التأويل و اعلموا يا ارباب العقول و النفوس ان فيكم رسول الله اي العقل الذي هو الحجة الباطنة عليكم يهديكم و يعلمكم الخير و الشر و يدعوكم الي الايمان بربكم فان العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان لو يطيع العقل النفس الامارة لعنت صاحبها و وقع في المشقة و الجهد و الاثم و الخطاء و الفساد و الهلاك و الشدة و الفجور و الانكسار و الوهي فان العنت يأتي بجميع هذه المعاني و لو اتبع العقل النفس لاعانة صاحبهما النفس علي العقل و تغليبها عليه لوقع في جميع هذه البلايا و هلك البتة و لكن الله غلب عقولكم علي انفسكم و حبب اليكم الايمان لان العقل يعرف الحق بالجنان و يعترف باللسان و يعمل بالاركان فالمؤمن هو العامل بمقتضي العقل في مراتبه و كره اليكم الكفر الذي هو انكار النفس الحق في الجنان و الفسوق الذي هو اكاذيبها باللسان و العصيان الذي هو ترك امتثالها في الاركان فالكافر هو العامل بمقتضي النفس في مراتبه اولئك اي مغلبوا العقل علي النفس هم الراشدون المهتدون ، و لك ان تأول رسول الله بالعرش و تقول اعلموا ايها الاجسام ان فيكم العرش المخبر عن النفس الباطنية المحركة لجميع الاجسام المدبرة لها الموحية تحريكها و تدبيرها الي العرش فانه المتنبه المتحرك الاول من النفس لو يطيعكم العرش لسكن فان اقتضاءكم و ميلكم السكون اذ لا حركة الا من النفس و لو سكن العرش لاصابكم العنت و الفساد و لاختل جميع نظام العالم و لكن الله حبب اليكم الانقياد للعرش في جميع مراتبكم و التحرك بتحريكه و كره اليكم [ص 61] مخالفته في الروح و النفس و الجسد فالاجسام المطيعة المنفعلة المتحركة هم الراشدون المحيون بالنفس الملكوتية الغيبية و فيه اشعار بان كمال الجسم في التلطف و المطاوعة التامة للعرش الذي هو مدبر الكل و الجسم الكامل هو البالغ في التلطف و المطاوعة كالروح البخاري اذا بلغ الكمال و صار في مقام قلب المؤمن عرش الرحمن و مقام ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن فضلا من الله و نعمة و تأويل الفضل هو آثار العرش الذي هو فضل النفس الملكوتية و خليفته في عالم الاجسام و فاضله و تأويل النعمة الكرسي الذي هو اول جسم تحرك و انفعل عند تدبير العرش و شرح جميع تدابيره و اوامره للافلاك و العناصر و المواليد و لولاه لمااطلع شئ من الاجسام علي العرش الغائب عن درك الحواس و مماسة الناس اذ هو الاطلس البريء عن المشاهدة و الالتماس فجميع ما حصل للاجسام من الكمال فانما هو لاجل العرش الغيبي و الكرسي الشهودي و هو قول الصادق عليه السلام ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به انتهي ، و روح القدس هو روح العرش المقدس عن الرسوم و النجوم في الكرسي فافهم و الله عليم بدرجة كل جسم حكيم في ترتيبها و تدريجها و التأويل لكل آية كثير لايحصي و لايمكننا الاستقصاء فاكتف بما ذكرنا ان شاء الله .

الباطن فمن بواطنه ان الله سبحانه خاطب المؤمنين و امرهم بالتفهم و التعلم و حرضهم [ص 62] علي التوجه لما اراد الله ان يعلمهم فما عزم الله علي تعليمه لحري بالاصغاء اليه و التوجه حتي يعلموه و يفهموه و قوله اعلموا دليل علي ان ما اراد ان يقول بعد ذلك مطلب مهم و امر عظيم مجهول لهم لايعرفونه الا بالتعليم و التنبيه فقال اعلموا ان فيكم رسول الله لانه اولي بكم من انفسكم و اقرب اليكم منكم و اوجد منكم في مكانكم محيط بكم و هو فيكم في جميع مراتب وجودكم كما ان الشمس في جميع انوارها بل لايري غير الشمس و لو لم‌ير الشمس لم‌ير نور و كان ظلمة و كذلك اني خلقتكم من نور محمد صلي الله عليه و آله و جعلته سراجا منيرا في عرصة الخلق و جعلت ما سواه من نوره فهو اظهر من نوره في نوره و اوجد من نوره في مكان نوره فهو في جميع الخلق لايري فيه نور غير نوره و لايسمع فيه صوت غير صوته فلم‌ير العارف بمحمد صلي الله عليه و آله في ما سواه غير محمد صلي الله عليه و آله و ذلك معني ما روي في اخبار مستفيضة ان الله كتب اسماءهم علي جميع الاشياء و الاسم هو الصفة كما روي عن الرضا عليه السلام و النور صفة المنير فالله سبحانه اثبت صفة المنير في جميع انواره كما اثبت صفة السراج في جميع انواره و يظهر ذلك في المرايا فكذلك ان الله سبحانه كتب علي جميع الموجودات صفة محمد صلي الله عليه و آله فجعل محمدا في كل شئ و لاجل ذلك نبه علي هذا الفضل العظيم بقوله و اعلموا ان فيكم رسول الله فهو عليم بظواهركم و بواطنكم و دائكم و دوائكم و صلاحكم و فسادكم بصير بكم يراكم و يسمعكم لو يطيعكم في [ص 63] كثير من الامر لعنتم و الامر هو الخلافة و الامارة كما يظهر من حديث الباقر عليه السلام و بذلك تسمي الحجج عليهم السلام باولي الامر فالمراد لو اطاعكم في كثير من الخلافة و الامارة يعني وضع الخلافة حيث تحبون و جعلها علي ما تهوون او جعلها شوري بينكم و استشاركم و اطاعكم فيمن اشرتم اليه او جعله باجماعكم و اجتماع آرائكم علي حسب انظاركم هذا اذا كان من ابتدائية و ان كانت بيانية فالمراد في اشياء كثيرة هي الامر اي الخلافة و الامامة فانها اجل امور الشريعة و اعظمها و اصلها و معدنها و قطبها الذي عليه يدور رحاها اذ الولي اصل كل خير و من فروعه كل بر فامر الخلافة و ان كان يري شيئا واحدا و لكنه شئ كثير لانه اصل كل الشرايع لعنتم و وقعتم في الهلاك فانكم لستم بابصر من موسي بن عمران عليه السلام و وقع اختياره علي خلاف الاولي فكيف انتم هذا و اهواؤكم مختلفة و آراؤكم متشتتة لاتكادون تجتمعون علي شئ فلو اطاعكم لاوقع فيكم الفساد و لكن الله من عنده علي حسب علمه و حكمته و فضله و نعمته حبب اليكم الايمان اي عليا عليه السلام بان منحه صفات زكية و علوما غزيرة و سياسة حكيمة و نسبا عليا و حسبا زكيا و بين لكم من فضائله ما ملأ بين الخافقين و عرفكم شأنه و فضله و جعلكم علي الفطرة تصدقون كل حق و تحبون كل خير و نسب التحبيب اليه لفناء النبي في الله و كون فعله فعل الله و امره امر الله فالمراد و لكن رسول الله حبب اليكم الايمان لانه جري به و ظهر منه الا ان فعله فعله و قوله قوله و كره اليكم الكفر [ص 64] و الفسوق و العصيان و هم الاول و الثاني و الثالث و هم اللات و العزي و منوة الثالثة الاخري فعن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله حبب اليكم الايمان و زينه في قلوبكم يعني اميرالمؤمنين و كره اليكم الكفر و الفسوق و العصيان الاول و الثاني و الثالث انتهي ، و كرههم الي العباد بما جعل لهم نسبا رديا و حسبا دنيا و اخلاقا سيئة و صفات قبيحة و اعمالا منكرة و مع ذلك اظهر النبي صلي الله عليه و آله مثالبهم و اظهر كفرهم و فسقهم و عصيانهم و وجوه تسميتهم بتلك الاسماء كثيرة فالاول هو الكفر لستره حق علي عليه السلام و ما قال النبي صلي الله عليه و آله في حقه و الثاني الفسوق لانه كذب علي النبي صلي الله عليه و آله في شهادته بالخلافة يوم الغدير و لم‌يكن في قلبه كما قال الله فيمن شهد بالرسالة عن نفاق و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون و العصيان الثالث لانه كان عاصيا باتفاق المسلمين اتخذ مال الله دولا و عباد الله خولا و عصي الله في كثير من اموره حتي انكروا عليه ذلك و قتلوه اولئك هم الراشدون يعني المهتدون الي الحق و الي صراط مستقيم و لك ان تقول في نحو من التفسير ان اولئك اشارة الي الكفر و الفسوق و العصيان و هم الراشدون تهكم و استهزاء بهم او تعيين لهم لانهم كانوا يسمون عند الناس بالخلفاء الراشدين فلما اراد ان يعرف الثلثة قال هم الراشدون اي الخلفاء المسمون بالراشدين عند الناس ثم قوله فضلا من الله و نعمة راجعان الي حبب و كره يعني و ذلك كان من جهة فضل من الله و هو القرآن كما روي عن النبي صلي الله عليه [ص 65] و آله ان فضل الله القرآن اي نزل بولاية علي و البراءة من اعدائه القرآن و ليس ذلك امرا ارضيا و انما هو امر سماوي نزل به الكتاب و نعمة هي رسول الله صلي الله عليه و آله كما قال يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها يعني كان امارة علي بنصب رسول الله صلي الله و نصه بخلاف ما تدعونه لاصنامكم فان الله ضربكم بالاعتراف بانهم لا نص في خلافتهم و انما واحد منهم بالاجماع و واحد منهم بنص السابق و واحد منهم بالشوري فهذا التحبيب و التكريه كان فضلا من الله و نعمة اي كان لاجل الكتاب و السنة الواردين فيهما فالنبي قال بالكتاب و انتم قلتم بالسنة و لك ان تقول الفضل رسول الله صلي الله عليه و آله كما روي عن الباقر و الصادق و الكاظم عليهم السلام ان فضل الله محمد صلي الله عليه و آله الخبر ، يعني كان ذلك بنص منه و تصريح و توضيح منه بشأن علي و اولاده و بمثالب اعدائه و اظهار كفرهم و فسقهم و عصيانهم و النعمة هي علي و آله عليهم السلام كما روي عن الصادق عليه السلام نحن والله نعمة الله التي انعم بها علي عباده بنا يفوز من فاز الخبر ، فالمعني انه كان ذلك من اجل نص رسول الله علي الفريقين و نفس علي و اولاده حيث كانوا في اعلي درجات الكمال و العلم و القدرة و الآيات و المعجزات التي لاتنكر و لايمكن انكارها لاجل نعمة الله عليكم حيث وسم الله الاعداء بصفات قبيحة و اخلاق ردية و جهالات كثيرة و نسب ردي و حسب دني فانها سبب اتمام الحجة و عدم اشتباه الامر عليكم فهي ايضا من النعمة عليكم و من كمال علي [ص 66] عليه السلام حيث كان عدوه كذا فلاجل كونهم هكذا و نص رسول الله عليهم حبب الله اليكم الايمان و كره اليكم الثلثة و الله عليم حكيم عليم بما فيه صلاحكم و قد ظهر علمه في محمد صلي الله عليه و آله فانه اتي بعلم الله يعلمهم الكتاب و الحكمة حكيم في وضع العالم و ظهر حكمته في علي و اعدائه حيث وسمهم بعلامات الحق و الباطل بحيث لايشتبه امرهم علي احد و قد قال الله عز و جل و انه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم في تفسير ظاهر الظاهر كما روي عن الصادق عليه السلام و في الزيارة انتم حكماء الله و ينابيع الحكم و الذكر الحكيم الزيارة ، و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .

و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احديهما علي الاخري فقاتلوا التي تبغي حتي تفيء الي امر الله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا ان الله يحب المقسطين .

الظاهر الطائفة من الشئ بعضه و من الجماعة بعضهم و اقتتلوا اي تقاتلوا فقال عز من قائل و ان طائفتان من المؤمنين اي من المسمين بالمؤمنين بحسب ظاهر الدعوة سواء صدقوا في ايمانهم ام كذبوا اقتتلوا اي تقاتلوا و جمع لفظ اقتتلوا اشعارا بان اقل الجمع اثنان كما قال في الجنتين فيهن خيرات حسان و لان اقتتلتا ثقيل علي اللسان لاجتماع التاءات و نظرا الي افراد الطائفتين و لاتدل الآية علي ان اهل البغي مؤمنون حقيقة كما ظنه العامة و ذلك انه اذا بغي طائفة من اهل الدعوة الظاهرة علي طائفة فيهم امام عادل فالطائفة الباغية [ص 67] مشركون لاستحلالهم قتل الامام العادل و حزبه من المؤمنين و ما روي عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن ابيه ان عليا عليه السلام لم‌يكن ينسب احدا من اهل حربه الي الشرك و لا الي النفاق و لكن كان يقول هم اخواننا بغوا علينا ، تقية و لايدل قوله هم اخواننا علي ايمانهم فان الله يقول و اخوان لوط مع انهم كفار مشركون بل المعني انه لم‌يصرح بشركهم صريحا و لكنه عرض بشركهم بقوله اخواننا كما ان اخوان لوط مشركون و الا فالمستبيح لدم الامام العادل و حزبه من المؤمنين كيف لايكون مشركا و كافرا فقد روي عن ابن‌عباس قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله المخالف علي علي بن ابي‌طالب بعدي كافر و المشرك به مشرك و المحب له مؤمن و المبغض له منافق و المحارب له مارق و الراد عليه زاهق علي نور الله في بلاده و حجته علي عباده و سيف الله علي اعدائه الحديث و قال ابوجعفر عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر و اكل لحمه معصية و حرمة ماله كحرمة دمه انتهي ، و اذا بغي طائفة من اهل الدعوة الظاهرة علي طائفة من اهل الحق من المؤمنين و استحلوا دماءهم فهم نصاب كفار لما سمعت ان قتال المؤمن كفر و لما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لاتجد رجلا يقول انا ابغض محمدا و آل‌محمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام من نصب لعلي حربا كان كمن نصب لرسول الله فقال اي والله من [ص 68] نصب لك انت لاينصب لك الا علي هذا الدين كما كان نصب لرسول الله انتهي ، و اذا بغي طائفة من اهل الدعوة الظاهرة علي بعضهم علي غير سنة فهم جميعا في النار لقول رسول الله صلي الله عليه و آله اذا التقي المسلمان بسيفهما علي غير سنة فالقاتل و المقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لانه اراد قتلا انتهي ، و اذا بغي طائفة من المتشيعة علي طائفة منهم علي غير السنة فان كان علي استحلال بعضهم دم بعض فهم كفار و في النار و ان كان علي غير استحلال فهم فساق فجار بالجملة لايدل قوله عز و جل و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا علي ان الباغي مؤمن حقيقة ، قوله عز و جل فاصلحوا بينهما بالنصح و الدعوة الي الحق و التخويف من بأس الله و تلاوة آيات الكتاب و اخبار الحجج الاطياب عليهم صلوات الله الملك الوهاب و التحذير من النار و امثال ذلك فان بغت احديهما علي الاخري اي ان استطالت و اعتدت علي الاخري و لم‌تنزجر بالترهيب من الله و لم‌تتعظ بالكتاب و آثار الحجج الاطياب عليهم صلوات الله الملك الوهاب و تم الحجة عليها برفع جهالتها و تذكرها فقاتلوا التي تبغي و تعتدي و تستطيل حتي تفيء الي امر الله اي ترجع الي امر الله و حكمه فان لم‌تفئ فيقاتلون حتي يقتل كلهم فان الغاية فيئهم الي ما امر الله و حكم فان فاءت و رجعت و انزجرت عن سفك دماء المسلمين فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا برفع الاحن و اسباب العداوة و التصالح بعد التنازع بالعدل بان تأخذوا من الظالم حق المظلوم علي كتاب الله و سنة [ص 69] نبيه و تردوه اليه و قوله اقسطوا اي اعدلوا و يمكن ان يكون بمعني ازالة القسط اي الجور لان قسط كضرب بمعني جار و كنصر بمعني عدل و الافعال قد يأتي بمعني ازالة المصدر كقولهم اشكيته اي ازلت شكواه و اعربته اذا رددت عربه فاقسطوا يمكن ان يكون بمعني ازالة القسط بمعني الجور و لعل ذلك انسب فانه امر بالاصلاح بالعدل و لايحتاج الي ذكر اعدلوا فعلي معني الازالة اي اصلحوا بينهما باخذ حق المظلوم من الظالم علي كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و ازيلوا جور الجاير منهم ان الله يحب المقسطين الذين ينهون عن المنكر و يزيلون جور الجايرين و يمنعونهم عن الجور و يمكن ان يكون كلاما مستأنفا و حكما مطلقا و هو ايضا حق فيمكن ان يكون مستأنفا بكلا المعنيين و قيل في تنزيله انها نزلت في الاوس و الخزرج حين وقع فيهم مقاتلة بالسعف و النعال و الله يعلم بحقيقة الحال .

التأويل من تأويلات الآية المباركة ان يكون الخطاب الي العقل و جنوده من الملئكة الموكلين بالخيرات و يكون المراد بالمؤمنين الطبايع الاربع المقهورين تحت سطوة العقل فقال الله سبحانه و ان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا اي ان تقاتل طبعان من الطبايع الاربع فدعت الصفراء مثلا الي مقتضاها لغلبتها و قاتلت البلغم و ارادت اهلاكه و افناءه و ابطال آثاره و قاتل البلغم الصفراء و اراد اهلاكها و ابطال آثارها فاصلحوا ايها العقل و جنوده بينهما بان تحكموا علي كل واحد ان يجري في محله بان يجري الصفراء في محل امر الله بجريانها فيه كالطيش و الغضب علي اعداء الله [ص 70] و دقة النظر في العلوم و المعارف و الحكم و الاستعلاء عن الدناءات و خلاف المروات و امثالها و لايمنعها البلغم عن آثارها و اعمالها و يجري البلغم في محل امر الله بجريانه فيه كالحلم و الصبر و التؤدة و الشهوات المأمور بها و امثالها و ذلك ما لم‌يبغ احدهما علي الآخر و طاوع حكم العقل بالامر و النهي و لم‌ينحرف المزاج كل الانحراف حتي يبلغ المرض فان بغت احديهما علي الاخري بان غلبت بحيث لم‌تتعظ بالمواعظ و النصايح و الامر و النهي بواسطة فساد احدهما و غلبته حتي حصل المرض الغالب فقاتلوا التي تبغي باستعمال الادوية و المعالجة حتي تقتلوا الطائفة الغالبة بالاخراج من مملكة البدن بالادوية التي وضع الله و المعالجات التي قدر الله و نفيها من ارضه حتي تفيء الي امر الله الجاري عليها بواسطة العقل فان فاءت بعد القتل و النفي من الارض و فني البغاة التي ماكانت تفيء و بقي الضعيف منها و امكن انقيادها للعقل ففاء الي امر الله فاصلحوا بينهما بالعدل اي عدلوا المزاج بعد القتل و الافناء و النفي و الاخراج و الفوا بينهما و خذوا حق المظلوم منهما من الظالم منهما و اقسطوا و ازيلوا جور الجاير و ما فيه من العدول عن الحق ان الله يحب المقسطين المزيلين جور الجاير عن مملكة البدن و المعدلين للمزاج و يحب المزاج المعتدل و يصير حبيب الله عاملا بمحاب الله و ذلك امر مشهود معروف عند اهل المعالجة و الطب و ذلك انه اذا انحرف المزاج عن الاعتدال في الجملة و تقاتل الدم و السوداء مثلا في البدن و اراد كل واحد حمل الانسان علي [ص 71] مقتضاه يمكن للانسان الاصلاح بينهما بان يعمل بمقتضي كل واحد منهما في محله و للاعمال و الاحكام الشرعية اثرا عظيما في تعديل المزاج و اصلاحه و لذلك امر الشارع و نهي الناس و وعظهم و حذرهم و انذرهم و امر بالرياضات و المجاهدات الشرعية مع ان سبب جميع الاعمال و الداعي الي جميع الخصال الطبايع فبالامتثال لامره و الانزجار عن نهيه و ترك ما يقوي الخلط الغالب و الرياضات في الجملة و تقوية الخلط الضعيف باستعمال ما يقويه يعتدل المزاج بلا شك و يصلح فلذلك قال فاصلحوا بينهما اولا من غير مقاتلة اذ لا حاجة اليها و اما اذا تَبَيَّغَ الدم مثلا بصاحبه حتي فسد المزاج بحيث سلب الاختيار العادي فلايؤثر في صاحبه الوعد و الوعيد و الانذار و الاعذار فاخذ صاحبه مثلا الحمي المطبقة او ساير الامراض الدموية او ثار في بدنه السوداء بحيث بلغ به الوحشة او الجنون او الماليخوليا او ساير الامراض السوداوية التي لاتنجح فيها النصايح و المواعظ و الاعذار و الانذار و حسن التدبير في الستة الضرورية فلا بد من معالجة الخلط الغالب الباغي علي ضده و مقاتلته بالفصد او المقيئ او المسهل او غيرها و لا علاج له غير ذلك و لذلك كان الانبياء و الاولياء يعالجون البدن عند الامراض الغالبة و يستعملون الادوية و العقاقير حتي يفني الخلط الفاسد الباغي ثم بعد ذلك يصلحون المزاج بالتعديل و هو قوله فان فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل و اقسطوا و لذلك قال رسول الله صلي الله عليه و آله تجنب الدواء ما احتمل بدنك الداء فاذا لم‌يحتمل الداء [ص 72] فالدواء و قال ابوعبدالله عليه السلام ان نبيا من الانبياء مرض فقال لااتداوي حتي يكون الذي امرضني هو الذي يشفيني فاوحي الله تعالي اليه لااشفيك حتي تتداوي فان الشفاء مني و سئل ابوجعفر عليه السلام هل يعالج بالكي قال نعم ان الله تعالي جعل في الدواء بركة و شفاءا و خيرا كثيرا و ما علي الرجل ان يتداوي فلا بأس به و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث انزل الله الداء و انزل الشفاء و ما خلق الله داءا الا جعل له دواءا فاشرب و سم الله تعالي انتهي ، فتأويل هذه الآية في كلية تعديل المزاج و المعالجة و لاتعجب من ذلك فان الله سبحانه انزل الكتاب تبيانا لكل شئ و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لكل آية تأويلات و نحن اكتفينا في كل آية بتأويل او تأويلين لتعلم نوع التأويل و الا كل شئ فيه معني كل شئ فافهم ان كنت تفهم و لاتقل فلان يفسر الكتاب برأيه فانا بحول الله و قوته نأخذ جميع ما نقول من كليات الاخبار علي ما روي علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا .

الباطن نزلت الآية في الباطن في البغاة الذين بغوا علي علي عليه السلام كمعوية و اصحابه و طلحة و زبير و عايشة و اصحابهم قال ابوجعفر عليه السلام انما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة و هم اهل هذه الآية و هم الذين بغوا علي اميرالمؤمنين عليه السلام فكان الواجب عليه قتالهم و قتلهم حتي يفيئوا الي امر الله و لو لم‌يفيئوا لكان الواجب عليه فيما انزل الله ان لايرفع السيف عنهم حتي يفيئوا و يرجعوا عن رأيهم لانهم بايعوا طائعين غير كارهين و هم الفئة الباغية [ص 73] كما قال الله عز و جل فكان الواجب علي اميرالمؤمنين عليه السلام ان يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم كما عدل رسول الله صلي الله عليه و آله في اهل مكة انما من عليهم و عفا و كذلك صنع اميرالمؤمنين عليه السلام باهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النبي صلي الله عليه و آله باهل مكة حذو النعل بالنعل الخبر و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلي الله عليه و آله منكم من يقاتل علي التأويل كما قاتلت علي التنزيل فسئل النبي صلي الله عليه و آله من هو قال خاصف النعل و كان اميرالمؤمنين عليه السلام يخصف نعل رسول الله صلي الله عليه و آله انتهي ، و قول ابي‌جعفر عليه السلام انما جاء تأويل هذه المراد بالتأويل هنا الباطن فان الباطن نوع من التأويل بالمعني الاعم و يجيء باطنه الاعظم في قتال مولانا بقية الله عجل الله فرجه مع فرق الاسلام حتي يفيئوا الي امر الله و هو عليه السلام امر الله كما ورد في باطن قوله اتي امر الله اي القائم عجل الله فرجه فيقاتلهم حتي يفيئوا الي طاعته طوعا و كرها و من ذلك ان يكون الطائفتان الحسين و اصحابه و بنوامية و اصحابهم و الراضين بفعلهم و الخطاب الي القائم عجل الله فرجه و اصحابه فلما بغوا علي الحسين و اصحابه امر القائم عليه السلام و اصحابه بقتالهم فيقاتلهم طلبا لثار الحسين عليه السلام او الخطاب الي الحسين عليه السلام بنفسه فلما اقتتلوا فاراد ان يصلح بالمواعظ و النصايح و تعريفهم نفسه و اظهار حسبه و نسبه فلم‌ينجح فيهم و لم‌يتعظوا و بغوا فقاتلهم [ص 74] بامر الله و حكمه حتي يفيئوا و لم‌يفيئوا حتي كان ما كان .

انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم و اتقوا الله لعلكم ترحمون .

القراءة عن يعقوب و ابن‌سيرين اخوتكم بالتاء علي الجمع و عن زيد بن ثابت و الحسن اخوانكم بالالف و النون علي الجمع .

الظاهر اراد الله عز و جل التعليل لما امر في الآية السابقة بالاصلاح بين الطائفتين من المؤمنين فقال انما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله بحسب الدعوة الظاهرة سواء صدقوا في الايمان و آمنوا بقلوبهم ام كذبوا اخوة بحسب الظاهر لاب و ام ابوهم آدم و امهم حواء لايفضل بعضهم علي بعض الا بالتقوي كما قال يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر و انثي و جعلناكم شعوبا و قبايل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقيكم و هو امر اخروي و اما في الدنيا فكلكم اكفاء و اشباه تتكافأ دماؤكم كما قال علي بن الحسين عليه السلام في حديث الحقوق و اما حق مملوكك فان تعلم انه خلق ربك و ابن ابيك و امك و لحمك و دمك الخبر ، و في الابيات المنسوبة الي علي عليه السلام :

الناس من جهة التمثال اكفاء ابوهم آدم و الام حواء

و قال رسول الله صلي الله عليه و آله المسلمون اخوة تتكافأ دماؤهم الخبر ، فمن جهة اتحاد الاب و الام جميع الكفار ايضا اخوة للمؤمنين كما قال الله عز و جل و اخوان لوط و قال و اذكر اخا عاد و امثال ذلك فتخصيص المؤمنين بالاخوة هنا لتعطيف بعضهم علي بعض حتي يؤدوا حقوق الاخوة علي نهج الكمال و يراعوا حرمة ابيهم و امهم في اولادهما و لايكونوا كالكفار الذين قد منعوا انفسهم من مقتضيات الاخوة [ص 75] و لم‌يعملوا بمقتضاها و لم‌يجروا علي الفطرة التي فطر الله الناس عليها و المؤمنون ينبغي لهم ان يجروا علي الفطرة و يراعوا اتحاد ابيهم و امهم و كون لحمهم و دمهم من لحم واحد و دم واحد فهم يراعون للاخوة و يعملون بمقتضي الفطرة دون الكفار و ان كانوا اخوة حقيقة و اثبات الشئ لايدل علي نفي ما سواه كما روي عنهم عليهم السلام ثم عطف علي ذلك و اتي بالفاء التعليلية و قال فاصلحوا بين اخويكم اي بناء علي ذلك اصلحوا بين اخويكم فان الاصلاح من مقتضيات الفطرة و الاخوة و امرتكم بالاصلاح بين المتقاتلين لاجل اداء حق الاخوة كما قال الله عز و جل فاتقوا الله و اصلحوا ذات بينكم ، و قال رسول الله صلي الله عليه و آله اصلاح ذات البين افضل من عامة الصلوة و الصيام و قال من مشي في صلح بين اثنين صلي عليه ملئكة الله حتي يرجع و اعطي ثواب ليلة القدر و قال ابوعبدالله عليه السلام لان اصلح بين اثنين احب الي من ان اتصدق بدينارين و قال صدقة يحبها الله اصلاح بين الناس اذا تفاسدوا و تقارب بينهم اذا تباعدوا و قال لمفضل اذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي و قال في قول الله عز و جل و لاتجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا و تتقوا و تصلحوا بين الناس اذا دعيت لصلح بين اثنين فلاتقل علي يمين ان لاافعل انتهي ، و فضل الصلح كثير لايسع هذا الكتاب ان احصيها و كفي في فضله قوله تعالي الصلح خير و ان اجيز الكذب فيه فقال ابوعبدالله عليه السلام المصلح ليس بكذاب ، و قوله و اتقوا الله لعلكم [ص 76] ترحمون اي احذروا الله في سطوته و لاتخالفوا امره اذا امركم باصلاح و اتقوا في ترك التراحم و التواصل الذي فيه خراب مدنكم و انقراضكم عن آخركم و اصلحوا لعلكم ترحمون فيرحمكم الله كما رحمتم اخوانكم و لم‌ترضوا بتفاسد ذات بينهم و فساد مدينتهم بتقاتلهم و تفرقهم و وصلتم بهم و واصلتم بينهم كما روي عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله رحيم يحب كل رحيم و قال ابوجعفر عليه السلام رحم الله امرأ الف بين وليين لنا يا معاشر المؤمنين تألفوا و تعاطفوا و قال رسول الله صلي الله عليه و آله من لايرحم لايرحم .

التأويل فمن تأويلها ان يكون المراد بالمؤمنين الطبايع المذكورة في الآية السابقة فهن اخوة و ذكرن من حيث مطاوعتهن للعقل كما ذكر الله السموات و الارض و قال اتينا طائعين و ذكر جميع الاشياء و قال لاتفقهون تسبيحهم و ذلك لانه لما نسب الله الي الاشياء ما ينسب الي ذوي العقول ملاحظا لجهاتها الي ربها و ما فيها من الشعور الكوني ذكرها فالطبايع من هذا الحيث اخوة لانها بنو اب واحد و هو المادة المشتركة بينها و بنو ام واحدة و هي الحدود الجسمانية فلاجل ذلك يمكن ان يميل كل واحد الي كل واحد و يعمل كل واحد بمقتضي كل واحد مشايعة له و لولا ذلك لتفكك المركب و فسد و لذا تري النبات مثلا يصعد ناره و يشايعها اخوتها الثلثة و ينزل ترابه و يشايعه اخوته الثلثة و يتوسط هواؤه مائلا الي العلو مع الانتشار و يشايعه اخوته الثلثة و يتوسط ماؤه مائلا الي السفل مع اللين [ص 77] و قبول الامتداد و يشايعه اخوته الثلثة و لولا تلك المشايعة لتفكك المركب و ذهب كل عنصر الي حيزه فكانت العناصر اخوة بني مادة جسمانية طبعانية و بني صورة واحدة من نوع الحدود الجسمانية و هي الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان النوعية فامر الله العقل الذي هو الامير عليها و الامام لها و الحجة عليها ان يصلح بينها بالتأليف و التعديل حتي ينتظم مدينة بدنه و لايتفرقوا و لايبغي بعضهم علي بعض و لايتفاسد ما بينهم و نسبهم الي اخوة العقل مع ذلك فان الطبايع في الاول عدو للعقل و مخالفة له كما في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و قال ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا و عدو بعضهم لبعض فلما استعدلت و تألفت و طاوعت العقل كما قال الله سبحانه و اذكروا اذ كنتم اعداءا فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها صارت اخوة للعقل كما قال الله سبحانه فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و لذا قال فاصلحوا بين اخويكم و اتقوا الله فان تعديل المزاج بامر الله يتقي به الله و يحذر به من مخالفة الله و يعمل به بمحاب الله و الطبايع رعايا للعقل و كلكم راع و كلكم مسؤل عن رعيته و اعتدال المزاج سببه تعاليه و تلطفه و شفافيته و حكايته انوار العقل كما قال علي عليه السلام خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ، [ص 78] لعلكم ترحمون فان العالي اذا رحم الداني بحسن سياسته و تأديبه يرحمه الاعلي منه كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله من لايرحم لايرحم و حسن سياسة العالي و تأديبه للداني رحمة من الله له كما قال الله تعالي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي فافهم .

الباطن اعلم لهذا الانسان المحسوس مراتب منها جماديته التي هي من عناصر هذا العالم اصلها منها و اليها تعود و منها نباتيته و اصلها من طبايع هذه العناصر و اليها تعود و منها حيوة حيوانية اصلها غيب الافلاك منه تنشأ و اليه تعود و بهذه المراتب يتم البدن الجسماني الدنيوي و هم بابدانهم قد توالدوا من آدم و حواء و هما ابوا ابدانهم و لو كانا ابوا ارواحهم لكان الناس كلهم انبياء فان الحمام لاتلد الا الحمام و الغراب لاتلد الا الغراب و في المثل الساير لاتلد الحية الا الحية فلم‌يك يتولد من آدم الا النبي فانه كان نبيا و منها نفسهم الناطقة القدسية فانها ليست من ولد آدم فانها روح يستفاد من المربي و المعلم الخارجي فان وجد وجدت و الا فلا فلو ولد بدن انسان ثم لم‌يربه احد و ترك و نفسه نشأ حيوانا و ان كان اقوي من ساير الحيوانات في الجملة و هذه النفس هي الانسان و هذا الانسان له ابوان فابوه الذي منه مادته و نوره الذي به عرف ربه و امه التي عرفه تفاصيل التوحيد و هي الاعمال الحسنة و الاخلاق الزكية و العلوم الحقيقية بل و تفاصيل العقايد الحقة الصحيحة فلاجل ذلك ابو كل انسان نبيه و ام كل انسان وليه الشارح لدينه المترجم عنه المفصل لاجمال ما جاء به و كل رعية اولاد [ص 79] نبيهم و وليهم و هذه الامة اناسيهم اولاد محمد نبيهم صلي الله عليه و آله و علي وليهم و بذلك تضافرت الاخبار فمن طريق العامة عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث في فضل علي عليه السلام هو مني و انا منه حبه ايمان و بغضه كفر محبه محبي و مبغضه مبغضي و هو مولي من انا مولاه و انا مولي كل مسلم و مسلمة و انا و هو ابوا هذه الامة و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال و وصينا الانسان بوالديه رسول الله و علي صلوات الله عليهما و عن النبي صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة فعلي عاق والديه لعنة الله ، فعلي ذلك المؤمنون اخوة لاب و ام ابوهم النبي و امهم الولي و قد نص الله عز و جل في كتابه بلطائف بيانه حيث قال النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و في قراءة اهل البيت عليهم السلام و هو اب لهم و ازواجه امهاتهم مع انه قال خلق لكم من انفسكم ازواجا و قال و انفسنا و انفسكم و لكن الاخوان في الدنيا اصناف اربعة اخوان لاب و ام و اخوان لاب و اخوان لام و اخوان رضاعيون ففي الباطن الاخوان الاعياني هم لاب و ام فهم المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسله و اتبعوا وصيه فيما شرع و والوا اوليائهم و عادوا اعدائهم و اما بنو العلات فليسوا في الباطن علي الحقيقة لان نبينا صلي الله عليه و آله لم‌يتخذ وليا غير الولي الحق و اما في النسبة الظاهرة فالمدعون للولاية و الخلافة هم ايضا امهات للمسلمين كما كان بنت الاول و الثاني امين للمسلمين في النسبة الظاهرة دون الحقيقة و اما بنو الاخياف فهم لام واحدة و آباء عديدة فلذلك [ص 80] لايعقل في امنا عليها السلام لانها لم‌تتصل الا بواحد و اما تلك الامهات الظاهرة فقد خن و اتخذن لهن شركاء متشاكسين لعنهم الله فاولادهم من شركائهم بنو اخياف و ليسوا لنا اخوة لا لاب و لا لام و اما ما كان لهن من ابينا فهم بنو العلات الا انهم من ابينا و اما المتبعون للولي فهم اخواننا الاعياني و اما الاخوان الرضاعي فقد ارتضع بعض اخواننا الاعياني من تلك الامهات و اللبن يعدي فغير جسمه و هيأته و شابه بني امه الرضاعي فربما قال في كثير من الاشياء بقولهم و سار بسيرتهم نعوذ بالله فهو اخ رضاعي لهم قد دخل فيهم بالعرض و ناسبهم و لرب ولد منهن جاء الينا و ارتضع من لبن امنا و تعلم من علومنا و اللبن يعدي فقال بقولنا و سار بسيرتنا و هذا في الظاهر احسن سمتا من المرتضع الاول و ان كان اشقي ذاتا و المرتضع الاول اخس سمتا و اسوء هيأة من المرتضع الثاني الا انه اسعد ذاتا و سيعود كل واحد الي اصله و لو بعد حين و قد يلحظ في اللات و العزي ان اللات كانت اكثر اجمالا و كانت مؤسسة للكفر و الشقاوة و اصلا و العزي كانت اكثر تفصيلا و شارحة لاجمالها فيقال هما ايضا ابوا المنافقين من الاولي مادة النفاق و من الثانية صورته و من هذا الباب روي انه سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن قوله تعالي ان اشكر لي و لوالديك اليّ المصير قال الوالدان اللذان اوجب الله لهما الشكر هما اللذان والدا العلم و وارثا الحكم و امر الناس بطاعتهما ثم قال الله اليّ المصير فمصير العباد الي الله و الدليل علي ذلك الوالدين ثم عطف القول علي ابن‌خثيمة ( حنتمة ظ ) [ص 81] و صاحبه و قال في الخاص و العام و ان جاهداك علي ان تشرك بي يقول في الوصية و تعدل عمن امرت بطاعته فلاتطعهما و لاتسمع قولهما ثم عطف القول علي الوالدين فقال و صاحبهما في الدنيا معروفا يقول عرف الناس فضلهما و ادع الي سبيلهما و ذلك قوله و اتبع سبيل من اناب اليّ ثم الي مرجعكم فقال الي الله ثم الينا فاتقوا الله و لاتعصوا الوالدين رضاهما رضا الله و سخطهما سخط الله ، انتهي . فعلي ذلك الوالدان ثلاثة والدا البدن الدنياوي و هما المعروفان و والدا العقل و النفس الانسانية و هما النبي و الولي و والدا النفس الامارة و هما اللات و العزي هذا مجمل من امر اخوة المؤمنين و قد شرحنا ذلك في كتابنا ابواب الجنان في حقوق الاخوان فان شئت فراجعه فمن حيث التوالد الدنياوي جميع الناس اخوة كما مر في الآية السابقة و لكنهم من حيث النفوس آباؤهم و امهاتهم شتي فالمؤمنون اخوة لاب و ام و المنافقون ايضا اخوة لاب فمنهم لام ايضا و منهم من العلات ثم اعلم ان الاخوة ايضا لها مراتب فكل اثنين تساويا في المعرفة و العلم و العمل فهما اخوان لاب واحد و ام واحد حقيقة و لو كان ابوذر اخا سلمان في الدرجة العليا لماكفره اذا اطلع علي ابيه و امه فافهم فذلك الذي له الحق العظيم و الاتصال العميم و هو كروحك و جسدك و لحمك و دمك و اما من يشاركك في مطلق الايمان و هو في اخس المراتب و انت اعلي فهو اخوك العام لا اخوك الخاص و لكل حق بحسبه و يكشف عن ذلك قول الرضا عليه السلام بعد ذكر حقوق الاخوان [ص 82] و الاخ الذي يجب له هذه الحقوق الذي لا فرق بينك و بينه في جملة الدين و تفصيله ثم ما يجب له بالحقوق علي حسب قرب ما بين الاخوان و بعده بحسب ذلك الخبر ، و من هذا الباب آخي رسول الله صلي الله عليه و آله بين اصحابه فآخي بين رجل و قرينه ثم آخي بين نفسه و بين علي عليه السلام مع ان جميع المؤمنين اخوة فعن عبدالله بن عباس قال لما نزلت انما المؤمنون اخوة آخي رسول الله صلي الله عليه و آله بين المسلمين فآخي بين ابي‌بكر و عمر و بين عثمان و عبدالرحمن و بين فلان و فلان حتي آخي بين اصحابه اجمعهم علي قدر منازلهم ثم قال لعلي بن ابي‌طالب عليه السلام اخي و انا اخوك و من طريق المخالفين عن حذيفة بن اليمان قال آخي رسول الله صلي الله عليه و آله بين المهاجرين و الانصار و كان يواخي بين الرجل و نظيره ثم اخذ بيد علي بن ابيطالب فقال هذا اخي الخبر ، و هذه هي الاخوة الخاصة فكل من نورك و نوره واحد و صفتك و صفته واحدة فهو اخوك الخاص فالنور ابوكما و الصفة امكما و كل من نوره من نوع نورك الا ان نوره اقل ضوءا و صفته من نوع صفتك الا ان صفته اقل خلوصا و صفاءا فهو اخوك العام فقد قيل لابي‌عبدالله عليه السلام جعلت فداك الحديث الذي سمعته انا منك ما تفسيره قال و ما هو قال ان المؤمن ينظر بنور الله فقال يا فلان ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية علي معرفته يوم عرفهم نفسه فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة [ص 83] و انما ينظر بذلك النور انتهي ، فالنور هو ظل محمد صلي الله عليه و آله اذ هو نور الله و الرحمة ظل علي عليه السلام فانه كتب علي نفسه الرحمة و هو نفس الله القائمة فيه بالسنن و رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار فطابق قوله انا و علي ابوا هذه الامة و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال المؤمن اخ المؤمن لابيه و امه و ذلك ان الله خلق المؤمن من طينة السموات و اجري فيهم من ريح روحه فلذلك هو اخوه لابيه و امه انتهي ، و الطينة طينة الجنة طينة الرحمة و هي من ظل علي عليه السلام فانها طينة الاجابة و الصورة و ريح الروح هو ظل محمد صلي الله عليه و آله و بها حيوة تلك الطينة و اتصالها بالله و يوضح قول ابي‌جعفر عليه السلام في حديث آخر المؤمن اخ المؤمن لابيه و امه لان الله خلق المؤمنين من طينة الجنان و اجري في صورهم من ريح الجنة فلذلك هم اخوة لاب و ام انتهي ، فالطينة هي الصورة و قال ابوعبدالله عليه السلام المؤمن اخ المؤمن كالجسد الواحد ان اشتكي شئ منه وجد الم ذلك في ساير جسده و ارواحهما من روح واحدة و ان روح المؤمن لاشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها انتهي و لك ان تأخذ المؤمنين الائمة عليهم السلام فانهم يؤمنون شيعتهم من عذاب النار فهم اخوة خواص او الانبياء فانهم ايضا شفعاء المؤمنين بهم و هم ايضا اخوة علي اختلاف الدرجات فافهم ثم قال الله سبحانه فاصلحوا بين اخويكم يعني اذا ثبت ان المؤمنين اخوة و للاخ حقوق علي اخيه لا بد و ان يؤديها فاصلحوا بين اخويكم لان [ص 84] الاصلاح احد تلك الحقوق فان كان المراد بالاخوة المعصومين فالمخاطبون بقوله اصلحوا انفسهم فامره مطاع فيهم لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فقد اصلحوا بينهم من اول تكونهم فليس بينهم تنازع و لا تباغ و لا تحاسد و هم العباد الصالحون علي الاطلاق فليس فيهم فساد ابدا و ان كان المراد منها الانبياء فالمخاطبون باصلحوا الائمة عليهم السلام و قد اصلحوا بينهم كما امروا فليس بينهم ايضا تنازع فان كان المراد منها ساير المؤمنين فالمخاطبون الولاة و اصحاب القدرة فمن اصلاح ذات بينهم تقوية ايمانهم بتلقين معرفة الله جل و عز و معرفة النبي صلي الله عليه و آله و معرفة الائمة و وجوب ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء فانهم ان عرفوا ذلك لم‌يتنازعوا ابدا و ارتفع الخلاف و التشاجر و التنازع من بينهم البتة و ان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض الا الذين آمنوا و هذا اعظم الاصلاح و من اصلاح ذات بينهم تعليمهم الحلال و الحرام و اجراء الحدود و الاحكام فانهم اذا علموا الحلال و الحرام و خافوا اجراء الحدود عليهم لم‌يعملوا بشئ يوجب النزاع فهو ايضا نوع من انواع الاصلاح و من اصلاح ذات البين ان يردع المؤمنين عن المعاصي و الاعمال القبيحة التي يستحقون بها من الله العذاب و توكيلهم الي انفسهم و تولية بعضهم بعضا كما قال يوم نولي بعض الظالمين بعضا و القاء الله العداوة و البغضاء بينهم حتي يعذب بعضهم ببعض كما قال و القينا بينهم العداوة و البغضاء الي يوم القيمة و قال [ص 85] ليذيق بعضهم بأس بعض فاذا ارتدعوا عن المعاصي و لم‌يعصوا لم‌يعذبهم الله حتي يستحقوا منه الخذلان الموجب للنزاع فيقع الاصلاح و قسمه الادون نصيحتهم و عظتهم و تذكيرهم بتأذي الله و رسوله و الائمة عليهم السلام من بغي بعضهم علي بعض و اذي بعضهم لبعض و ان اذي بعضهم بعضا مبارزة الله بالحرب و اذية رسوله و اذية حججه و في ذلك بطلان اعمالهم كما قال لاتبطلوا صدقاتكم بالمن و الاذي علي الاطلاق حتي يرتدعوا بذلك و يعرفوا ان تنازع المؤمنين امر عظيم و من ذلك ان يفتدي تنازعهم بمال منه حتي يرضي بعضهم عن بعض احتراما لمحمد و آله في شيعتهم صلوات الله عليهم و لذلك قال الصادق عليه السلام لمفضل اذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي انتهي ، كل ذلك لاجل ان لايكون بين اولادهم تباغض و تنازع فيدخل ذلك عليهم و يتأذون به فيصل ذلك الي الله عز و جل كما في القدسي من آذي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني اليها ، و اتقوا الله في اداء حقوق الاخوان كما قال في موضع آخر فاتقوا الله و اصلحوا ذات بينكم لان ذلك امر عظيم و خطب جسيم قد هلك فيه رجال كثيرون كما قال العسكري عليه السلام في قوله تعالي و عملوا الصالحات قضوا الفرايض كلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة و الامامة قال و اعظمها فرضان قضاء حقوق الاخوان في الله و استعمال التقية من اعداء الله و قال علي بن الحسين عليه السلام يغفر الله كل ذنب ( للمؤمن ظ ) و يطهره منها في الدنيا و الآخرة ما خلا ذنبين ترك التقية و تضييع [ص 86] حقوق الاخوان الي ان قال الا فاعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا و معاداة اعدائكم استعمال التقية علي انفسكم و اموالكم و معارفكم و قضاء حقوق اخوانكم و ان الله يغفر كل ذنب بعد ذلك و لايستقصي و اما هذان فقل من ينجو منهما الا بعد مس عذاب شديد الي ان قال فاتقوا الله و لاتتعرضوا لمقت الله بترك التقية و التقصير في حقوق اخوانكم المؤمنين الخبر ، لعلكم ترحمون يتعلق بكم رحمة الله لما صدر منكم الرحمة علي اخوانكم المؤمنين فالله سبحانه يجازيكم بالرحمة كما رحمتم المؤمنين الذين خلقوا من نور الله فكانوا مظاهر انوار التوحيد و مجالي اسرار التفريد و كان اذاهم اذي الله و سرورهم سرور الله و حزنهم حزن الله و كل معاملة معهم هو المعاملة مع الله فاذا رحمتم من هو هكذا بتواخيه و اصلاح امره جزاكم الله برحمته لقوله هل جزاء الاحسان الا الاحسان هذا في ظاهر الامر و اما في الحقيقة ما لم‌يرحم الله العبد و يشرق علي قابليته شمس اسم الرحيم من اسماء الله عز و جل و يستولي علي زيتها ناره لم‌يشتعل بالرحمة و ما لم‌يشتعل بالرحمة لايكون له فضل رحمة يرحم به احدا فاذا نظر الله الي العبد بنظر الرحمة و رحمه استوعب كينونته الرحمة حتي خفي من حيث نفسه و ظهر باسم الرحيم فكان بالمؤمنين رحيما و من عرف ذلك لم‌يمن علي الله باعماله و افعاله فيبطله لما رأي في نفسه من الاستقلال بذلك العمل فمنّ و رؤيته الاستقلال تقطعه عن الله فتتبدل حسناته سيئات فيحبط اعماله فيبطل افعاله بالجملة قوله لعلكم [ص 87] ترحمون هو نظر صعودي من الاسفل الي الاعلي و ترغيب لما يرون في انفسهم شيئا و يحسبون انهم العاملون و يطلبون المجازاة كما قال لهم فاذكروني اذكركم و اما لغيرهم قال و ما بكم من نعمة فمن الله الي غير ذلك من الآيات .