تفسير سورة الحجرات
من مؤلفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي و لعنة الله علي اهل الردي .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم اني قد علقت علي كتاب الله المجيد في سالف الزمان تعليقات علي نحو الاجمال و بينت فيها قراءات القراء و بعض مشكلات الآيات و بعض تأويلاتها و بعض بواطنها و بواطن بواطنها علي نحو الرمز و كتبتها في الهوامش و ما بين السطور فانتشرت بين اصحابنا و لكن لاينتفع منها الا العالم الماهر في علم التفسير فاحببت ان اكتب في هذه الايام انموذجا لنفسي ان لو وفقت لتصنيف تفسير كيف ينبغي ان اصنف و لاخواني ان لو شاءوا ان يرتبوا تلك التعليقات و يربطوا بين انحاء معانيه و مبانيه كيف ينبغي ان يرتبوا فلاجل ذلك فسرت هذه السورة المباركة و هي سورة الحجرات علي ما تري فان وفقني الله لتفسير تام يلحق هذا به انشاء الله و الا فهو بنفسه كتاب مستقل و انموذج لمن وفق له من اخواني و لميكن غرضي تقليد المفسرين السابقين و الاستعارة منهم عبائرهم و تحقيقاتهم التقليدية التي قلد فيها خلفهم سلفهم فانها كافية في شأنها لهم و انما اردت ان اكتب بعض ما خصنا الله به من علم كتابه مما لميكتبوا و لميدركوا و ليس مرادي ايضا استقصاء اخبار وردت في تفسير الآيات فان القوم قد تحملوا هذه المشقة و انما اريد ان اذكر من الاخبار ما استشهد به علي معني اذكره مكتفيا ببعضها بقدر الحاجة و الله الموفق و المعين .
[ص 3] بسم الله الرحمن الرحيم
يا ايها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم .
القراءة قرأ يعقوب لاتقدموا بفتح التاء و الدال و الباقون قرأوا بضم التاء و كسر الدال و كلاهما بمعني لاتسبقوا يقال قدم القوم كنصر قدما كفلس و قدوما كسرور و قدمهم تقديما و استقدمهم و تقدمهم بمعني اي سبقهم و بين اليدين كناية عن الامام و القدام فالمعني لاتسبقوا الله و لاتمشوا قدامه بان تأخذوا بما تهوونه دون ما امركم و يمكن ان يكون قوله عز و جل لاتقدموا متعديا و حذف منه المفعول لان المراد جميع المفاعيل فكأنه نهي عن نفس التقديم مطلقا فلايجوز للعبد ان يقدم شيئا علي الله و رسوله ابدا اي شئ كان .
الظاهر يا ايها الذين آمنوا بظاهر الدعوة و صدقوا و اذعنوا بتوحيد الله و نبوة محمد صلي الله عليه و آله ظاهرا و ان كانوا في قلوبهم منكرين او شاكين و انما خوطبوا في القرآن بالايمان بعد ما آمن الانصار لما روي في المجمع عن ابيجعفر عليه السلام انه قال ماسلت السيوف و لااقيمت الصفوف في صلوة و لا زحوف و لاجهر باذان و لاانزل الله يا ايها الذين آمنوا حتي اسلم ابناء قبيلة الاوس و الخزرج انتهي ، و انما سماهم مؤمنين لوجود صفة الايمان علي ظواهرهم في عصره صلي الله عليه و آله كما قال في آية اخري يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لاتفعلون فانها [ص 4] نزلت في المنافقين و سماهم الله مؤمنين بظاهر اقرارهم مع انهم من اهل قوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و علوا و هم عند الله كفار كما في رواية محمد بن جعفر بن خارجة عن ابيعبدالله عليه السلام و فيها قال عليه السلام و تجري عليه احكام المؤمنين و هو عند الله كافر او كما قال في آية اخري يا ايها الذين آمنوا آمنوا فوصفهم بصفة الايمان الظاهر و امرهم بالايمان المقرون بالتصديق فهؤلاء مضافون الي الايمان كما قيل للصادق عليه السلام ارأيت من دخل في الاسلام اليس هو داخلا في الايمان قال لا و لكنه قد اضيف الي الايمان انتهي ، و ذلك كدخول الشيطان في الملئكة حين امرهم الله بالسجود و حكي الله عز و جل ذلك في قوله و اذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس فسماه باسم الملك مع انه كان من الجن لاتصافه في الظاهر بصفة الملئكة و لك ان تأخذ كلمة آمنوا بمعني آمنوا انفسهم من مكر الله و دخلوا بذلك في الذنب العظيم حيث امنوا مكر الله فلايأمن مكر الله الا القوم الخاسرون و لك ان تقول انهم آمنوا بالطاغوت و كفروا بالله و ذلك ان الله لميقيدها و لميقل آمنوا بالله فتدبر و قوله عز و جل لاتقدموا بين يدي الله و رسوله اي لاتسبقوا الله و رسوله بان تؤثروا هواكم علي ما امركم الله و رسوله صلي الله عليه و آله فتعملوا بآرائكم و اهوائكم و تتركوا امر الله و نهيه فلاتعملوا بكتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله فيما نطقا به و تعملوا بما استحسنتموه او استصلحتموه او رأيتموه او تنطقوا فيما سكت الله و [ص 5] رسوله و حججه الذين هم من روحه و طينته و نوره و نفسه مع انهم لميسكتوا عما سكتوا عنه نسيانا او جهلا و انما سكتوا عنه رحمة و فضلا فتتكلفوا القول فيه مع انه علم نبيه ان يقول و ما انا من المتكلفين ان اقول ما لميقله الله و يقول اناتبع الا ما يوحي الي و وصفه بقوله ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و حذر من دونه من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة و قال و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ، فعن علي عليه السلام ان الله حد لكم حدودا فلاتعتدوها و فرض فرايض فلاتنقصوها و سكت عن اشياء لميسكت عنها نسيانا فلاتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها و عن الصادق عليه السلام لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلو عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق الخبر ، و اعظم جميع ذلك ان تنصبوا خليفة من عند انفسكم و تجعلوه باختياركم حجة من الله عليكم و لمينصبه الله باعترافكم فتفترضوا طاعته و تجعلوا نير مذلة طاعته علي اعناقكم فذلك تقدم علي الله و رسوله صلي الله عليه و آله و من ذلك ان لاتتقدموا علي رسوله و حججه الذين هم نفس الرسول في ممشاكم في الطرق اذا ماشيتموهم و في مجالسكم اذا جالستموهم و في الجواب اذا سئلوا عن امر و انتم حضور و في جهاد عدوكم او دفاعهم ما لميأمروكم به و في السؤال عن احكام الاشياء ما لميأمروكم بها و كلفوكم و لو مجملا و اما اذا بلغكم منهم حكم مجمل فلا بأس بطلب شرحه و بيانه [ص 6] و ليس تقدما عليهم و ان تغلوا في دينكم و تقولوا في حجج الله او ساير خلقه ما لميجعله الله لهم من الربوبية اذ لا مربوب و غيرها لغيرهم و ان تبادروا بمكافحة مخالفيكم قبل ان يأذنوكم او يظهر دولتهم و ان تخبروا اعداءكم بما كتم الله و رسوله عنهم من الحق خذلانا لهم و تؤموا حجج الله ظلما و عدوانا و تغلبا علي ملكهم او تتقدموا علي قبورهم في صلوتكم و تجعلوها وراءكم او تساووها و قد نهوكم عنها و قالوا الامام لايتقدم عليه و لايساوي اذ جميع ذلك تقدم علي الله و رسوله صلي الله عليه و آله ثم استعمل عقلك و استنبط مما ذكرناه ما لمنذكره فانه لا غاية له و لا نهاية و لايمكن رسم الجميع و قوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم اي احذروا الله في التقدم عليه و علي رسوله و علي حججه و في مخالفة احكام الله فان في مخالفة احكامه هلاككم و خراب مدينتكم و بواركم ان الله سميع لاقوالكم مقال اخياركم و اشراركم و لكل المسموعات من الاعلان و الاسرار عليم بافعالكم و احوالكم و ظواهركم و بواطنكم و ضماير انفسكم و يعلم صدقكم في الطاعة و الامتثال و نفاقكم اذا اطعتم ظاهرا و خالفتم باطنا و عليم بمن يصلح للتقديم و التأخير فيقدم من علم انه صالح للتقديم و يأمر باتباعه و يؤخر من يعلم انه لايصلح الا للتأخير و يأمره بالسمع و الطاعة و لاجل ذلك قدم رسوله و حججه صلوات الله عليهم عليكم و امركم ان لاتتقدموا عليهم في امر من الامور و تؤموا بهم و تتبعوهم في القل و الجل و عليم بصلاحكم و فسادكم و خيركم و شركم و ما [ص 7] به انتظام امور دنياكم و آخرتكم فيأمركم بخيركم و ينهاكم عن شركم و من ذلك ما نهيتكم عنه من التقدم علي الله و علي رسوله فان به صلاح مدينتكم و في تركه فسادكم .
التأويل قوله يا ايها الذين آمنوا المخاطب به جميع القوابل الامكانية المؤمنة بالله المسبحة له العالمة بصلوتها و تسبيحها الساجدة لله كما شهد الله عز و جل في حقها في كتابه بقوله و ان من شئ الا يسبح بحمده و قال كل قد علم صلوته و تسبيحه و قال و لله يسجد من في السموات و الارض و في الدعاء انت اله كل شئ و كل شئ يعبدك و يسبح بحمدك و يسجد لك و في دعاء آخر اللهم اني اسألك باسمك الذي دان له كل شئ ، فجميع القوابل الامكانية مؤمنون بالله عز و جل متبعون لامره الكوني مصدقون اياه بكلهم و هم بايمانهم مثابون بجنة الوجود و نعيم الشهود الذي لايفني و لايبيد قوله لاتقدموا بين يدي الله و رسوله هو امر مطاع و حكم متبع اذ المؤمنون الكونيون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فلايوجد في جميع اقطار الامكان شئ تقدم بين يدي الله و رسوله و حججه اوائل العلل عليهم السلام و سبقهم اذ حيث العبد مخلوق من نفس حيث الرب متأخر عنه و لايعقل تقدمه عليه و كذلك لايعقل تقدم الآثار علي المؤثرات و المعلولات علي العلل و المسببات علي الاسباب و المشروطات علي الشروط فهي كانت هكذا بنهي الله عز و جل حيث نهاها الله عن التقدم [ص 8] علي الله و مجالي نوره و مرايا ظهوره و لولا هذا النهي لميكن كذلك و ذلك من المسائل الدقيقة الحكمية و لو كانت هي بنفسها واجبة ان تكون هكذا لمااحتاج الي نهي و لكانت مستقلة غنية عن باريها و ليس الامر كذلك بل عند آلمحمد عليهم السلام ان الستة مثلا مخلوقة لله عز و جل و زوجيتها ايضا مخلوقة علي انه لو لميجعلها الله زوجا لمتكن زوجا و كذلك كونها ضعف ثلثة و نصف اثنيعشر مثلا و هكذا جميع نسبها و لوازمها كلها مخلوقة مجعولة بجعل الله عز و جل مخصوص بها لميطأ عرصة الوجود شئ الا بمشيته و ارادته قل الله خالق كل شئ فهي بنهي الله عز و جل اياها عن التقدم علي الوسائط متأخرة عنها و قوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم هو امر مطاع في عرصة الامكان اذ حذرهم الله عن مخالفة امره الكوني و اوعدهم نار العدم التي هي اشد النيران اذ كل نار محرقة لفقد جهة من جهات الوجود بحرها الغالب و في العدم فقدان الكل و لذا روي انه يعرض علي اهل جهنم الاعدام و الافناء فيأبون و يؤثرون عذاب النار الدائم فاوعد الله اهل عرصة الامكان و الاكوان اذا خالفوا امره الكوني و الامكاني ان يعذبهم بنار العدم الخالدة فاتقوا و لميخالفوا و امتثلوا اوامره فهي بمشيته دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة و انذرهم بان الله سميع لدعوات السنة قوابلكم علي اختلاف لغاتها يستجيب دعاءكم عليم بحوائجكم و مقادير قوابلكم فجعل من يستحق التقدم و سأل بلسان [ص 9] قابليته التقدم مقدما و من يستحق التأخر و سأل بلسان قابليته التأخر مؤخرا و لك ان تقول ان المخاطب النفوس المدعية ظاهرا متابعة العقول التي هي الحجج الباطنة كما في الخبر يا هشام ان لله علي الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل و الانبياء و الائمة و اما الباطنة فالعقول الخبر ، فنهي الله النفوس المدعية متابعة العقول بكينونتها عن التقدم بين يدي الفؤاد الذي هو آية الله و عنوانه و بين يدي العقل الذي هو الرسول الباطن بين الفؤاد و بين ساير الاعضاء و المراتب بايثار اهوائها و مشتهياتها علي اقتضاء الافئدة و العقول و امرها بالحذر عن اعراض الفؤاد و ستر وجهه عنها و اذي العقول لان الفؤاد لايخفي عليه شئ من ملك مراتب الشخص فان رأي حجبا ساترة و اغشية حاجبة ستر وجهه عنها و وكلها الي نفسها فهلكت لانها امارة بالسوء .
الباطن قوله : يا ايها الذين آمنوا ، الخطاب و ان كان عاما في الظاهر و لكنه مخصوص باعداء آلمحمد عليهم السلام كما روي انه قام الي علي عليه السلام رجل فسأله عن هذه الآية فيمن نزلت قال في رجلين من قريش انتهي ، فالمخاطب ذانك الرجلان و من هو منهما و من طينتهما فنهاهم الله عز و جل ان يتقدموا بين يدي الله و رسوله بغصب الخلافة و تولي الامارة و تغيير الدين و تخريب بيت سيد المرسلين عليه صلوات المصلين و استيصال عترته و ذريته و ابادة محبيه و شيعته اذ جميع ذلك تقدم علي الله و رسوله و ذلك ان من يتقدم علي احد يكون [ص 10] اول ما يري هو المتقدم و هو يحجب المتأخر فمن آثر نفسه علي الله و رسوله و آثر هواه علي محبتهما فقد اظهر نفسه و اخفاهما فتقدم عليهما و قد امر الله ان لايتقدم احد علي الله و رسوله باظهار نفسه و اخفاءهما و ترجيح بدعه علي دينهما و لما كانا عليهما لعاين الله اصلي كل شر و جميع شرور العالم راجع اليهما انزلت الآية فيهما و سرت في جميع من دونهما بعدهما كما اذا انحني الشاخص انحني ظله و جميع عكوسه في المرايا كذلك هما عليهما لعاين الله لما تقدما علي الله و رسوله و حججه عليهم السلام و ارادا سترهم و ستر دينهم و امرهم صارت النفوس الامارة التي في العالم التي هي من ظلهما و ظلمتهما مظهرة لانفسها ساترة لربها مؤثرة هواها علي هواهم فوقع النهي عليهما اولا ثم وقع علي ساير اظلتهما بالتبع و لك ان تقول ان المراد بقوله بين يدي الله اي بين يدي رسول الله صلي الله عليه و آله فانه صلي الله عليه و آله ظاهر الله في عوالمه كما قال علي بن الحسين عليه السلام في حديث اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم ، و قد ابان الله عز و جل في كتابه عن ذلك حيث يقول من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و قال ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله فالتقدم علي رسول الله هو التقدم علي الله و لايعقل التقدم علي الله الا بهذه الكيفية و التقدم علي رسول الله يتحقق بالتقدم علي نفسه و خليفته فانه هو محمد و محمد هو و ذلك ما روي عن الرضا عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله علي مني و انا [ص 11] من علي قاتل الله من قاتل عليا لعن الله من خالف عليا علي امام الخليقة بعدي من تقدم عليا فقد تقدم علي و من فارقه فقد فارقني و من آثر عليه فقد آثر علي انا سلم لمن سالمه و حرب لمن حاربه و ولي لمن والاه و عدو لمن عاداه انتهي ، فالتقدم عليه هو التقدم علي رسول الله و التقدم علي رسول الله هو التقدم علي الله و لايعقل تقدم علي الله الا هكذا فالمعني لاتقدموا بين يدي محمد و علي و يكشف عن ذلك ما روي عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام قال سألته عن تفسير هذه الآية لكل امة رسول الآية قال تفسيرها بالباطن ان لكل قرن في هذه الامة رسولا من آلمحمد يخرج الي القرن الذي هو لهم رسول و هم الاولياء و هم الرسل و اما قوله فاذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط قال معناه ان الرسل يقضون بالقسط و هم لايظلمون انتهي ، فالمراد بالرسول هو علي عليه السلام و لايلزم من ذلك ان يكون نبيا و لا نبي بعد محمد صلي الله عليه و آله بل المراد الرسالة الباطنة فانه كان في اعلي درجات القرب و هو اول ما خلق الله و كان اعلي من جميع ما خلق الله باتفاق الشيعة لانه من روح محمد صلي الله عليه و آله و انزله الله و ارسله الي المراتب الدانية فهو رسول الله بهذا المعني و قوله عز و جل و اتقوا الله اي احذروا رسول الله صلي الله عليه و آله كما قال في آية اخري و يحذركم الله نفسه اي احذروا سخطه و غضبه و اسفه عليكم فان اسفه اسف الله و ليس لله عز و جل اسف الا اسفه اذ هو منزه عن التغير و البداوات و انقلاب الاحوال [ص 12] كما قال ابوعبدالله عليه السلام في قول الله فلما آسفونا انتقمنا قال ان الله لايأسف كأسفنا و لكن خلق اولياء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضا و سخطهم لنفسه سخطا و ذلك لانه جعلهم الدعاة اليه و الادلاء عليه فلذلك صاروا كذلك و ليس ان ذلك يصل الي الله كما يصل الي خلقه و لكن هذا معني ما قال من ذلك الخبر فاذا كان هو ساخطا علي من يعصي الله و يتقدم علي الله و رسوله كما قلنا ينبغي ان يتقي و يحذر منه و الحذر منه هو الحذر من الله عز و جل و قوله عز و جل ان الله سميع عليم هو علة التقوي يعني ان رسول الله صلي الله عليه و آله الذي هو اذن الله و عين الله يسمع اصواتكم و ما تواطئون مع شياطينكم علي غصب الخلافة و احراق بيته و ابادة اهله و اهلاك ذريته و ما تتكلمون علانية و ما تناجون به لايخفي عليه خافية منكم كما قال قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون فرسول الله سميع لجميع ذلك عليم يعرض عليه جميع اعمالكم كما تواترت بذلك الاخبار و نزل به الكتاب و خاطبهم الله في كتابه بقوله و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول شهيدا عليكم ، و عن ابيعبدالله عليه السلام قال تعرض علي رسول الله صلي الله عليه و آله اعمال العباد كل صباح ابرارها و فجارها فاحذروا و هو قول الله اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون فسكت و قيل للرضا عليه السلام ادع الله لي و لاهل بيتي قال اولست افعل والله ان [ص 13] اعمالكم لتعرض علي في كل يوم و ليلة فاستعظمت ذلك فقال اماتقرأ كتاب الله قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله ، الي غير ذلك من الاخبار فلا عجب ان فسرنا هذه الآية بما فسرنا انه صلي الله عليه و آله سميع لاقوالهم عليم باعمالهم و احوالهم في حيوته و بعد وفاته و لك ان تقول ان الله سميع في محمد صلي الله عليه لان السمع من حواس المشاهدة الظاهرة و النبي صلي الله عليه هو المشاهد الاول عليم في علي عليه السلام فانه قد تعلم من محمد صلي الله ما شاهده هو و ذلك ان لمحمد صلي الله عليه و آله لمقاما لميشهده علي عليه السلام و هو قد شاهده و آمن به علي عليه السلام بالعلم فافهم و لك ان تقول ان رسول الله صلي الله عليه و آله سميع عليم في علي بعده فانه المتجلي بصورته بعده قد تقلب بصورته كما قال الله عز و جل و تقلبك في الساجدين و علي عليه السلام احد الساجدين و في امام كل زمان في زمانه و هم الساجدون و اولهم محمد و اوسطهم محمد و كلهم محمد فالسميع العليم هو الامام و هو سر ما روي انه قيل لابيجعفر عليه السلام جعلت فداك ما قدر الامام قال يسمع في بطن امه فاذا وصل الي الارض كان علي منكبه الايمن مكتوبا و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم ثم يبعث ايضا عمودا من نور من تحت بطنان العرش الي الارض يري فيه اعمال الخلايق كلها ثم يتشعب له عمود آخر من عند الله الي اذن الامام كلما احتاج الي مزيد افرغ افراغا .
[ص 14] يا ايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي و لاتجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم و انتم لاتشعرون .
الظاهر قوله عز و جل يا ايها الذين آمنوا اي اذعنوا و صدقوا بالدعوة الظاهرة و اتصفوا بصفة المؤمنين او آمنوا انفسهم من مكر الله او آمنوا بالطاغوت كما مر و كرر النداء لشدة الاهتمام بالحكم و لان يشتد اصغاءهم و توجههم و عزمهم علي الامتثال و قوله عز و جل لاترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي يعني اذا كالمتموه فلاترفعوا اصواتكم اعلي من صوته فان ذلك ان كان من باب الاستخفاف و الاهانة و الاستعلاء عليه يكون كفرا و الا فلا اقل من الدلالة علي عدم الخضوع لدي عظمته و ان الله عز و جل خلقه من نور عظمته و جلال كبريائه و عدم الخضوع لديه عدم خضوع لله و من لميخضع لله فقد تكبر علي الله و نازع الله في ردائه و الله لايحب المتكبرين و ذلك مطلق عن حيوته و حضرته او مماته و غيبته فلايجوز للرعية علي حال ان يرفعوا اصواتهم فوق صوته المعتاد له و لذلك روي عن ابيجعفر عليه السلام في حديث وفاة الحسن عليه السلام انه قال الحسين عليه السلام لعايشة و قد قال الله يا ايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي و لعمري لقد ضربت انت لابيك و فاروقه عند اذن رسول الله صلي الله عليه و آله المعاول و قال الله ان الذين يغضون اصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي و لعمري لقد ادخل ابوك و فاروقه علي رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 15] بقربهما منه الاذي و مارعيا من حقه ما امرهم الله به علي لسان رسول الله ان الله حرم من المؤمنين امواتا ما حرم منهم احياءا انتهي ، بل الادب يقتضي ان يكون صوت الرعية دائما اخفض من نوع صوت النبي صلي الله عليه و آله كما قال في كتابه و اغضض من صوتك ان انكر الاصوات لصوت الحمير فالكمال ان يكون صوت الرعية دائما في الملك اخفض من صوت النبي صلي الله عليه و آله فان الله يقول يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات و هم البيوت التي اذن الله لها ان ترفع فلا رفعة لاحد دون النبي و اوصيائه عليهم السلام و قوله عز و جل و لاتجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض يعني لاتظهروا له بالقول و الباء للتعدية اذا خاطبتموه او تكلمكم عنده او له و النهي الاول متعلق بنفس الصوت فلاينبغي ان يكون نفس صوت الرعية ارفع من صوت النبي صلي الله عليه و آله و النهي الثاني متعلق بالقول و الكلام فلايجوز ان يجهروا له بالكلام كما يجهر بعضهم لبعض بالكلام و المقال و المراد بالجهر التصريح بالكلام الذي لاينبغي الاجهار به و ينبغي ستره عن الغير كما قال عز و جل قالوا ارنا الله جهرة يعني اعلانا و اظهارا للسؤال الباطل و القبيح الذي يجب الاستحياء منه و عدم الاظهار له من غير حياء فيذكرون عنده ما يستقبح ذكره او ينمون علي مؤمن عنده او يفترون لديه بفرية او يسبون بحضرته او يغتابون له او يعيرون مؤمنا لديه او يمازحون عنده بما فيه خنا او اضحوكة او يفتون في دينه بما لميقل بآرائهم و اهوائهم كما يتصرف [ص 16] بعضهم في امر بعضهم برأيه و شوره و صلاحه و هواه و امثال ذلك من الاقوال القبيحة فان جميع ذلك مما يؤذي الله و يؤذي النبي صلي الله عليه و آله و الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و اعد لهم عذابا مهينا و الا فمحض الجهر بالقول لديه في موضع ينبغي الجهر فيه فليس بممنوع كمن يجهر في الصلوة اذا صلي لديه و القول كما يطلق علي الكلام يطلق ايضا علي الفعل كما روي في دفع ماء الغدير قل بيدك هكذا اي ادفعها و يقال قال برأسه نعم و قال برأسه لا و هو كناية عن الفعل فيعم القول جميع الافعال و الاحوال فالمعني لاتفعلوا بحضرته من الافعال كما تفعلون عند انفسكم من غير احتشام و كذلك يعم الآية حال حيوته و حال مماته فانه شاهد الله في خلقه و صاحب المرأي و المسمع فجميع ما يقوله الرعية و يفعلونه في حيوته و مماته مشهود له و معلوم عنده فنهي الله عن ان يجهر له بالقول و الفعل في حيوته و مماته مثل ما يجهر بها بعضنا لبعض و قوله ان تحبط اعمالكم و انتم لاتشعرون يعني لاتفعلوا ذلك خوف ان تحبط اعمالكم الحسنة التي عملتموها في سوالف ازمانكم فان كل معروف صدر منكم صدقة علي انفسكم او علي غيركم و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله كل معروف صدقة و الله سبحانه يقول لاتبطلوا صدقاتكم بالمن و الاذي و اطلق المن و الاذي و لميقل بالمن علي من تصدقتم عليه و الاذي له بل ابهم و اي اذي اعظم من اذية الله و رسوله صلي الله عليه و آله فيبطل اذيتهما جميع ما عملتم من معروف [ص 17] في سوالف ازمانكم و ذلك كما روي انه دخل رجل علي الباقر عليه السلام مسرورا فسأله عن سروره فاخبره بصدقات صدقها فقال عليه السلام لعمري انك حقيق بان تسر ان لمتكن احبطته او لاتحبطه فيما بعد فقال الرجل كيف احبطته و انا من شيعتكم الخلص فقال هاه قد ابطلت برك باخوانك و قال له اقرأ يا ايها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن و الاذي قال الرجل مامننت علي القوم الذين تصدقت عليهم و لاآذيتهم قال له ان الله عز و جل قال لاتبطلوا صدقاتكم بالمن و الاذي و لميقل بالمن علي من تتصدقون عليه و بالاذي لمن تتصدقون عليه و هو كل اذي افتراك اذاك القوم الذين تصدقت عليهم اعظم ام اذاك لحفظتك و ملئكة الله المقربين حواليك ام اذاك لنا فقال الرجل بل هذا يا ابن رسول الله فقال قد آذيتني و آذيتهم و ابطلت صدقتك و ذكر له انه لادعاء التشيع فاستغفر الرجل فقال له الآن قد عادت اليك مثوبات صدقاتك و زال عنها الاحباط اختصرنا الخبر ، و قوله اعمالكم جمع مضاف يفيد العموم و لايجوز تقييده بحبط ثواب خفض الصوت وحده كما زعم بعضهم فاذية رسول الله صلي الله عليه تحبط جميع اعمال العبد و تكشف عن ان جميع ما عمله العبد من الحسنات كان صادرا منه بالعرض بسبب اللطخ بطينة المؤمنين و الخلط بهم و لما صدر منه الاذي لرسول الله صلي الله عليه و آله عمدا تبين ان ذاتيته كافرة غير متقية و اعماله الحسنة عرضية و انما يتقبل الله من المتقين و هو لميحذر من اذي رسول الله صلي الله عليه و لميتق فلايقبل له [ص 18] عمل اصلا و هو ملعون مطرود في الدنيا و الآخرة و اعد له عذاب مهين و ان الله لايلعن مؤمنا ابدا بل ان الله لعن الكافرين و اعد لهم سعيرا خالدين فيها ابدا لايجدون وليا و لا نصيرا و انما ذلك نظير قوله عز و جل فاذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة حداد اشحة علي الخير اولئك لميؤمنوا فاحبط الله اعمالهم و كان ذلك علي الله يسيرا و سلقه بالكلام سلقا اذا اذاه بالكلام و الحداد جمع حديد و هو الفصيح و قوله و انتم لاتشعرون اي ان رفع الصوت فوق صوته و الجهر له بالقول سبب الاحباط و ان اذاه اذي الله جل و عز و هو سلطان جليل عظيم يجب اعظامه و اجلاله و مراعاة الادب لديه و لايجوز جفاء و تحسبونه كاحدكم بشرا مثلكم و تعاملونه كما تعاملون انفسكم من عدم شعوركم و ادبكم و من تفسير الامام عليه السلام ان رسول الله لما قدم المدينة و كثر حوله المهاجرون و الانصار كثرت عليه المسائل و كانوا يخاطبونه بالخطاب العظيم الذي لايليق به و ذلك ان الله تعالي كان قال يا ايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي الآية و كان رسول الله صلي الله عليه و آله بهم رحيما و عليهم عطوفا و في ازالة الآثام عنهم مجتهدا حتي انه كان ينظر الي من يخاطبه فيعمد علي ان يكون صوته صلي الله عليه و آله مرتفعا علي صوته ليزيل عنه ما توعده الله من احباط عمله حتي ان رجلا اعرابيا ناداه يوما خلف حايط بصوت له جهوري يا محمد فاجابه بارفع من صوته يريد ان لايأثم الاعرابي بارتفاع صوته .
التأويل الخطاب متوجه [ص 19] الي النفوس المدعية طاعة العقول و اتباعها و عملها علي حسب امرها و نهيها فقال يا ايها الذين آمنوا و جعلها ذكورا لادعائها الشعور و العقل و انه خاطبهم من حيث تعقلهم كما ذكر الكناية في قوله و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و كما قال اتينا طائعين حيث امرهم و قال ائتيا طوعا او كرها فلما اراد خطاب النفوس خاطبهم بخطاب الذكور و اصحاب العقول ضرورة ان غير اصحاب العقول لايخاطب و لايكلف فقال يا ايها الذين آمنوا لاترفعوا اصواتكم اي آثاركم و افعالكم فان الصوت اثر يحمله الهواء الي الآذان كما قال الصادق عليه السلام و علي ذلك ورد الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك و صوت الله آثاره و افعاله و لما كان جميع الآثار تنبئ عن حقيقة ضمير المؤثر عبر عنها بالصوت المعبر عن الضمير للغير فجميع الافعال و الاحوال اصوات و آثار لاصحابها ينادون بصوت عال جهوري بها لايشتبه علي من اطلع عليه يفهمه كل عربي و عجمي فقال لاترفعوا افعالكم و احوالكم علي افعال العقول و تغلبوها عليها و تجعلوها اظهر و ابين من افعال العقول و احوالها فتخفوها و تظهروا افعالكم بل ان كنتم صادقين كان الواجب عليكم ان تجعلوا آثاركم اخفض و اخفي من آثار العقول فان آثاركم قبيحة سيئة و ينبغي اخفاءها و جعلها مغلوبة عند العقول و لاتجهروا له بالقول اي لاتظهروا بالقول في حضرة العقل كما تظهرون به عند شياطينكم الباطنة فتتكلمون معهم بالوساوس الباطلة و الخطرات [ص 20] السيئة و النجوي بالردية بل اسكتوا بحضرته عن ذلك كله و اصغوا اليه و انتظروا صدور اوامره و نواهيه عنه و ظهور حكمه و علومه و وعظه و نصيحته و امتثلوا امره و نهيه و ان تكلمتم بحديث نفس عنده فحدثوا لديه بما يوافق آثار العقل اي بالخير كما قال و ان تناجيتم فلاتتناجوا بالاثم و العدوان و معصية الرسول و تناجوا بالبر و التقوي فان النفوس خلقت عوادة فان عودتموها بالخير و البر و التقوي يحصل لها ملكة الخير و يصدر عنها الخير بارادة و غير ارادة و تأتلف بالملئكة الملهمة للصواب و ان عودتموها بالشر و الوساوس الباطلة تعتاد بها و يصدر عنها تلك الوساوس بارادة و غير ارادة و تأتلف بالشياطين و تستأنس بهم شيئا بعد شئ و لذا قال الله عز و جل انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله فاذا ناجيتم في قلوبكم بالباطل يحزن العقل و يتأذي به و يكسل شيئا بعد شئ و ربما ييأس عنكم و يعرض عنكم و اذا اعرض عنكم نزل عليكم العذاب قوله ان تحبط اعمالكم اي اعمالكم التي اطعتم فيها العقل احيانا كما ان الانسان اذا واجه الشمس الف سنة استنار طول تلك المدة ثم اذا اعرض عن الشمس ساعة يظلم وجهه و يحبط عنه النور و انتم لاتشعرون ان هذا الحبط من جهة اعراضكم من شمس العقل فاظلم وجوهكم و اسودت فانكم من حيث انفسكم لا نور لكم كما قال عز و جل من لميجعل الله له نورا فما له من نور و قال ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك .
الباطن اعلم ان صوت النبي صلي الله عليه و آله [ص 21] و اثره المتصل المعبر عن ضميره و مكنون سره هو علي و آله عليهم السلام اذ هم المعبرون عن مكنون سر النبي صلي الله عليه و آله و المترجمون عن مراداته و الشارحون لشرايعه لرعيته و بهم اخبر النبي صلي الله عليه و آله رعيته عما في ضميره و لولاهم لميفهم احد دينه و شرعه و اسراره و قد قال الله سبحانه و جعلنا لهم لسان صدق عليا و المراد باللسان الكلام لا اللحم و كما ان عليا و آله عليهم السلام صوت النبي صلي الله عليه كان للمخاطبين و هم رؤساء الضلالة اصوات و هم اعوانهم و انصارهم الذين سلطوهم علي آلمحمد عليهم السلام و رفعوهم عليهم و اخفوا بذلك مقدار آلمحمد عليهم السلام بزعمهم و ارادوا بذلك ادحاض حجتهم و بهم نشروا كفرهم و ضلالتهم و اخبروا عن ضمايرهم و هم مع ذلك اصوات الشيطان التي اخبر عنها سبحانه في كتابه في الباطن فقال و استفزز من استطعت منهم بصوتك و اولئك الرؤساء هم صوته الذي به استفز ضعفاء المنافقين المصغين اليهم و الرؤساء هياكل الشيطان و اولاده فان الشيطان الباطن شارك آباء اولئك الرؤساء في الاموال و الاولاد فهم في الظاهر اولاد الشيطان الباطن و ان كان الشيطان الباطن من ظل هؤلاء الرؤساء في الحقيقة فانه كان من الجن و الجن مخلوق من ظل شيطان الانس فاولئك الاعوان اصوات الشيطان الذين بهم استفزوا شيعتهم و اتباعهم فنهاهم الله جل و عز ان يرفعوا درجة اصواتهم علي صوت النبي صلي الله عليه فيغصبوا حقوقهم و خلافتهم و [ص 22] ما خصهم الله به من الخلافة و لك ان تقول من ذلك ان لاترفعوا اصواتكم في سقيفة بنيساعدة و في مسجد رسول الله صلي الله و في ملكه بغصب خلافة وصيه الذي اخبر بها النبي يوم غدير خم و خاطبكم و ناداكم و اخبركم انه مولي كل مؤمن و مؤمنة و بانكار فضائله و فضائل اولاده و فضائل شيعتهم التي ملأ بها الآفاق و اعلنها في جميع الانادي و الاوقات حتي لايبقي لذي مقال مقال و هم رفعوا اصواتهم بغصب الخلافة فوق صوته فاخفوا احكامه في ذلك اليوم بنصب علي عليه السلام و اظهروا اصواتهم و اجمعوا علي غصب الخلافة و انكار فضائلهم علي رؤس المنابر و سبهم و لعنهم و الوقيعة فيهم بما امكنهم قوله و لاتجهروا له بالقول بالافتراء عليه بان تقولوا انه قال نحن معاشر الانبياء لانورث و بان تفتروا عليه بالاحاديث الكاذبة في فضائلكم لتقولكم عليه انه قال اقتدوا بالذين من بعدي ابيبكر و عمر او ابوبكر و عمر سيدا كهول اهل الجنة او تقولوا في دينه و شرعه بآرائكم و اهوائكم و اجتهاداتكم و اقيستكم و استحساناتكم و اصولكم الموضوعة التي ماانزل الله بها من سلطان او تسعوا في انكار فضائل اوصيائه و شيعتهم و تكتبون بذلك الكتب و تستدلون بالشبهات الكاذبة علي نفي ما خصهم الله من الفضائل و الكمالات عنهم فان كل ذلك جهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض بل من ذلك جميع المنكرات التي تقولونه في حيوته و بعد موته فانه يعرض علي النبي اقوالكم و اعمالكم و احوالكم و يظهر له جميع ظواهركم و بواطنكم و كل ذلك جهر له بالقول كجهر [ص 23] بعضكم لبعض اي كما انكم لستم تستحيون من اظهار جميع ذلك عند شياطينكم فلاتكونوا كذلك بالنسبة اليه و استحيوا من رسول الله صلي الله عليه و آله فانه يطلع علي ذلك و لاتخفي عليه خافية في السموات و الارض و قوله ان تحبط اعمالكم بواسطة هذه الترفع المنبئ عن كفركم و اجهار ما لاينبغي من اقوالكم و اعمالكم المخبرة عن نفاقكم و شقاقكم و ذلك سبب حبط اعمالكم و انتم لاتشعرون لانكم رؤساء الجهالة الغافلون عن الله و آياته العمي عن رؤية انوار عظمته و جلاله الصم عن سماع ما امركم و نهاكم و بين لكم من كتاب الله و آياته و حكمه و علومه و فضايل اوصيائه و مواليهم فلاتشعرون ان ذلك سبب حبط اعمالكم و كذلك انتم منهمكون في الدنيا و قد تجسد عقولكم و انفسكم بركونكم الي الدنيا و انهماككم فيها فبذلك قد مات عقولكم و نفوسكم و ارواحكم و دفنت في اجسادكم فانتم اموات غير احياء و ماتشعرون ايان تبعثون و ماتشعرون الحق ابدا فلاتشعرون ان تلك الاقوال و الاعمال تحبط اعمالكم .
ان الذين يغضون اصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي لهم مغفرة و اجر عظيم .
الظاهر ثم مدح الله سبحانه المؤمنين و ابان عن ادبهم و حسن اعمالهم في الدنيا و فضلهم في الآخرة فقال ان الذين يغضون اي يخفضون اصواتهم و ينزلونها عن الرفع و يصغرونها مأخوذ من غض فلان فلانا و منه اذا صغره و نقص من قدره عند رسول الله في مجلسه و محضره او في مماته و هم يعلمون انه صاحب المرأي و المسمع يعرض عليه جميع [ص 24] اقوال رعيته و اعمالهم في حيوته و بعد موته و لذا قال عز و جل و اغضض من صوتك ان انكر الاصوات لصوت الحمير مطلقا اينما كنت اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي اي خلص قلوبهم للتقوي و طهرها عن كل غل و غش حتي يسكن فيها التقوي او كائنا لظهور تقويهم او لان يتقوا كما يحب الله مأخوذ من امتحان الذهب بالنار اذا اذيب حتي يذهب غشه و يبقي خالصه او شرح الله قلوبهم و وسعها لان يتقوا او لاجل التقوي الذي كان لهم و اتصفوا بها او اختبر الله قلوبهم و فتنهم بتكليفهم باوامره و نواهيه ليعلم الله طهارة قلوبهم علم وجود بعد ان كان يعلم علم سيوجد و هذا العلم هو العلم الحادث في مواقع وجوده و مظاهر شهوده المكتوب في اللوح كما قال علمها عند ربي في كتاب و كما قال ام حسبتم ان تتركوا و لمايعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين و قال احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لايفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين فاختبر الله قلوب اولئك المؤمنين حتي يظهر تقويهم من الله في عرصة الوجود و يكتب في الالواح اذ لايظهر تقوي المتقي الا ان يؤمر و ينهي و يكلف و المراد بهؤلاء علي و آله عليهم السلام و شيعتهم و محبيهم و مواليهم فانهم الذين خلصوا علي الامتحان و الاختبار لا سواهم فانهم الفرقة الناجية من جميع اهل الارض فعن النبي صلي الله عليه و آله يا معشر قريش لتنتهوا او ليبعثن عليكم من يضرب رقابكم علي الدين قد امتحن الله قلبه علي الايمان قالوا من هو يا رسول الله قال هو خاصف [ص 25] النعل و كان اعطي عليا نعله يخصفها و عن علي عليه السلام ليس من عبد امتحن الله قلبه بالايمان الا اصبح يجد مودتنا علي قلبه الخبر ، قوله لهم مغفرة و اجر عظيم اي كما ان رفع الصوت علي صوت النبي صلي الله عليه و آله و الجهر له بالقول سبب حبط الاعمال كذلك غض الصوت علي ما شرحنا من تصغير جميع الاقوال و الافعال و الاحوال لدي النبي صلي الله عليه و آله المنبئ عن تعظيمه الذي هو اصل كل خير المخبر عن الطاعة و الاقتداء و الائتمام به سبب حبط السيئات عنهم المعبر عنه بالمغفرة فلهم مغفرة و ستر لذنوبهم و يبدل الله سيئاتهم حسنات و لهم اجر عظيم فتصغير الصوت عنده هو العمل بجميع الاعمال الصالحة كما قال وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات منهم مغفرة و اجرا عظيما فعن النبي صلي الله عليه و آله في حديث ما حاصله انه يقال للسابقين الاولين من المهاجرين و الانصار ان ربكم يقول ان لكم عندي مغفرة و اجرا عظيما يعني الجنة الخبر ، و التنكير في المغفرة و الاجر للتعظيم .
التأويل المراد بالذين يغضون اصواتهم عند رسول الله هو النفوس المطمئنة الراجعة الي ربها راضية مرضية الداخلة في عباد الله الذين يمشون علي الارض هونا الآيات ، فتلك النفوس قد غضت و اخفت و نقصت قدر آثارها و اعمالها و افعالها و احوالها عند العقل الذي هو الرسول الباطن فسعدت بذلك لان الداني اذا اخفي نفسه و اظهر العالي و فقد وجوده و وجد العالي و سكت عن نفسه و نطق بالعالي و ترك من نفسه و فعل بالعالي و عمي من نفسه [ص 26] و ابصر العالي صار مرآة العالي المفقودة من نفسها الموجودة بالعالي فلمير فيه الا العالي و لميشعر من مشاعره الا العالي و لميفعل من ادواته الا العالي و لمينطق من لسانه الا العالي اذ لايري فيه و منه الا العالي فاعطاه اسمه و حده و جعل قوله قوله و فعله فعله و جميع ما يضاف اليه مضافا اليه فاذا بلغ هذا المبلغ صار خليفة للعالي في الدنيا و صار وجهه و عينه و اذنه و يده و لسانه الآمر بامره الناهي بنهيه لايعصي العالي ما امره و يفعل ما يؤمر فيسعد بذلك لانه يدوم بدوام العالي و يهيمن بهيمنة العالي و يستولي باستيلائه و يحكم بحكمه و اما اذا آثر هواه علي هوي العالي و رأي نفسه و عمي عن العالي و اظهر نفسه و اخفي العالي و حكي عن نفسه و صمت عن العالي فهو كالطابوق غير المريء ما يقابله و ما وراءه فيكون محروما عن جميع كمالات العالي و لا كمال الا للعالي و ذلك قوله عز و جل ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و لاجل ان الغاضة اصواتها عند العقل كما وصفنا خلص الله قلوبهم للتقوي عن تلك الظلمات اي تلك الاعمال التي عملوها لها جهتان جهة اليها هي بها اعمالهم تنسب اليهم و هم العاملون بها و جهة الي ربها فهي فعل الله بهم و منحة من الله عليهم كما قال عز و جل يهديهم ربهم بايمانهم فايمانهم من حيث انفسهم فعلهم و من حيث الرب هداية الرب و فعل الرب بهم فالله عز و جل بغضها اصواتها امتحن قلوبها و خلصها و صفاها لاظهار تقويها او لاجل تقويها الذي هو [ص 27] الحذر عن رفع اصواتها كما ان المعصية ايضا لها جهتان جهة الي نفس العبد بها تكون عملها و عصيانها و جهة الي ربها و هي لعن الله و خذلانه و عذابه لها قال عز من قائل بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و قال سيجزيهم وصفهم و قال و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فلاجل ذلك اثبت الله لهم مغفرة و اجرا عظيما و اي مغفرة اوسع من غشيان نور العقل ظلمة النفس و سلخ الظلمة باعدامها و بدو النور باستيلائه علي اطراف وجودها و اي اجر اعظم من البقاء بابقاء العالي و التنعم بانعام العالي و الاستيلاء بتولية العالي و رؤية العالي و الاغضاء عن ما سواه و لذلك قال الله سبحانه لها بعد ذلك فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فكانت في الاول نفسا امارة بالسوء فتدرجت في الدرجات فكانت ملهمة فلوامة فمطمئنة فراجعة الي ربها الذي هو العقل فراضية بصفاته و اوامره و نواهيه فمرضية محبوبة للعقل مؤثرة هواه علي هواها فداخلة في عباد الله لقوله فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين فداخلة في جنان القرب و دار السلام فذلك هو الاجر العظيم اذ صارت مظهر عظمة العظيم و ذلك قليل من كثير تأويلها .
الباطن المراد بالذين يغضون اصواتهم عند رسول الله صلي الله عليه و آله بالاصالة هو علي و آله عليهم السلام فانهم الذين افنوا انفسهم عند سطوع نور رسول الله صلي الله عليه و آله فلميكونوا الا له و به و لميكونوا لانفسهم بوجه من الوجوه فلميكن لهم قول الا قوله و لا فعل الا فعله و لا صفة الا صفته بل و لا وجود الا [ص 28] وجوده و لا ظهور الا ظهوره و لذلك جعلهم الله نفس الرسول صلي الله عليه و آله في آية انفسنا و انفسكم و خاطبهم و قال لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز و بالتبع هو الشيعة المتبعون لهم المشايعون لهم اذ هم الغاضون اصواتهم عند رسول الله فلميرفعوا صوتا بنصب خليفة علي صوته بنصب علي عليه السلام و لا بالفتوي برأي و لا هوي و لا عقل و لا قياس و لا استحسان و لا اجتهاد ظنون علي صوته بتلاوة كتاب الله و بيان سنته فاخذوا دينهم عن نطقه بالسمع و الطاعة و لايجهرون له بالقول بالفتوي بما لميقل في كتابه و سنته و بالاعمال و الاقوال كما يجهر بعضهم لبعض اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوي و التقوي هي محمد صلي الله عليه و آله كما روي في قوله هو اهل التقوي ان التقوي محمد و صار هو التقوي لانه هو اصل التقوي و اصل كل خير و لا تقوي لذي تقوي الا باتباعه و لا تقوي لاحد الا بالحذر عما حذر و صار هو التقوي لاشتعال زيت قابليته بالتقوي من الله حتي سمي بالتقوي كما يسمي الشعلة بالنار فالله سبحانه خلص قلوب آلمحمد عليهم السلام و شيعتهم لاجل محمد صلي الله عليه و آله و لاجل تجلي انواره و ظهور علمه و عظمته و كبريائه و لاعانته و نصرته و نشر دينه و علمه او المراد بالتقوي هو الحذر عن اعداء الله و البراءة منهم و الحذر عن موالاتهم و الركون اليهم الذي هو اصل كل شر و عصيان يجب ان يتقي منه و جميع المعاصي تفاصيل تولي اعداء الله لا غير فالتقوي من كل معصية هو التقوي من شأن من شؤن [ص 29] ولاية اعداء الله فالله سبحانه امتحن قلوب آلمحمد عليهم السلام و شيعتهم لاجل الحذر عن ولاية اعداء الله لهم مغفرة و هو ولاية محمد صلي الله عليه و آله و الايواء الي ظله و تحت لوائه و صار المغفرة محمد صلي الله عليه و آله فانه هو ستر الله علي العباد و نوره يغشي ظلمات نفوس جميع الخلق و هو شفيع المذنبين يشرق نوره عليهم فيذهب ظلمات معاصيهم عنهم و اجر عظيم هو ولاية علي عليه السلام و الايواء تحت ظله و الدخول تحت جناح ولايته و اي اجر اعظم من ان يمنح الله عبدا نور ولاية علي عليه السلام و يجعله من شيعته و شعاعه و فاضل طينته و هو اصل كل اجر و حقيقة كل اجر و لا اجر في الجنة اعظم من ان يجعل العبد بنفسه نور علي عليه السلام اذا كان جميع الجنة خلقت من نور الحسين عليه السلام كما روي فاذا كان نعيم الجنة اجرا فالاجر العظيم ان يجعل الله العبد بنفسه نور آلمحمد عليهم السلام فالله عز و جل يجعل لشيعة آلمحمد عليهم السلام عقلا من شعاع محمد صلي الله عليه و آله و هو المغفرة لان به يعبد الرحمن و يكتسب الجنان و نفسا هي من شعاع آلمحمد عليهم السلام و هي الاجر العظيم و النفس مقام العظمة و العقل مقام العلو كما شرحناه في اسرار ذكر الركوع و السجود و اما اذا اخذت الآية في آلمحمد عليهم السلام فامتحن الله قلوبهم لمحمد صلي الله عليه و آله فجعلها مخزن علمه و بيت نبوته و باب علمه و مظهر نوره و عظمته و جلاله و كبريائه و وكر مشيته و ارادته لهم مغفرة بمعرفتهم بالله التي هي [ص 30] سبب الاتصال التام بمبدئهم و الانقطاع عما سواه و استتر جميع انياتهم عند تشعشع نور جماله فكانوا لله بكلهم و هي المغفرة التامة في القدسي لا اله الا الله حصني من دخل حصني امن من عذابي ، اي اللازم للنظر الي الكثرات و اجر عظيم اذ جعلهم متحدا مع محمد صلي الله عليه و آله و اذا كان جميع الاجور من شعاع نوره فاذا جعل الله عبدا متصلا بمحمد صلي الله عليه و آله متحدا به فهو الواصل الي الاجر العظيم الذي لا اعظم منه اذ هو المخلوق من نور عظمة الله جل جلاله كما في الاخبار و هذا في لحاظ و نظر و في نظر آخر المغفرة هو علي عليه السلام اذ بولايته تغفر الذنوب و حبه حسنة لاتضر معها سيئة و شيعته مغفور لهم كما خاطبهم و قال يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا و هي مخصوصة بهم و الاجر العظيم هو رسول الله صلي الله عليه و آله اذ لا شئ اعظم منه و لا اجر اعظم من نوره و كذلك في حقهم لك ان تقول ان المغفرة هي الاتحاد مع نور محمد صلي الله عليه و آله و الاجر العظيم هو التوحيد علي ما عرفت ان العمل و الصفة هي الجزاء و الاجر ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا فالتوحيد كما انه افضل الاعمال كذلك هو افضل الجزاء و اي جزاء اعظم من ان يجعل الله الانسان آية توحيده و مقام تفريده و كينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين و كلا النظرين حقيقيان واقعيان يجب الاعتقاد بهما فافهم و ذلك قليل من كثير باطنها .