الباب الرابععشر - اعلم ان بعضا من اهل العلم طلب مني ان اذكر لاعجاز القرآن وجها يعرفه كل عامي معتلا بانه رب نفس لاتسكن الي تصديق الغير و تقليده حتي تعرف ما يبرد به قلبه و ما ذكرناه سابقا و ان كان وافيا كافيا الا انا احببنا ان نذكر هيٰهنا جوابا خاصا له . اعلم ان معرفة الشئ علي قسمين : معرفة تفصيلية و معرفة اجمالية ، اما المعرفة التفصيلية فمن ارادها فلا بد و ان يدخل البيت من بابها و يحصل ما يشترط فيها و طلب ذلك من دون تحصيل ما يتوقف عليه ظلم ظاهر و طلب خارق للعادة و لميجر به العادة فمن اراد معرفة علم القرآن و وجوه كمالاته مفصلا يجب عليه ان يحصل جميع العلوم اذ في القرآن تبيان كل شئ و تفصيل كل مسئلة فما لميعرفه الانسان لميفز بعلم القرآن مفصلا و الحال ان علمه التفصيلي [ص 126] مخصوص باناس مخصوصين قال الله تعالي فيهم و ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و قال بل هي آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و قال انه لذكر لك و لقومك فليس معرفة اعجاز القرآن مفصلا مشرعة لكل خائض و منالا لكل ناهض و قول العامي اني لااحصل علما و لا الازم عالما و لااحضر مجالس العلم و لي اشغال دنيوية و ليس لي فرصة و ليس لي فهم دقيق و اريد ان افهم علم اعجاز القرآن مفصلا و قد عجز عنه العلماء الماهرون بعد كد و جهد و تحيروا فيه فذلك ظلم ظاهر و مخاطرة بالنفس و حسبه ما هو عليه من الجهل و ليس عندنا له جواب بل لايجيبه نبي و لا وصي نبي اذ لو بنوا علي ذلك لكان اللازم عليهم ان لايتركوا في الدنيا عاميا الا و يعلموه علما تفصيليا بجميع اسرار التوحيد و النبوة و الولاية و الكتاب و السنة ، فلينصف منصف هل يمكن العلم التفصيلي بالنجارة و الخياطة من دون ممارسة او لايمكن فان كان لايمكن فكيف يجوز طلب ذلك في المعقولات الدقيقة . و اما العلم الاجمالي الذي يسكن به القلب فهو ممكن و من ليس في قلبه مرض و ليس في طينه الحاد و شقاء يكتفي بذلك و يؤمن به و لاينبغي للانسان التارك للعلوم التفصيلية ان يعود نفسه الوساوس و عدم الركون الي ما حصل له مخافة ان يكون في التفصيل شئ ينافي ذلك فمن يوسوس له فاما ان يتوجه الي العلوم التفصيلية او يدفعها بالاذكار و العبادات فانها من الشيطان فاقول لأولئك العوام بعد ما عرفوا التوحيد و صفات الرب المجيد انه من البديهيات انه قد ظهر بمكة رجل اسمه محمد بن عبدالله و ابن آمنة و ظل فيها اربعين سنة لميدع شيئا ثم ادعي النبوة و نزول الوحي عليه و اتي بهذا الكتاب نوعا يقينا و ان وقع فيه تحريف في الجملة و اسقاط و كافح بها العرب [ص 127] و قرأها عليهم و بديهي انه هو كتاب يدعو الي التوحيد و الاخلاص و خلع الانداد و انكار البنين و البنات و الاكفاء لله سبحانه و ترك الاوثان و تصديق الانبياء الماضين و المؤمنين و يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و يدعو الي البر و العمل به و ينهي عن الفساد و العمل به و يدعو الي الاخلاق الزكية و الخصال المحبوبة و الزهد و الكرم و الوفاء و الجود و الصفح و المداراة و كل خير و ينهي عن الفرية و الكذب و الغيبة و الظلم و امثال ذلك و لميأمر في كتابه بشئ و لمينه عن شئ الا و يصدقه العقول السليمة و تستحسنه و جري علي سنة الانبياء و المرسلين و منهاج الصالحين بحيث لو سألت حكيما عاقلا ان النبي اي رجل يكون و الي اي امر يدعو و كيف ينبغي ان يكون سيرته و يسلك بين العباد و البلاد و ما صفة النبي الحق لماتجاوز صفته و لا وصف غيره فقام بين يدي الله عز و جل و هو الشاهد العليم الخبير القادر المقتدر يراه و يسمعه فقام بين يديه في عباده و بلاده و قال اني قد جئت من عند الله الشاهد المطلع القادر غير المغري بالباطل و لو تقولت عليه لاخذني و لو صدقت لصدقني و سكت عني بل ايدني و قواني فانا نبي من عنده و هذا الكتاب كتابه قد وضع فيه علم الاولين و الآخرين علي نحو لايعرفه الا هو و من علمه هو من نبي او وصي نبي او حكيم علمه ذلك النبي و ذلك الوصي و فيه جميع ما تحتاجون اليه في جميع اموركم الي يوم القيمة فاني خاتم النبيين و شريعتي باقية الي يوم القيمة و هذا كتابي و لايقدر علي الاتيان بمثل هذا الكتاب احد من الخلق من لدن آدم الي يوم القيمة فان فرض انه اتي آت بكلام مسجع فمن اين لهم تلك العلوم التي وضعها الله في هذا الكتاب و من اين [ص 128] لهم خصوصيات كل حرف و خصوصيات كل كلمة فمن اتي بكلام فاما يكون علي قباحة يعرفها نفسه فان لميعرفها نفس القائل فيقيض الله من يعرفه عوار كلامه من الادباء و امثالهم حتي يعرف و ان لميعرف بعد التنبيه فيقيض الله قوما يشهدون علي عوار كلامه و يتفقون عليه حتي يسكن و ان لميكن في عرض الناس احد يعرف عواره يبعث الله حكيما عالما يبين نقص كلامه و انحطاطه عن درجة القرآن و ان كان فوق ادراك الحكماء يبعث الله وصيا او نبيا يظهر و يبين وجه انحطاط كلامه عن درجة القرآن البتة بالجملة علي الله نقض الكلام الباطل و بيان عواره المنبئ عن انه ليس من الله و لو بازهاقه و محقه عن العالم و ابطال ذكره و اخماد ناره فهذا القرآن معجز و من عند الله و لو تقولت علي الله لاخذ مني باليمين ثم لقطع مني الوتين و ماامهلني و فضحني بما شاء كيف شاء باسباب غيبية او شهادية و لا اقل من ان يبعث احدا يظهر فساد ادعائي و يبطل دعوائي و هو قادر علي ذلك لايداري و لايداهن و لايساهل و لايغري بالباطل و لايصلح عمل المفسدين فلما قمت بين يدي الله و بين اظهركم و جئت بما جئت و صدقني و سكت عن دفعي و هو مبطل كل باطل و مصدق كل حق فاعلموا اني علي الحق و نبي صدق فعلي العوام الجاهلين بوجه اعجاز القرآن هذا الوجه اجتهادي يقيني كاف واف و يري و يشاهد انه من لدن ظهوره و ادعائه لميأت احد بكلام يماثله و كل من اخذ في الوقاحة و اتي بكلام ظن انه مثله قمعه الله باختلافات و ضربه الله بفسادات عديدة و اغلاط يستنكرها كل احد و لو كان القرآن من عند غير الله لكان الله قادرا علي ان يبعث من يأتي بمثل كتابه فهذا هو وجه يعرفه كل عامي و عالم و يمكن ان يستيقن به عن اجتهاد فتدبر و انصف [ص 129] و بياناتي هذه سماوية لايقدح فيها الاعتراضات الارضية فالشبهات القديمة كانت ترد علي بياناتهم الارضية حيث كانوا يستدلون علي اعجاز القرآن بتصديق الاعشي و الوليد و غيرهما من شعراء العرب و نحن لانأخذ ديننا من هؤلاء فلايقدح في ادلتنا ما قدح في ادلتهم فراجع .
الباب الخامسعشر - و من العجب العجاب و ما يزيد في الاستغراب ما ذكره من اهل الشبهة انهم يقولون ان في القرآن كلمات تخالف العربية كالتذكير و التأنيث و الافراد و الجمع و الحذف و الزيادة و امثال ذلك و قد ذكر السيوطي في كتاب الاتقان اكثرها و ذكر في كتب العربية المبسوطة قليل منها و قد تنبه بها المفسرون و وجهوه بتوجيهات قريبة و بعيدة و قد فسرها الائمة عليهم السلام بما يستغرب غير متبعهم و امثال ذلك من الكلمات اقول فيا لله و للعجب انظروا ايها الاخوان الي استحواذ الشيطان علي اهل هذا الزمان حتي شكوا في عربية القرآن و زعموا انه وقع فيه الخطاء و النسيان و يخالف القواعد الموضوعة و الميزان و لعمري ان ذلك يضحك الثكلي افلاتنظرون افلاتتفكرون ان هذا الصرف و النحو و المعاني و البيان علوم مستحدثة في الاسلام و ذلك ان العرب قبل بعثة النبي صلي الله عليه و آله كانوا لازمي جزيرتهم لميجوسوا خلال الديار و لااختلطوا بسائر فرق العالم و كانوا في قراهم و بواديهم يتكلمون بلغتهم علي اختلاف فرقهم و كل فرقة منهم لهم لغة و هم فيما بينهم مختلفون في كثير من الالفاظ مادة و صورة و استعمالا كما هو معروف مضبوط في كتب العربية ، فلما بعث النبي صلي الله عليه و آله علي الخلق و علا امره و دعاهم الي الجهاد جاهدوا القبائل الي ان آثر جوار الله و قام رؤساء الضلالة مقامه [ص 130] و اشتغلوا بالجهاد حتي فتحوا بلاد العجم و انتشروا في بلاد العجم و اسروهم و ذهبوا بهم الي بلادهم و ظلوا عندهم و تناكحوا و نتجوا فصار اولادهم يخالطون آباءهم و سائر العرب حتي نطقوا بعربية ناقصة معوجة حتي كثروا في بلاد العرب و خالطهم اولاد العرب و نشوا معهم ففسدت السنتهم ايضا حتي آل امر العرب الي انحراف لسانهم و اعوجاجه كما تري الآن من اختلاف لسان جميع بلادهم و قراهم و بواديهم و كل ذلك بمخالطة العجم كما تغير لسان العجم في جميع بلادهم حين انتشار العرب فيهم حتي صار اغلب كلمات العجم عربيا و آل امرهم الي ان نسوا عجميتهم في كثير من الالفاظ فلما رأي مولانا اميرالمؤمنين و حافظ الايمان و الدين عليه السلام ذهاب العربية و فسادها و رأي ان في فسادها يفسد امر الكتاب و السنة و يخفي مراداتهما بل يفسد الفاظهما لفساد لسان الناقلين و نقل السنة بالمعني في كثير من الاحاديث اراد حفظ الدين و ضبط الكتاب و السنة فوضع قواعد كلية و اعطاها اباالاسود الدؤلي و قال انح هذا النحو و امره بتتبع كلمات العرب و ضبط موادها و صورها و حركاتها و سكناتها فبني علي تتبع كلمات العرب و جمع بقدر الميسور و اضاف الي تلك القواعد التي القيت اليه ثم تنبه الناس و استحسنوه و كثر طلابه فبنوا علي الفحص و معرفة القياسي و السماعي و ضبط اختلافات فرق العرب و استعانوا باشعار العرب البوالين علي اعقابهم و آكلي لحم الضب و شاربي بول الابل لان اللسان لسانهم فجمعوا سماعيات و لما كثرت قاسوا عليها قياسيات اخر و استشهدوا بتلك الاشعار الصادرة عن صبيانهم و عجائزهم و رواعيهم و جماليهم و اهل حضرهم و بواديهم لانهم السناد في الامر المسموع الذي ليس للعقل فيه سبيل فشاع هذا [ص 131] العلم في اعصار الخلفاء و كثرت المباحثات و المجادلات و الكتب فيه و مال الخلفاء الي هذا العلم و بذلوا عليه الاموال فكثر في علمائهم التحاسد و التباغض و الخصومات حتي اختلفوا فنفي واحد ما اثبته الآخر و اثبت واحد ما نفاه الآخر لجاجا و عنادا فانهم لميكن تقوي يحجزهم و لا تدين يمنعهم و لميكن تلك المسائل بمسائل دينية يخافون التشنيع عليهم و للتحاسد و التباغض فيه مجال واسع و ربما يضعون لاختيارهم شواهد وضعية من عند انفسهم كما اقروا به في كتبهم و كثر فيه الاجتهاد الي ان شاع هذا العلم في جميع البلاد و لما كان كوفة مهاجر مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام و اخذوا عنه غالبا ما اشكل عليهم و كانت البصرة مهاجر صاحبة الجمل و كان بين اهل كوفة و البصرة من المخاصمة و التحاسد و التحارب و اللجاج ما لايخفي كان اكثر سعي اهل بصرة في مخالفة اهل الكوفة و لذلك كثر الاختلاف بينهم و اختلفوا في كثير من المسائل الادبية و لما كان بناء الناس و السلاطين علي اطفاء نور آلمحمد عليهم السلام و علي مخالفة اميرالمؤمنين عليهم السلام رجحوا اهل بصرة و قدموهم و نشروا كتبهم و اقوالهم و هي الكتب الشائعة بين الناس اليوم من يوم كانوا علي مذهب اهل السنة او كانوا يتقون حتي نشوا علي الاعتقاد بكتب اهل البصرة حتي انه لو قال اليوم احد بقول اهل كوفة في مسئلة مثلا و قال ان المصدر مشتق من الفعل كما اختاره اهل الكوفة و ليس بالعكس كما اختاره اتباع صاحبة الجمل لانكر عليه عالم الناس و جاهلهم ، بالجملة ان علم العربية حدثت في الاسلام لاجل ذلك و ان كان مستنبط العلماء اشعار الجاهلية و كلمات اهل البوادي و رواعي الغنم و جمالي الجمل و النساء و الصبيان من العرب فاستنبطوا منها [ص 132] و نسجوا عليها و كلما سمعوا منهم و لميقدروا علي جريانه في كل موضع قالوا انه سماعي و انما سمعوه من امرأة او من راع او جمال و لميكن للعرب يومئذ كتاب و علم مضبوط حتي يستخرج نحو التكلم منه و ينسج علي منواله فاعظم مستند علماء الادب كلام العرب سكنة البوادي و القفار و متتبعي مساقط الامطار و ليست العربية بعلم عقلي يقام عليه ادلة عقلية و انما تكلفوا ادلة ظاهرية لما سمعوه و كلما عجزوا عن الدليل قالوا انه سماعي و ليس للعقل فيه مدخل فكيف صارت كتب اهل العربية و قواعدهم حاكمة علي القرآن و صاحبه افصح العرب و اعلمهم بالاتفاق من المؤمنين و المنافقين و الكافرين و كيف ينبغي ان يعرف به صحة الفاظ القرآن و سقمها و قد جاء النبي بالقرآن و قرأ عليهم حين لميختلط السنتهم ابدا بلسان قوم و كانوا في غاية الفصاحة و البلاغة فطارت البابهم و تحيروا حتي اعترفوا و اذعنوا و آمنوا و لميقل احد منهم انه علي خلاف العربية فيا ويلهم كيف يجوز ان يصير ميزان علم العربية كلام العجوز الساكنة في البر آكلة الضب شاربة بول الابل و لايكون كلام محمد صلي الله عليه و آله ميزان علم العربية و صاروا يزنون كلامه بكتب العربية و يزعمون ان فيه اغلاطا علي خلاف العربية هلانزلوه هؤلاء المرتدين عن الاسلام منزلة امرأة من العرب و يقولوا ان لفظته هذه سماعية و ان ذكر مؤنثا او انث مذكرا يقولوا قد جاء الوجهان في العربية كما قد جاء الوجهان في كثير من الالفاظ و ان افرد جمعا او جمع مفردا فكذلك فان كل ذلك سماع من العرب و كم من لفظ مفرد الصورة يستعمله العرب في مقام الجمع و كم من لفظ جمع الصورة يستعمله العرب في معني المفرد ، آه آه آل امر آخر الزمان الي هنا حيث شكوا في عربية القرآن و لميشكوا في عربية نساء العرب الحائضات علي اعقابهم ، كذلك [ص 133] يمتحن الله هذه الامة كما امتحن الذين من قبلهم و قال بسم الله الرحمن الرحيم الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لايفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين و هذا الباب لايحتاج الي ازيد من هذا الجواب و ما اشبه هذه الشبهة بشبهة بعض علماء الافرنج حيث قالوا انا بعثنا رجالا منا تعلموا العربية فلميعرفوا معجزة في القرآن بل وجدوا مقامات الحريري افصح من القرآن يا ويلهم ان الحريري بنفسه خاضع لدي القرآن و هم وجدوا مقاماته افصح من القرآن و اني اتحديهم ان يأتوا بكتاب بل بسورة مثل القرآن من زبورهم و انجيلهم و توريتهم و لو كانت علي غير لسان العرب كما قدمنا و يقولون انها كلام الله فان لميكن كلام الله بزعمهم مثل القرآن فكيف يكون كلام الحريري او غيره مثل القرآن و الرجل المسكين معترف بعجزه عن الاتيان بمثله ها ان نبينا صلي الله عليه و آله لميتحد العرب وحدهم و انما تحدي العرب و العجم و لميطلب منهم ان يأتوا بلسان العرب فليأت كل قوم في لسانه بكتاب علي لسانه يماثل القرآن في فصاحته في العربية و بلاغته و لطافته و احتوائه علي العلوم و الغرايب و الغيوب ان كانوا صادقين و لنعم ما قال القطب الراوندي في الخرائج و الجرائح حيث قال : ان كتاب الله المجيد ليس هو مصدقا لنبي الرحمة خاتم النبيين فقط بل هو مصدق لسائر الانبياء و الاوصياء قبله و سائر الاوصياء بعده جملة و تفصيلا و ليست جملة الكتاب معجزة واحدة بل هو معجزات لاتحصي و فيه اعلام عدد الرمل و الحصي لان اقصر سورة انما هو الكوثر و فيه الاعجاز من وجهين احدهما انه تضمن خبرا عن الغيب قطعا قبل وقوعه كما اخبر من غير خلف فيه ان شانئك هو الابتر ، الي ان قال : و الثاني من [ص 134] طريق نظمه ، الي ان قال : ثم ان السور الطوال متضمنة للاعجاز من وجوه كثيرة نظما و جزالة و خبرا عن الغيوب فلذلك لايقال ان القرآن معجز واحد و لا الف معجز و لا اضعافه فلذلك خطأنا قول من قال ان للمصطفي صلي الله عليه و آله الف معجزة او الفي معجزة بل يزيد ذلك عند الاحصاء علي الالوف انتهي ، فليأتوا بكتاب مثله يشتمل علي ما يشتمل فان قضية المماثلة عامة و اما الفصاحة و البلاغة و حدها فقد ذكرنا ان حد اعجازها فوق حد البشر و لاتعرف الا بعد تنبيه المنبه علي قصور كلام الجاسر عن حد القرآن و اما المماثلة في كل شئ و خاصة للقرآن فانما هي تعرف و يعرف اعجاز جميع خصال القرآن شيئا علي شئ فمن زعم انه من عند البشر و ليس بمعجز فليأت بحديث مثله فان ما من البشر و ما ليس بمعجز يمكن ان يأتي به احد من البشر فليأتوا كل قوم في لسانهم كتابا او سورة مثله ان كانوا صادقين ، و انا اتحديهم بآية واحدة من الكتاب و هو بسم الله الرحمن الرحيم فليأتوا بآية تعادلها في فصاحتها و حكمها و اسرارها و علومها و خصوصية الفاظها ان كانوا صادقين بل اتحديهم بكتاب رجل من امة محمد صلي الله عليه و آله و هو كتاب شرح الزيارة او كتاب الفوائد للشيخ الاوحد الشيخ احمد اعلي الله مقامه فليأتوا بكتاب مثل واحد منهما ان كانوا صادقين فلا والله لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا فان كتبه اعلي الله مقامه مستنبطة من القرآن و من سنة محمد صلي الله عليه و آله و من احاديث آله عليهم السلام و ليس يقدر علي مثلها من كان منحطا عن درجته اعلي الله مقامه و هو اوحدي الزمان بل لا والله لايقدرون علي ان يأتوا بمثل ورقة من كتابه بل و لا صفحة مع انه لميأت بها علي سبيل الاعجاز فاذ لميأتوا بمثل صفحة من كتاب رجل واحد من [ص 135] امة محمد صلي الله عليه كيف يظنون انه يمكن ان يؤتي بمثل كتاب محمد صلي الله عليه و آله و قد اتي به علي سبيل الاعجاز ، غاية الامر انهم لايدركون وجه اعجازه فليعارضوه بما يقدرون عليه باي لسان هم مسلطون عليه حتي يظهر عوارهم هيهات هيهات لايفعلون و لنيفعلوا ابدا ابدا و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و الساعين في اطفاء نورهم اجمعين و لنختم هذا الكتاب بذكر بعض الاحاديث ليكون ختامه مسكا .
الباب السادسعشر - ففي البحار من الكافي بسنده عن ابييعقوب البغدادي قال قال ابنالسكيت لابيالحسن عليه السلام لماذا بعث الله موسي بن عمران بالعصاء و يده البيضاء و آلة السحر و بعث عيسي بآلة الطب و بعث محمدا صلي الله عليه و آله و علي جميع الانبياء بالكلام و الخطب فقال ابوالحسن عليه السلام ان الله لما بعث موسي عليه السلام كان الغالب علي اهل عصره السحر فاتاهم من عند الله بما لميكن في وسعهم مثله و ما ابطل به سحرهم و اثبت به الحجة عليهم و ان الله بعث عيسي عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات و احتاج الناس فاتاهم من عند الله بما لميكن عندهم مثله و بما احيي لهم الموتي و ابرأ الاكمه و الابرص باذن الله و اثبت به الحجة عليهم و ان الله بعث محمدا صلي الله عليه و آله في وقت كان الغالب علي اهل عصره الخطب و الكلام و اظنه قال الشعر فآتاهم من عند الله من مواعظه و احكامه ما ابطل به قولهم و اثبت به الحجة عليهم قال ابنالسكيت تالله مارأيت مثلك قط و من العيون بسنده عن محمد بن موسي الرازي عن ابيه قال ذكر الرضا عليه السلام [ص 136] يوما القرآن فعظم الحجة فيه و الدلالة المعجزة في نظمه فقال هو حبل الله المتين و عروته الوثقي و طريقته المثلي المؤدي الي الجنة و المنجي من النار لايخلق من الازمنة و لايغث علي الالسنة لانه لميجعل لزمان دون زمان بل جعل دليل البرهان و حجة علي كل انسان لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد و عن ابرهيم بن العباس عن الرضا عليه السلام عن ابيه عليه السلام ان رجلا سأل اباعبدالله عليه السلام ما بال القرآن لايزداد علي النشر و الدرس الا غضاضة فقال لان الله تبارك و تعالي لميجعله لزمان دون زمان و لا لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد و عند كل قوم غض الي يوم القيمة و من الخرائج روي ان ابن ابيالعوجاء و ثلثة نفر من الدهرية اتفقوا علي ان يعارض كل واحد منهم ربع القرآن و كانوا بمكة عاهدوا علي ان يجيئوا بمعارضته في العام القابل فلما حال الحول و اجتمعوا في مقام ابرهيم ايضا قال احدهم اني لما رأيت قوله و قيل يا ارض ابلعي ماءك و يا سماء اقلعي و غيض الماء كففت عن المعارضة و قال الآخر و كذا انا لما وجدت قوله فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا آيست عن المعارضة و كانوا يسرون بذلك اذ مر عليهم الصادق عليه السلام فالتفت اليهم و قرأ عليهم قل لئن اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله فبهتوا و من تفسير الامام عليه السلام و ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا الي قوله تعالي اعدت للكافرين قال العالم موسي بن جعفر عليه السلام فلما ضرب الله الامثال للكافرين الي ان قال قال الله لمردة اهل مكة و عتاة المدينة و ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا حتي تجحدوا ان يكون محمدا رسول الله و ان يكون هذا المنزل عليه كلامي [ص 137] مع اظهاري عليه بمكة الباهرات من الآيات كالغمامة التي كانت تظله في اسفاره و الجمادات التي كانت تسلم عليه من الجبال و الصخور و الاحجار و الاشجار و كدفاعه قاصديه بالقتل عنه و قتله اياهم و كالشجرتين المتباعدتين اللتين تلاصقتا فقعد خلفهما لحاجته ثم تراجعهما الي امكنتهما كما كانتا و كدعائه الشجرة فجائته مجيبة خاضعة ذليلة ثم امره لها بالرجوع فرجعت سامعة مطيعة فأتوا يا معاشر قريش و اليهود و يا معشر النواصب المنتحلين بالاسلام الذين هم منه برءاء و يا معشر العرب الفصحاء البلغاء ذوي الالسن بسورة من مثله من مثل محمد من مثل رجل منكم لايقرء و لايكتب و لميدرس كتابا و لااختلف الي عالم و لاتعلم من احد و انتم تعرفونه في اسفاره و حضره بقي كذلك اربعين سنة ثم اوتي جوامع العلم حتي علم علم الاولين و الآخرين فان كنتم في ريب من هذه الآيات فأتوا من مثل هذا الرجل بمثل هذا الكلام ليتبين انه كاذب كما تزعمون لانه كلما كان من عند غير الله فسيوجد له نظير في سائر خلق الله و ان كنتم معاشر قراء الكتب من اليهود و النصاري في شك مما جاءكم به محمد من شرائعه و من نصبه اخاه سيد الوصيين وصيا بعد ان قد اظهر لكم معجزاته التي منها ان كلمه الذراع المسمومة و ناطقه ذئب و حن اليه العود و هو علي المنبر و دفع الله عنه السم الذي دسته اليهود في طعامهم و قلب عليهم البلاء و اهلكهم به و كثر القليل من الطعام فأتوا بسورة من مثله يعني من مثل هذا القرآن من التورية و الانجيل و الزبور و صحف ابرهيم و الكتب الاربعةعشر فانكم لاتجدون في سائر كتب الله سورة كسورة من هذا القرآن و كيف يكون كلام محمد المتقول افضل من سائر كلام الله و كتبه يا معشر اليهود و النصاري ثم قال لجماعتهم [ص 138] و ادعوا شهداءكم من دون الله ادعوا اصنامكم التي تعبدونها ايها المشركون و ادعوا شياطينكم يا ايها اليهود و النصاري و ادعوا قرناءكم من الملحدين يا منافقي المسلمين من النصاب لآلمحمد الطيبين و سائر اعوانكم علي آرائكم ان كنتم صادقين بان محمدا تقول هذا القرآن من تلقاء نفسه لمينزله الله عليه و ان ما ذكره من فضل علي علي جميع امته و قلده سياستهم ليس بامر احكم الحاكمين ، ثم قال عز و جل فان لمتفعلوا اي لمتأتوا يا ايها المقرعون بحجة رب العالمين و لنتفعلوا اي و لايكون هذا منكم ابدا فاتقوا النار التي وقودها حطبها الناس و الحجارة توقد تكون عذابا علي اهلها اعدت للكافرين المكذبين لكلامه و نبيه الناصبين العداوة لوليه و وصيه قال فاعلموا بعجزكم عن ذلك انه من قبل الله تعالي و لو كان من قبل المخلوقين لقدرتم علي معارضته فلما عجزوا بعد التقريع و التحدي قال الله عز و جل قل لئن اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرءان لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا و قال علي بن الحسين عليهما السلام قوله عز و جل و ان كنتم ايها المشركون و اليهود و سائر النواصب من المكذبين لمحمد في القرآن في تفضيله عليا اخاه المبرز علي الفاضلين الفاضل علي المجاهدين الذي لا نظير له في نصرة المتقين و قمع الفاسقين و اهلاك الكافرين و بث دين الله في العالمين ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا في ابطال عبادة الاوثان من دون الله و في النهي عن موالاة اعداء الله و معاداة اولياء الله و في الحث علي الانقياد لاخي رسول الله و اتخاذه اماما و اعتقاده فاضلا راجحا لايقبل الله عز و جل ايمانا و لا طاعة الا بموالاته و تظنون ان محمدا تقوله من عنده و تنسبه الي ربه فأتوا بسورة من مثله من مثل [ص 139] محمد امي لميختلف قط الي اصحاب كتب و علم و لاتلمذ لاحد و لاتعلم منه و هو من قد عرفتموه في حضره و سفره لميفارقكم قط الي بلد ليس معه منكم جماعة يراعون احواله و يعرفون اخباره ثم جاءكم بعد بهذا الكتاب المشتمل علي هذه العجائب فان كان متقولا له كما تزعمون فانتم الفصحاء و البلغاء و الشعراء و الادباء الذين لا نظير لكم في سائر الاديان و من سائر الامم فان كان كاذبا فاللغة لغتكم و جنسه جنسكم و طبعه طبعكم و سيتفق لجماعتكم او لبعضكم معارضة كلامه هذا بافضل منه او مثله لان ما كان من قبل البشر لا عن الله فلايجوز ان لايكون في البشر من يتمكن من مثله فأتوا بذلك لتعرفوه و سائر النظار اليكم في احوالكم انه مبطل كاذب علي الله و ادعوا شهداءكم من دون الله الذين يشهدون بزعمكم انكم محقون و ان ما تجيئون به نظير لما جاء به محمد و شهداؤكم الذين تزعمون انهم شهداؤكم عند رب العالمين لعبادتكم لها و تشفع لكم اليه ان كنتم صادقين في قولكم ان محمدا تقوله ، ثم قال الله عز و جل فان لمتفعلوا هذا الذي تحديتكم به و لنتفعلوا اي لايكون ذلك منكم و لاتقدرون عليه فاعلموا انكم مبطلون و ان محمدا الصادق الامين المخصوص برسالة رب العالمين المؤيد بالروح الامين و باخيه اميرالمؤمنين و سيد الوصيين فصدقوه فيما يخبر به عن الله من اوامره و نواهيه و فيما يذكره من فضل علي وصيه و اخيه و اتقوا بذلك عذاب النار التي وقودها حطبها الناس و الحجارة حجارة الكبريت اشد الاشياء حرا اعدت تلك النار للكافرين بمحمد و الشاكين في نبوته و الدافعين لحق علي اخيه و الجاحدين لامامته و من تفسير الامام عليه السلام ايضا الم ذلك الكتاب لا ريب فيه قال الامام عليه السلام كذبت قريش و اليهود [ص 140] بالقرآن و قالوا سحر مبين تقوله فقال الله عز و جل الم ذلك الكتاب يا محمد هذا الكتاب الذي انزلته عليك و هو بالحروف المقطعة التي منها الف و لام و ميم و هو بلغتكم و حروف هجائكم فأتوا بمثله ان كنتم صادقين و استعينوا علي ذلك بسائر شهدائكم ثم بين انهم لايقدرون عليه بقوله قل لئن اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرءان لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، ثم قال الله تعالي الم هو القرآن الذي افتتح بالم هو ذلك الكتاب الذي اخبرت به موسي و من بعده من الانبياء و اخبروا بنياسرائيل اني سانزله عليك يا محمد كتابا عربيا عزيزا لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد لا ريب فيه لا شك فيه لظهوره عندهم كما اخبرهم انبياؤهم ان محمدا ينزل عليه كتاب لايمحوه الماء يقراؤه هو و امته علي سائر احوالهم الخبر ، قال المجلسي رحمه الله بعد ذلك في بيان اعجاز القرآن و وجهه زائدا علي ما تقدم و هو انه صلي الله عليه و آله تحدي بالقرآن و دعا الي الاتيان بسورة مثله مصاقع البلغاء و الفصحاء من العرب العرباء مع كثرتهم كثرة رمال الدهناء و حصي البطحاء و شهرتهم بغاية العصبية و حمية الجاهلية و تهالكهم علي المباهاة و المباراة و الدفاع عن الاحساب و ركوب الشطط في هذا الباب فعجزوا حتي آثروا المقارعة علي المعارضة و بذلوا المهج و الارواح دون المدافعة فلو قدروا علي المعارضة لعارضوا و لو عارضوا لنقل الينا لتوفر الداعي و عدم الصارف و العلم بجميع ذلك قطعي كسائر العاديات لايقدح فيه احتمال انهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها او عارضوا و لمينقل الينا لمانع كعدم المبالاة و قلة الالتفات و الاشتغال بالمهمات الي آخر كلامه اقول لولا التقرير لكان جميع هذه الادلة كرماد [ص 141] اشتدت به الريح في يوم عاصف لايقدرون منه علي شئ ، هب اي دلالة في عجز العرب علي كون القرآن معجزة فوق حد البشر منذ عصر آدم الي يوم القيمة و فوق حد الجن كذلك و لم لايضر الاحتمال اذا كان قويا و ما ضعف هذا الاحتمال لولا التمسك بالتقرير و هل هذه الادلة علي اثبات المدعي الا ظنية لاتغني من الحق شيئا بالجملة لعمري هذه الادلة التي يتمسك القوم بها لو جاز نبي بعد نبينا صلي الله عليه و آله و جاء احد و ادعي النبوة و استدل علي نبوته بهذه الادلة لماآمن به احد من هذه العلماء و لا من عوام عصرنا فان هذه الادلة اوهن من بيت العنكبوت مع انه من اوهن البيوت و لذلك لايقر بها احد من الخارجين عن المذهب و لكن اهل الاسلام تولدوا في الاسلام و نشوا عليه و اطمأنوا به فلما سئلوا عن الدليل قاموا يستدلون بهذه الادلة و يتكلفون في كونها دليلا مفيدا للقطع و هي كما تري و لو تدبرت في ادلة الناس و آرائهم لصدقت عن معرفة انه من لدن آدم الي يومنا هذا و الي يوم القيمة لولا دليل التقرير لميتم دليل ابدا الا قليل بل و لا القليل و لايمكن القطع بشئ غير المحسوسات و البديهيات الا به فلمثل هذا فليعمل العاملون و اياه فليطلب الطالبون و عنه فليبحث الباحثون فانه منار هدي لايخفي نوره و نجم اهتداء لايستتر ظهوره فيا معشر الاخوان و جماعة الخلان عليكم بهذا الدليل في آخر الزمان و البحث عنه في كل آن اذ به يعرف صفات الله المنان و به يثبت نبوة نبي الانس و الجان و به يظهر ولاية آلمحمد عليهم السلام لمن له عينان و به يثبت مقامات شيعتهم في كل عصر و اوان و به يثبت جميع الشرائع و فروع الايمان من عرفه و ثبت عليه لميشق و من جهله لميفز بشئ من اليقين الا ان يشاء الله فلما بلغ الكلام هنا و رأيت [ص 142] انه قد جري علي لسان القلم ما يكتفي به المكتفي و يهتدي به المهتدي و عرف الحق من الباطل و المحلي من العاطل و رأيت ان لي اشغالا عديدة و بيدي كتب سديدة كان قلبي مشغولا باتمامها رأيت ان اختم هذا الكتاب هيهنا فوقع الفراغ من تصنيفه في ضحوة يوم السبت الرابع من شهر ذيالقعدة من شهور سنة ثلث و سبعين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا .
تمت .