاج الي تذكير ذاكر فاجتبي الله سبحانه بفضله و جوده من بين خلقه اناسا لميعترهم النسيان و لميعرضهم غفلة الوسنان لميغفلوا عما جعل الله فيهم من العلم يوم اول و لمينسوا ما ذكرهم به فهم مستحفظون لعلمه سبحانه قيمون بامره لميغيروا و لميبدلوا و لمينسوا و لميغفلوا و قد اشهدوا خلق السموات و الارض و الاشياء كما هي و هم علي شهادتهم ستكتب شهادتهم خلق السموات و الارض و يسألون لانهم اهل الذكر و لاجل ذلك سموا بالذكر و اهل الذكر لانهم ذاكرون ما جعل فيهم و لهم فعلي اهل النسيان ان يسألوا اهل الذكر كيف لا و هم معصومون لا ظالمون و يقول الله سبحانه بئس للظالمين بدلا مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا فهم عليهم السلام اعضاد و اشهاد شاهدون علي [ص 7] ما كان و ما يكون لميكونوا تحت قوله نسوا الله فانسيهم انفسهم و لا تحت قوله و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا فهم عليهم السلام ذاكرون من بدء وجودهم الي منتهي شهودهم و كلفوا تذكير الناسين و امروا بسؤالهم و الاخذ عنهم و الرجوع اليهم في كل باب فمن تمسك بهم تذكر و من تخلف عنهم بقي علي نسيانه و اعراضه و ان له معيشة ضنكا و يحشر يوم القيمة اعمي و يقيض له شيطان فهو له قرين و ينسيه الله نفسه فالانبياء عليهم السلام هم الذكر و اوصياؤهم اهل الذكر علي اختلاف درجاتهم فيما جعل فيهم و لهم و علي الناسين سؤالهم و ليس لناس ان يرجع في تذكره الي نفسه في القليل و الكثير و لا الي ناس آخر و لو رضي الله للناسين استقلالهم بانفسهم و مقامهم علي نسيانهم لمابعث اليهم اهل الذكر و لماانطقهم بينهم و امرهم بتذكيرهم و كم من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون .
اعلم ان الله سبحانه خلق الانسان من عقل و نفس و العقل يدعو الي مولاه و يريد ان يعبد الرحمن و يكسب الجنان و النفس امارة بالسوء مشتاقة اليه و لكل مقتضيات و صفات و اعمال فالعقل اصل كل خير و من فروعه كل بر و النفس اصل كل شر و من فروعه كل فاحشة و ان الله سبحانه لميأمر عباده الا بمقتضيات العقل و اعماله و صفاته و لمينه الا عن مقتضيات النفس و صفاتها و اعمالها و لميأمر ابدا بشئ من غير مصلحة و لمينه عن شئ من غير مصلحة ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون فلميدع شيئا يقرب اليه و الي دار رضاه الا و امر به [ص 8] و لميدع شيئا يبعد عنه و يقرب من دار سخطه الا و نهي عنه و العقل في اول خلقه حين كان بصرافته يعرف مقتضياته و اعماله و صفاته اذ لايخفي عن الشئ مقتضاه و قد ذكرنا سابقا ان الله سبحانه خلق كل شئ في بدء خلقه عالما و لايخفي عليه مقتضيات النفس و اعمالها و صفاتها فانها نفسه و هو محيط بها مطلع عليها فما اجهل المترددين في ان حسن الاشياء و قبحها عقلي ام لا و هل جاءت الرسل الا بمقتضي العقل و هل امروا الا بما يقتضيه العقل و هل نهوا الا عما يقتضيه النفس فحسن الاشياء و قبحها عقلي و شرعي و هما سواء يشهد بعضها علي بعض لكن العقول الناسية للعهود لايدركون حسن الاشياء و قبحها لانهم شيبوا بما اعميهم و اصمهم من النفوس و العادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوة و ان الله سبحانه قدر بدو نشو الانسان في هذا العالم من الطين و قدر ان يصير نطفة و علقة و مضغة و عظاما و يكسي لحما ثم ينشا فيه الروح و يخرج طفلا و يكون رضيعا و فطيما و مراهقا و مدركا و جاهلا و يتعلم شيئا بعد شئ و يتأدب بالآداب و يتعلم العلوم و يرتاض برياضات و هو في كل رتبة يعلم شيئا و يغيب عنه اشياء و دائما يحتاج الي تعلم فلميكن العقل بصرافته في هذه الدنيا حتي يدرك حقايق الاشياء و حسنها و قبحها نعم بعد ما جاءت الرسل و راضوهم و ادبوهم و ربوهم و علموهم و نبهوهم و ذكروهم يذكرون بعد ذلك ما جعل فيهم يوم اول و ما كان يعرفونه و لايتذكر من غير واسطة الا النبي صلي الله عليه و آله فبطل الاستقلال بالادلة العقلية الا ما كان مؤيدا مسددا موزونا بميزان الانبياء و الاوصياء فانه لا عبرة بهذه العقول الناشئة من التراب النابتة في ارض العادات و الطبايع و الشهوات و الغضب و امثالها الا بعد ان تصفي كل التصفية و هو المعصوم [ص 9] او يكون مصدقا بقول معصوم و شهادته فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
ان الانسان لاينجو من بوادي الحيرة و الخسران الا ان يجعل لنفسه ميزانا و يوزن جميع اعماله و اقواله و صفاته بذلك و يجري عليه و لايتحير الانسان في دينه و لايخسر في مذهبه الا بالتخلف عن ذلك و كم من خائب و خاسر اراه قد خاب و خسر بذلك و هذا القول مني في النظر صغير و هو في الواقع كبير و كيف لايكون عظيما و قد هلك به جميع من هلك و احب ان افصل ذلك في هذه السانحة ابتغاء وجه الله اعلم انك بعد ما تنبهت في الجملة بقرانات هذا العالم و تفكرت في ان لك ربا صانعا واحدا عليما فاجعله ميزانا و وال اناسا يقولون بقولك و عاد اناسا ينكرون ذلك فانهم بعيدون عن الحق و بميلك اليهم تبعد عن الحق فكل قول يوافق هذا الميزان فخذه و كل قول يخالف ذلك فذره و انك اذا رددت اصل دين المنكرين لاتحتاج الي رد جزئيات دينهم فلاتصغ اليهم و لاتتوجه الي ردهم و لاتجاوبهم و لاتجالسهم و لاتقرأ كتبهم و لاتنظر اليهم فان كل ذلك مبعد عن الحق و التوجه اليه تضييع للعمر مثلا اذا بني صاحب علم المناظر اصل علمه علي خروج الشعاع و انت خالفت اصله و قلت بالانطباع لاتحتاج الي رد ساير مسائله و التوجه اليها فانها كلها متفرعة علي ذلك الاصل و قد بطل فكل مسئلة تتفرع علي انكار الرب مفروغ عنه بعد الاقرار بالرب و من غاص بعد ذلك في لجج مسائل انكار الرب فقد خاطر بنفسه و سعي في اهلاكها البتة و كذلك اذا اقررت بمحمد صلي الله عليه و اسلمت لله رب العالمين و تدينت بدينه و علمت ان دينه ناسخ لجميع الاديان فاعرض عن كل مسئلة يخالف هذا الاصل فما لك بعد ذلك في مسائل اليهود و النصاري و المجوس [ص 10] و غيرهم و المحاكمة بينهم و معرفة حقهم من باطلهم اليس باطلهم ما يخالف اصلهم و هو اعم من ان يكون علي اصلك او لميكن و اليس حقهم ما يوافق اصلهم و هو علي خلاف اصلك فالمسلم فارغ عن مسائل ساير الاديان و الغائص في لججها بعد اليقين بمحمد صلي الله عليه و آله معرض نفسه علي الهلاك و ان الله الغني وجد محمدا صلي الله عليه و آله عائلا بامته فاغني و نحن نستغني به عن جميع الاديان و الراجع الي غيره بعد كونه عياله مكتسب للنقص عليه و اذا تشيعت و صرت من اولياء آلمحمد عليهم السلام و عرفت بطلان غير طريقتهم فاعرض عن كل معرض عنهم و اترك جميع ما يرد علي مذهبهم او يوافق مذهبهم
فدع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المروي عن كعب الاحبار
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
و هذه النصيحة نصيحة سهلة في التواصف صعبة في التناصف و هل هلك من هلك الا بذلك و هل وقع في الخطاء من وقع الا لاجل ذلك فالناس يدعون مذهبا ثم ينقضون حجتهم بتمسكهم بفرع دين غيرهم و ستأتيك في خلال هذه السوانح امور كثيرة تري ان علماءنا رضوان الله عليهم قد اخطأوا و تمسكوا باقوال اناس خارجين عن مذهبهم و اجروا في هذا المذهب امورا تتمشي في مذهب غيرهم كلية و لاتتمشي في مذهبهم كلية و انما ذلك عن غفلة منهم عن هذه الدقايق و خطاء منهم و المعصوم من عصمه الله .
اعلم ان الله سبحانه بعث محمدا صلي الله عليه و آله علي فترة من الرسل و خفاء من السبل و الناس بين كافر لايعرف ربا و بين مشرك قد اتخذ معه الها و بين اهل كتاب حرفوا كتابهم و غيروا و بدلوا سنن نبيهم صلي الله عليه و علي [ص 11] ساير الانبياء و نسوا سننه و آدابه فابتعثه هاديا من الضلالة و منجيا من الهلكة مبينا لمرضاته و مساخطه اذ لميرض لهم مقامهم علي ما كانوا عليه و لميرض بما حسنه عقولهم او قبحته و بما اتخذوا لانفسهم دينا و مذهبا فلو رضي لهم ذلك لميبعثه و لميأمره بتكفيرهم و جهادهم و الحكم بنجاستهم و المباعدة عنهم فاضطلع قائما بامر الله سبحانه صادعا بشرايعه و احكامه لميدع شيئا فيه نجاة الخلق الا و امر به و لميترك شيئا فيه هلاكهم الا و نهي عنه فاجري علي لسانه كتابا هاديا من الضلالة منقذا من الهلكة مبينا لتحريفات الكتب السالفة و كثيرا مما يخفون من الكتاب و انزل عليه الشرايع و الاحكام شيئا بعد شئ الي ان اكمل له الدين و اتم عليه النعمة فانزل في كتابه اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فمن زعم ان الله قبضه و لميكمل له دينه فقد كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و اكمال دينه ان لايبقي شيئا من امر دينه يحتاجون فيه الي اليهود و النصاري و المجوس و الذين اشركوا بالله و يحتاجون الي عقولهم و اهوائهم و آرائهم و اجماعهم و غير ذلك و قد علمنا في مذهبنا ان الاكمال كان بنصب الخليفة بعده الذي هو عيبة علمه و مودع سره و شارح كتابه و لاجل ذلك قال اليوم اكملت اي بنصب الخليفة و علمنا في مذهبنا ان الذين كانوا معه ماكانوا يطيقون حمل دينه و احكام جميع الاعصار الي يوم القيمة و انما يقدر علي ذلك الاوصياء المعصومون بعده الحافظون الباقون الي يوم القيمة فقد استغنينا نحن معاشر الشيعة بنصب الخليفة الذي به اكمال الدين عن كل مذهب و كل دين يخالف مذهبنا فمن زعم ان الله سبحانه لميكمل لنا الدين بعد نصب الاوصياء فقد كفر و الاكمال ان لايبقي باقية يحتاج اليها في امر الدين [ص 12] فكل ما خرج من عند الاوصياء يحتاج اليه و يكمل به الدين و كلما لميخرج لايحتاج اليه و لايكمل به دين و ليس من شرط الكمال فاذا كان ما لميخرج اليهم ليس من كمال الدين فهو خارج من الدين البتة و كذا المتمسك به فان الله سبحانه لمينزل دينا ناقصا فيستعين بغيره في اتمامه و لمينزل دينا تاما قد قصر النبي المعصوم في ادائه و يكون قد اشركهم في نبوة نبيه و لميفرض غير طاعة نبيه و اوصيائه فاذا كان الدين الكامل ما قال به النبي و الوصي فلايجوز العدول عنهم الي غيرهم و لا اشراك غيرهم في امرهم و لايجوز لاحد ان يشرك بنبيه عقله او عقل غيره ابدا فما قال آلمحمد قلنا و ما دان آلمحمد دنا و من كمال الدين ان يبين لهم جميع ما يحتاجون في معرفة الدين اليه و كل دليل يحتاج اليه ، عجبا لقضائهم يزعمون ان الحكماء لما عرفوا ان الحكمة لاتعرف الا بالدليل و لايمكن الاستدلال الا بالمنطق فقدموا المنطق في التعاليم و يزعمون ان نبيهم لما جاء بحكمة الله العظمي لميعرفهم ما يحتاجون في معرفته اليه و لميفهم ما فهمه الحكماء ذلك ظن الذين لايوقنون فكل مقدمة يحتاج اليه في معرفة الشرع و الدين فقد بينوا و اوضحوا و شرحوا و افصحوا و لميقصروا فلايمكن ان يكون فقه الدين يحتاج الي اصول و اساس لميبينوا و لميوضحوا و يخذلون رعيتهم و يحوجونهم الي اعدائهم نعوذ بالله فكل اصل و اساس يحتاج اليه في معرفة الفقه و الدين لا بد و ان يكون مذكورا في احاديثهم و سنتهم و كل ما لميذكروه علمنا بانا لانحتاج اليه البتة فالفحص عنه و البحث عنه تكلف زايد و تضييع للعمر و تشويش للذهن و تغيير لخلق الله و تبديل للفطرة المستقيمة البتة فاثمه اكبر من نفعه .
انصف من نفسك و احكم للحق و لاتخاطر بنفسك و انظر بنظر الايمان و طلب الحق و ترك الاستيناس بشئ و انظر في هذا العلم الذي دونوه و سموه اصولا و قد بلغ من درسه انه لاتنتهي دورة منه الا في ثلثين سنة و قد كتبوا فيه كتبا يبلغ طول الكتاب الواحد منها مائة الف بيت و اقل و اكثر و يزعمون انه لايعرف فقه الدين الا بذلك و الفحص عنه و البحث فيه هل ذلك صدق ام كذب يحتاج الكل اليه في الدين ام لا فان كان كذبا و لايحتاج اليه فما هذا التضييع و التشويش و ان كان يحتاج اليه و هو صدق فهو مما يعم به البلوي كما تري من كثرة المصنفات فيه من المتقدمين و المتأخرين و كثرة البحث فيه حتي ان المتداولين له اكثر من المتداولين للفقه و المحققين له اكثر و اوفر من المحققين في ساير العلوم فلو كان هذا العلم علي ما قرروا مما يعم به البلوي و يحتاج اليه في الدين لكان اللازم ان يقع فيه سؤال و جواب عن آلمحمد عليهم السلام و كان يصير من المتواترات البديهيات لمكان احتياج كل الاصحاب اليها و لكان يذكر في جميع اصولهم المدونة و كان يصير من ضروريات مذهب الشيعة و كيف يمكن ان لايكون الاصحاب تفطنوا بهذه الاسولة و هم يرون علماء العامة يتكلمون فيه دائما و يدرسون في المدارس و يكتبون الكتب و قد علم انه اول من صنف في علم الاصول الشافعي و اقوالهم في كتب علمائنا مضبوطة فضلا عن كتب العامة و من كتبنا كتاب المفاتيح مشحون به و قد كان متقدموا العامة الاصوليون معاصرين للائمة عليهم السلام و اصحابنا مخالطون معهم حاضرون مجالسهم يسمعون انهم يقولون لايعرف الفقه الا بهذا العلم و يقيمون عليه الادلة و يكتبون الكتب فهل يمكن ان لايكون الاصحاب في مدة ثلثمائة سنة لميتفطنوا ذلك حتي [ص 14] يسألوا و يجيبهم ائمتهم في ذلك هب انهم لميتفطنوا فان كان علمه واجبا لم لميبتدأ الائمة عليهم السلام بتعليمه و التحريص اليه و الترغيب فيه و حثهم علي ضبط ذلك و البحث عنه و ان قال قائل ان الائمة عليهم السلام قد قالوا و بينوا علم الاصول علي ما قرر هؤلاء اقول اين هو و انا نري ان اصحابنا عنونوا في كتبهم بابا في الاستنجاء و في امور لايعم بها البلوي و لايحتاج اليه الا آحاد الناس في قرن مرة و لميعنونوا هذه المسائل في ابواب و يذكروا اخبارها و لميفردوا كتابا فيها كما افردوا الكتب في كل مسئلة بها اعتناء و نري علماءنا المتقدمين و المتأخرين رضوان الله عليهم مع شدة احتياجهم الي ادلة تعاضدهم و شدة اعتنائهم بهذه المسائل و كثرة بحثهم و فحصهم فيها و حثهم عليها و صرفهم العمر فيها لميذكروا في تلك المسائل في خلال الابواب حديثا واحدا يدل علي مرادهم و لو وجدوا و كان لكانوا يضعونه علي العين و الرأس و يفردون له كتابا و ابوابا و ينشرونه في العالم فلو انصف ناظر و نظر فيما ذكرت و في سكوت آلمحمد عليهم السلام عن هذه المسائل و سكوت الاصحاب و خلو كتب الاخبار عنها و خلو كتب اهل الفن عنها مع طول بحثهم في مدة الف سنة و ازيد لقطع بان هذه المسائل ليست من دين الله و لا الي دين الله و يقطع بقيام الاجماع الذي لا شك في دخول المعصوم فيه علي ان هذه المسائل ليست من دين الله و لمير آلمحمد عليهم السلام الصلاح في البحث عنها و الفحص عنها ابدا و لايحتاج اليها في الدين و الباحث عنها متكلف يشوش ذهنه و يوقع نفسه في الهلكة البتة نعم في علم الاصول مسائل قد وقع السؤال عنها كثيرا و اجابوا عليهم السلام و تواترت و اشتهرت و اثبتت في كتب الاخبار و هي في علم الاخبار و عند العامل بالاخبار [ص 15] كالشمس في رابعة النهار كحرمة العمل بالظن في احكامه سبحانه فانه قد نزل فيه قريبا من سبعين آية بالعد و تجاوز الاخبار فيه عن حد التواتر و يعرف ذلك من مذهب الشيعة كل من راجع اخبارهم و كتابهم علانية و كحرمة الرأي و الاجتهاد و القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة في دين الله اذ قد تواتر في هذه الاخبار حتي صارت في الشهرة اشتهار الشمس في رابعة النهار و لايخفي علي من له ادني شعور يراجع كتب الشيعة انه ليس من دينهم و كحرمة علم الكلام ان لميؤخذ عنهم و قد استفاض بها الاخبار فلايجوز تداول المقدمات الكلامية في علم الاصول ما لميكن فيها نص و لميبق اصل من الاصول يناسب ذكره فيه الا و قد بوب له ابواب و ذكر فيه اخبار كثيرة و قد كتبنا في ذلك اي في اصول وردت عن آلمحمد عليهم السلام كتابا سميناه فصل الخطاب و كتب الشيخ الحر فيه كتابا سماه بالفصول المهمة و كتب فيه ساير علمائنا كمحمد امين الاسترابادي و القاشاني و الشيخ يوسف البحراني و غيرهم من المتقدمين و المتأخرين و كتب الاخبار بعد ذلك بها مشحونة فلو كان غيرها ايضا قد صدر لكان يذكر في كتبنا و العجب ان فقيها واحدا يفحص عن مسئلة واحدة ليلة او ليلتين فان لميظفر له بدليل يقول قد استفرغت وسعي و جاهدت جهدي و لماظفر له بدليل و لو كان لماكان يخفي علي و عندي كتب الاولين و الآخرين و نظرت فيها و يصدق ثم يقول عدم وجدان الدليل دليل عدم الوجود و هذه المسائل لقد تكلم فيها الناس من عهد آلمحمد عليهم السلام الي هذه الاعصار و لميظفروا لها بخبر و نص و آية و لميذكروا فيها رواية و لو ان تكون دالة علي التكلف فمع ذلك يمكن ان يكون قد صدر عنهم و خفي عنا و هيهنا ليس عدم الوجدان دليل [ص 16] عدم الوجود و قد فحص عنه الوف من العلماء في الف سنة و اكثر فتدبر و انصف و اعلم انه قد قام الاجماع بانها ليست من دين الله اماتعتبر من اناس اجمعوا علي جواز العمل بالظن في الاحكام و ينادي سبعون آية في كتاب الله بحرمته و احاديث متجاوزة حد التواتر بحرمته و لميجد متقدمهم و متأخرهم آية واحدة و لا رواية واحدة في جواز العمل بالظن ابدا ابدا و انت علي ما عرفت تري قيام الاجماع الذي لا ريب فيه قائما علي حرمته و الكتاب و السنة ناطقان بحرمته و انه ليس من دين فهل اجمعوا علي ترك الكتاب و السنة و هل اجمعوا علي اختراع مسئلة و مذهب نعوذ بالله و الحكم اليه نعم قد تكلف متكلفهم بعد قرون و سنين و روي رواية ان الانسان متعبد بظنه ، و لميعرف احد موضع هذا الحديث و لا راويه و لا الاصل الذي نقل عنه ثم بعد ذلك اين ذهب القاعدة المسلمة اعرضوه علي كتاب الله و فيه سبعون آية نادية بخلافه و اين ذهب العرض علي السنة و فيها اخبار متواترة تنادي بانكاره و اين ذهب خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه ، و اين ذهب العرض علي العامة و قد اجمعوا علي العمل بالظنون و ذلك من ديدنهم و شأنهم و اين ذهب خذ بما فيه الحائطة ، و الاحتياط ترك العمل بالظن و اين ذهب الاخذ بالمحكم و رد المتشابه اليه و نحن نتكلم في مدلول هذه العبارة فان معني المرء متعبد بظنه ، يعني ان ظن القبول و الاجابة قبل عنه و الا رد عليه كما روي ان الله عند ظن عبده ان خيرا فخير و ان شرا فشر و في الدعاء قد وعدت المحسن ظنه بك ثوابا و اوعدت المسئ ظنه بك عقابا ، و في القرآن و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فمعني قوله المرء متعبد بظنه ، يعني يعبد الله بحسب ظنه ان كان حسن الظن يعبد كثيرا و الا [ص 17] قليلا او امره الله بحسن الظن و لا شك ان هذه العبارة ليست بنص في جواز العمل بالظن بالجملة امثال هذه المسائل كثيرة مما ليس فيها نص و لا اثر و لااقول جميع مسائل الاصول كذلك بل فيها مسائل عليها نصوص و كلما فيه نص قد تواتر فيه لكثرة الدواعي الي نقله و وفور الحاجة اليه و علم الفقه لا بد فيه من اصول و قد بينوا و اوضحوا و اكثروا فيها الاعلام و الاخبار و قد جمعناها في فصل الخطاب و صنف فيه كتب كثيرة و الحمد لله و لكن علماؤنا رضوان الله عليهم اخطأوا و اشتبه عليهم الامر في بعض المسائل و المعصوم من عصمه الله .
ان اصل هذه البلية بين الفريقين ان العامة لما فقدوا النبي صلي الله عليه و آله و لميلجئوا بعده الي ركن وثيق و زعموا انه صلي الله عليه و آله اخبرهم بجميع الدين و لميخص احدا بتعليمه لئلايضيع من في اصلاب الرجال و ارحام النساء و زعموا انهم بعده القي حبلهم علي غاربهم ثم كذب زعمهم فرأوا ان الاخبار الواردة عن النبي صلي الله عليه و آله لمتكفهم اسسوا اساس الاجتهاد و اصلوا لانفسهم اصولا يستخرجون عنها الاحكام الجزئية فمرة تمسكوا بعمل الصحابة كلهم او بعضهم و مرة تمسكوا بالاستحسانات و مرة تمسكوا بالمصالح المرسلة و مرة تمسكوا بالقياس و مرة بالاستصحاب و مرة باصل البراءة و مرة بترك الاستفصال و مرة باللوازم و مرة بان عدم الدليل دليل العدم و هكذا حتي يكثر لهم مدارك الاحكام و يقدروا علي استخراج الفروع و ايدوا ذلك كله بجواز العمل بالظن ثم اكدوا بان عليه بناء العالم و اساس عيش بني آدم و دعاهم الي جميع ذلك انهم زعموا فقد النبي و انهم القي حبلهم علي غاربهم و لا بد و ان يتكفلوا هذا الدين المنقطع عن صاحبه ثم لما وجدوا انهم بقوا بعده صلي الله عليه و آله [ص 18] في عرض واحد و لايقوم علي ذلك الدنيا اخترعوا ان الناس لا بد و ان يكونوا علي قسمين مجتهد و مقلد فعلي المجتهد ان يقول بظنه و رأيه و هواه و علي المقلدين ان يستمعوا و يطيعوا فركبوا بذلك علي اعناق الناس و استبدوا بالامر و النهي و الحكم و ادعوا بذلك الامامة و اصلحوا بذلك خلافة خلفائهم فانهم ادعوا ان ابابكر و عمر و عثمن كانوا مجتهدين يعملون بظنونهم و آرائهم و المصالح و ساير الناس كانوا مقلدين لهم فكان لهم ان يقولوا و عليهم ان يقبلوا و اما الشيعة في الصدر الاول كانوا يقولون الخلق نبي و امة فاذا ذهب النبي فامام معصوم مطهر و شيعة و مشوا علي ذلك طول اعصار الائمة عليهم السلام فكانوا تابعين مقلدين لائمتهم المعصومين عليهم السلام و لميكن ائمتهم مجتهدين عاملين بالظن و الرأي و قد ورد بذلك اخبار اوردناها في كتاب القواعد و فصل الخطاب و غيرهما فمضوا علي ذلك برهة من الدهر و لميتفاوت عليهم حال حيوة النبي و بعد وفاته فجروا علي ذلك الي ان غاب الامام و ابتلي الانام فتفرق الشيعة هنالك علي مذهبين فمنهم من زعم ان بلية العامة قد جرت عليه ففقد النبي و غاب الامام و القي حبلنا علي غاربنا و كفلنا امر الدين و لايكفينا الاخبار الموجودة و لا بد لنا من تحصيل المدارك لساير المسائل لاسيما ان الاخبار ليست يقينية فتبدل اليقين بالظن و صرنا كالمسلمين بعد فقد النبي و لايقوم امر الناس الا ان يكون فيهم مجتهد و مقلد فعلي المجتهد ان يقول بظنه و رأيه و علي ساير الناس تقليده ثم نوعوا الاخبار الي الانواع الاربعة فمنهم من زعم انها كلها آحاد لاتفيد علما و لا عملا و المتواتر ان وجد ليس الا احاديث عديدة لاتكفي في جميع الموارد و استعمل المدارك العقلية المخترعة في اكثر [ص 19] المسائل و الاجماعات في بعضها و الاستصحاب و اصل البراءة في بعض اخر و ساير الاصول في بعض اخر و افتي في جميع المسائل مع انكاره جواز العمل باخبار الآحاد و منهم من جوز العمل بالصحاح و انكر جواز العمل بالباقي و افتي في ساير الموارد بساير المدارك الموضوعة و منهم من جوز العمل بالصحاح و الحسان و استعمل المدارك الموضوعة في البواقي و منهم من جوز العمل بكل خبر عمل به الاصحاب ثم استعمل المدارك الموضوعة في الباقي و منهم من انكر العمل باليقين و استحاله و جوز العمل بالظنون الحاصلة من الاخبار خاصة و منهم من استحال العمل باليقين في دين الله و جوز العمل بمطلق الظنون و قال نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن منها و من اي موضع حصل الظن كفي سواء كان من الاخبار او غيرها و جعلوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون و منهم من قال لايجوز لنا العمل في الدين بشئ سوي الآثار و الاخبار و كتاب الملك القهار و انكروا علي الاولين الظن و التخمين و اوجبوا العمل باليقين و هؤلاء ايضا اختلفوا فيما بينهم علما و عملا اختلافات كثيرة و لميعضوا علي العلم بضرس قاطع و لميقدروا علي رد شبهات الاولين كملا علي الحقيقة نعم كانوا اصوب رأيا و احمد عاقبة من الاولين لانهم كانوا علي الطريقة مع جهل باسرارها و وضع كل شئ موضعه و نحن قد فصلنا الامر و شرحنا في كتابنا القواعد و الحمد لله رب العالمين و نذكر هيهنا طريقتنا في تلو سانحة اخري لتكون ممتازة عما سواها .
اما نحن فنقول ان الناس كانوا قبل رسول الله صلي الله عليه و آله في جهالة جهلاء فبعث الله اليهم الرسول صلي الله عليه و آله و له الحمد و المنة [ص 20] فعلمهم من الجهالة و هداهم من الضلالة و لميكن لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم ، الله يخلق ما يشاء و يختار و كان اللازم عليهم ان يأخذوا بما آتيهم الرسول و ان ينتهوا عما نهيهم و يسكتوا عما سكت و ينطقوا بما نطق و لميكن لاحد ان يشرع لنفسه شريعة او يبتدع لنفسه بدعة و لميكن لجماعتهم ان يجمعوا علي خلاف رضاه بل كان اللازم ان يكونوا عنده كالميت بين يدي الغسال و ان لايتقدموا بين يدي الله و رسوله في شئ من الاشياء فلما قبضه الله اليه اقام بيننا وصيه و خليفته و نفسه يجري له من الطاعة ما كان يجري لرسول الله صلي الله عليه و آله و كان الواجب ان لانتقدم عليه و نأتمر بامره و ننتهي عما نهي و ننطق بما نطق و نسكت عما سكت و لميكن يجوز لاحد ان يعمل بما يرويه عن رسول الله صلي الله عليه و آله الا بتصديقه و تقريره و له ان شاء غير ذلك و ان شاء ابقي فكل مسئلة غيرها نرجع عنها و كل مسئلة سكت عنها و تركها نقيم عليها بتقريره الي ان يغير و هكذا بعده اذا قبض كل امام عن عصره و قام بعده القائم مقامه يجري لآخرهم من الطاعة ما جري لاولهم يجب علينا في جميع هذه الاوان ان نسكت عن جميع ما سكتوا و ننطق بما نطقوا لميكن لاحد منا ان يحدث في دينه شيئا واحدا و لا لجماعتنا ان نجمع علي شئ يخالف رضاهم كما كنا في عهد رسول الله صلي الله عليه و آله و اما بعد ان غاب عنا الامام الثانيعشر فقد غاب عنا شخصه و لمنغب عنه و هو الشاهد علينا العالم بمصالح امورنا و بمفاسدها و بالزيادة و النقصان لايجوز لنا ان نعمل بشئ رويناه عن رسول الله صلي الله عليه و آله و لا عن آبائه الا بتصديقه او تقريره فان منعنا عن العمل بها نمتنع [ص 21] و ان امرنا بها او سكت عن تغييرها نمضي علي وجهنا كما كنا نمضي و لمنكن نستغني في عصر امام من الائمة عنه في شئ من المسائل ابدا و قد سئل الامام الثانيعشر عن العمل في اوانه فقال اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة اخبارنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ، فامرنا بالاخذ بالاخبار السابقة و لميغير و لميبدل فعملنا بتلك الاخبار باشارته فلميتفاوت علينا اليوم و يوم ظهورهم ابدا فانه يشاهدنا و يعلم الزيادة و النقصان و قد تواتر بذلك الاخبار كما اوردناها في فصل الخطاب و رسالة التسديد فنحن عاملون بهذه الاخبار كأننا بين يديه و نعمل بشئ فمهما سكت عنا نعلم بتقريره انه حق لا مرية فيه فانه الشاهد المطلع المأمور من عند الله بالهداية القادر بالله سبحانه فيما يشاء و سنشرح ذلك في سانحة اخري انشاء الله تعالي و لايجوز لنا ان نخترع شيئا في ديننا و لا ان نقول في اصول الدين و اصول الفقه و ساير الموارد شيئا الا برواية ناصة علي المورد عموما او خصوصا فما قال آلمحمد قلنا و ما دان آلمحمد دنا و ما سكت عنه آلمحمد سكتنا و لايجوز لاحد ان يغير او يبدل و لانحتاج الي مجتهد و مقلد بل الخلق اليوم و ابدا حجة و محجوج فالحجة هو الامام المعصوم الناطق بدين الله سبحانه و الخلق محجوجون بذلك الحجة مأمورون بطاعته نعم منهم روات لاحكامهم الينا و نحن روات الي غيرنا و هلم جراً فكل الناس روات و كلهم مروي لهم يسمعون مما روي لهم و يروون لمن يسمع منهم و يجب علي الناس ان يعملوا بما علموا انه قول آلمحمد عليهم السلام كما قال عليه السلام ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لمتعلموا فردوه الينا ، نعم بعض الناس اعلم من بعضهم بسبب كثرة روايتهم و درايتهم و كل من يعلم احكامهم حاكم علي من رجع [ص 22] اليه اذا حاز ساير شرايط الحكومة قال ابوعبدالله عليه السلام انظروا الي رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه انتهي ، فان قلت فما الفرق بين العلماء و العوام حينئذ قلت الفرق بينهم و بين العوام ان العوام التهوا بالدنيا و تركوا مراجعة اخبار آلمحمد عليهم السلام و ضبطها و العلماء تفرغوا الي مراجعة الاخبار و النظر فيها بعين الاعتبار و الغوص في بحار دقايقها و الانغماس في لجج حقايقها و لا شك انهم لاجل ذلك اعلم بها و اعرف و اعلم بظواهرها و خوافيها و ابصر بما فيها فاذا عرفوا مراد آلمحمد عليهم السلام بنظر الدقة و تيقنوا يروون لغيرهم نقلا بالمعني او باللفظ فمن يثق بهم يعمل بروايتهم كما كان زرارة يروي الرواية اما نقلا بالمعني و اما رواية باللفظ و هذا العالم اخذ به فان قلت ان زرارة ماكان يجتهد و ينظر و انما كان ينقل ما كان يسمع اقول كذلك نقول اليوم في العالم نقول ليس له ان يجتهد في دين الله و ينظر من ذات نفسه و ينطق بحكم ليس فيه نص فقد قيل لابيعبدالله عليه السلام ان قوما من اصحابنا تفقهوا و اصابوا علما و رووا احاديث فيرد عليهم الشئ فيقولون فيه برأيهم فقال لا و هل هلك من مضي الا بهذا و اشباهه انتهي ، و كفاك و من لميحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون فيجب ان يكون الحكم بما انزل الله و لمينزل الله علي زيد و عمرو شيئا و انما انزل علي لسان محمد صلي الله عليه و آله و في بيته و علي آلمحمد عليهم السلام فالفقيه اليوم يتجسس و يتفحص حتي يستيقن برواية بالعلم العادي انه من آلمحمد عليهم السلام فيجوز له حينئذ ان يرويه لغيره فاذا روي لغيره يعمل به من يثق به و يروي هذا السامع لغيره فيعمل بقوله من يثق به [ص 23] و هكذا فمن عهد رسول الله صلي الله عليه و آله الي اليوم يكون الامر علي وتيرة واحدة و كان الامر دائما كذلك الاتري ان في عصر الامام عليه السلام كان الامام في بلد واحد بل في بيت واحد و محبس واحد لايصل اليه ايدي جميع الناس بل ربما ماكان يصل اليه الاصحاب الحاضرون في بلده بل ربما لميمكنهم سؤاله و هم في مجلسه ان يسألوا و كان مدار جميع الشيعة في جميع الاقطار بالكتب و الروات فاحسب اليوم الامام في محبس هرون الرشيد و هل كان يجوز ذلك اليوم الاجتهاد و الرأي و الاستحسان و القياس و المصالح و لو كان عملهم في البلاد بالاجتهاد علي ما هو المتعارف لشاع كتبهم و تصانيفهم و آراءهم و اقوالهم و النقل عنهم حتي يملأ الاصقاع كما شاع كل ذلك من علماء العامة المعاصرين لهم فمن انصف و تدبر عرف ان اساس الاجتهاد و التقليد بناء من العامة في مقابلة الشيعة حيث كان لهم بعد رسول الله امام و شيعة فسولوا لانفسهم مجتهدا و مقلدا كما كان الشيعة يقلدون امامهم قال رسول الله صلي الله عليه و آله ايها الناس علي بن ابيطالب فيكم بمنزلتي فقلدوه دينكم و في حديث آخر اين التقليد الذي كنتم تقلدون جعفرا و اباجعفر ، فلا بد للشيعة ان يقلد امامه و ان قلنا بتقليد العامي للعالم نريد انه اتكل عليه في الرواية و اخذ بروايته فمن زعم ان الناس اليوم مجتهد و مقلد و علي المجتهد ان يقول علي حسب ظنه سواء روي فيه رواية ام لا و علي الناس ان يقلدوه فلا شك انه ذهب في هذه المسئلة مذهب العامة العمياء و ضل الطريق كما هو بين و من قال ان الناس مجتهد و مقلد و قصد ان من الناس من يسعي في تحصيل الرواية القطعية حتي يرويها و من الناس من لايسعي فمن لايسعي يأخذ عمن يسعي فلا بأس بقوله و لاننازعه [ص 24] في اصطلاحه من باب المداراة الا ان المحب لايرضي ان يصطلح في علمه باصطلاح اهل البدع لاسيما انه قد يخدع الاصطلاح الانسان و يلقيه في بلية المعاني الشايعة منه كما لايخفي للمنصف الاتري ان النصاري لميريدوا بان عيسي ابن الله ان الله سبحانه وضعه و ولده حقيقة و لكن اصطلحوا علي كرامته علي الله سبحانه انه ابن الله فنهيهم الله عن ذلك لانه يخدع الناس فربما يزعم الجهلة انه ابن الله حقيقة او يغفل الطبع احيانا عن المعني المصطلح و يزعم غفلة ظاهر مدلوله فلميرض الله لهم ذلك فما قيل انه لا مشاحة في الاصطلاح كلام صدر عن رجل لا علم له بالسياسة و في الاصطلاح مشاحة و اية مشاحة كقولهم لا مناقشة في الامثال فان فيها مناقشة و اية مناقشة قال الله سبحانه لاتضربوا لله الامثال و انما ذلك فان فيها آثارا لاتخفي علي العالم بالسياسة .