احدها انه صلي الله عليه و آله قام بحضرة الله الشهيد العليم الحكيم القدير الهادي غير اللاعب بالخلق خالق السموات و الارض بالحق غير المغري بالباطل و نسب الي الله سبحانه انه ارسله بالحق و اعطاه هذا الناموس و الكتاب لينذر و يبشر به عباده و يدعوهم اليه و تحدي به عباد الله سبحانه و قال لو تقولت علي الله لاخذني و اهلكني و ابطل امري و مع ذلك ان الله سبحانه لميبطل امره و لميبين ان قوله فرية و كتابه كذب و لميقم احدا من الخلق من ملك او جن او انس يعارضه بمثل ما جاء به و لا آية تدل علي كذبه و فريته و هو قدير عليم حكيم و لو كان كذبا و فرية لاثار رجلا مثله يأتي بكلام مثل كلامه حتي يبطل تحديه او يبطل امره من حيث شاء فاذ صدقه الله سبحانه و اشاع امره و اعلي كعبه و اظهر دينه و افلج حجته و شيد بنيانه و قوي ظهره و لميعرف من في عصره و من اتي بعده بطلانا له و هم طالبون باحثون مجاهدون عرفنا ان الجن و الانس لايقدرون علي ان يأتوا [ص 102] بمثل هذا القرآن و لا بمثل بعضه كما تحدي صلي الله عليه و آله و لايقدح فيما ذكرنا شئ من الشبهات التي اوردوها فان استدلالي سماوي لا ارضي و لاتصل اليها شبهات اهل الارض فاذا تدبر المكلف في ذلك تبين له اعجازه و عرف انه معجز يقينا اذ لميوجد مثله و لميأت احد بما يشاكله و اما الخزعبلات التي حدثت في هذه الايام و شهروها بين العوام من هذه البابية الطغام فكانت مما يضحك منها الثكلي و كذلك كل من اتي بشئ اراد المعارضة فابطل الله امره و صرف عن آياته كما قال ساصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق الآية ، و اي صرف اعظم من ان الرجل منهم ربما هو فصيح في غير موضع المعارضة فاذا عزم علي المعارضة يسلب عنه فهمه و علمه و ينسي العربية حتي يأتي بما يظهر لكل احد خرافته و بطلانه و ليس معني كلامي هذا معني كلام المرتضي فاني اقول في الواقع معجز كخلقه العالم و يفضح الله سبحانه من يروم المعارضة بتفضل زائد كما يفضح كل من يروم بنقص في اوليائه و يخذله و يمنع عنه المدد فيفسد و ينقطع و يخترم عن قريب فبذلك ينبغي ان يعرف كل مكلف من عربي و عجمي و عالم و جاهل ان القرآن معجز .
و ثانيها ان المعجز حادث يأتي به صاحب المعجز و هو من جنس احدي المدركات و يدرك بواحد من المدارك لا بغيره مثلا شق القمر معجز من جنس المبصرات يدركه كل من له عين و غير ذي العين ليس له حظ من هذا المعجز الا من جهة اخبار بصير و انطاق الحصي معجز من جنس المسموعات يدركه كل من له سمع و اما الاصم فلا حظ له منه الا من جهة الاعلام بوجه آخر من السامعين و هكذا و القرآن معجز و لكنه مما يسمع بالاذن و يفهم بالعقل و المفهومات منها بديهية لاتحتاج الي نظر لتكرر عروضه علي الشخص [ص 103] كقولي ان الواحد نصف الاثنين مثلا و منها بديهية بعد نظر ما كقولي ان الخمسةعشر له نسبة المثلية و الربعية بالنسبة الي اثنيعشر و منها ما يصير بديهيا و لكن بعد نظر طويل كالمسائل النظرية التي تنتهي الي البديهيات ككون كل مركب حادثا مثلا و يخص ذلك اولا اهل النظر و العلم فاذا بينوا ادلته و براهينه لغيرهم يعرفها ذلك الغير بعد التنبيه و ربما يحتاج الي تعليم مقدمات كثيرة و ربما يفهمه ذلك الغير و ربما لايفهمه اذا لميكن ذا فهم كما قال الشاعر :
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فيأخذه عنا
و كما قال آخر :
علي نحت القوافي من مواقعها و ما علي اذا لميفهم البقر
و ، قد ينكر العين ضوء الشمس من رمد ، و اعجاز المعجز اما بديهي يعرف بمحض الاطلاع انه فوق طاقة جنس البشر كالصعود الي السماء مثلا و الطيران و انطاق الحصي فانها تعرف بمحض الاطلاع ان جنس البشر يعجزون عن مثلها و اما يحتاج الي امتحان و تتبع حتي يعرف المطلع ان نفسه و امثاله لايقدرون عليه فان اداه نظره و امتحانه و تتبعه الي انه اتي به من غير معالجة ظاهرية يعرف بعد ذلك انه يعجز عنه البشر و ان وجده بمعالجة فانه يعسر حصول العلم منه بعجز البشر عنه فان للصنائع العلاجية درجات لا غاية لها و ان كانت يعسر الاطلاع علي حدها و القرآن من هذا القسم الاخير فانه من صناعة الكلام و يتدرج مراتبه بالتدرب و المجاهدة فلايمكن الاطلاع علي غايته التي ليس للبشر ان يتجاوزها و لذلك تحير الناس في عرفان عجز البشر عن مثله فلايمكن عرفان عجز البشر عن مثله منه بنفسه لولا قرائن و ادلة اخر و لذلك تري [ص 104] اعلم العلماء اذا لميحفظ القرآن لايميز اذا قرئ عنده آية محرفة او مغيرة او حذف منها كلمة او قدم او اخر فيها كلمة او قدمت علي آية او اخرت و لو كانوا يعرفون منها بنفسها لمااشتبه عليهم و القرآن واحد من عند واحد بل كما نقل كان جمعة القرآن يطلبون الشهود علي ان هذه الآية من القرآن فلو كان العرب يعرفون من نفسه وحدها عجز البشر عن مثله لماكانوا يطلبون الشهود كما لايحتاج شق القمر الي الشهود علي انه معجز اذ بنفسه بين فليس القرآن لولا دليل آخر بين الاعجاز لغير اهله من عرب و عجم فاعجاز القرآن من الامور النظرية بل و اعظم النظريات و ليس من البديهيات كنطق الحصي حتي يعرفه كل عالم و جاهل بل يحتاج الي نظر طويل فانا ذكرنا ان وجه اعجازه مطابقته التامة لمرادات الله سبحانه فاما غير العرب فليس حظهم معرفة اعجازه من حيث فهم انفسهم لانهم محرومون عن فهم العربية ، بقي العرب فعوامهم و جمالوهم و رواعيهم و امثالهم فمحرومون عن فهم محسنات الفاظ سائر الفصحاء و فهم مراداتهم فضلا عن فهم كلمات العلماء فضلا عن فهم كلام الله ، بقي خواصهم فمنهم الادباء و الخطباء و الفصحاء و الشعراء و امثالهم فهم محرومون عن فهم كلمات العلماء فضلا عن فهم كلام الله جل شأنه و انت تعلم ان المعني في اللفظ كالروح في الجسد فحيوة اللفظ بالمعني و بلاغته في وقوعه موقعه و ما لميعرف الانسان مواقع الكلام لميعرف حسنه و بلاغته و حقيته و صدقه الاتري ان رجلا لو اتي بكتاب في مسائل علمية غامضة و كان علمه باطلا و استدلالاته غير مرتبطة و بياناته مزخرفة يحكم ببطلانه و سخافة كلامه و ان كان الفاظه مفردة كلها من الفاظ الفصحاء فلايكفي في صحة دعواه كون مفردات الفاظه سليسة معروفة غير متنافرة و يحكم بان كتابه مزخرف و باطل فالعربي الاديب الشاعر الخطيب ما علمه بمواقع مطالب القرآن و حقائقه [ص 105] و دقائقه و ادلته و براهينه حتي يحكم انه كلام حق لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد غاية الامر يعرفون بعض ظواهره و لربما يزعمه بعضهم انه كلام غير مرتبط الآيات و الفقرات بل يري الآية الواحدة اولها في شئ و آخرها في شئ فهم ايضا محرومون عن فهم كون القرآن معجزا نعم يعرفون ان كلماته سليسة فصيحة و ذلك لايجدي في فهم الاعجاز ، الاتري ان رجلا لو نظم شعرا جميع كلماته مأنوسة بل و من الفاظ القرآن و لكن غير مرتبطة و لاتفيد مضمونا يحكم جميع الشعراء بانه مزخرف و لايعد شعره في كلمات الفصحاء و لايعتني به و انما ذلك لانهم يعرفون زخرفته و سماجته فالقرآن كتاب علم و هم محرومون عن العلم فلايعرفون صحة مضامينه و صدق اخباره و مطابقته مع الحكم و العلوم الحقة فلايعلمون وجه اعجازه بقي اصحاب العلم منهم فالكهانون و السحرة و المنجمون و الاطباء و المورخون و النسابة و سائر فرق العلماء منهم ايضا محرومون عن ذلك بعين ما ذكرنا في الادباء فهم ايضا لايعرفون وجه اعجاز القرآن بصرف فهمهم و لربما يقع كلام يكون في نظرهم اوفق من القرآن اذ لايعلمون وجه الحكمة كما انه ربما يظن الظان انه لو كان في العالم شمسان او قمران او لميكن ليل لكان اوفق بالحكمة بقي الفقهاء و علماء الاديان فاولئك يعرفون بعض وجوه الحكم العملية و اني لهم بجميع وجوه الحكمة كما تري ان الفقيه ربما لايعرف وجه خلق شئ بل اشياء و اكثر الاشياء و لربما يظن انه لو كان علي غير ذلك الوجه لكان اوفق بل لايعرفون حكمة اكثر الاحكام الشرعية و لربما يظنون انه لو شرع ذلك كذلك لكان اوفق فهم ايضا كسابقيهم لان القرآن مطابق مع جميع الكائنات و اني لهم بمعرفة ذلك فاولئك ايضا محرومون عن فهم اعجاز [ص 106] القرآن كما يفهمون سائر المعجزات و ليس لاحد اولئك ان يعرف عجز جنس البشر عن معارضة القرآن بمحض سماع القران بل و بعد تفكر كما انا رأينا كثيرا لايعرفون ذلك و هم ينتحلون العلم حتي ان السيد المرتضي مع عربيته و فصاحته و علمه زعم ان العجز منه بالصرفة لا من اجل امتناع اتيان البشر بمثل الفاظه و انما ذلك لان فهم عجز جنس البشر عن الاتيان بمثله نظري من اعظم النظريات لانه كتاب علمي ينطوي علي جميع علم الله سبحانه فذلك حظ الخصيصين الابرار و الحكماء الربانيين الاطهار المطلعين علي الاسرار الذين يتلون مقام النبوة و الوصاية في الاقدار و ليس ذلك مشرعة كل خائض و منال كل ناهض فان قلت انك قلت ان احدا من الخلق غير الله و غير رسوله لايطلع علي ذلك الجسد المطابق من كل جهة مع الروح فكيف قلت ان الحكماء الربانيين يعرفون وجه اعجاز القرآن و يشعرون بعجز البشر عن مثله قلت اما اولا فلان سائر الناس يعجزون عن الاتيان بكلام مثل كلام ذلك الحكيم فان كلام كل متكلم حاك عن علمه فاذ لميكن علمه عند احد من الخلق عرف انهم لايقدرون علي الاتيان بمثل كلامه فاذا عرف عجز نفسه عن الاتيان بمثل القرآن عرف عجز الكل ، و اما ثانيا فلان الانسان و ان لميكن بالغا درجة فانه اذا كان تاليا لها يعرف آثارها و يستيقن كما ان من له قوة قريبة في الاجتهاد يعرف المجتهد و يستيقن و ان لميكن بنفسه مجتهدا فكذلك اولئك الحكماء و ان لميبلغوا مبلغ الرسالة و الوصاية حتي يحيطوا بالاشياء الا انهم لغاية علمهم بكثير من الحقائق يعرفون ان هذا الكلام هو الكلام الواحد الذي لا عديل له لما يلوح لهم من آثاره و يعرفون شيئا بعد شئ من اسراره كما يعرف غير البالغ مبلغ الحكمة التامة كلام الحكيم البالغ انه في غاية المتانة و الرزانة و انه عاجز عن [ص 107] الاتيان بمثله ، و اما ثالثا فانهم يرون من انوار القرآن و آثاره و عجائب تصاريفه في الملك ما يعرفون به انه كلام الله الحق و غيره لايكون كذلك و لايري تلك الآثار غيرهم ، و اما رابعا فانهم يشاهدون من احتوائه علي العلوم و الحقائق و الحكم و اسرار الامر و الخلق و الجبروت و الملكوت و الملك و طيه علوما جمة في حرف او حركة او صفة من صفات الحروف او كلمة او آية ما يعجز عن جمعه البشر في مثلها فيعرفون انه كلام الله و غيرهم لايشاهد ذلك و ليس حظه ، و اما خامسا فانهم يرون فيه تجلي الله سبحانه لخلقه به و ظهور انوار عظمته و جلاله و كبريائه كما روي لقد تجلي الله سبحانه لعباده في كلامه و لكن لايبصرون فهم يبصرون كما قال عليه السلام مازلت اردد هذه الآية حتي سمعتها من قائلها فيعرفون بذلك انه كلام الله العلي العظيم و غيرهم لايرون تلك الانوار و لايطلعون علي تلك الاسرار فلايفهمون عجز جنس البشر عنه . بالجملة شعور عجز جنس البشر عن الاتيان بمثل القرآن ليس الا حظ الحكماء الربانيين الراسخين في العلم المستحفظين لعلم الله سبحانه و اما غيرهم فليس لهم الا التسليم لاولئك و تصديقهم و الاقتداء بهم و التأسي بهداهم كما يقتدي الاعمي بالبصير و الاصم بالسميع و الجاهل بالعالم و كما يحكمون باقتداء العجم بالعرب في الاعتراف باعجاز القرآن .
و ثالثها ان النبي صلي الله عليه و آله اعلم العلماء و احكم الحكماء بتصديق الموافق و المخالف كيف لا و جميع العلوم الاسلامية انتشر منه و عرف ببيانه و ناموسه و سنته و سياسته و اخباره و آثاره اشهد شاهد بذلك و هذا العالم الحكيم اتي بهذا الكتاب و قال فيه تبيان كل شئ و ضربت فيه من كل مثل و احكمت آياته ثم فصلت و مافرطنا في الكتاب من شئ و لا رطب و لا يابس الا [ص 108] فيه و نحن نعلم جملا ان العجم يعجزون عن الاتيان بمثله لعدم علمهم بخصوصيات كلمات العرب و نكاتها التي لايذوقها الا من ولد فيهم و نشأ بينهم عن بصيرة عمرا و لو تعلم العربية و عرف اللغة و اما عوام العرب فيعجزون لعجزهم عن الاتيان بمثل خطبة خطيب فضلا عن القرآن و اما الادباء فيعجزون فان حيوة الكلام بالمعني و المعني علي حسب علم المتكلم و هم ليس لهم علم الا بخيالات شعرية كاذبة كما تري انهم يعجزون عن الاتيان بمثل كتاب حكيم فضلا عن القرآن و اما صنوف العلماء فانهم يعجزون عنه لان غاية علمهم تاريخ او انساب او نجوم او كهانة او رمل او تسخير او حروف او فلسفة و امثال ذلك و ليس لهم تلك الحكمة العلمية و العملية حتي يقدروا علي مثل كتاب حكيم فضلا عن مثل القرآن ، بقي العلماء الراسخون و هم اشد شئ اقرارا باعجازه و اكثر الناس اعترافا بكونه معجزا فهم ايضا يعجزون و الانس افضل من الجن بسبعين مرة فالجن ايضا لايقدرون و الملئكة و الشياطين ليس لهم الا جهة واحدة من الوجود فهم ايضا عاجزون عن مثله و حال الحيوانات و النباتات و الجمادات و البسائط ايضا واضحة فلايقدر علي معارضة القرآن احد من الخلق و نؤيد هذا البيان و نشيد هذا البنيان لرفع ما عسي ان يورده مورد علي كلامي بان الله سبحانه من ورائهم رقيب فلو علم كذب هذا المدعي المتحدي المسند نفسه اليه لبعث احدا من اصناف الخلق يبطل تحديه و يأتي بكتاب مثل كتابه او يبطل امره من غير هذا الوجه و لميفعل فلو اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرءان لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا و بعد ضم هذا البيان لايعترض بشئ هذا البرهان .
و رابعها ان الذي يكذب علي الله و يطلب الرياسة و يفتري و يخترع [ص 109] دينا و لايبالي فاسق فاجر كافر بالله سبحانه و برسله و كتبه و اليوم الآخر و مثل هذا الكافر مخذول منقطع عن الله سبحانه مختلف الحالات فاسد التدابير مخزي مخترم باطل و عن حلية الكمال و السمت و الوقار و تشابه الامور عاطل و ذلك بديهي فاذا كان كذلك فامثاله في الفسقة و الكفرة وافرة فان المؤمن الكامل قليل كالكبريت الاحمر و اما الفاسق الفاجر المفتري الكذاب الطالب للدنيا فكثير ، فاولا مثل ذلك الكافر لايأتي بمثل هذا القرآن الذي يهدي للتي هي اقوم و يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و يعظم الله و يعظم انبياءه و رسله و اوصياءهم و يعظم امر الدين و يدعو الي الحق و ينهي عن الباطل و ينطوي علي الحكم و العلوم و الامثال و اخبار الامم و الاخبار عن الغيوب و يقيم الناس بالقسط بل كلام كل احد يشاكل نفسه و طبعه و النزق لايأتي بمثل هذا القرآن الذي هو كالطود الاعظم وقرا و وقعا و لايدعه الله ان يأتي لانه مخزي مخذول غير موفق و لا مسدد محروم عن تشاكل الامور مضروب بالاختلاف في الاقوال و الاحوال و الافعال و ثانيا امثاله كثيرة فاذا اتي هو بشئ يأتي بمثله امثاله لاسيما اذا تحدي و اثار احسادهم و احقادهم و سبيهم و قاتلهم و ارغم انوفهم و لاسيما اذا كان مخذولا مخزيا من الله و كان اللازم في الحكمة ابطاله فانه يبعث الله البتة من يأتي بمثله و يبطل فريته فاذا رأيناه في نفسه ذا خلق عظيم لاينكر و عبادة و زهادة و مكارم و سياسة و علم لايجهل و اتي بمثل هذا الكتاب الذي يدعو الي الخير بالبداهة و ينهي عن الشر بالبداهة و يدعو الي الله و رسله و اوصيائهم و العدل و الاحسان و لميأت احد بمثله مع بغضهم و حسدهم و وضع السيوف علي هاماتهم و ارغام انوفهم و هم من [ص 110] اهل اللسان و من اهل الفرية و الله مخزي الكافرين عرفنا انه من عند الله و لايقدر احد من البشر علي الاتيان بمثله و اما فهم كونه فوق قدرة جنس البشر كما يفهم من شق القمر و ذوق اعجازه فليس الا حظ الحكماء الربانيين و العلماء الصمدانيين بعد الائمة المعصومين كما مر .
و خامسها ان النبي صلي الله عليه و آله عاش بينهم اربعين سنة و كان محل الانظار معروف النسب مشهور الحسب و كانوا يعلمون انه اميّ لميختلف الي العلماء و الحكماء و اهل الاديان و لميكتب و لميقرأ و كان في تلك المدة وقورا حليما زاهدا صدوقا متينا امينا ليس في حال من حالاته ما يكره فقام بعد اربعين سنة و نطق بعلم الاولين و الآخرين و اتي بكتاب يصدق سائر الكتب السماوية و تصدقه و يظهر ما اخفوه منها علي نظم غريب و فصاحة عجيبة غريبة و ترتيب ليس يشابه شيئا من كلام العرب قديمهم و حديثهم و يخبر فيه عن الغيب و يدعو الي البر و العمل به و له وقع و عظم و هيبة في القلوب و نسبه الي الله و تحدي به العرب في بحبوحتهم في بلد هو مرجع جميع العرب و حوزتهم في قوم هم افصح العرب و ابلغهم في فن هم اسعي الناس في تكميله و تعديله و احرصهم علي المجاراة و الله من وراء الكل رقيب فلو علم انه مفتر عليه لاثار منهم رجلا يبطل دعواه و يأتي بمثل ما اتي به او احسن و ذلك علي الله يسير فاذ صدقه الله باظهار عجز مثل اولئك الحسدة الحقدة الفصحاء البلغاء الدهاة علمنا انه معجز و فوق طاقة البشر و ليس لاحد ان يأتي بمثله و مع ذلك ذوق عجز جنس البشر عنه كما يذاق عجزه عن انطاق الحصي ليس الا لاوحدي الزمان فانه كتاب علم و ، انما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه ، و انما مثل علم سائر الناس في هذا المقام مثل علم العامي بفضل [ص 111] عالم من العلماء و انه لا عديل له و لا نظير او فلان الشاعر اشعر الناس و لايذوقون اصل مقام ذلك العالم و ذلك الشاعر و لايشعرون بعلو ينحط دونه مقام الباقين فمما ذكرنا يحصل العلم بان الكلام يمكن ان يصير معجزا و ان القرآن معجز بجميع حدوده و يعجز عن مثله جميع اصناف الخلق كما يعجزون عن خلقة انسان او عالم حرفا بحرف و ادراك نفس اعجازه شأن الحكماء الخصيصين بعد الائمة الطاهرين ليس شأن عربي و عجمي و كل احد يعرف من نفسه عجز نفسه في الحال لا ازيد من ذلك و ان عرفت ذلك عرفت ان القرآن ليس بذلك المعجز الذي يعرف اعجازه كل احد بمحض السماع و قبل التتبع و الامتحان و النظر فلايقام به حجة النبوة علي السامع بمحض السماع كما كانت تقام بمحض انطاق الحصي فان من الانطاق يعرف العجز بمحض السماع و لايعرف من القرآن العجز الا بعد التتبع و العرض علي الفصحاء و السعي في مجاراته و ظهور العجز و لذلك لميقتصر النبي صلي الله عليه و آله علي القرآن و لميكتف العرب منه بمحض ذلك و كانوا يطلبون منه معجزات اخر و يأتيهم بها من غير انكار عليهم فانهم ماكانوا يفهمون القرآن حتي يعرفوا اعجازه كيف و هو يقول ثم ان علينا بيانه و اوردنا اخبارا عديدة تبلغ التواتر ان فهم القرآن حظ الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين لا غيرهم و ان القرآن معمي لايعرفه غيرهم و الناس غير مشاركين في فهمه و ذلك بيّن فان فيه علوم الاولين و الآخرين فلو كان الناس يفهمونه لكانوا عالمين بها و الحال كما تري و ان قلت ان العرب يعرفون ظاهره فانه بلسانهم قلت ذلك ايضا امر خفي علي جل الناس و قد كتبنا ذلك و شرحنا و فصلنا في بعض اجوبتنا للمسائل و اجماله ان شرح الزيارة لشيخنا الشيخ احمد بن زينالدين اعلي الله مقامه مثلا هل هو عربي ام عجمي بل هو عربي و بلغة العرب فهل يعرفه العرب ام لا و كيف لايعرفونه و هو بلغتهم و الفاظهم و كيف يعرفونه [ص 112] و لايفهمون منه سطرا بل و لا نصف سطر بل و لا كلمة من ظواهر مراده دون بواطنه فانه كتاب علم و فهم الكلمات غير فهم المطلب و حيوة الكلمات و الالفاظ بالمطالب فالعرب اذا كانوا لايعرفون و لايفهمون ظاهر شرح الزيارة كيف يعرفون ظاهر القرآن و يفهمونه و فيه علوم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة فلايعرفون ظاهره ابدا ابدا نعم يعرفون ان قال بمعني نطق و عبر عما في قلبه و نزل بمعني هبط و هكذا فانه بلغتهم و ان اردت الزيادة فراجع سائر كتبنا يرفع عنك هذه الشبهة ايضا و تستيقن ان العرب لايعرفون ظاهر القرآن و لا باطنه فاذ لميعرفوا ظاهره و لا باطنه فاني لهم بمعرفة انه معجز بل و ماكانوا يعرفون كلهم جميع الفاظه ايضا كما نقل عنهم و مع ذلك كل احد يجد في نفسه انه لايقدر علي الاتيان بمثله و لايعرفه و لايعرف سر نظمه و نوع بيانه و كفي به معجزة و كفي بما ذكرنا بيانا .
الباب الثالثعشر - و قد ذكرت في كتاب ازهاق الباطل في رد الرجل الذي جاري في عصرنا القرآن و ادعي السفارة بين الخلق و بين صاحبالزمان عليه صلوات الله الملك المنان في معني اعجاز القرآن كلاما انقله بلفظه لانه كامل في معناه و لكن لمن اقر بالاسلام و اراد معني اعجاز القرآن و ليس وجه الكلام الي منكري النبوة فلاتغفل . قلت : اعلم ان كل ظاهر جاذب لباطن خاص به يناسبه علي حسب لطافته و كثافته و شدة اعتداله و قلته فكلما كان الظاهر اشد اعتدالا و اقوي تركيبا و اكثر صفاء حكي باطنا اعلي و اشرف و الطف و اقوي و اعدل علي حسبه و كلما كان اضعف اعتدالا و تركيبا و اقل صفاء حكي باطنا ادني و اخس و اكثف و اضعف علي حسبه و ذلك ان الظاهر وعاء الباطن و مرآته الحاكية له و القابل [ص 113] الجاذب له و لا بد من مناسبة بينهما فمهما ائتلفت العناصر و اعتدلت نحو اعتدال تقوت و صفت و اعتدلت بحيث صارت قابلة لجذب الروح النباتية من المبدء و حاكية لها و مظهرة لها و مصدرة لآثارها و منشأة لافعالها و بهذا الاعتدال لاتحكي الروح الفلكية و لاتجذبها و لاتظهرها لشدة كثافة جواهرها و غلظة بسائطها التي لاتكاد تنفعل للنفس الفلكية فاذا لطفت و رقت و اعتدلت و صفت حتي ساوت صفاء فلك القمر جذبت النفس الفلكية و استنزلها اليها فحكي صفاتها و اظهر افعالها فالتركيب الاول كان معتدلا و لولاه لميظهر النفس النباتية المستعلية عليها و هذا التركيب ايضا معتدل و لولاه لميظهر النفس الحيوانية المستعلية عليها الا ان جواهر الاول كثيفة غليظة غير مطاوعة للنفس الفلكية و جواهر الثاني لطيفة و هكذا مهما لمتلطف و لمتصف بحيث تساوي فلك الزهرة لمتظهر فيها روحه ابدا و ان كان معتدلا في حد ذاته فان الصفاء شرط بحسب كل مقام مزيدا علي الاعتدال و هكذا كلما صفت و اعتدلت حتي ساوت فلكا من الافلاك يظهر فيها روحه الي ان تصير بصفاء عرش الرحمن و اعتداله فيتعلق بها عقله الكلي ثم تصفو الي ان تلقي عنها الحدود و الكثرات لان الشئ بكثافته المستلزمة لبرده المستلزم لانقباضه يقبل الحد فكلما صفا قل برده و كلما قل برده اتسع و هكذا يقل برده و يتسع حتي يضمحل برودته و يبطل حكمها فيخرج الشئ عن الحد المستلزم للبرد فلاينحد فلما صفت الجواهر و اعتدلت غاية الاعتدال حتي فنيت البرودات المستلزمة للضيق و الانقباض اتسعت حتي خرجت عن الحد و ساوت الجسم الكلي و الجسم المطلق و لاتتعداه بعد ذلك و حينئذ يتعلق بها الفؤاد و نور الله و تدخل في المتوسمين و هكذا تصعد في اللطافة شيئا بعد شئ و ليس لها غاية و لا نهاية و فيه قوله تعالي كلما [ص 114] وضعت لهم علما رفعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، و محبته هي خلوص الحبيب و شدة فنائه و اضمحلاله في المحبوب و مجانبته الاغيار و كشفه الاستار و انغماسه في الانوار فالمحبة هي الانجذاب الحاصل من صفاء الحبيب نحو المحبوب و علي هذا المثال اذا اعتدلت هذه العناصر و كان لها نوع صفاء اقتضي تعلق الروح الجمادية بها فلما زاد اعتدالها و صفائها تعلق بها الروح النباتية فلما زاد اعتدالها و صفائها تعلق بها الروح الحيوانية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الروح الجنية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الروح الانسانية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الروح النبوية فاذا ازدادت اعتدالا و صفاء تعلق بها الحقيقة المحمدية و اذا ازدادت صفاء و اعتدالا يترقي شيئا بعد شئ و ليس للسير الي الله غاية و لا نهاية و لايصل السائر اليه ابدا ابدا نعم اذا ازدادت نعومة و لطافة و صفاء و اعتدالا تعلق بها المقامات و العلامات و الآيات و العنوانات الي ان تزداد في كل ذلك حتي يظهر منها المجهول المطلق و العماء الحق و هكذا الي ما شاء الله ففي كل مقام و رتبة لا بد من اعتدال و صفاء يناسب ذلك المقام علي ما اشرنا اليها و لعلك عرفت من هذا البيان ان مراتب التصفية تدريجية مرتبطة متصلة بعضها ببعض و ليست علي نحو الطفرة و بين كل مقامين منها برزخ لامحة فلما جاوز القابل مثلا صفاء الانسان و اعتداله و لمايبلغ صفاء الانبياء و اعتدالهم يكون له بينهما حالة برزخية لامحة و في هذه الحالة يحكي مقاما اعلي من مقام الانسان و اسفل من مقام الانبياء و يكون بذلك برزخا بين الانبياء و الانسان كما روي انه عرضت النبوة و الحكمة علي لقمان فقبل الحكمة و عرضتا علي داود فقبل النبوة [ص 115] و هذا البرزخ يحدث في القابل اذا نزل المؤثر و الاثر اليه بظهورهما من جهة ان كل شئ فيه معني كل شئ فجميع المراتب ثابتة في كل شئ و كلما يصفو الشئ و يزداد اعتدالا يظهر عليه سر كان فيه كامنا و يبدو منه آثاره و هذا معني نزول العالي في الداني فان نزول العالي الي الداني ليس بذاته و انما هو بظهوره الذي هو نفس الداني و لاجل ذلك امكن البرزخ بينهما اي بين المقامين في رتبة و ان لميكن برزخ بين الاثر و المؤثر حقيقة فيمكن البرزخ بين كل رتبتين من ادني المراتب الي اعلاها و ذلك البرزخ هو المعبر عنه بالراجح في كل مقام بحسبه فان كل عال واجب بالنسبة الي دانيه و كل دان جائز بالنسبة الي عاليه و عبر عن البرزخ بينهما بالراجح ، فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان من الظواهر الالفاظ و الحروف و الكلمات المعروفة و هي ايضا علي طبق الالفاظ و الحروف و الكلمات الكونية فربما تتركب الحروف في عالم الالفاظ تركيبا لايصلح لحكاية اكثر من عالم المثال فليس لها الا معني واحد و باطن واحد و ربما تتركب تركيبا اعدل من الاول و اصفي فتدل علي عالم المواد ايضا و ربما تتركب تركيبا اعدل من ذلك و اقوم فتدل علي عالم الطبائع ايضا و هكذا الي ان تتركب تركيبا اعدل و اقوم و اصفي فتحكي مع جميع ذلك الفؤاد ايضا و هذا غاية ما في الرتبة الواحدة ثم تترقي في الاعتدال و الصفاء و القوام حتي تدل علي جسد الانبياء ايضا ثم تزداد في ذلك الي ان تدل علي مثالهم و موادهم و طبائعهم و هكذا الي افئدتهم ثم تترقي الي ان تزداد اعتدالا و تركيبا الي ان تدل علي اجسام آلمحمد عليهم السلام ايضا ثم هكذا تزداد اعتدالا و صفاء و قواما الي ان تدل علي امثلتهم و موادهم و طبائعهم و هكذا الي ان تدل علي حقائقهم ثم تزداد نعومة و اعتدالا و صفاء الي [ص 116] ان تدل علي الصلوحات الامكانية و الكتاب و الاجل و الامضاء و القضاء و القدر و الارادة و المشية و هكذا تزداد نعومة و صفاء و اعتدالا في نهج التركيب و ملايمات التأليف الي ان تدل علي مقامات الواحدية و الاحدية و الالوهية و الهوية و الذات كما كانت الجواهر العنصرية في تركيباتها حرفا بحرف ، الاتري ان من العناصر قد تتألف و تكون شجرا و قد تتألف و تكون حيوانا و لايدل جسد النبات علي ما يدل عليه جسد الحيوان مع ان كليهما من العناصر الاربعة و قد تتألف و تكون انسانا و لايدل جسد الحيوان علي ما يدل عليه جسد الانسان مع ان كليهما من العناصر و قد تتألف و يكون منها جسد نبي و لايدل جسد الانسان علي ما يدل عليه جسد النبي و قد تتألف و يكون منها جسد محمد صلي الله عليه و آله و لايدل جسد النبي علي ما يدل عليه جسد محمد صلي الله عليه و آله و هكذا و ليس ذلك الا من تفاوت مراتب الصفاء و حذف الزوائد و الغرائب و حسن التأليف علي ما يليق بكل روح و يحتاج اليه كل روح في اظهار صفاتها و اجراء افعالها و هكذا جواهر الحروف تختلف ارواحها التي هي معانيها بحسب اختلاف ائتلافها و تركيبها و صفائها بحذف الزوائد و الغرائب اللفظية و الوصفية منها و بحسب حسن صوغها و سوءه فلا كل احد يقدر ان يؤلف الفاظا و حروفا تدل علي ازيد من عقله و مقامه و حده و امثل لك في ذلك مثالا ان البنّاء يقدر علي ان يؤلف اللبن و الطين و الماء حتي يجعل بناء يستقر فيه الاجسام و يدل كل جزو من بنائه علي ما يستقر فيه بحسب تأليفه و تركيبه مثلا يدل بيت من بيوته علي انه المضيف و يحل فيه الضيف و بيت علي انه لاجل ان يحل فيه النساء و بيت علي انه لاجل المخزن و بيت علي انه لاجل الاصطبل و بيت علي انه لاجل [ص 117] الانبار و بيت علي انه لاجل المطبخ و هكذا كل جزو منه يدل علي شئ من الاشياء التي ينبغي ان يحل فيه فالبناء يقدر ان يؤلف من حروف اللبن و روابط الطين لفظا هكذا يدل علي ما ينبغي ان يحل فيه و لايقدر ان يؤلف من الماء و التراب حتي يجعله بيتا يحل فيه الروح النباتية و الحيوانية و الانسانية و هكذا فان هذا التأليف لايحصل بالآلات الجسمانية و الجوارح الجسدانية فلايمكن ذلك التأليف باليد و الرجل و يحتاج الي جارحة طبيعية و هي خارجة عن قدرته و لا تصرف له فيها الا من كان له تصرف فيها و الطبيعة بحكمه و جارحة من جوارحه فهو يمكنه تركيب العناصر بحيث يحل فيها الروح النباتي و هو كالملك المؤلف للنبات و اما هذا الملك لايقدر ان يؤلف العناصر بحيث يحل فيها الروح الفلكية لان جوارح ملك النبات طبيعية و في تأليف العناصر حتي تصير بيتا للحيوان يحتاج الي جارحة حيوانية فلكية فليس له ذلك و انما هو شأن الملائك الافلاكية و هكذا و هكذا الامر في الالفاظ حرفا بحرف الاتري ان العامي الذي ليس له نفس علامة لايقدر ان يؤلف الحروف تأليفا تدل علي مسئلة من المسائل العلمية و الذي له نفس علامة في الفقه و ليس له نفس علامة بالاكسير لايقدر ان يؤلف كلمات و حروفا تدل علي علم الاكسير و ان كان جميع الالفاظ من الحروف و يمكن في الامكان جميع انحاء اقتراناتها و لكن لا كل احد يقدر علي كل تركيب ، الاتري ان تركيب العناصر بجميع انحائه كان ممكنا و لكن لا كل احد كان يقدر ان يؤلف منها ما يشاء فكذلك الانسان لو اجتمعوا يقدرون علي ان يؤلفوا من الحروف ما يمكن لادق جوارحهم و هو عقلهم و لايقدرون علي تأليف لايتصرف فيه جارحة العقل ، اتري يتصرف جارحة اليد في تأليف النبات فهكذا لايتصرف جارحة عقول [ص 118] الاناسي ان يؤلفوا بها من الكلام تأليفا يدل علي جسد الانبياء و يحل فيه لان ذلك فوق شهاداتهم و مراتب مقاماتهم و قدرة جوارحهم و اما النبي فيقدر ان يؤلف من الحروف تأليفا يدل علي اجسادهم او امثلتهم او غيرها من مراتبهم و لكن لو اجتمع الانبياء كلهم لايقدرون ان يؤلفوا حروفا تدل علي جسد آلمحمد عليهم السلام لانه فوق شهادتهم و تصرف جوارحهم و لكن هم بانفسهم يقدرون ان يركبوا حروفا و كلمات تدل علي اجسادهم و هكذا و هم ايضا لو اجتمعوا كلهم لايقدرون ان يؤلفوا كلمات و حروفا تدل علي ما يخص به سبحانه من المقامات و الصفات قال النبي صلي الله عليه و آله انت كما اثنيت علي نفسك لااحصي ثناء عليك ، و بذلك صارت اسماء الله و صفاته توقيفية و اتفقوا عليه و ان لميعرفوا وجهه و ذلك لانه لايقدر احد ان يؤلف تأليفا يدل علي صفاته سبحانه و مقاماته غيره سبحانه فهو يقدر علي تأليف ذلك بجوارح الهية لاهوتية فيؤلف ما يشاء كيف يشاء حتي يدل علي صفاته و مقاماته ثم يعرفها خلقه و يأمرهم ان يدعوه بها و يتوسلوا اليه بها كما خلق النبي صلي الله عليه و آله و عرفه خلقه ليتوسلوا اليه به فلو اجتمع اهل السموات و الارض علي ان يؤلفوا اسما من اسمائه سبحانه لايقدرون عليه و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا انظر في ظاهر ظاهر هذا الخبر و اعرف المقصود سئل اميرالمؤمنين عليه السلام بم عرفت ربك قال بما عرفني نفسه ، قيل و كيف عرف نفسه ؟ فقال لايشبهه صورة و لايحس بالحواس و لايقاس بالناس قريب في بعده بعيد في قربه الخبر ، و في الدعاء يا من دل علي ذاته بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته ، و ايضا في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لمادر ما انت و قال الرضا عليه السلام ساجدا سبحانك ماعرفوك و لاوحدوك فمن اجل [ص 119] ذلك وصفوك سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك و لااشبهك بخلقك انت اهل لكل خير فلاتجعلني من القوم الظالمين و كتب ابوالحسن عليه السلام ان الله اعلي و اجل و اعظم من ان يبلغ كنه صفته فصفوه بما وصف به نفسه و كفوا عما سوي ذلك ، الي غير ذلك من الاخبار و ادلة الاعتبار فليس لاحد ان يصفه بوجه من الوجوه الا ان يصف الله بشئ نفسه و يعرفه خلقه ثم يتوسلوا به اليه و يصفوه به و الا فلايمكن لاحد فلعلك عرفت بذلك انه لايقدر ان يؤلف كلمات و حروف مثل تأليف القرآن و لو اجتمع عليه اهل الارضين و السموات من الجن و الانس و الملئكة و الانبياء و الرسل و الائمة الطاهرين و محمد خاتم النبيين عليهم صلوات المصلين فلايقدرون علي تركيب حرفين من الكتاب علي النهج الذي ركب الله سبحانه و علي الوضع الذي وضعه الله و لاتزعم ان لفظة قال مثلا قاف و الف و لام و كل العرب كان يقول و نحن ايضا نقول فان مثلك في ذلك مثل من صنع وردة من الخرق و المفاتيل و زعم انه كالورد النابت و هو ينبت و ما صنعت لاينبت و هو حي و هذا ميت و هو يؤثر و هذا لايؤثر الاتري انك لو اهنت بمكتوب قال علي انه من القرآن كفرت و لو اهنت به علي انه قولي لمتكفر و لو لمتكن في تلك الكلمة روح لمااثرت هذا التأثير الاتري انه يؤخذ من القرآن ما يشاء لما يشاء و يوضع في الالواح و يرقي به و يؤثر و يشفي و لايؤثر قولك قال ابدا في رقي و لا غيره و هل ذلك الا لاجل ان في كلامه تعالي روحا و ليس في كلامك روح و ان القرآن يجيء يوم القيمة بهيئة رجل و يشفع لكل من تمسك به في دار الدنيا و كلامك ليس هكذا و انما ذكرنا هذه الجهات لمن كان مسلما و عرف انه معجز و اراد ان يعرف سره و اما غير المسلم فيتحدي بان يأتي بمثله و لايقدرون [ص 120] علي ان يأتوا بسورة من مثله و ذلك لانهم لايسلمون ان كلمتهم ايضا لاتكون مثل كلمة الله فيتحدون بسورة و بعشر سور و انما ذلك لصعوبة تفهيمهم ان مثل الكلمة ايضا لايمكن صدوره من غيره سبحانه و الا لو اجتمع جميع اهل السموات و الارض علي ان يؤلفوا كلمة من كلمات القرآن حتي لفظة فرعون مثلا ماقدروا عليه فان في تركيب القرآن خصوصيات لايقدر احد ان يؤلف الحروف عليها الا الله سبحانه بجوارح سرمدية و آلات لاهوتية الاتري ان لفظة فرعون منك يحرق و لا حرج و لفظة فرعون من القرآن لاتمس بغير طهر و لفظة فرعون من القرآن شفاء من كل داء و امان من كل خوف و حفظ من كل سوء و ليس من غيره هكذا و بالجملة خلقة القرآن كخلقة محمد صلي الله عليه و آله فكما انه لايقدر احد ان يخلق مثل محمد صلي الله عليه و آله لايقدر احد ان يأتي بمثل القرآن و عدم القدرة علي الاتيان بمثله علي وجهين وجه يمكن ان يؤتي بمثل صورته و ليس له تلك الروح و قسم لايمكن ان يؤتي بمثل صورته ايضا فان حسن تأليفه و تركيبه فوق طاقة المخلوق اما ما يمكن الاتيان بمثله صورة فالكلمات و الحروف التي اذا تكلم بها وحدها لايعرف انها من القرآن بنفسها من غير قرينة كلفظة كان مثلا فمثلها يؤتي بمثلها صورة و لكن لا روح لما اتوا به و لا دلالة له علي المقامات و العلامات اللاهوتية و اما ما لايمكن الاتيان بمثله ابدا فهو ما يفهم انه قرآن اذا قرئ و هو مقدار سورة الكوثر و التوحيد مثلا فليس لاحد ان يأتي بمثله لا صورة و لا معني و لو اجتمع عليه الانس و الجن فانه تركيب الهي بجوارح ربانية و ادوات سبحانية و مثله بعينه مثل سائر الخلق فانهم و ان كانوا يقدرون علي ان يأتوا بشبه صورة بعض الاشياء فانهم لايقدرون ان يأتوا بمثل اكثرها صورة و جميعها معني و انما يقدرون [ص 121] علي تأليفات عرضية لايسمن و لايغني من جوع و اني لهم بالتأليفات الحقيقية و التركيبات الاصلية فتبين و ظهر ان لتأليف القرآن خصوصيات من تقديم حرف علي حرف و تأخير كلمة عن كلمة و آية عن آية و سورة عن سورة و خصوصيات كل حرف ● من قلقلتها ١ و همسها ٢ و جهرها ٣ و اطباقها ٤ و انفتاحها ٥ و شدتها ٦ و رخاوتها ٧ و استعلائها ٨ و انخفاضها ٩ و ذلاقتها ١٠ و صموتها ١١ و صفيرها ١٢ و لينتها ١٣ و منحرفها ١٤ و مكررها ١٥ و هاويها ١٦ و مهتوتها ١٧ و فتحها و رفعها و خفضها و سكونها و مدها و ظهورها و خفائها و ناريها و هوائيها و مائيها و ترابيها و متواخيها و متناكرها و نورانيها و ظلمانيها و مذكرها و مؤنثها و نظائرها و غرائزها و ناطقها و صامتها و معجمها و مهملها و متعاديها و يابسها و فاتحها و جامدها و تامها و رسلها و علماها الكملين و علماها الادنين و ملوكها و صالحيها و اغنياها و فقرائها و اشقيائها و عوامها و حمليها و ثوريها و جوزائيها و سرطانيها و اسديها و سنبليها و ميزانيها و عقربيها و قوسيها و جدييها و دلويها و حوتيها و قمريها و عطارديها و زهريها و شمسيها و مريخيها و مشترويها و زحليها و مداخلها الصغيرة و الكبيرة و المتوسطة الكبري و المجموعية و الاكبر و الاكبر الاعظم و الاكبر الاكبر و بسوطها العددية و الحرفية و قواها و منسوبات المنازل و هي شرطين و بطين و جبهة و زبرة و صرفة و نعايم و بلدة لناريها و هقعة و هنعة و ذراع و غفر و زبانا و اكليل [ص 122] و اخبية لهوائيها و نثرة و طرفة و قلب و شولة و مقدم و مؤخر و رشا لمائيها و سماك و عوا و دبران و ثريا و ذابح و بلع و سعود لترابيها و هكذا سائر متعلقات الحروف مما ينتسب و الساعات و بالايام و الشهور و الاعوام و القرون و المعادن و الاقاليم و المواضع و البر و البحر و غير ذلك مما يطول بذكرها البيان و متعلقات الكلمات من المعروف و المجهول و الاسم و الفعل و الحرف و المعرفة و النكرة و المنصرف و غير المنصرف و الصحيح و المعتل و المفرد و التثنية و الجمع و المؤنث و المذكر و التصاريف و الاشتقاقات مما يطول بذكرها البيان و متعلقات التركيب من الاضافة و الحال و التميز و النعت و العطف و الفاعل و المفعول و الاسناد و الابتداء و الاخبار و الاسم و الخبر و غير ذلك مما هو معروف و غير ذلك من متعلقات البيان و المعاني و الفصاحة و البلاغة و الصناعات العروضية و انطباقها علي العلوم الالهية و الطبيعية و علي علم الرياضي من النجوم و الرمل و الجفر و الهندسة و الحساب و الاعداد و سائر متعلقات كل واحد و حيازتها علم الشريعة و الطريقة و الحقيقة منطبقا بعضه علي بعض و انطباقها علي الكتاب التكويني من الفالف عالم و اشتمالها علي علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و تضمنها جميع الحالات و العلوم . اجمل لك القول لايوجد كمال و لا حسن الا اشتمله القرآن و ركب علي احسن ما يمكن في الامكان بل كل كلمة كلمة منه يشتمل علي ما يشتمل عليه الكل ، المتسمع حديث الصادق عليه السلام عن ابيه عليه السلام في تفسير الصمد علي نهج الحروف الي ان قال لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عز و جل حملة لنشرت التوحيد و الاسلام و الايمان و الدين و الشرائع من الصمد و كيف لي بذلك و لميجد جدي اميرالمؤمنين عليه السلام حملة لعلمه حتي كان يتنفس الصعداء الخبر ، [ص 123] و المتسمع ما روي عن علي عليه السلام ان كل ما في القرآن في الحمد و كل ما في الحمد في البسملة و كل ما في البسملة في الباء و كل ما في الباء في النقطة و انا النقطة تحت الباء ، و المتسمع انه قال لو شئت لاوقرت سبعين بعيرا من تفسير باء بسم الله الرحمن الرحيم الي غير ذلك من خصوصيات تفاسير القرآن بحيث تحير فيه العقول و تفاسير الحروف المقطعة علي معان عجيبة و اسرار غريبة و ما فيها من الآيات القوارع و الرقي و العوذ و التأثيرات و العزائم و الاستخدامات للجن و الملئكة و الكواكب و رقي الهوام و الدواب و غير ذلك مما لايخفي علي اهله و هو مع ذلك في الظاهر مرتبط بالارتباط الظاهري و في الباطن بالباطني و في التأويل بالتأويلي و اذا صرفته الي اي علم و عرفته ينصرف اليه مرتبطا مؤتلفا و في كل وجه كلام منطبق علي العالم ، هيهات هيهات من الذي يقدر ان يلاحظ جميع ما ذكر في وضع كل حرف و ذاته و في وضع كل كلمة و ذاتها و في وضع كل تركيب و ذاته و لمن الاحاطة بتمام ملك الله حتي يراعي فيه الانطباق علي جميع ملك الله و لمن تلك الجارحة المركبة لهذه الحروف علي هذا النهج و انت لو شئت ان تركب الحروف بجارحة وهمك ها هو لايحيط بكل شئ فربما ينطبق كلامك علي شئ و ينفك عن باقيه او تركبه بجارحة نفسك فهكذا او عقلك فهكذا بل لو اجتمع جميع النبيين لايقدرون ان يؤلفوا كلاما ينطبق علي جميع علم الله بل محمد و آله سلام الله عليهم و ان كانوا يقدرون علي تطبيق كلامهم علي جميع المكونات و لكن لايقدرون علي تطبيقه علي جميع الامكانيات و الافاعيل و المقامات و العلامات و الآيات و الامكانات التي لمتكن بعد و الله يعلم انها لو كانت كيف كانت تكون فمما ذكرنا و شرحنا و بسطنا علم [ص 124] ان خلقة القرآن مثل خلقة محمد و علي و الائمة عليهم السلام و لذا تواتر الخبر اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و هو الثقل الاكبر و عترتي و هم الثقل الاصغر فاذاً القرآن هو خليفة رسول الله و لايخلف احد احدا الا ان يكون من طينته و نوره و جنسه و لا فرق بين عليّ و القرآن الا انه ظهر بصورة انسان و القرآن ظهر بصورة الكتاب بل هو رجل واحد ظهر بصورتين و لذا يأول الكتاب في الباطن في جميع الآيات بعلي عليه السلام و هو الكتاب المبين حقا ظهر بصورتين بالصورة الانسانية التي هي الكتاب الصغير او الوسيط الكوني و بصورة القرآن التي هي الكتاب التدويني ، اسمع ما رواه مكحول عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اوليس كتاب ربي افضل الاشياء بعد الله عز و جل فاذا كان افضل الاشياء بعد الله عز و جل و محمد هو الافضل صلي الله عليه و آله ثم علي فهو محمد و هو عليّ فكيف يماثل محمد و علي عليهما السلام بل القول بامكان وجود كتاب مثل القرآن هو بعينه القول بامكان وجود مثل محمد صلي الله عليه و آله و القول بامكان انزال الله كتابا بعد القرآن مثله القول بامكان انزال الله نبيا بعد محمد صلي الله عليه و آله مثله و القول بامكان كتاب آخر مثل القرآن قول بامكان صيرورة مبدء الاشياء اثنين و الخاتم اثنين فان القرآن هو مبدؤ الكتب و خاتمها كما ان محمدا صلي الله عليه و آله مبدؤ الاشياء و خاتمها و لما كان القرآن افضل الاشياء بعد الله سبحانه كان محيطا بجميع الاشياء و متضمنا بها و لاجل ذلك قال سبحانه مافرطنا في الكتاب من شئ و لفظة شئ نكرة واقعة في سياق النفي تفيد العموم بقدر سعة علم المتكلم و قال تبيانا لكل شئ و لفظة كل يفيد العموم بقدر علم المتكلم و سعته و قال لا رطب و لا يابس [ص 125] الا في كتاب مبين و النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم بقدر علم الناطق به بالبداهة و قال و لقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل و هو من ادوات العموم بقدر احاطة الناطق و هكذا فاين ذكر كل هذه الامور و جميع ما في علم الله من شئ في القرآن لولا مااذكر ، اتراه انه قد كذب ، لا والله صدق الله العلي العظيم و صدق رسوله النبي الكريم و نحن علي ذلك من الشاهدين و في الخبر ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة و ان كل شئ في القرآن فاذا قال الله سبحانه كل شئ في القرآن و ماتركنا فيه ذكر شئ و هو الناطق مع احاطته و سعة علمه انظر بعين عقلك هل يسع احدا ان يقول اني آتي بكتاب مثل القرآن فعلي هذا هو الله المحيط بجميع الامكان حتي وضع في كتابه كل علمه ، سبحان الله عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين .