الباب السابع - و منهم من قال ان وجه اعجاز القرآن من حيث كانت معانيه [ص 78] صحيحة مستمرة علي النظر موافقه للعقل و ما اوهن هذا الوجه ، اليس جميع كلمات العلماء او كثير منها معانيها صحيحة موافقه للعقل فاذا امكن مثلها و ماعجز الانس و الجن عن الاتيان بمثلها و يسع الناس ان يأتوا ببعض احاديث الانبياء و الاولياء و يقولوا هذا مثل القرآن فان معانيها صحيحة و لم‌يتحد النبي صلي الله عليه و آله ان يأتوا بمؤلف منهم بل من اي شخص كان من المتقدمين و المتأخرين بل اليس يسع احدا من العلماء بل و غيرهم ان يأتوا بعبارة بقدر سورة الكوثر تكون صحيح المعني في التوحيد او فضل احد من الانبياء او في شئ من قصصهم او في شئ من خلق السماء و الارض و العبارة التي يقول هذا المدعي في بيان مطلبه هذا ان كان صحيح المعني فقد اتي بمثل القرآن اذاً و ان كان باطلا فيكون اختياره في هذا الباب باطلا و لو قال اعجازه انه يشتمل علي علم ما كان و ما يكون مع صغر حجمه و يعلم صدق مدعاه بتصديق الله الذي ماكذبه و قد ادعي ذلك بمرءي منه و مسمع لكان صحيحا مطاعا كما سنذكره .

الباب الثامن - و منهم من قال ان وجه اعجاز القرآن من حيث زال عنه الاختلال و التناقض علي وجه لايجري العادة بمثله و قد اراد هذا القائل ان يستنبط الوجه من قوله تعالي لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و مااصاب المعني و لاعرف المراد ، الايوجد في الدنيا من مبدئها الي منتهاها كلام بقدر سورة الكوثر ليس فيه اختلال و تناقض فان قيل لايوجد فقد قيل شططا و ان قيل يوجد فقد حصل مثله في العالم فكيف لم‌يجر العادة بمثله ، و ايضا كلام هذا القائل ان كان مختلا متناقضا فلا حجة فيه و ان كان بلا اختلاف و تناقض فقد اتي اذا بمثل سورة من القرآن .

[ص 79] و عن الرازي ذكروا في تفسير سلامته من الاختلاف ثلثة اوجه : حاصلها الاول قال ابوبكر الاصم ان النبي صلي الله عليه و آله كان يخبر المنافقين حالا بعد حال عن سرائر امورهم فقال الله لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا يعني في الاخبار عن السرائر ، الثاني و هو مذهب اكثر المتكلمين ان القرآن كتاب كبير مشتمل علي انواع العلوم فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، الثالث ما ذكره ابومسلم الاصفهاني ان المراد الاختلاف في رتبة الفصاحة فان الانسان و ان كان في غاية البلاغة اذا كتب كتابا كبيرا لا بد و ان يظهر التفاوت في كلامه ، اقول كل هذه ليس بشئ فان النبي صلي الله عليه و آله تحدي الناس باتيان سورة و اقصرها الكوثر ، اليس يمكن لانسان ان يأتي بسورة بقدر الكوثر و يكون خاليا عن الاختلاف في خبر فيه او في معني علمي يشتمل عليه او في فصاحته فتبين ان اقوالهم في معني الآية ليست بشئ و اما المراد من الآية فهو انه لو كان القرآن مفتري علي الله سبحانه لكان يستحق من الله الابطال و ان يضربه الله بالاختلاف و الاختلال الكثير حتي يعلم كل ناظر انه باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و انه لايكون تنزيلا من الله العزيز الحميد و ذلك لما قدمنا من سر التسديد فلو كان القرآن من عند غير الله لكان نعوذ بالله مفتري و المفتري به كافر منافق مشرك ظالم بعيد من الله مبدء كل خير و نور و وحدة و اتساق و كمال و صحة و دوام و ثبات و كان يستحق بذلك اضداد ذلك فكان يضربه الله باضداد ذلك فكانوا يجدون فيه اختلافا كثيرا كما ارانا الله آية ذلك في عصرنا من خروج رجل متلبس خرج اولا بانه نقيب ثم ادعي الامامة ثم النبوة ثم الالوهية و اتي بكتاب زعم انه افضل من القرآن و ان الجن [ص 80] و الانس لو اجتمعوا لم‌يأتوا بمثله و انه في مقام النقطة و محمد صلي الله عليه و آله في مقام الالف علي ما حكي عنه و ضربه الله بالاختلاف الكثير في كتابه و اقواله و افعاله و ابان عن جهله و خرج كتابه باغلاط و اختلاف كثير و لو صنف رجل كتابا علي نظمه و لم‌يدع انه من عند الله لكان يأتي به خاليا من الاغلاط الظاهرة اقلا و لعله خلي من الاغلاط الباطنة ايضا فان العلماء دائما يكتبون الكتب و هي خالية من الاغلاط و ان وجد فيها سهو فقليل و ان الله سبحانه ضرب ذلك الرجل باختلافات و اغلاط لاتكاد تحصي و ذلك لاجل انه نسب نفسه الي الله و ادعي ان كتابه وحي و تنزيل ففضحه الله علي رؤس الاشهاد و بين عواره و خطاءه بالجملة معني الآية ان القرآن لو كان من عند غير الله لكان مفتري و المفتري به مفسدا و ان الله لايصلح عمل المفسدين و يحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل فلكان يضربه الله بعلامات البطلان و الفساد و منها الاختلاف و الاختلال فالقرآن حينئذ ليس هكذا بل هو كتاب لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه يدعو الي الله و الي تصديق كتبه و رسله و البر و العمل الصالح و ليس فيه اختلاف و مايري فيه من الاختلاف فلاجل انه كتاب علم و كتاب عالم و فيه مشكلات و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ و عام و خاص و ليس ادراكه مشرعة كل خائض كما ذكر الزنادقة بعض اختلافاته و اجاب الائمة عليهم السلام و العلماء منها فالقرآن بعدم اختلافه علم انه من عند الله و ليس معني ان كل كتاب ليس بتنزيل الله و كان من تصنيف البشر وجب ان يكون فيه اختلاف كثير ، اليس يوجد في الدنيا كلام متعارف بقدر سورة الكوثر ليس فيه اختلاف و تناقض فلو اتي بكلام بقدر سورة الكوثر و ادعي انه من الله و اراد الافتراء علي الله لكان علي الله ان يمده من حيث [ص 81] استمد و ان يبعده كما ادبر و يضربه بعلامات الباطل و الاغلاط و النقائص و الاختلافات حتي يتبين انه ليس بتنزيل عليم حكيم قادر ، و معني آخر للآية ان يراد بالاختلاف التردد و المراد ان القرآن لو كان من عند غير الله لكان مشرعة لافهام كثيرة مثل سائر كتب البشر فانها تكون مشرعة امثالهم و يردها افهام كثيرة فلو كان القرآن من عند البشر لاحاط امثال مصنفه بمعانيه خبرا و الحال ان القرآن لايعلم تأويله الا الله و الرسول المتعلم من الله و الراسخون المتعلمون من الرسول و ليس حظ غيرهم .

الباب التاسع - و منهم من قال وجه اعجازه انه يتضمن الاخبار عن الغيوب و هذا القول منهم كالصريح في ان مثله في الفصاحة و البلاغة و النظم ممكن الا ان اعجازه لانه يتضمن الاخبار عن الغيوب فاذا الاخبار عن الغيوب معجز اينما حصل فلا دخل للقرآن في الاعجاز فمن اخبر عن غيب فقد اتي بمثل القرآن ، بالجملة هذا القول ساقط في الاقوال و ان كان من وجوه اعجاز القرآن انه اخبر فيه بالغيب .

الباب العاشر - و منهم من قال وجه اعجازه ان تأليف القرآن و نظمه معجزان لان الله تعالي اعجز عنهما بمنع خلقه و قد كان يجوز ان يرتفع فيقدرون عليه لكن محال وقوعه منهم الي آخر اقوالهم و هذا كالقول الاول في الفساد فلو تدبرت في هذه الاقوال لرأيت اكثرها قولا بانه يمكن للخلق ان يتكلموا بفصاحة مثل فصاحة القرآن ، بالجملة هذا القول ايضا كالقول بالصرفة و قد مر الكلام فيها و ذلك مبلغهم من العلم .

و عن النيشابوري في تفسيره انه قد ذكر في كون القرآن معجزا طريقين : الاول اما ان يكون مساويا لكلام [ص 82] سائر الفصحاء او زائدا عليه بما لاينقض العادة او بما نقضها و الاولان باطلان لانهم مع كونهم ائمة الفصاحة تحدوا بسورة منه مجتمعين او منفردين ثم لم‌يأتوا بها مع انهم كانوا متهالكين في ابطال امره حتي بذلوا النفوس و الاموال و ارتكبوا المخاوف و المحن و كانوا في الحمية و الانفة الي حد لايقبلون الحق كيف الباطل فيتعين القسم الثالث . الثاني ان يقال ان بلغت السورة المتحدي بها في الفصاحة الي حد الاعجاز فقد حصل المقصود و الا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم الي توهين امره معجز فعلي التقديرين يحصل الاعجاز فان قيل و ما يدريك انه لن‌يعارض في مستقبل الزمان و ان لم‌يعارض الي الآن قلت لانه لا احتياج الي المعارضة اشد من وقت التحدي و الا لزم تقرير المشبه للحق و حيث لم‌يقع المعارضة وقتئذ علم ان لا معارضة و الي هذا اشار سبحانه بقوله و لن‌تفعلوا و اعلم ان شأن الاعجاز لايدرك وصفه و من فسر الاعجاز بانه صرف الله تعالي البشر عن معارضته او بانه هو كون اسلوبه مخالفا لاساليب الكلام او بانه هو كونه مبرءا عن التناقض او بكونه مشتملا علي الاخبار بالغيوب و بما ينخرط في سلك هذه الآراء فقد كذب ابن اخت خالته فانا نقطع ان الاستغراب من سماع القرآن انما هو من اسلوبه و نظمه المؤثر في القلوب تأثيرا لايمكن انكاره لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد . ثم انه اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة و مع ذلك فانه بلغ في الفصاحة النهاية فدل ذلك علي كونه معجزا ، منها ان فصاحة العرب اكثرها في وصف المشاهدات كبعير او فرس او جارية او ملك او ضربة او طعنة او وصف حرب و ليس في القرآن من هذه الاشياء [ص 83] مقدار كثير و منها انه تعالي راعي طريق الصدق و تبرأ عن الكذب و قد قيل ان احسن الشعر اكذبه و لهذا فان لبيد بن ربيعة و حسان بن ثابت لما اسلما و تركا سبيل الكذب و التخيل رك شعرهما و منها ان الكلام الفصيح و الشعر الفصيح انما يتفق في بيت او بيتين من قصيدة و القرآن كله فصيح بكل جزء منه و منها ان الشاعر الفصيح اذا كرر كلامه لم‌يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الاول و كل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة و غاية الملاحة ،

اعد ذكر نعمان لنا ان ذكره هو المسك ما كررته يتضوع

و منها انه اقتصر علي ايجاب العبادات و تحريم المنكرات و الحث علي مكارم الاخلاق و الزهد في الدنيا و الاقبال في الآخره و لايخفي ضيق عطن البلاغة في هذه المواد و منها انهم قالوا ان شعر امرئ‌القيس يحسن في وصف النساء و صفة الخيل و شعر النابغة عند الحرب و شعر الاعشي عند الطرب و وصف الخمر و شعر زهير عند الرغبة و الرجاء و القرآن جاء فصيحا في كل فن من فنون الكلام و منها ان القرآن اصل العلوم كلها كعلم الكلام و علم الاصول و علم الفقه و اللغة و الصرف و النحو و المعاني و البيان و علم الاحوال و علم الاخلاق و ما شئت . و اما قوله فان لم‌تفعلوا و لن‌تفعلوا فانه يدل علي اعجاز القرآن و صحة نبوة محمد صلي الله عليه و آله من وجوه : احدها انا نعلم بالتواتر ان العرب كانوا يعادونه اشد المعاداة و يتهالكون في ابطال امره و فراق الاوطان و العشيرة و بذل النفوس و المهج منهم من اقوي ما يدل علي ذلك فاذا انضاف اليه مثل هذا التقريع و هو قوله فان لم‌تفعلوا و لن‌تفعلوا فلو امكنهم الاتيان بمثله لاتوا به و حيث لم‌يأتوا به ظهر كونه معجزا و ثانيها انه صلي الله عليه [ص 84] و آله ان كان متهما عندهم فيما يتعلق بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل فلو خاف عاقبة امره لتهمة فيه حاشاه عن ذلك لم‌يبالغ في التحدي الي هذه الغاية و ثالثها ان لم‌يكن قاطعا بنبوته لكان يجوز خلافه و بتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه فالمبطل المزور لايقطع في الكلام قطعا و حيث جزم دل علي صدقه ، و رابعها ان قوله و لن‌تفعلوا و في لن تأكيد بليغ في نفي المستقبل الي يوم القيمة اخبار بالغيب و قد وقع كما قال لان احدا لو عارضه لامتنع ان لايتواصفه الناس و يتناقلوه عادة لاسيما و الطاعنون فيه اكثف عددا من الذابين عنه و اذا لم‌تقع المعارضة الي الآن حصل الجزم بانها لاتقع ابدا لاستقرار الاسلام و قلة شوكة الطاعنين انتهي .

و لعمري انه كلام منحل الزمام مختل النظام متناقض مختلف يخالف بعضه بعضا و العمر اعز من ان نصرفه في اظهار عيوب كلمات الناس و انما ذكرت ذلك لتحيط بافهام الناس و اقوالهم و آرائهم و مقادير افهام السابقين و اس امورهم و لما فيه من بعض المدح للقرآن و ليس يفهم شئ منه اعجاز القرآن و خروجه عن حد البشر و الجن من الاولين و الآخرين و ليس يدل عجز العرب علي اعجاز القرآن الا علي ما ذكرنا و سنذكره و انما يدل عجزهم علي قصور درجتهم و عجزهم لا غير و اما انه ليس في المغرب و المشرق و لم‌يكن من عهد آدم عليه السلام الي يومه و لايكون الي يوم القيمة من يأتي بمثله بدليل عجز العرب فلا و رب الكعبة الا من حيث ذكرنا و نذكره ، و هذه جملة من الاقوال و الانظار و الخيالات و الافكار من العلماء اطلعنا عليها ذكرناها لتحيط بها علما و قد حان لنا ان نذكر ما عندنا و ان كنا ذكرنا شطرا منه .

الباب الحادي‌عشر - اعلم انه لا شك و لا ريب في ان الله سبحانه سميع يسمع [ص 85] جميع اقوال صنوف خلقه بصير بظواهرهم و بواطنهم عليم بشهاداتهم و غيوبهم حكيم في صنعه و ايجاده لايلغي و لايعبث و خلق الخلق لغاية تصل اليهم لغناه المطلق و تلك الغاية الوصول الي الحيوة الابدية و النعيم السرمدي و الهيمنة و الاستيلاء و آية الربوبية علي جميع ما هو دونه فجعل هذه القوة فيهم و الا لم‌يصلوا اليها و احتاجوا الي من يخرج تلك القوة من كمونهم الي شهودهم و يجعلها بالفعل كما جعل قوة الكون و العين في الامكان و استخرجها بوجود كامل مكمل قوي و هو المشية الكونية فكذلك لما خلقهم صالحين لان ينالوا تلك الغاية كانوا امكانها و احتاجوا الي وجود كامل مكمل قوي يرجح تلك القوة الكامنة و يخرجها الي عرصة الفعلية و هو المشية الشرعية و هو وجود الانبياء و الاولياء فلولاهم لم‌يخرج قوة سعادة من كمون احد من الخلق لضعفها بل كونها معدوما بالنسبة الي الفعلية فبعث الرسل و انزل الكتب و شرع الشرائع و سن السنن و هيأ لهم اسباب اخراج تلك القوة و تلك الرسل لما كانوا مشية الله الشرعية و الوجود الكامل المكمل و الشرع هو غاية الكون و مقدم عليه و ان تأخر ظهورا و كانوا هم الواسطة بين الله و بين خلقه و اقرب الخلق الي الله و لهم جهة الي ربهم و جهة الي الخلق وجب ان يصدر عنهم افعال ربوبية و افعال الربوبية يعجز عنها البشر و الخلق لامحة و يصدر عنهم افعال عبودية لوجود جهة الي انفسهم و الي الخلق و تلك الافعال اي افعال الربوبية بينة علي وجود جهة الربوبية فيهم بالفعل كما ان افعال العبودية منهم بينة علي وجود جهة العبودية فيهم بالفعل فهم يشتركون سائر الخلق في افعال العبودية و يفارقونهم في افعال الربوبية فهم من حيث الرب اصحاب معجزات كل منهم علي حسبه و من حيث النفس اصحاب [ص 86] عبودية و من حكمته جعل سبحانه لكل شئ في ملكه اثرا لانه لو لم‌يلق مثال مشيته في هوية القوابل الامكانية لم‌تكوّن و ان القي انصبغ فيها علي حسبها و خرج عنها كما هي فجعل لاجل ذلك لكل شئ اثرا فالشيئان لهما اثران لامحة فان قل امتيازهما قل امتياز اثرهما و ان كثر امتيازهما كثر امتياز اثريهما البتة حتي اذا قاما علي طرفي النقاضة باين اثراهما مباينة تامة لانهما لايجتمعان في صفة فلايجتمع اثراهما ايضا في صفة فلايكاد يشتبه اثر احد النقيضين بالآخر كما لايشتبه النقيضان البتة فلايستوي الاعمي و البصير و لا الظلمات و لا النور و لا الظل و لا الحرور و لا الاحياء و لا الاموات و لا الذين يعلمون و الذين لايعلمون و لا العاقل و المجنون و لا المؤمنون و الفاسقون ابدا ابدا و كما تباين ذواتهم تباين صفاتهم و افعالهم و آثارهم قد الزم الله كلا من الفريقين عمله و كل انسان الزمناه طائره في عنقه قل انما طائركم معكم فالانبياء هم اقرب الخلق الي الله و هم اهل الحق كلامهم نور و امرهم رشد و وصيتهم التقوي و فعلهم الكرم و عادتهم الاحسان و سجيتهم الخير و فعلهم البر و قولهم الصدق عليهم وقار الحق و سكينة من الرب فالنبي عامل بالجد مجتنب عن الهزل زاهد عابد عامل بما يأمر منته عما ينهي بكاء ذو كآبة و حزن قائم الليل صائم النهار يتناثر العلم من جوانبه و يتشعشع الحق من محياه و اما اهل الباطل فهم ابعد الخلق عن الله و اجهلهم بالله و بكتبه و برسله و هم فساق فجار ذووا غدر و مكر و ذووا نزق و خرق حرصاء في الدنيا غير راغبين في الطاعة يتناثر الجهل من جوانبهم و يظهر الحمق من فحاوي كلامهم يعجزون عن اكثر الصواب و يستعينون بالاصحاب قهرا و يستعلمونهم و يستقيلونهم يكثرون العثار و اقبح الاعتذار يتخذون [ص 87] لانفسهم ولائج يطلعونهم علي سريرتهم فلايشتبهان ابدا ابدا و لعمري دعوي الاشتباه من اعظم الاباطيل و الاضاليل و ان هو الا تهاون بالحق و تدبير في الفرار عنه و جميع هذه الآثار من الفريقين بالزام الله كل قوم اثرهم و جعله لكل شئ اثرا و قل الله خالق كل شئ و الله خلقكم و ما تعملون فالله سبحانه لايدع اهل حق الا و يظهر علامة صدقه في اي درجة كانوا نبيا او وصي نبي او مؤمنا بل لايدع شيئا حقا الا و يجعل له علامات و آثارا دالة علي كونه حقا و لايدع اهل باطل بل و لا شئ باطل الا و يظهر علامة كذبه و خطائه و انقطاعه عن الله في اي درجة كان عدو نبي او عدو وصي او عدو مؤمن او شئ باطل كائنا ما كان بالغا ما بلغ فلايستوي الظلمات و لا النور ابدا و كل باطل من الظلمات و كل حق من النور فاني يشتبهان و الله من بديع حكمته الزم كل شئ اثره لايقدر علي مفارقته و ان كان في بعض الناس خلط عرضي نوراني و ظهر منهم آثار نورية فانما لهم ذوات ظلمانية و لها آثار ظلمانية و الذاتي يغلب العرضي البتة و لايبقي آثار خلطه العرضي خالصا و تكون ممتزجة بظلمات ذاتيته مع غلبة ظلمات ذاتيته و هيهنا يفتتن من يفتتن و يمتحن من يمتحن الا ان الامتحان هذا يكون في درجة المؤمنين و اضدادهم و اما الانبياء فهم خالصون عن الاعراض المشبهة و كذا اعداؤهم خالصون عن الاعراض المشبهة و انما الداء العضال في مقام المؤمنين و سائر الاشياء و الاخبار و الاحكام الحقة و الباطلة فهنالك يهلك من يهلك عن مستمسك و ينجو من نجي عن مستمسك بالجملة ان الغرض ان الله سبحانه الزم كل شئ اثره فالزم المعجز و صاحبه الذي هو من عنده اثره و الشعوذة و السحر و الحيلة و اصحابها آثارها و علي الله سبحانه ابطال [ص 88] الباطل و احقاق الحق و اما الخلق الضعيف فما علمهم بحقيقة الاعجاز و السحر و الشعوذة و الحيلة و ما علمهم بصنوف علوم العالم و عجائب الخلق و الخواص و الغرائب و ما علمهم بانه لا احد في اقصي بلاد العالم و ابعد جزائره من البشر يقدر علي ذلك و كيف يمكن من رأي الآثار العجيبة من الخلق و من الاشياء ان يتيقن ان ذلك من النبي معجزة و ان العلماء المستدلين ببعض الادلة القائلين ببعض الاقوال غافلون عن صنوف علوم العالم و آثارها و غرائب اعمالها بحيث يتحير الالباب في معناها و غافلون عن مبالغ خواص الرياضات و آثارها و عن منتهي ترقيات النفوس و استيلائها علي عالم الاجسام و لذلك ينقل اتباع كل مرتاض و مرشد من متبوعه انواع اشباه خوارق العادات فان بنينا ان نكذب امة من الناس يحكون عن مرشدهم شيئا لاتسع الخرق و لجاز تكذيب المسلمين في رواياتهم و نقلهم المعجزات بل يحصل القطع من تواترهم كما يحصل القطع من تواتر المسلمين و لكن العلماء معذورون لعدم احاطتهم بالعلوم الغريبة و آثارها و عجائبها و عدم اطلاعهم بالحيل و الشعوذات و لرب شئ لو رأوها لظنوا انها معجزة لولا حفظ الله بالجملة العاقل الفطن الذي طالع كتب اهل الملل و سيرهم و رواياتهم و اطلع علي العلوم و التدبيرات و لو اجمالا يشك في كل ما رأي فان الشيطان لم‌يدع صورة حق في جانب الحق و عليين الا و قد نسج علي منواله صورة باطل في جانب الباطل و سجين فيمكن لاهل الباطل ان يأتوا بمثل كل صورة حق الا ان الله المطلع علي الحقائق الملزم كل شئ اثره هو الذي تكفل اظهار ذلك و عليه بيانه و تعريفه و تمييز الحق من الباطل و اظهار اثر كل واحد بحيث يعرف كل من نظر و ابصر و طلب [ص 89] الحق و تفكر الحق من الباطل و المحلي من العاطل و ذلك حتم في الحكمة لايتخلف و لو تخلف لبطل الاحتجاج و سوي الباطل بالحق و اني لااقدر ان اذكر صنوف عجايب اهل الباطل الي اين وصل حدهم و الي اين بلغ مقامهم و ان الرجل منهم علي ما قيل بلغ في باطله و رقيه و عزائمه مقاما يصب الماء علي يديه و يسقيه المحموم فيبرأ و يرسل الي الجراد ان ارجعي فترجع و قيل و العهدة علي الراوي ان رجلا كان يعد ان يأتي القوم لثلث ساعات مضت من الليل فيتأخر عمدا الي الخمس فيعاتبونه علي خلفه الوعد فيقول ما خالفت وعدي اخرجوا مقاديركم فيخرجون مأة مقدار صحيح العمل كلها علي ثلث و يري عساكر في الهواء و يخرج في دقيقة واحدة من جميع ابواب البلد فيأتي الخبر من جميع الابواب ان فلانا خرج في الدقيقة الفلانية و منهم من يمشون علي الماء و يطوون الارض و يدخلون النار و لايحترقون فاذا بلغ الامر هذا المبلغ و تضافرت الرواية لم‌يبق للخلق الضعيف الا الاعتصام بالله و الركون الي تصديق الله حتي اذا قيل له علي الصراط ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون يقول انت اذنت لي و اني صدقتك حيث كنت انا الجاهل بالغيب و بواطن الامور و انت العالم القادر العادل الحكيم فهو قام بين يديك و ادعي نسبته اليك و ان ما يفعله فعل ربوبية و انت اجريت علي يديه مدعاه و سكت عنه و انت الرب القادر العليم العادل فاني سكنت الي تصديقك و عملت برضاك و لذلك احتج جميع الانبياء علي صدقهم بشهادة الله و علمه و عدم اصلاحه عمل المفسد و احقاقه الحق و ابطاله الباطل و عدم اغرائه الي الضلال و قد ذكرنا شواهد ذلك في كتابنا المبسوط علم‌اليقين فخذ به و كن من الشاكرين و من المعجزات القرآن الذي بعث النبي علي اهل المشرق [ص 90] و المغرب في اختلاف السنتهم و جاء به معجزا و استدل به علي نبوته و ادعي فيه عجائب : منها ان فيها تبيان كل شئ و تفصيل كل شئ لا رطب و لا يابس في العالم الا و قد شرح فيه و فيه تصريف كل مثل بحيث لم‌يفرط فيه من شئ و هذا مما لايمكن تصديقه من غير فهم لاحد الا بضم امر آخر و هو ما نحن بصدده من التقرير و منها انه لو اجتمعت الانس و الجن من لدن آدم الي يوم القيمة علي ان يأتوا بمثله لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا يصحح كل واحد غلط الآخر و ينبه سهوه و يعلم جهله و يوقفه علي خطائه و يتفكرون مدي اعمارهم و لو عمروا عمر العالم كل ذلك لاطلاق القول و هذا مما لايعرف و لايمكن تصديقه الا بامر آخر و هو ايضا ما نحن بصدده من امر التقرير و من الذي يعرف ذلك انه يكون كذا الا الله و اني للعرب اهل الجاهلية الغفلة عن اوضاع العالم غير المفارقين جزيرتهم معرفة ذلك و كيف لغيرهم ان يعرف انهم لم‌يغتروا بجهلهم و هم يومئذ اهل مكة و المدينة و من حولهما من اهل البوادي الذين هم اتباع كل ناعق لايعرفون الهر من البر و نري اضعافهم قد اغتروا من سائر الفرق فصدقوا لرجل من اهل الباطل بالاعجاز و رووا له روايات و ايم الله من اراد ان يعرف صدق القرآن بتصديق العرب انه لفي اوهن ايمان و اضعف ايقان و اني افصل العرب لك تفصيلا فمنهم اهل المواشي و الخيام و سكنة البر كالانعام مرة و كالسباع اخري يغير بعضهم علي بعض و يسرق بعضهم بعضا سفاكون للدماء قطاعون للطرق فهم لايعرفون الهر من البر و ان هم في عربيتهم الا كسائر بداوي العجم في عجميتهم اني علمهم بالكتب و المطالب و الحق و الباطل لايعرفون الا الشيح و الارض و الماء و الجبال و الآكام و الهضاب و الابل و [ص 91] الغنم و ان هم الا كبهائم رتع بل هم اضل فتصديقهم لايجدي لعاقل شيئا و اما اهل القري فالزراع و اكرة النخل منهم كاهل البوادي لايعرفون هرا من بر و لا عبرة بتصديقهم و اني لهم العلم بمقدار حد البشر في الفصاحة و البلاغة و قد تحير علماء الامصار في ذلك و اما اهل البلد و هم يومئذ اهل مكة و المدينة و لعل بعض الغرباء من سائر البلاد فيهما فاما اهل السوق و الحمالون و الكناسون و اهل الخانات منهم فما علمهم بالحق و الباطل و حد قدرة البشر و غيره و عدم اختلاف القرآن في مطالبه العلمية و ما علمهم بحدود الفصاحة و البلاغة و هم لايعرفون مقام شعر الشعراء و خطبة الخطباء فكيف يعرفون ان القرآن فوق حد البشر حتي يعتبر تصديقهم و كثير منهم يهود و نصاري قليلوا العلم بالعربية قليلوا الاطلاع بحدودها فهم ايضا بعيدون عن هذا المقام و لايعتبر قولهم و عجزهم بقي من كان منهم من اهل حل و عقد و رأي و عزم فالكهنة و السحرة و المنجمون و الاطباء و غير اهل الادب منهم بعيدون عن نيل معرفة القرآن و لايعتبر تصديقهم فان في كل فن يعتبر تصديق اهل الفن و لو تنازع شاعران في شعر او خطيبان في خطبة لم‌يتحاكما ابدا الي منجم و لا كاهن فكيف صار تصديقهم حجة علي اهل المشرق و المغرب بقي الشعراء منهم و الخطباء الفصحاء و هم يومئذ اقل عددا من جميع الفرق التي عددتها فان في كل عصر من يكون مسلما تصديقه و كلامه و يحكم علي السائرين في كل بلد واحد او اثنان لايزيدون علي ذلك و انا افرض انه كان في مكة و المدينة خمسون شاعرا و خطيبا يعتني بشعره و خطبته و يعد في المعتبرين و لااظن و لا كل من يقدر علي شعر يعتبر عقله و يوزن به عند الاختلاف فبين هذه الخمسين افرض ان ثلثة منهم او اربعة او عشرة [ص 92] كانوا ممن يتحاكم اليه فبعد ذلك كله ليس القرآن بشعر يتحاكم فيه الي شاعر و لا خطبة يتحاكم فيه الي خطيب و قانون التحاكم بين العرب و العجم ان لايتحاكم في الخطب الي شاعر و لا في الشعر الي خطيب ليس الشعر من فنه و لا في الرسائل الي خطيب و لا شاعر و ليس القرآن باعتراف الكل بشعر و لا خطب و لا رسالة و لم‌يكن فصحاء العرب يومئذ الا من هذه الاصناف و هم جهال بالعلوم و الحكم و اخبار الماضين و سنن المرسلين و جهال ببلاد العالم و جزائره و اطرافه و لعل في البحر جزيرة للعرب و فيه قوم عرب هم افصح من اهل مكة و ابلغ و هم لايعلمون و لعل من تقدم عليهم لو سمع القرآن او من تأخر ادعي انه يأتي بمثله فكيف يعتبر تصديق نفوس خمسة و ستة او عشرة من الذين ليسوا من اهل فن القرآن في القرآن و يجب علي اهل المشرق و المغرب ان يطيعوا هؤلاء النفر ، هب غاية ما يعلمه هؤلاء عجز انفسهم عن الاتيان بمثله و اما انه هل الفصاحة لها حد يعرف منه حد البشر و الخارق لعادتهم ام لا فليس معرفته من شأنهم فان علماء الاسلام بعد التنبه في هذه المسئلة مختلفون و لم‌يعرفوا حقيقته فكيف يعرف ذلك شاعر جاهل بسنن المرسلين و افعال الله و افعال الخلق و كيف جاز تقليده لجميع علماء الاعصار و الامصار و ليسوا من اهل معرفة حدود البشرية و الربوبية و ليسوا بمطلعين علي اهل العالم ، نعم غاية امرهم انهم عجزوا عن الاتيان بمثله و هذا مسلم لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لايستدل بذلك علي الاعجاز للبشر الا بضم امر آخر من الله علينا به في جميع امورنا و لعمري ان الناس تنبهوا في هذه الايام و زاد علومهم و اطلاعهم علي احوال الخلق و عجائب ما في العالم و غرور من اغتر و حيلة من احتال و لايمكنهم القناعة بادلة السلف الغافلين الجارين علي صدقهم [ص 93] و حسن ظنهم بالناس فلايكفيهم تلك العلوم و تلك الرسوم و لذلك اظهر الله تعالي شأنه هذه العلوم التي اتي بها شيخنا الاوحد و ملاذنا الامجد الشيخ احمد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه و شكر الله سعيه و جازاه عن الاسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين و ايم الله قسم صدق انه لولابعثه الله في هذه الاعصار لانطمس اعلام الدين و عفي رسم الاسلام المتين و لارتد كثير من المسلمين و ضل جم غفير من المؤمنين و انما حفظ بوجوده الشريف الاسلام علي المسلمين و امسك قلوب المؤمنين كما يمسك سكان السفينة ربانيها ، اللهم اجزه عنا جزاءا لايحصي و يكون لحقه علينا كفاءا و زده من فضلك ما ليس له حد و لا انتهاء فانك شكور وهاب بالجملة اهل هذا الزمان لايمكنهم ان يبنوا بناء اسلامهم علي تصديق الاعشي و كعب و وليد و لبيد و اصحاب الخمور و الفجور الجهال الشعراء الفساق ان القرآن ليس من كلام البشر و انه كلام الله ، نعم تصديقهم علي انفسهم جائز و هم مصدقون في عجزهم كجميع العرب و العجم و يحتاج الي ضم ما بايدينا و خصنا الله بها و من علي اهل عصرنا باظهار هذا الامر فيهم و ذلك من فضل الله علينا و علي الناس و لكن اكثر الناس لايشكرون و لعمري لولاه لكان امر جميع الانبياء و المرسلين و جميع الشرائع و الآثار مثل القرآن لايمكن الركون اليه و لكن بعد هذا الاصل الاصيل نحصل اليقين بامر جميع الانبياء و المرسلين و الكتب المنزلة و القرآن المبين و الحمد لله رب العالمين ، فنقول انا لما رأينا محمدا صلي الله عليه و آله قام بين يدي الله و ادعي النبوة و اتي بكتاب و قال انه كتاب الله و كلامه انزله علي نحو الاعجاز و فيه علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و الاخبار عن الغيوب و فاق [ص 94] الكل في الفصاحة و البلاغة في نظم عجيب و سلاسة و حلاوة و جزالة و لايقدر احد علي الاتيان بمثله حتي انه لايقدر احد علي الاتيان بعشر سور مثله بل و لا سورة واحدة و لو كانت قصيرة بل و لا حديث واحد و لو اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثله و كان بعضهم لبعض ظهيرا مااتوا بمثله و رأينا الله سبحانه ماحرك احدا و لا شيئا من اجزاء العالم يقوم بازائه و يبطل دعواه من يوم ادعي الي يومنا هذا بل حلاه بحلية النور و الخير و الصدق و الزهد و الورع و التقوي و كرم الاصل و النسب و علو الحسب و العلم و الحلم و النزاهة و الحكمة و الذكر و الفكر و النباهة و الوقار و السكينة و نوه باسمه في الكتب السالفة علي السنة انبيائه و ذكر صفاته و انه يأتي بكتاب من عند الله هو كلام الله و رأيناه نشر علوم التوحيد و المعاد و سنن الانبياء و اتي بناموس عجيب غريب لايقوم العالم الا به و جميعه يوافق الحكمة و يشتمل علي غوامض بحيث يتنبه الحكماء و العلماء علي حكمه عصرا بعد عصر و حينا بعد حين بعد افكار و تحصيل علوم و فحص و بحث فلعمري بعد هذه التصديقات لايبقي مجال لمن لايعاند نفسه و لايخاطر بروحه ان يتأمل في امره و مع ذلك كله لم‌يقم احد يقدر علي معارضته و ابطال دعواه باي وجه كان و اما تلك الاحتمالات التي كانوا يقولون من ان محمدا صلي الله عليه و آله ملك بالتغلب و خاف الناس سيفه او لعله ماكان في بلده من هو افضل منه و اعلم و افصح حتي يقابله و كان قبل مثله او لعله يكون بعد مثله او لعلهم عارضوه و اخفاه اتباعه او لعلهم مااعتنوا به و امثال ذلك فكلها احتمالات ارضية يحتاج الي الجواب عنها الذين يستدلون بقرائن ارضية و لايكاد يتم دليلهم و اما نحن ففي فراغ من اجوبة ذلك فان الله سبحانه لايخاف و لايداهن [ص 95] و لايغري بالباطل و لايصالح و لايغلب عليه احد فلو لم‌يكن رسول الله صلي الله عليه و آله متصلا به لضربه الله بما قلنا آنفا و خالفا و حق القول ما قال في كتابه و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احد عنه حاجزين و قال ان الله لايصلح عمل المفسدين و هو يعلم المفسد من المصلح و لايفلح الساحر حيث اتي فاذا لانخشي شيئا من هذه الاحتمالات و نتكل علي الله و من يتوكل علي الله فهو حسبه فنحن نتوكل عليه في ديننا و دنيانا و هو حسبنا و نحصر نظرنا في تصديقه فما صدقه الله صدقناه و لو لم‌يصدقه الناس و ما كذبه كذبناه و لو صدقه الناس و لانبالي و نحن بذلك نعرف امر ائمتنا و لو كذبهم جميع اهل الارض و به نعرف امر مشائخنا و لو كذبهم جميع اهل الدنيا و به نعرف امر ديننا من الفروع و لو امتلأ العالم احتمالات و ذهب عنهم الظن ايضا و سد عليهم بابه و بقوا في شك ، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون ، اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا فدع يمتلي جميع الدنيا شكا و شبهة و اخذ العالم شبهات الانجليس و الفرانسه و الروس و الزنادقة و الكفرة فلانخشاهم بحول الله و قوته و نتكل عليه و نعلم ان امره لايشتبه بامر الشيطان ابدا و لا قوة الا بالله و نسأله ان لايكلنا الي انفسنا طرفة عين ابدا و انت لو قصرت طرفك الي ربك و توكلت عليه و لم‌تبرأ من حوله و قوته الي حولك و قوتك لوقعت في امن و امان و لكن اذا اردت ان تعرف دينك بجهدك و قوتك لابتليت بقيل و قال و التزلزل و الاختلال في المبدأ و المآل فثق بالله و كن من الشاكرين و قل الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله هذا سر الامر و حقيقته علي نحو الاجمال [ص 96] و لنعنون بابا آخر للكشف عن حقيقة الحال و صفة اعجاز القرآن و اني لما كان لي اشغال كثيرة و لا بد لي من الاشتغال بها و قد كتبت سابقا في بعض الكتب شرح صفة الاعجاز انقل تلك العبارات بعينها هنا ليكون هذا الكتاب في حده وافيا بالمراد و لايحتاج الراجع اليه الي الرجوع الي غيره من الكتب .

الباب الثاني‌عشر - قد ذكرت في كتابي الكبير المسمي بالفطرة السليمة في بيان اعجاز القرآن مطلبا هذا لفظه : لنثبت اولا امورا يفهم منها معني الفصاحة و البلاغة علي ما هو الواقع و كيفية صيرورة الكلام معجزا اعلم انهم و ان خصوا الفصاحة باللفظ و البلاغة بالمعني و بينوا ذلك و شرحوا بنهاية الاتقان و الاحكام الا انهم لم‌يأتوا بما يمس الحاجة اليه هنا فاقول اعلم ان الكلام اثر يصدر عن الانسان بتحريك آلات الكلام و ضغط الهواء من الجوف علي حسبها ليخرج اصوات مناسبة للمعني الذي في نفس المتكلم و المعني الذي في نفس المتكلم هو شبح من مقصودها الذي توجهت اليه و ارادته انطبع فيها كالصورة في المرآة و لما كان جميع مميزات الاشياء ينتهي الي كيفياتها الاربع و يشيع فيها و النفس من حيث هي دراكة مطلقة و جميع اصناف المدركات يشيع فيها و في طبائعها و يتشاكل اذا اجتمع لديها فيها و ان كان فعلياتها مميزة خارجا اذا انطبع فيها مدرك تميّز عن غيره في قواها و مشاعرها و شاع اذا بلغ حقيقتها و ماع في طبائعها فادركت في نفسها منه شيئا مشاركا مع خصلة اخري من ذلك الطبع كمشاركة الحمرة و السرعة في معني الحرارة و اليبوسة و البياض و اللين في البرودة و الرطوبة فاذا ادركت ذلك امكنها التعبير عن خصلة [ص 97] بمشاركها لاهل عرصة المشارك و صح التعبير ثم قدرته بسائر تقاديره علي حسبه فصار دالا عليه علي الحقيقة مطابقا موافقا معه علي نهج الحكمة و لولا ذلك الباب لربما كان يعبر عن مقتضي النار باحدي مقتضيات الماء و بالعكس و كان غير موافق فلما عرفت ذلك فاعلم ان المعني في اللفظ كالروح في الجسد فاذا كان هيئة الجسد مطابقة لهيئة الروح من كل جهة صلح لاستقراره فيه و صلح لان يظهر الروح منه جميع افعاله و صفاته و صلح للاستدلال به عليه من جميع جهاته و حدوده و ان لم‌يكن مطابقا و كان فيه زيادة او نقيصة او تخالف او تضاد بالذات او بالعرض لم‌يصلح لاستقراره فيه و لان يظهر الروح منه جميع افعاله و صفاته و لم‌يمكن الاستدلال به عليه فالجسد الخاص المطابق لكل روح جسد واحد خاص في ملك الله لايوجد جسد آخر غيره يوافقه من كل جهة فان نسبة الشيئين الممتازين الي شئ واحد لاتكون علي السواء فان كان احد الجسدين مطابقا كان الآخر الممتاز عنه و هو غيره غير مطابق فتبين ان جسد كل روح جسد خاص واحد معين من تجاوز عنه لم‌يجد غيره يوافقه من كل جهة و للروح جهات شتي لايحيط بجميعها الا الذي خلقه فانه حادث له مادة و صورة و لمادته حدود نوعية بها امتازت عن سائر الانواع و فيها اذكار لعللها و مباديها و اسبابها و له مادة نوعية و صورة نوعية و لصورته حدود شخصية من انواع الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و المكان و الوقت و الآجال و الاوضاع و النسب و القرانات و خواص و احكام من حيث نفسه و من حيث القرانات و اذكار لما هو اعلي منه و ما يساوقه و ما يتأخر عنه ما لايحيط بجميعها الا الله سبحانه و الجسد الموافق له من كل جهة هو المخصوص به و هو غير متعدد في ملك الله سبحانه و لايعلم بموقعه الا الله سبحانه و هو الذي من اتي به له لايقدر احد علي [ص 98] الاتيان بمثله ابدا فكذلك المعني المراد هو بمنزلة الروح و اللفظ المعبر به عنه هو بمنزلة الجسد بل هما الروح و الجسد حقيقة فان المعني امر نفساني دهري و اللفظ امر جسماني زماني قد صيغ لظهوره و تمكنه فيه فكل معني ليس له لفظ حاك لجميع جهاته التي لا نهاية لها كما بينا الا واحد و هو اوفق التعبيرات عنه و اصدقها عليه و اقربها منه و انسبها به و اشدها مطابقة و ابينها له و افصحها و ابلغها و لايعرف ذلك اللفظ لذلك المعني الا الذي خلقهما فاذا عبر الله سبحانه عن ذلك المعني بذلك اللفظ كان كتعبيره عن روح زيد بجسد زيد فلايقدر احد من الخلق علي ان يأتي لذلك المعني لفظا آخر مثله اذ كل لفظ سواه اما يزيد دلالته عليه او تنقص بالذات او بالعرض و اما تخالفه او تضاده و اما توافقه في بعض و تخالفه في بعض و هكذا ربما يخالفه في المادة او في الصورة كماً او كيفا او جهة او رتبة او وقتا او مكانا او اجلا او كتابا او وضعا او نسبة او قرانا او من جهة الطبع او من جهة الكواكب المربية او البروج او سائر المنسوبات فاللفظ المطابق مع المعني من كل جهة ليس في ملك الله الا واحدا و لايعلم بموقعه الا الواحد جل شأنه و هو لامحة افصح الالفاظ و ابلغها و اكملها و لما كانت الكائنات جمال الله الجميل و كمال الله سبحانه الكامل فلايطرؤ علي ذرة منها من حيث كونها في نفسها او اقترانها و انتظامها مع غيرها نقص بوجه من الوجوه حتي قيل ليس في الامكان احسن مما كان كانت الالفاظ الحقة التي يعبر بها عنها ايضا علي احسن نظم و ترتيب لايوجد احسن منها ابدا ابدا و يكون نظمه و ترتيبه دالا علي كمال الله سبحانه و جماله و بهائه و حكمته و اتقانه و صنعه فما ظنك حينئذ بنظم كلامه و حسن مواقع الفاظه و ترتيبها و ترصيعها [ص 99] و جزالتها و سلاستها و وقعها في القلوب و عظمتها و حلاوتها و طلاوتها و بداعتها و غضاضتها و رشاقتها و مما بينا تبين ان القرآن من جميع جهاته يجب ان يكون بحيث لايوجد في ملكه غيره كاشفا عن مرادات الله سبحانه فصاحة و بلاغة و نظما و ترتيبا و جزالة و سلاسة و تيسيرا و وقعا و اثرا و خاصة و شفاءا و استيلاءا علي الاشياء و هيمنة و قدرة و حكمة و هكذا ، هذا و لاسيما ان الله سبحانه عزم علي ان يجعله تعبيرا عن جميع شؤن علمه و قدرته و حكمته و اسمائه و صفاته و بهائه و سنائه و مجده و جلاله و عظمته و كبريائه و كتبه و الواحه و عوالمه و قال مافرطنا في الكتاب من شئ و قال تبيانا لكل شئ و قال و لقد جئناهم بكتاب فصلناه علي علم ، و جعله دليل توحيده و قال هذا بلاغ للناس و لينذروا به و ليعلموا انما هو اله واحد و ليذكر اولوا الالباب ، و جعله برهان الرب الحق و قال يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم و انزلنا اليكم نورا مبينا ، و جعله برهان النبوة فقال اولم‌يكفهم انا انزلنا عليك الكتاب يتلي عليهم و جعل فيه صفة جميع ما خلق في ملكه و قال و لقد ضربنا للناس في هذا القرءان من كل مثل ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف و اعتبر ان القرآن واحد من عند الواحد ليس له في ملك الله نظير حتي يقدر احد علي ان يأتي بمثله و انه لعلم الله سبحانه كالجسد للروح و كما انه لايقدر احد ان يخلق انسانا كما بينا كذلك لايقدر احد علي ان يخلق قرآنا آخر مثله و كما انه لايقدر ان يكون حكيما عليما قديرا كاملا عظيما جليلا كبيرا سلطانا وليا مثله سبحانه كذلك لايقدر احد ان يأتي بكلام مثل كلامه و لذا روي عن النبي صلي الله عليه و آله فضل القرآن علي سائر الكلام كفضل الله علي خلقه فلايقدر مخلوق علي ان يتكلم بمثله كما لايقدر [ص 100] مخلوق علي ان يكون كربه و هذا من المحالات و ليس في ملك الله تعبير موافق من كل جهة عن مرادات الله سبحانه و هي جميع الكائنات غيره فاني لهم ان يأتوا بكتاب مثله او بعشر سور او بسورة او بحديث مثله بل اقول بكلمة مثله في موقعها بل حرف مثله في موقعه بل حركة و سكون و فصل و وصل و خصلة من خصال حروفه من جهر او همس او قلقلة او اطباق او غيرها في موضعها و ان كانت الكلمات و الحروف قبله و بعده متداولة بين العرب ، الاتري ان العناصر مبذولة في العالم و لايقدر احد ان يخلق منها كزيد و لا كعضو منه و لا كلحمه و دمه و عظمه و لا كعرق من عروقه و وتر من اوتاره و لا كلون عظمه و لحمه مثلا و لا كشئ من خصال اجزائه في موقعه مع ان العناصر التي هي اصولها موجودة في الدنيا مبذولة و كذلك القرآن من الحروف و الكلمات المبذولة و مع ذلك لايسع احدا ان يأتي بتلك الحروف في مواقعها و بتلك الكلمات في مواضعها فتبين ان من زعم امكان مثل القرآن لانه من الحروف المبذولة خبط خبط عشواء فالقرآن علي ذلك عالم مستقل له جسم و روح و شهادة و غيب و امر و خلق و خزائن و مراتب اذ هو تبيان كل شئ و كل من يقدر علي خلق العالم يقدر علي الاتيان بمثل القرآن و اني لهم ان يعرفوه او يعرفوا بعضه و لو حرفا منه حتي يأتوا بمثله فاعرف قدر الرجال بالمقال لا المقال بالرجال و هذا وجه اعجاز كلام الحق المتعال علي سبيل الاجمال .

فصل - هذا الذي ذكرنا وجه صيرورة الكلام معجزا و كون القرآن بجميع جهاته معجزا و لكن الباقي الذي لم‌يتعرض له العلماء و من تعرض منهم ايضا اتي بامور لاتفيد علما و لا عملا بل لاتفيد الا وهما انه هب هذا وجه الاعجاز فقل لنا من يعرف ذلك من الامة من القرآن انه ذلك اللفظ الذي [ص 101] ليس عديله في ملك الله سبحانه حتي يشعر بانه معجز و لايعرف ذلك احد الا الله و رسوله البتة فما سبيل الناس الي معرفة اعجازه فلربما يقع كلام بديع من احد و يشتبه علي من لايعرف حقيقة الامور و لايميز بين ذلك الواحد و غيره بل ربما يزعم غيره اوفق و ثمرة المعجز ان يعرف المكلف عجز جنس البشر عن الاتيان بمثله فيذعن ان آيته من عند الله و الذي ذكرت لايعرفه غير الله و غير رسوله صلي الله عليه و آله و من هذا الباب اشتبه الامر علي المرتضي و من تبعه حتي زعم انه يمكن المعارضة و الله يصرف الناس عنها اقول لم‌اجد من اصحابنا بيانا لذلك يكشف عن الواقع و يعرّف المكلَف اعجازه الا بعجز العرب عن الاتيان بمثله و ادلتهم معروفة و نواقضها اوضح و اقوي و لنا في ذلك بيانات :