يا ايها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسي ان يكونوا خيرا منهم و لا نساء من نساء عسي ان يكن خيرا منهن و لاتلمزوا انفسكم و لاتنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان و من لم‌يتب فاولئك هم الظالمون .

القراءة عن يعقوب لاتلمزوا بضم التاء و لم‌ار في اللغة المز من باب الافعال .

الظاهر قوله عز و جل لايسخر اي لايهزء من سخر منه و به كسمع و فرح هزئ و القوم يقع علي الرجال دون النساء و هو جمع قائم كزور و زاير و اما مصدر نعت به فشاع في الجمع و القيام بالامور شأن الرجال كما قال تعالي الرجال قوامون علي النساء و اما اطلاق القوم علي الرجال و النساء كقوم عاد و ثمود فعلي التغليب او ان النساء تابعة للرجال و لمز عاب و اصله الاشارة بالعين و نبزه عابه و تنابزوا تعايروا و تعايبوا ثم خاطب الله المؤمنين و ادبهم و ذكر لهم حقوق الاخوان بعد ان اثبت لهم الاخوة فقال يا ايها الذين آمنوا و ثبت اخوتكم بايمانكم و لجأتم الي ركن واحد وثيق و آمنتم بالله و رسوله و حججه و واليتم اولياءهم و واخيتموهم و عاديتم اعداءهم و اجتنبتموهم لايسخر قوم من قوم اي لايهزء رجال برجال بذكر بعض ما فيهم من [ص 88] الصفات الدنية عسي ان يكونوا اي المسخورون خيرا منهم عند الله بان يكون ذواتهم طيبة و فيهم من الصفات الذميمة بالعرض و يكون ذواتكم خبيثة و فيكم من الصفات الحسنة بالعرض بسبب اللطخ و الخلط الواقعين في الطين قيل لموسي بن جعفر عليه السلام يا ابن بنت رسول الله ان هيهنا رجال من مواليكم يشربون الخمور و يرتكبون الموبق من الذنب فيسوغ لنا ان نقول انهم فساق فجار فقال لا يا فلان والله ما الفاسق الفاجر الا الناصب لنا حربا و لكن قولوا مؤمن النفس خبيث الفعل طيب الروح والله لن‌يخرج ولينا من الدنيا الا و الله و رسوله و نحن عنه راضون الخبر ، او اذا وزنوا يوم القيمة بميزان قسط رجح خيرهم علي شرهم و اذا وزنتم رجح شركم علي خيركم و عسي ان يرحمهم بسخريتكم غيرة لهم بايمانهم و يؤاخذكم بسخريتكم اياهم غضبا عليكم و لا نساء من نساء عسي ان يكن خيرا منهن و معناها كالفقرة السابقة و لايدل الآية علي جواز سخرية الرجال بالنساء و سخرية النساء بالرجال فانهما مسكوت عنهما و لهذا النهي فروع كثيرة فان السخرية لاتختص بالقول فيشمل القول و الفعل فيشمل كل عمل عملته استهزاء بمؤمن و كل قول ذكرته استهزاء به فيعم كل هجر و منع و ايذاء و اهانة و خذلان و اذلال و احتقار و استخفاف و تعيير و تأنيب و بهتان و غيبة و تعييب و اذاعة سر و رواية عليه و سب و لعن و تهمة و غير ذلك قولا و فعلا و قوله و لاتلمزوا انفسكم اي لاتعيبوا انفسكم اي اخوانكم المؤمنين و فيه اشعار بجواز لمز غير المؤمنين و [ص 89] عيبهم و هو كذلك قال ابوجعفر عليه السلام ان اقرب ما يكون العبد الي الكفر ان يواخي الرجل الرجل علي دينه فيحصي عليه عثراته و زلاته ليعيره بها يوما ما و قال ابوعبدالله عليه السلام من عير مؤمنا بذنب لم‌يمت حتي يركبه ، و الاخبار في ذلك كثيرة جدا و اما قوله عز و جل و لاتنابزوا بالالقاب اي لاتعيروا و لاتعايبوا بذكر الالقاب و لاتظهروا عيب المؤمنين بذكر القاب سيئة يكرهها المؤمن سواءا كان ملقبا به عند الناس و هو يكرهه او تلقبه انت به تعايرا و تعايبا و يعم ذلك السب و الشتم بان تقول له يا فاسق يا فاجر و امثالها فانها القاب سوء و ان تقول ليهودي اسلم يا يهودي او كان قبل يشرب خمرا فتاب فتقول له يا شارب الخمر الحاصل هو توصيف الرجل بصفة يكرهها فان اللقب في اللغة كل اسم لم‌يسم به الرجل و هو علي ثلاثة اقسام لقب تعريف و لقب تشريف و لقب تسخيف اما التعريف فهو كالبريد و الكاتب تقول فلان البريد و فلان الكاتب و ذلك لا عيب فيه و قد كان و يكون بلا نكير و كراهة من احد و اما التشريف فهو كالمصطفي و المرتضي و المجتبي و امثالها و لا نهي عن ذلك و اما التسخيف فهو كلما يكرهه صاحبه و فيه عيب و هذا هو المنهي عنه قال ابوعبدالله عليه السلام لا خير في اللقب ان الله يقول في كتابه و لاتنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ، و قيل بحضرة الرضا عليه السلام في شعر انشدنيه ابوالعتاهية لنفسه قال هات اسمه و دع عنك هذا ان الله يقول و لاتنابزوا بالالقاب و لعل الرجل يكرهه انتهي ، و العتاهية كعلانية مصدر عته الرجل [ص 90] كفرح بمعني نقص عقله من غير جنون او دهش و عن القمي ان هذه الآية نزلت في صفية بنت حي بن اخطب و كانت زوجة رسول الله صلي الله عليه و آله و ذلك ان عايشة و حفصة كانتا تؤذيانها و تشتمانها و يقولان لها يا بنت اليهودية فشكت ذلك الي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال الاتجيبينهما قالت بماذا يا رسول الله قال قولي ان ابي هرون نبي الله و عمي موسي كليم الله و زوجي محمد رسول الله فما تنكران مني فقالت لهما فقالتا هذا اعلمك رسول الله فانزل الله في ذلك يا ايها الذين آمنوا لايسخر الآية ، و اما قوله بئس الاسم الفسوق بعد الايمان يعني بئس الاسم اسم الفسوق لكم بعد ان سميتم بالايمان و يقبح ان تسموا بالفسوق بعد ان شرفتم باسم الايمان و المراد ان سخرية المؤمنين و المؤمنات و عيب المؤمنين و ذكر الالقاب السيئة لهم فسوق و قد قال الله سبحانه افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون و اذا مااستووا لن‌يجتمعوا في درجة واحدة البتة بل الآية تشعر بمعني آخر علي ان يكون الفسوق بمعني الكذب كما في الخبر و هو ان ما تذكرون في حق المؤمنين من المعايب و النقايص كلها كذب و المؤمن بريء منها كما مر في حديث موسي بن جعفر عليه السلام ان المؤمن لايكون فاسقا فاجرا و انما الفاسق الفاجر هو الناصب فكلما يعاب به المؤمن الطيب الذات هو بريء منه و ما يتراءي عليه من العيب هو من لطخ النصاب و هو منهم و اليهم ليس من المؤمن و لا الي المؤمن فقوله تعالي بئس الاسم الفسوق اي بئس الاسم ان تسموا بالكذب اي [ص 91] توصفوا به و تغلب عليكم تلك الصفة حتي تسموا به كما يقال زيد عدل بعد ان سميتم بالايمان و الكاذب ملعون و المؤمن لايكون ملعونا ، و اما قوله و من لم‌يتب فاولئك هم الظالمون يعني من لم‌يتب من سخرية المؤمنين و المؤمنات و عيبهم و ذكر لقب سوء لهم فاولئك هم الظالمون لاخيهم المؤمن و الله سبحانه ينتقم للمظلوم من الظالم و ينصره عليه و يظهر براءة المظلوم و عصيان الظالم و يفضحه يوم القيمة نعوذ بالله و هم الظالمون لانفسهم حيث لم‌يتوبوا مما يهلكهم و يوردهم المهالك و العذاب كما قال ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون ، و من معاني هذه الآية الشريفة ان للمؤمنين درجات عديدة تبلغ تسعة و اربعين و كل ذي درجة عقايده و اعماله علي حسب درجته فلايسع صاحب الدرجة الاولي ان يكون كصاحب الدرجة الثانية و لا صاحب الدرجة الثانية ان يكون كصاحب الدرجة الثالثة و هكذا فلايجوز لصاحب درجة عليا ان يسخر بصاحب الدرجة الدنيا و يهزأ بعقايده و اعماله و ان يلمز به و ينابزه بالقاب سيئة كالعاجز و الناقص و الجاهل و الضال و امثال ذلك و لو جاز ذلك لجاز ان يعامله من هو اعلي منه بذلك و يكشف عن ذلك قول ابي‌عبدالله عليه السلام ما انتم و البراءة يبرء بعضكم من بعض ان المؤمنين بعضهم افضل من بعض و بعضهم اكثر صلوة من بعض و بعضهم انفذ بصرا من بعض و هي الدرجات و قال لو علم الناس كيف خلق الله تبارك و تعالي هذا الخلق لم‌يلم احد احدا فقيل له اصلحك الله و كيف ذاك فقال [ص 92] ان الله تبارك و تعالي خلق اجزاء بلغ بها تسعة و اربعين جزءا ثم جعل الاجزاء اعشارا فجعل الجزء عشرة اعشار ثم قسم بين الخلق فجعل في رجل عشر جزء و في آخر عشري جزء حتي بلغ به جزءا تاما و في آخر جزءا و عشر جزء و آخر جزءا و عشري جزء و آخر جزءا و ثلثة اعشار جزء حتي بلغ به جزئين تامين ثم بحساب ذلك حتي بلغ بارفعهم تسعة و اربعين جزءا فمن لم‌يجعل فيه الا عشر جزء لم‌يقدر علي ان يكون مثل صاحب العشرين و كذلك صاحب العشرين لايكون مثل صاحب الثلثة الاعشار و كذلك من تم له جزء لايقدر علي ان يكون مثل صاحب الجزئين و لو علم الناس ان الله عز و جل خلق هذا الخلق علي هذا لم‌يلم احد احدا انتهي ، فلايجوز لصاحب الدرجة العليا عيب صاحب الدنيا و تعييره و تأنيبه و لمزه و همزه و التبري منه و لعنه و تسميته بما يكره فان ذلك فسوق و معصية للمؤمن و صفة قبيحة يكتسبها بعد اكتساب اسم الايمان و من لم‌يتب من اذاه لاخيه المؤمن فاولئك هم الظالمون لاخوانهم و لانفسهم و في هذه الآية رجاء عظيم لضعفاء المؤمنين فان الله جل و عز لايتصف بصفة لايرتضيه لعباده فهو اولي بالعذر لعباده الضعفاء و اولي بقبول عقايدهم و اعمالهم اذ لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و لايكلف الله نفسا الا وسعها و الضعيف لايسعه ما يسع القوي لضعف قواه قال تعالي معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فافهم .

التأويل ان الله سبحانه كان اذ لا كان فكون ما قد كان لا من شئ كان فكون ما كون علي حسب حكمته [ص 93] بقدرته و علمه كما قد بان علي وجه ليس في الامكان وضع احسن مما قد كان فوضع كل شئ موضعا ليس له موضع اولي به منه و احق له منه و ذلك ان الخلق ظل مشيته و نور ارادته و هي واحدة ليس في الامكان شئ اوحد منها اذ هي آية واحديته جل شأنه و جعلها الله واحدة لانها ظل كينونته الاحدية الوصفية فلاجل ذلك صار الخلق دليل احديته جل شأنه فلاجل ذلك كان علي كمال الارتباط و الانتظام بحيث انه لايسع حكيما من الحكماء ان يقول لو كان كذا لكان احسن لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ، و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام ما الدليل علي ان الله واحد قال اتصال التدبير و تمام الصنع كما قال عز و جل لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ، فاذا كلما وضعه الله في العالم موضعا فانما هو لحكمة عظيمة و يكشف به عن توحيده و تفريده بالتدبير و انما يتعرض في صنعه الجاهل كذلك الاعمي الذي يطأ بساط السلطان و قد وضع فيه الاواني و السرج و اثاثا علي اوضاع و اشكال ليس احسن منها فيعثر الاعمي علي كل اناء و سراج و اسباب زينة فيسلقه بلسان حديد و يعيب علي وضع مجلسه كذلك الجاهل بهذه الحكمة العظيمة اذا عثر بشئ بعد شئ من جهله و عماه فيطعن علي وضع العالم باي لسان كان و ان لم‌يجسر ان يطعن في الصانع علانية هذا ان كان من اهل الاسلام و الا فيطعن في الصانع ايضا و من اكثر التدبر في العالم انفتح له ابواب حكمة كثيرة من الاشياء و يفتحها له التدبر في حديث مفضل بن عمر [ص 94] الطويل و غيره من الاخبار و من ذلك ينفتح له باب السرور و الرضا بكل ما حدث و كان راضيا بمقادير الله حامدا بكل ما شاء الله و ذلك اعلي درجة السالكين قال ابوعبدالله عليه السلام اعلم الناس بالله ارضاهم بقضاء الله عز و جل و قال لم‌يكن رسول الله صلي الله عليه و آله يقول لشئ قد مضي لو كان غيره انتهي ، بالجملة المؤمن اذا عرف ذلك من حكمة العالم ليس له ان يعيب شيئا من الخلق و يزدريه و ينتقص به و يهزأ اذا علم انه من وضع الحكيم و هو واجب في محله ان يكون علي ما هو عليه و لو لم‌يكن علي ما هو عليه لمادل علي الصانع الواحد الفرد الحكيم و لكان الخلق ناقصا فاسدا الاتري انه اذا بني انسان دارا يجب ان يكون فيها غرف مبنية و بيوت و مشارب و قصور و بيوت حطب و مطابخ و تنانير و حياض و جداول و مجازات و ميضاة و امثالها و يجب ان يكون كل واحد في محله علي وضعه فليس لاحد ان يستهين الميضاة او يعيب علي بيت الحطب او غيره و هذا السر جار في جميع المواليد من الجمادات و المعادن و النباتات و الحيوانات و الاناسي و كل شئ في حده و صفته و حاله يجب ان يكون علي ما هو عليه و لو كان علي غير ذلك لفسد العالم و لدل علي غير الصانع الواحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير ، فلايجوز لاحد ان يعيب في وضع هذا العالم في جزئيه و كليه و اصوله و مواليده و لايسخر به و لايهزأ و لايعيب و لايسيء فانه في الحقيقة عيب علي [ص 95] الصانع الحكيم جل شأنه و تذكرت هنا مطلبا شريفا لم‌اكتبه في شئ من كتبي فيما اذكر و لا بأس بالاشارة اليه في هذه العجالة و هو ان مشايخنا كثيرا يقولون و هو الحق ان لا اقتضاء في ذات الله للخلق و انما كان ما كان بسؤال الخلق و الاقتضاء من الخلق مساوقا للخلق فربما يختلج في خلد متوسط انه لو كان ما كان باقتضاء من انفس الخلق و لم‌يكن من عند الله فاذا تمام الحكمة للقوابل و هن الحكيمات المدبرات العالمات بالمصالح و المفاسد و العواقب و الحوادث و في ذلك سلب الحكمة عن الله و عدم دلالة الخلق علي حكمة الله و ابطال براهين الله التي يستدل بها علي توحيده في كتابه فليس الامر كذلك و من عرف سر ما ذكرنا عرف ان القوابل و المقبولات كلها مظاهر التوحيد و مجالي التفريد و كلها نور الله الواحد الحكيم دال عليه و لم‌يدخل عرصة الوجود شئ ليس بدال علي الله و لذا قالت الحكماء ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و كلها بالنسبة الي واحديته التامة الوصفية كواحد كسرته الي مائة الف الف جزء فجميعها كسور الواحد التام فاذا التام جميعها حصل الواحد التام الدال علي الاحد و ليس في المكونات جزء لغو فضل لم‌يكن من كسور الواحد فتعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فافهم و تدبر فان هيهنا ليس محل بيان اكثر من ذلك و قد اشرنا الي ما ينبغي الاشارة اليه بالجملة الحكيم العليم المؤمن بالله و برسوله و بحججه و اوليائهم عليهم السلام لايعيب و لايهزأ بشئ من خلق الله و لاينابز بلقب شئ و يعلم ان العيب علي هذا الخلق عيب علي صنع [ص 96] الصانع و حكمته و بئس الاسم الفسوق بعد الايمان و من لم‌يتب من ذلك فاولئك هم الظالمون الواضعون للشئ في غير محله دون الله عز و جل الحكيم العدل الذي يضع كل شئ في محله ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون فافهم .

الباطن يكون الخطاب في الباطن الي الذين آمنوا انفسهم من مكر الله و آمنوا بالجبت و الطاغوت و آمنوا بالدعوة الظاهرة لايسخر قوم اي قوم منكم قوامون بالباطل و قاموا بغصب الخلافة و ظلم العترة الطاهرة و قاموا بعداوة اوليائهم و ولاية اعدائهم و القوم المكذبون المشار اليهم بقوله و كذب به قومك و هو الحق من قوم هم العترة الطاهرة صلوات الله عليهم اجمعين المشار اليهم بقوله و انه لذكر لك و لقومك فان العترة هم الذين لايفارقون القرآن بالحديث المجمع عليه اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي لن‌يفترقا حتي يردا علي الحوض ، فنهي الله عز و جل ان يسخر القوم المكذب القوم المتذكر و هم لعنهم الله لم‌ينتهوا و قد سخروا بهم سخر الله منهم و كذا سخرت نساؤهم من فاطمة عليها السلام و لمزوا بهم و هم انفس المسلمين لآية انفسنا و انفسكم و هم النفوس المدبرة لجميع عالم الاجسام و لمزوهم و عابوا عليهم بما استطاعوا من الاكاذيب و بما مدحهم الله و رسوله به و تنابزوا بالقاب سيئة فيهم من نسبتهم الي السحر و الجنون و الهوج و الشاعر و الخارجي و غير ذلك مما هو اكثر من ان يحصي و اظهر من ان يخفي فعن العياشي عن الصادق عليه السلام آجر اميرالمؤمنين عليه السلام [ص 97] نفسه علي ان يستقي كل دلو بتمرة بخيارها فجمع تمرا فاتي به النبي صلي الله عليه و آله و عبدالرحمن بن عوف علي الباب فلمزه اي وقع فيه فانزلت الذين يلمزون المطوعين الآية انتهي ، و المعني مشترك و العمل منهم واقع فالآية جارية فيهم و في تفسير العسكري عليه السلام حديث طويل حاصله ان المنافقين ربما كانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان و اصحابه فاذا لقوهم اشمأزوا منهم و قالوا هؤلاء اصحاب الساحر و الاهوج يعنون محمدا و عليا ثم يقول بعضهم لبعض احترزوا لايقفون من فلتات كلامكم علي كفر محمد فيما قاله في علي فينموا عليكم فيكون فيه هلاككم فيقول اولهم انظروا الي كيف اسخر منهم اكف عاديتهم عنكم ثم ذكر ما ذكره من فضائل سلمان و اصحابه الي ان يجوزوا فيقول الاول لاصحابه كيف رأيتم سخريتي بهؤلاء و كفي عاديتهم عني و عنكم فيقولون له لاتزال بخير ما عشت لنا فيقول لهم هكذا فلتكن معاملتكم لهم الي ان تنتهزوا الفرصة الي آخر الحديث و الغرض ان المنافقين كانوا يسخرون بالعترة الطاهرة رجالا و نساءا و يلمزون بهم و ينابزونهم بالالقاب السيئة كما سمعت فالآية في الباطن و المعني الاولي جارية فيهم ثم تجري فيمن دونهم من المؤمنين و ساير الاشياء بئس الاسم الفسوق بعد الايمان فصاروا بذلك فاسقين بعد ان سموا مؤمنين و الفسق في هذا المقام هو الكفر كما قال عز و جل افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون و قال و مايكفر بها الا الفاسقون ، و من لم‌يتب فاولئك هم الظالمون و المراد بالظلم الكفر و [ص 98] الشرك لقوله و الكافرون هم الظالمون و قوله ان الشرك لظلم عظيم و هم الظالمون آل‌محمد حقهم و الظالمون انفسهم و الظالمون لساير المؤمنين بظلمهم امامهم و نشرهم دين الله و تسهيل موارده و مصادره و الظالمون اعداء آل‌محمد بايرادهم الجحيم و الهلاك الابدي و الظالمون لله بظلمهم آل‌محمد عليهم السلام كما روي عن الباقر عليه السلام في قوله عز و جل و ماظلمونا ان الله اعظم و اجل و امنع من ان يظلم و لكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه و ولايتنا ولايته حيث يقول انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا يعني الائمة منا .

يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم و لاتجسسوا و لايغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه و اتقوا الله ان الله تواب رحيم .

القراءة قرء نافع و حفص و حمزة و الكسائي ميتا مثقلا و الباقون مخففا و هو من مات يميت ميتا فهو ميت و اصله ميوت فقلبت الواو ياء و ادغمت و ميت تخفيف له و قيل الميت مثقلا من سيموت و بالتخفيف من قد مات و علي هذا فالاحسن قراءة التخفيف و قيل هو مثقلا للانسان و مخففا للحيوان و علي هذا فالاحسن قراءة التثقيل .

الظاهر في هذه الآية ثلاث مسائل الظن و التجسس و الغيبة و شرحها يستدعي ثلاثة فصول :

فصل - في الظن قوله تعالي يا ايها الذين آمنوا اي اذعنوا و اعترفوا بالله عز و جل و توحيده و صفاته و اسمائه و بمحمد صلي الله عليه و آله [ص 99] و صدقوا نبوته و بما جاء به من عند الله عز و جل و بفضائله و صفاته الكمالية التي خصه الله بها و باوصيائه من بعده و فضائلهم التي ابانهم الله به عن ساير خلقه و بشيعتهم الذين هم اولياء الله لولايتهم آل‌محمد عليهم السلام الذين من والاهم فقد والي الله و يبرأون من اعدائهم الذين هم اعداء الله لان من عاداهم فقد عادي الله يعترفون بجميع ذلك بلسانهم و يعملون بما امروا به و يجتنبون عما نهوا عنه لان ذلك هو الايمان الحق الذي به النجاة و من شأنكم ان تجتنبوا عن جميع ما نهاكم عنه اجتنبوا كونوا علي جانب و لاتقارنوا كثيرا من الظن فابهم الكثير لان يجتنب المؤمن ظنونا يعلم حرمتها او يعلم كراهتها او يشتبه عليه حليتها و حرمتها و كراهتها فانها من الشبهات و لايركن الا الي ظن يعلم حليته علما بينا كما قال ابوعبدالله عليه السلام ان الامور ثلثة امر بين رشده فيتبع و امر بين غيه فيجتنب و امر مشكل يرد علمه الي الله و رسوله قال رسول الله صلي الله عليه و آله حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات فمن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات و هلك من حيث لايعلم ، فالواجب منه اجتناب ما علم حرمته و الراجح الاولي اجتناب باقي الاقسام و ينبغي العمل بالقسم الواحد و يجوز عند آل‌محمد عليهم السلام استعمال اللفظ في استعمال واحد في اكثر من معني ان بعض الظن اثم و البعض يطلق علي الاكثر كما يطلق علي الاقل و ذلك البعض هو الكثير المنهي عنه و هو الظن المحرم فانه الاثم و اما الظن المكروه و الذي هو من الشبهات فاجتنابه [ص 100] مستحب و اولي و ربما يوقع ارتكابهما الانسان في المحرم و هو اذا استخف بها و تهاون بما كرهه الله و لم‌يعتن بكراهة الله اذا علمت ذلك فاعلم ان الظن اذا تعلق باثبات الصانع فهو مما لايغني من الحق شيئا كما قال سبحانه ان الظن لايغني من الحق شيئا و اذا تعلق بتوحيده او صفاته التي ثبتت بكتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و اوصيائه عليهم السلام جامعة او ضرورة من اهل الايمان فلايغني من الحق شيئا و لايجوز الركون اليه و المنجي اليقين به كما قال ابوعبدالله عليه السلام من شك او ظن و اقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة ، و اما اذا تعلق بامور نظرية دقيقة ليس فيها شئ من الثلثة المذكورة فالمؤمن معذور فيه كما قال الكاظم عليه السلام في حديث فما لم‌يثبت من كتاب مستجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له هذا من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه انتهي ، و قوله عليه السلام او قياس تعرف العقول عدله ظاهره تقية و في الباطن علقه بما لايمكن معرفته فان اتفاق جميع العقول علي عدله مما لايعرف و ان عرف ففيه عقل المعصوم ايضا و فيه الحجة حينئذ و اما حسن الظن بالله فهو امر ممدوح لازم و هو ان تتيقن ان الله سبحانه قادر علي ان يعطي عبده كلما سأله بلسان فمه او لسان اعماله او لسان قابليته فانه احد غير محصور بحد و هو صادق الوعد في [ص 101] قوله ادعوني استجب لكم و في قوله اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون فلاترجو غير الله عز و جل و لاتخاف الا الله ان يعاملك بعدله و يجازيك بسيئات اعمالك و هذا معني حسن الظن بالله كما سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول حسن الظن بالله ان لاترجو الا الله و لاتخاف الا ذنبك انتهي ، و ليس معني قوله لاتخاف الا ذنبك انه ينبغي ان تخاف من نفس الذنب انه مهلك بنفسه فانه لا تأثير الا لمشية الله عز و جل فاذا ظهرت في الذنب صار مهلكا كما ان الله هو المميت فاذا ظهر هذا الاسم في السم صار مهلكا و لولا ذلك الاسم لماكان للسم تأثير و كذلك الطاعة ليست بمنجية لاحد من حيث نفسها و لكن الله هو المنجي فاذا ظهر هذا الاسم في الطاعة تكون سبب النجاة و الا فلا و كذلك كل مؤثر في الدنيا تأثيرا فلا تأثير الا لمشية الله و اسمائه و انها تظهر في مظاهر و تظهر منها آثارها كما قال علي عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و هذا هو من باب التوحيد الفعلي المشار اليه في قوله الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون فافهم و فسرنا الظن باليقين في كلامنا آنفا لما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله تعالي الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم يعني انهم يوقنون البعث و الظن هيهنا اليقين الخبر و عنه عليه السلام في قوله تعالي [ص 102] و تظنون بالله الظنونا قال هذا هو ظن الشك و ليس ظن يقين ثم قال عليه السلام الظن ظنان ظن شك و ظن يقين فما كان من امر المعاد من الظن فهو ظن يقين و ما كان من امر الدنيا فهو ظن شك و عن القمي ان الظن في كتاب الله علي وجهين ظن يقين و ظن شك انتهي ، فحسن الظن بالله علي ما ذكرنا و روينا هو حسن اليقين و يمكن ان يؤخذ الظن في حسن الظن بمعني ظن الحسن و الخير كما ان سوء الظن بمعني ظن السوء و الشر و ذلك يحصل للعبد مع علمه بسيئات اعماله و موبقات افعاله و نقصان قابليته بما عوده الجميل و بما منحه من الايمان به و برسوله و حججه و ولايته لهم و لاوليائهم و لما اخبر الله في كتابه عن نفسه بقوله و يعفو عن كثير و بقوله يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم و هو مطلق و مخصوص بالشيعة و بقوله فيومئذ لايسئل عن ذنبه انس و لا جان و هو مخصوص بالشيعة و غيرها من الآيات و لما تواتر الاخبار و الآثار بنجاة الشيعة حتي ان الموت كفارة لهم و لو كان عليهم مثل ذنوب الثقلين و لما تواتر من الاخبار بشفاعة محمد و آل‌محمد عليهم السلام و شيعتهم للمذنبين من الموالين و لانهم يحبون آل‌محمد عليهم السلام و دل الدليل العقلي و النقلي ان المرء مع من احب و لان رحمة الله سبقت غضب الله و ان الايمان مع الاعتراف بالذنوب و الندم عليها الذي هو الاصل اقوي اقتضاءا للنجاة من اقتضاء الذنوب التي هي الفرع للهلاك فمشاهدة هذه [ص 103] الاسباب ترجح في قلب المؤمن انجاء الله اياه و مغفرته له و غلبة اقتضاء اسباب النجاة علي اقتضاء اسباب الهلاك فمن لم‌يقو ظنه للنجاة بهذه الاسباب فهو من الخاسرين الذين يظنون بالله ظن السوء و قد قال و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين ، قال الرضا عليه السلام احسن الظن بالله فان الله يقول انا عند ظن عبدي المؤمن ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و قال ابوجعفر عليه السلام وجدنا في كتاب علي عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال و هو علي منبره و الذي لا اله الا هو مااعطي مؤمن قط خير الدنيا و الآخرة الا بحسن الظن بالله و رجائه له و حسن خلقه و الكف عن اغتياب المؤمنين و الذي لا اله الا هو لايعذب الله مؤمنا بعد التوبة و الاستغفار الا بسوء ظنه بالله و سوء خلقه و اغتيابه للمؤمنين و الذي لا اله الا هو لايحسن ظن عبد مؤمن بالله الا كان الله عند ظن عبده المؤمن لان الله كريم بيده الخيرات يستحيي ان يكون عبده المؤمن قد احسن به الظن ثم يخلف ظنه و رجاءه فاحسنوا بالله الظن و ارغبوا اليه و قال ابوجعفر عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله تعالي و لايتكل العاملون لي علي اعمالهم التي يعملونها لثوابي فانهم لو اجتهدوا و اتعبوا انفسهم اعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي الي قوله و لكن برحمتي فليثقوا و فضلي فليرجوا و الي حسن الظن بي فليطمئنوا انتهي ، فعلم ان الطاعة ليست بمنجية لايجوز التكلان عليها و الاغترار بها و انما المنجي هو الله و يجب [ص 104] الاطمينان بفضله و حسن الظن به هذا و الانسان مجبول بان يفر من كل شئ ظن به سوءا و يتقرب الي كل شئ ظن به خيرا فاذا ظن العبد بربه سوءا يعرض قلبه عنه و هو عين الكفر و اعظم اسباب الهلاك و اذا ظن به خيرا اشتاق اليه و تقرب اليه و رغب في التوجه اليه و هو من اعظم اسباب النجاة و اليه الاشارة بقوله عليه السلام احسنوا بالله الظن و ارغبوا اليه فافهم و قد بسطنا القول في ذلك في كتابنا طريق النجاة فان شئت فراجع و من الظنون السيئة المنهية ظن السوء بالمؤمنين فعن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام في كلام له ضع امر اخيك علي احسنه حتي يأتيك ما يغلبك منه و لاتظنن بكلمة خرجت من اخيك سوءا و انت تجد له في الخير محملا و قال ابوعبدالله عليه السلام اذا اتهم المؤمن اخاه انماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء و فيما علم اميرالمؤمنين عليه السلام اصحابه في الاربعمائة باب اطرحوا سوء الظن بينكم فان الله نهي عن ذلك و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ليس من العدل القضاء علي الثقة بالظن و قال ابوجعفر عليه السلام ابي الله ان يظن بالمؤمن الا خيرا ، الي غير ذلك من الاخبار فمن عرفته بالايمان و التشيع ليس لك ان تسيء الظن به حتي يظهر منه الشر و لاتجد له في الخير محملا و هذه الاخبار و ما في معناها تدل علي ان من تعرفه بالتشيع و لم‌تر منه شرا يجب ان تظن به الخير و تحكم عليه بالعدالة حتي تر منه الفسق و يدل علي ذلك اخبار متضافرة رويناها في كتابنا فصل الخطاب نعم روي [ص 105] هنا اخبار اخر كما روي عن ابي‌الحسن عليه السلام اذا كان الجور اغلب من الحق لم‌يحل لاحد ان يظن باحد خيرا حتي يعرف ذلك منه و عن اميرالمؤمنين عليه السلام اذا استولي الصلاح علي الزمان و اهله ثم اساء رجل الظن برجل لم‌يظهر منه حوبة فقد ظلم و اذا استولي الفساد علي الزمان و اهله فاحسن رجل الظن برجل فقد غرر انتهي ، فليس معناه علي ما ظن بعض بل المراد اذا استولي الجور و الفساد علي اهل الزمان في كل فرد فرد منهم لايجوز حسن الظن بهم مع مشاهدة الجور منهم يعني لايجوز حسن الظن بالفاسق و هو التغرير لا انه لايجوز حسن الظن بزيد و لم‌تر منه شرا ابدا و تعرفه بالايمان بواسطة انك رأيت الشر في عمرو و بكر و خالد و غيرهم و لو كان الامر كذلك لماجاز حسن الظن باحد من لدن قتل قابيل هابيل الي قيام القائم فان في جميع هذه الازمنة يكون الشر غالبا علي الدنيا و يكون الدولة دولة الباطل حتي في عصر النبي صلي الله عليه و آله فان المؤمنين في ذلك الزمان ايضا بالنسبة الي الكافرين كشعرة بيضاء في جسد ثور اسود و علي ذلك لم‌يكن لاخبار حسن الظن بالمؤمنين مورد الي ظهور القائم عليه السلام فلمن هذه الاوامر و هذه التهديدات نعم اذا كنت في دار كفر لايجوز لك ان تظن بمجهول خيرا كما روي عن الرضا عليه السلام قال في دار الكفر لايحل ان يحسن الظن فيها باحد الا من عرفت ايمانه و قال في دار الايمان لاينبغي ان يظن باحد فيها الا خيرا انتهي ، و لو فسرت الحديثين بذلك فله وجه و يمكن ان يكون هذا الخبر تفسيرا [ص 106] لهما و الحمد لله علي حسن هدايته لمعاني اخبار حججه عليهم السلام ببركاتهم و من الظنون الردية المنهي عن التعويل عليها الظن بنفس احكام الله عز و جل المستنبط من الكتاب و السنة لآي كثيرة من الكتاب قد عدها بعض اصحابنا فبلغت مائة آية و لم‌ينه الله عن شئ بعد الشرك و الكفر في مائة آية و اخبار متواترة قد عدها بعض اصحابنا فبلغت الفا و مأتي حديثا و لم‌يرد نهي عن شئ بعد الشرك و الكفر في اخبار تبلغ هذا المبلغ و حرمة ذلك في الاخبار و الآيات اوضح من حرمة شرب الخمر و الزنا و اللواط و اكل الميتة فانه لم‌يرد في واحد منها آيات و اخبار تبلغ هذا المبلغ و قد بسطنا القول في ذلك في ساير كتبنا و قد روينا كثيرا منها في كتابنا فصل الخطاب فان شئت فراجع و من لم‌يكفه مائة آية و الف و مائتا حديث ماادري باي شئ يكتفي بعد في دينه فعن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اياكم و الظن فان الظن اكذب الكذب و قال رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث اذا ظننت فلاتقض و قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه الي ان قال و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين و قال ابوعبدالله عليه السلام من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و عن النبي صلي الله عليه و آله دع ما يريبك الي ما لايريبك فان الصدق طمأنينة و الكذب ريبة ، الي غير ذلك من الاخبار و وجدنا هذه الاخبار موافقة [ص 107] للكتاب مخالفة لاهل الارتياب فعليها العمل قال الله عز و جل سيقول الذين اشركوا لو شاء الله مااشركنا و لا آباؤنا و لاحرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتي ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان‌تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و قال قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشركوا بالله ما لم‌ينزل به سلطانا و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال ما لهم به من علم ان‌يتبعون الا الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا الي غير ذلك من الآيات بل العمل بالظن منهي في اخبار العامة ايضا و ان لم‌يعملوا بمقتضاها و هو ما رواه في المصابيح و قال اي رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد و لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتي اذا لم‌يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا و اضلوا رواه عبدالله بن عمرو بن العاص و قال اتقوا الحديث عني الا ما علمتم و قال من افتي الناس بغير علم كان اثمه علي من افتاه الخبر ، الي غير ذلك من اخبارهم و انما الباعث لذهاب جمع من اصحابنا الي العمل بالظن مع انهم يقولون بحرمة العمل بالظن في الحكم الاول انسداد باب العلم بزعمهم و الاضطرار الي الظن من باب اكل الميتة و الله تعالي يقول فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه ، و قوله عليه السلام ما من شئ حرمه الله الا و قد احله لمن اضطر اليه ، و الجواب عنه عدم انسداد باب العلم لان هناك علماءا ابرارا اتقياءا صالحين عدولا يدعون [ص 108] حصول العلم بالتكاليف في زمان الغيبة و ليس تكذيبهم شأن العالم و هو شتيمة و سباب و كالقول بانك كذاب من غير حجة بلا ارتياب و ادعاء علم الغيب مع ادعائهم انسداد باب علم الشهادة و ليس لمن لايعلم حجة علي من يعلم فليتركوا الاجتهاد و ليرجعوا الي قول اولئك الاسناد ليستريحوا يوم التناد و لا اضطرار الي اكل الميتة و قد بسطنا القول في ذلك في كتابنا علم اليقين و القواعد و السوانح و غيرها فان شئت فراجع و لولا شبهة حصلت لاصحابنا لكان في عملهم بالظن خطر عظيم بعد مائة آية و الف و مأتي حديث في تحريمه و لكن تلك الشبهة المحيرة اشترت انفسهم عما يقتضيه نعوذ بالله و اسوء الظنون المحرمة المردية المهلكة ما اشتهر بين المتأخرين من الظن المطلق الذي يعملون بها في نفس احكام الله جل و عز و يعملون بالآراء الحاصلة من الادلة الوهمية التي زعموها العقلية و يكتفون بها فيما لا نص فيه بل يرجحونها علي النصوص و يردونها اذا عارضتها حتي اني قلت لواحد منهم اذا عارض الكتاب و السنة ادلتكم العقلية ما تصنعون قال صريحا نترك الكتاب و السنة و نعمل بادلتنا العقلية لانهما ظنيان و ادلتنا قطعية نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين مع ان جميع ما لم‌يخرج من اهل البيت عليهم السلام ظني و العلم منحصر بما خرج من اهل البيت عليهم السلام و ذلك ان جميع العلم لله عز و جل لا شريك له و قد ادلي جميع علمه الي محمد صلي الله عليه و آله وحده فانه اول ما خلق الله و ليس معه غيره ثم اودع جميع ذلك العلم [ص 109] الي علي عليه السلام لم‌يشرك معه غيره فاودع هو جميع ذلك الي وصيه بعده و هكذا الي امام زماننا عجل الله فرجه فما برز منهم الي شيعتهم هو العلم و كل ما لم‌يخرج منهم هو ظن كما قال الله عز و جل و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان‌يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و قال ان الظن لايغني من الحق شيئا ، فقد قال ابوجعفر عليه السلام في حديث فليذهب الحكم يمينا و شمالا فوالله لايؤخذ العلم الا من اهل بيت نزل عليهم جبرئيل و قال في حديث فليذهب الحسن يمينا و شمالا فوالله مايوجد العلم الا هيهنا و قال لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة شرقا و غربا لن‌تجدا علما صحيحا الا شيئا يخرج من عندنا اهل البيت و قد تضافر من طرق الشيعة و العامة ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال لعلي عليه السلام يا علي انا مدينة العلم و انت بابها فمن اتي من الباب وصل يا علي انت بابي الذي اوتي منه و انا باب الله فمن اتاني من سواك لم‌يصل الي و من اتي الله من سواي لم‌يصل الي الله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام قد جعل الله للعلم اهلا و فرض علي العباد طاعتهم بقوله اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و بقوله و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و بقوله اتقوا الله و كونوا مع الصادقين و بقوله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و بقوله و اتوا البيوت من ابوابها و البيوت هي بيوت العلم الذي استودعه عند الانبياء و ابوابها اوصياؤهم فكل عمل من اعمال الخير [ص 110] يجري علي يدي غير الاصفياء و عهودهم و حدودهم و شرايعهم و سننهم مردود غير مقبول و اهله بمحل كفر و ان شملهم صفة الايمان و قال ابوعبدالله عليه السلام اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم‌تسمعوه منا و قال علي بن الحسين عليه السلام ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من دان بالقياس و الرأي هلك و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم ، الي غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي لايسع هذا الكتاب ايرادها و قد روينا كثيرا منها في فصل الخطاب و بحسبك ما ذكرنا انه عد تلك الاخبار بعض اصحابنا فبلغت الفا و مأتي حديثا و قد اشبعنا البحث عن ذلك في ساير كتبنا و قد ترك القوم جميع ذلك و اكتفوا بادلة واهية زعموها عقلية و الي الله المعاد ثم اعلم ان الظن امر قهري طبيعي يحصل في النفس من ارجح الآثار و الامارات و التكليف لايتعلق بالامور القهرية فمعني قوله اجتنبوا كثيرا من الظن اجتنبوا عن الحكم البتي القطعي علي المظنون و العمل بمقتضاه كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ليس من العدل القضاء علي الثقة بالظن فالآية رد علي جماعة يقولون ان الظن راجح و ترك الراجح قبيح عقلا فحكم الله سبحانه بوجوب الاجتناب عن الراجح في النفس بحسب العقول الناقصة و الآراء الباطلة و انما الواجب العمل بما امر الله عز و جل سواء كان في نظر النفس راجحا ام [ص 111] مرجوحا فنحن نقول ان الواجب علي الفقيه ان يقول فيما ظن هذا ما ادي اليه ظني و كل ما ادي اليه ظني فحرام علي الاخذ به كحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير بنص مائة آية و الف و مأتي حديثا فهذا محرم علي الاخذ به و العمل بمقتضاه و الركون اليه و لو كان ترك الراجح قبيحا عقلا لماامر الله بالاجتناب عن كثير من الظن و لماقال ان الظن لايغني من الحق شيئا و لماقال ان بعض الظن اثم فكيف كان ترك الاثم قبيحا عقلا فتدبر .

فصل - في التجسس و هو التفحص و التفتيش عن سر مكتوم و قيل انه مخصوص بالشر و الجاسوس صاحب الشر و الناموس صاحب الخير و هو التفعل باعتبار ما فيه من التكلف و التطلب كالتلمس و هو ناشئ من سوء الظن و فيه فساد العالم و ذلك ان ظواهر الناس اجتمعت بسياسة النبي صلي الله عليه و آله و قلوبهم شتي و اعتدلت بها و قلوبهم منحرفة مشحونة باخلاق ردية و صفات سيئة و مدنيتهم قائمة بواسطة اعتدال الظواهر في الجملة و اجتماعها و اذا تجسست عن بواطن امورهم و استكشفت خوافيهم اطلعت علي كفر بواطنهم و شركها و نفاقها و خبثها و اخلاقهم الردية و صفاتهم السيئة و اعمالهم الفاسدة الخفية و معاصيهم المردية و لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا و تنفرت عنهم وحشة و فرقا فلو بني الناس علي التجسس لتفرق اهل المدن و ظهر التعادي و التباغي و الفساد و هو خلاف غرض الله و غرض النبي صلي الله عليه و آله فلاجل ذلك نهي عن التجسس عن خوافي امور الخلق و الاكتفاء بالظواهر [ص 112] و الحاصل لاتتبعوا عثرات الناس و لاتستكشفوا ما استتر عنكم منهم فتقعوا في العنت و الوحشة و التفرد و التنفر من الناس فقد قال ابوعبدالله عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا معشر من اسلم بلسانه و لم‌يخلص الايمان الي قلبه لاتذموا المسلمين و لاتتبعوا عوراتهم فان من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته و من تتبع الله عورته يفضحه و لو في بيته و قال ابوعبدالله عليه السلام لاتفتش الناس فتبقي بلا صديق و عنه عليه السلام في حديث معرفة العادل ان يكون ساترا لعيوبه حتي يحرم علي المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك و يجب عليهم تزكيته و اظهار عدالته في الناس و قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله لاتطلبوا عثرات المؤمنين فانه من تتبع عثرات اخيه تتبع الله عثرته و من تتبع الله عثرته يفضحه و لو في جوف بيته انتهي ، و اعلم ان قوله لاتجسسوا مبهم مطلق فينبغي اجراؤه في كل شئ و ذلك ان التفتيش عما ستره الله تكلف و الله لايحب المتكلفين و لو اراده الله لكلفك و لو كلفك لاظهره لك فلا فائدة في التجسس الا التكلف و التعرض لسخط الله و ارتكاب ما نهي الله و تضييع العمر بطلب ما لم‌يطلبه الله منك و تضييع ما طلبه الله منك بتركك له و اشتغال قلبك بما لم‌يطلبه الله منك حتي انه ليس لك التجسس عن احكام و تفاصيل و فروع سكت الله عنها لقول علي عليه السلام ان الله حد لكم حدودا فلاتعتدوها و فرض فرايض فلاتنقصوها و سكت عن اشياء لم‌يسكت عنها نسيانا فلاتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها و قال قال رسول الله [ص 113] صلي الله عليه و آله ان الله تعالي حد لكم حدودا فلاتعتدوها و فرض عليكم فرائض فلاتضيعوها و سن لكم سننا فاتبعوها و حرم عليكم حرمات فلاتنتهكوها و عفا لكم عن اشياء رحمة من غير نسيان فلاتتكلفوها و قال علي عليه السلام في وصيته لولده الحسن عليه السلام يا بني دع القول فيما لاتعرف و الخطاب فيما لاتكلف و امسك عن طريق اذا خفت ضلالته فان الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب الاهوال انتهي ، و ليس يجري ذلك في طلب الدين فان طلب الدين لازم اذا كان دين ظاهر في مكان عند احد فانت تطلبه و اما التجسس الذي يفيد معني التكلف و التجشم و التطلب فذلك فيما ستر الله و كتمه فلاتتكلفه و لايذهب بك ان ذلك طلب العلم بل ذلك مخالف لغرض الله فان الله الذي لايغالب امره اراد اخفاء هذا الامر لعلة و غرض فلاجل ذلك اخفاه و انت تتكلف اظهاره و تستكشفه فلا جرم تصرف عمرك فيما لاتكلف و يفلت عنك ما كلفت به و انت مسخوط و كذلك ان من العلوم و الصنايع ما كان في العلم و العمل به صلاح الخلق فابداه الله علي لسان رعاة خلقه و سائسيهم و منها ما كان فيه فساد الخلق فاخفاه الله و لم‌يقم نبي ببيان فيه فانت لو اشتغلت بما ستره الله لانفلت عنك ما كشفه الله و انت من الخاسرين و من ذلك ترك التجسس عما تحويه ايدي العباد من جميع ما في ايديهم او يدعونه فليس لاحد التجسس عن سلعة التاجر و لحم القصاب و صنايع الصناع و هكذا بان يسألهم من اين اتيتم به و من اين اكتسبتم و كيف حل لكم ذلك او يطلب الناس البينة علي [ص 114] ما يقولون او يدعون او ما في ايديهم ما لم‌يكن لهم معارض منهم و لازم ذلك استيمان كل مسلم علي ما في يديه او يقول او يدعي ما لم‌يكن فاسقا او متهما و من ذلك ترك التجسس عما يرويه الراوي ما لم‌يكن فاسقا او متهما فلايجوز الفحص عن صدق خبره و شهادته و التجسس عن بواطن امره بل الواجب التلقي بالقبول ما لم‌يكن فاسقا او متهما و يشهد بذلك بعد آية النبأ و هذه الآية دعاء الصحيفة المتواترة في الصلوة علي اتباع الرسل يقول بعد الصلوة علي التابعين يدينون بدينهم اي بدين الصحابة و يهتدون بهداهم يقفون عليهم و لايتهمونهم فيما ادوا اليهم اللهم و صل علي التابعين لهم باحسان من يومنا هذا الي يوم الدين الي ان قال و تبعثهم بها علي اعتقاد حسن الرجاء لك و الطمع فيما عندك و ترك التهمة فيما تحويه ايدي العباد لتردهم الي الرغبة اليك و الرهبة منك الدعاء ، بالجملة ترك التجسس علي الاطلاق رحمة من الله واسعة ليس باب اوسع منه و لكن الناس يضيقون علي انفسهم و ان الدين اوسع من ذلك و لنا علي جملة ذلك ادلة كثيرة من النقل و العقل ذكرناها في محلها .