الباب الثالث - اعلم ان المسلمين بعد اتفاقهم علي ان القرآن معجز دال علي صدق النبي صلي الله عليه و آله و انه من عند الله صدر علي وجه الاعجاز بخلاف الاحاديث القدسية فانها لمتصدر علي وجه الاعجاز و بعد اتفاقهم علي انه من يوم نزل القرآن لميقم في العالم احد بمعارضته و لميأت احد بما يماثله من اهل العالم لا من كلامهم المستحدث و لا من كلمات السالفين و لا من الكتب السماوية و لا في سائر اللغات غير العربية اختلفوا فيما اعجز الناس منه اي انه معجز باي صفته و اي خاصته علي اقوال شتي حتي وقعوا تحت كل كوكب فمنهم من قال انه معجز لانه قديم و حكاية عن الكلام القديم و هذا القول بالهجر و الهذيان اشبه فانا في عويل من القول بقدمه و قد ظهر لكل محقق بطلانه و هو ينطق بحدوثه و يقول مايأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه و هم يلعبون لاهية قلوبهم ثم ان العرب و المسلمين اي علم لهم بانه قديم حتي يعجزوا عن الاتيان بمثل القديم و قد عرفوا عجزهم و اذعنوا و انقادوا له من غير اعتراف بقدمه بالجملة هذا القول لايحتاج الي رد و منهم من قال ان وجه الاعجاز في القرآن ان الله سبحانه صرف الخلق عن معارضته و سلبهم العلم بكيفية نظمه و فصاحته و قد كانوا لولا هذا قادرين علي معارضته و متمكنين منها [ص 54] و هذا القول مروي عن السيد المرتضي و جمع من العامة و استدل له بان الله تعالي صرفهم عن المعارضة و ان العدول عنها كان لهذا لا لان فصاحة القرآن خرقت عادتهم لان الفضل بين الشيئين اذا كثر لمتقف ( لمتخف ظ ) المعرفة بحالهما علي ذوي القرائح الذكية دون من لميساوهم بل يغني ظهور امرهما عن الروية بينهما و لهذا لايحتاج في الفرق بين الخز و الصوف الي احذق البزازين و انما يحتاج الي التأمل الشديد التقارب الذي يشكل مثله و نحن نعلم انا علي مبلغ علمنا بالفصاحة نفرق بين شعر امرئالقيس و شعر غيره من المُحْدَثين و لايحتاج في هذا الفرق الي الرجوع الي من هو الغاية في علم الفصاحة بل نستغني معه عن الفكرة و ليس بين الفاضل و المفضول من اشعار هؤلاء و كلام هؤلاء قدر ما بين الممكن و المعجز و المعتاد و الخارج عن العادة لان جميع الشعراء لو كانوا بفصاحة الطائيين ثم اتي آت بمثل شعر امرئالقيس لميكن معجزا و كذلك لو كان البلغاء في الكتابة في طبقة اهل عصرنا لميكن كلام عبدالحميد و ابرهيم بن العباس و نحوها خارقا لعادتهم و معجزا لهم و اذا استقر هذا و كان الفرق بين قصار سور المفصل و بين افصح قصائد العرب غير ظاهر لنا الظهور الذي ذكرناه فلعله ان كان ثمَ فرق فهو مما يقف عليه غيرنا و لايبلغه علمنا فقد دل علي ان القوم صرفوا عن المعارضة و اخذوا عن طريقها انتهي ، و قال القوشجي في شرح التجريد و ذهب النظام و اكثر المعتزلة و المرتضي من الشيعة الي ان اعجازه بالصرفة و هي ان الله تعالي صرف همم المتحدين عن معارضته مع قدرتهم عليها و ذلك اما بسلب قدرتهم او بسلب دواعيهم و احتجوا بوجهين : الاول انا نقطع بان فصحاء العرب كانوا قادرين علي التكلم بمثل [ص 55] مفردات السور و مركباتها القصيرة مثل الحمد لله رب العالمين و هكذا الي الآخر فيكونون قادرين علي الاتيان بمثل السورة و الثاني ان الصحابة عند جمع القرآن كانوا يتوقفون في بعض السور و الآيات الي شهادة الثقات و ابنمسعود قد بقي مترددا في الفاتحة و المعوذتين و لو كان نظم القرآن معجزا بفصاحته لكان كافيا في الشهادة و الجواب عن الاول ● ان حكم الجملة قد يكون مخالفا لحكم الاجزاء و هذه بعينها شبهة من نفي قطعية الاجماع و الخبر المتواتر و لو صح ما ذكر لكان كل من آحاد العرب قادرا علي الاتيان بمثل قصائد فصحائهم كامرئالقيس و اقرانه و اللازم قطعي البطلان و عن الثاني بعد صحة الرواية و كون الجمع بعد النبي عليه الصلوة و السلام لا في زمانه و كون كل سورة مستقلة بالاعجاز ان ذلك كان للاحتياط ● و الاحتراز عن ادني تغير لايخل بالاعجاز و ان اعجاز كل سورة ليس مما يظهر لكل احد بحيث لايبقي له تردد اصلا و استدل علي بطلان الصرفة بوجوه : الاول ان فصحاء العرب انما كانوا يتعجبون من حسن نظمه و بلاغته و سلاسته في جزالته و يرفضون رؤسهم عند سماع قوله تعالي يا ارض ابلعي ماءك الآية ، لذلك لا لعدم تأتي المعارضة مع سهولتها في نفسها الثاني انه لو قصد الاعجاز بالصرفة لكان الانسب ترك الاعتناء ببلاغته و علوّ طبقته لانه كلما كان انزل في البلاغة و ادخل في الركاكة كان عدم تيسير المعارضة ابلغ في خرق العادة الثالث قوله تعالي قل لئن اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا [ص 56] بمثل هذا القرءان لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا فان ذكر الاجتماع و الاستظهار بالغير في مقام التحدي انما يحسن فيما لايكون مقدورا للبعض و يتوهم كونه مقدورا للكل فيقصد نفي ذلك و قال الطوسي في المتن و اعجاز القرآن قيل لفصاحته و قيل لاسلوبه و فصاحته معا و قيل للصرفة و الكل محتمل و قال صاحب الخرائج في باب الصرفة و الاعتراض عليها و الجواب عنه قال و تقرير الدليل علي صحة ذلك في الصرفة هو انه لو كانت فصاحة القرآن خارقة للعادة لوجب ان يكون بينه و بين ما يضاف اليه من افصح كلام العرب التفاوت الشديد الذي يكون بين الممكن و بين المعجز فكان لايشتبه الحال بين كلامين فصيحين و ان لميكن بينهما ما بين الممكن و المعجز الاتري ان احدنا يفرق بين شعر الطبقة العليا من الشعراء و بين المحدثين باول نظر و لايحتاج في معرفة ذلك الفضل ان يرجع الي من تناهي في العلم بالفصاحة و قد علمنا انه ليس بين هذين الشعرين ما بين المعتاد و الخارق للعادة فاذا ثبت ذلك و كنا لانفرق بين قصار سور المفصل و بين افصح شعر العرب و لايظهر لنا التفاوت بين الكلامين الظهور الذي قدمناه فلميحصل الفرق القليل و لميحصل الكثير و لميرتفع اللبس بين التفاوت و لميرتفع مع التفاوت ثم قال و الاعتراضات علي ذلك كثيرة منها قولهم الفرق بين افصح كلام العرب و بين القرآن موقوف علي متقدمي الفصحاء الذين تحدوا به و الجواب ان ذلك لو وقف عليهم مع التفاوت العظيم لوقف ما دونه ايضا عليهم و قد علمنا خلافه فاما من ينكر الفرق بين اشعار الجاهلية و المحدثين فان اشار بذلك الي عوام الناس و الاعاجم فلاينكر ذلك و ان اشار الي الذين عرفوا الفصاحة فانه لايخفي عليهم فان قالوا الصرف عماذا وقع قلنا الصرف وقع عن ان [ص 57] يأتوا بكلام يساوي او يقارب القرآن في فصاحته و طريقة نظمه بان سلب كل من رام المعارضة التي يتأتي بها ذلك فان العلوم التي يتمكن بها من ذلك ضرورية من فعل الله تعالي بمجري العادة و علي هذا لو عارضه بشعر منظوم لميكونوا معارضين ثم يدل عليه انه صلي الله عليه و آله اطلق التحدي و ارسله فوجب ان يكون انما اطلق تعويلا علي ما تعارفوه في تحدي بعضهم بعضا فانهم اعتادوا ذلك بالفصاحة و طريقة النظم و لهذا لميتحد الخطيب الشاعر و لا الشاعر الخطيب و لو شكوا في مواده لاستفهموه فلما لميستفهموه دل علي انهم فهموا غرضه و لو لميفهموه لعارضوه بالشعر الذي له فصاحة كثيرة من القرآن و اختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر النظم يعلم ضرورة و قال و الذي يدل علي انه لولا الصرف لعارضوه هو انه اذا ثبت في فصيح كلامهم ما يقارب كثيرا من آي القرآن و النظم لايصح فيه التزايد و التفاضل بدلالة انه يشترك الشاعران في نظم واحد لايزيد احدهما علي صاحبه و ان تباينت فصاحتهما و اذا لميدخل النظم تفاضل لميبق الا ان يقال الفضل في السبق اليه و ذلك يقتضي ان يكون من سبق الي ابتداء الشعر و وزن من اوزانه اتي بمعجزة و ذلك باطل و لايتعذر نظم مخصوص بمجري العادة علي من يتمكن من نظوم غيره و لايحتاج في ذلك الي زيادة علم كما نقول في الفصاحة فمن قدر علي التبسيط يقدر علي التطويل و غيره و لو كان علي سبيل الاحتذاء و ان خلا كلامه من فصاحة فعلم بذلك ان النظم لايقع فيه تفاضل ، قال و الاعتراض علي ذلك من وجوه احدها انهم قالوا يخرج بقولكم هذا القرآن من كونه معجزا علي الحقيقة علي ذلك لان علي هذا المذهب المعجز هو الصرف و ذلك خلاف اجماع المسلمين الجواب ان هذه مسئلة خلافية لايجوز ان [ص 58] يدعي فيها الاجماع علي ان معني قولنا معجز في العرف بخلاف ما في اللغة و المراد به في العرف ما له حظ في الدلالة علي صدق من ظهر علي يده و القرآن بهذه الصفة عند من قال بالصرفة فجاز ان يوصف بانه معجز و انما ينكر العوام ان يقال القرآن ليس بمعجز متي اريد به انه غير دال علي النبوة و ان العباد يقدرون عليه و اما انه معجز بمعني انه خارق للعادة بنفسه و بما يستند اليه فموقوف علي العلماء المبرزين علي انه يلزم من جعل جهة اعجاز القرآن الفصاحة الشناعة لانهم يقولون ان من قدر علي الكلام من العرب و العجم يقدرون علي مثل القرآن و انما ليست لهم علوم بمثل فصاحته قال و اعترضوا و قالوا اذا كان الصرف هو المعجز فلم لميجعل القرآن من ارك الكلام و اقله فصاحة ليكون ابهر في باب الاعجاز الجواب لو فعل ذلك لجاز لكن المصلحة معتبرة في ذلك فلايمنع انها اقتضت ان يكون القرآن علي ما هو عليه من الفصاحة فلاجل ذلك لمينقص منه شئ و لايلزم في باب المعجز ان يفعل ما هو ابهر و اظهر و انما يفعل ما يقتضيه المصلحة بعد ان كان دلالة الاعجاز قائمة فيه ثم يقال هلاجعل الله القرآن افصح مما هو عليه فما قالوا فهو جوابنا و ليس لاحد ان يقول ليس وراء هذه الفصاحة زيادة لان الغايات التي ينتهي اليها الكلام الفصيح غير متناهية قال و من اعتراضاتهم قولهم لو كان المعجز الصرف لماخفي ذلك علي فصحاء العرب لانهم اذا كانوا يتأتي منهم قبل التحدي ما تعذر بعده و عند روم المعارضة فالحال في انهم صرفوا عنها ظاهرة فكيف لمينقادوا و الجواب لا بد و ان يعلموا تعذر ما كان متأتيا منهم لكنهم يجوز ان ينسبوه الي الاتفاقات او الي السحر او العناد و يجوز ان يدخل عليهم الشبهة علي انهم يلزمهم مثل ما الزمونا بان يقال [ص 59] ان العرب اذا علموا ان القرآن خرق العادة بفصاحته فاي شبهة بقيت عليهم فلم لمينقادوا فجوابهم جوابنا قال و اعترضوا فقالوا اذا لميخرق القرآن العادة بفصاحته فلم شهدوا له بالفصاحة متقدموا العرب كالوليد بن المغيرة و انقادت له و اجاب دعوته كثير من الشعراء كالنابغة الجعدي و لبيد بن ربيعة و كعب بن زهير و الاعشي الكبير لانه ورد ليسلم فمنعه ابوجهل و خدعه و قال انه يحرم عليك الاطيبين فلولا انه بهرهم بفصاحته لمينقادوا له و الجواب جميع ما شهد به الفصحاء من بلاغة القرآن واقعة موقعه لان من قال بالصرفة لاينكر مزية القرآن علي غيره بفصاحته و انما يقول تلك المزية ليست مما يخرق العادة و يبلغ حد الاعجاز فليس في قول الفصحاء و شهادتهم بفصاحة القرآن ما يوجب القول ببطلان الصرفة و اما دخولهم في الاسلام فلامر بهرهم و اعجزهم و اي شئ ابلغ من الصرفة في ذلك ، انتهي كلامه رحمه الله و لعمري لو تدبرت في اقوالهم و ادعائهم و اعتراضهم و جوابهم و جميع ما ذكروا لوجدت كلها امورا ظنية لايمكن التعويل عليها في امر المعجز الذي به يثبت النبوة التي هي من اصول الدين و ليس لهم عليها حجة عقلية باهرة كالشمس في رابعة النهار و لو اردنا ان نذكر عيب كل كلمة كلمة من جملة ما مر لطال بنا المقال في غير طائل كثير فنكتفي برد اجمالي لهذا القول يخرب به بنيانه من اصله فنقول هل العرب او غيرهم بمقتضي بشريتها قادرة علي ان تأتي بمثل القرآن و انما صرفت مشاعرها و آلاتها عن معارضتها ام لمتكن قادرة فان لمتكن قادرة فقد ثبت ان القرآن فوق قدرة البشر و خارق عادتهم و هو معجز و ان كانت قادرة فهل صرفوا عن التكلم بمثله قبل التحدي ابدا و بعده بحيث لميصدر من احد من الناس منذ زمان آدم الي زمان النبي صلي الله عليه [ص 60] و آله و لايصدر بعده الي يوم القيمة كلام بفصاحته علي غير معني المعارضة ام كانوا من قبل يتأتون و عجزوا بعد التحدي فان كانوا من قبل التحدي يتأتون بمثله او ما يقاربه او صدر من احد من نبي او وصي نبي او حكيم او عليم او اديب او غيرهم فقد عورض القرآن و وجد مثله اذ قد صدر مثله من البشر و كان من متمكناتهم و ليس القرآن فوق امكان البشر فانه قال فأتوا بسورة مثله و لميقل من تأليفكم بل فأتوا به و لو كان من غيركم من افراد البشر فمن ظن انه كان قبل يصدر من البشر و بعد تحدي النبي صرفوا كما يفهم من بعض عبائر مرت فقد قال بان القرآن قد عورض بلا حجة و هو من متمكنات البشر و كم من صنعة اتي بها احد من السالفين و لميأت بها في عصره احد ثم اتي بمثلها احد من المتأخرين و الحال انه لميأت احد بمثله و لو من كلام السلف بل في تفسير العسكري عليه السلام معني الطف حيث قال عليه السلام فأتوا بسورة من مثله من مثل هذا القرآن من التورية و الانجيل و الزبور و صحف ابرهيم و الكتب الاربعةعشر فانكم لاتجدون في سائر كتب الله سورة كسورة من هذا القرآن و كيف يكون كلام محمد المتقول افضل من سائر كلام الله و كتبه يا معشر اليهود و النصاري الخبر ، و من هذا الحديث الشريف يفهم معني آخر كان يختلج في صدري و هو انه صلي الله عليه و آله لميشترط العربية في التحدي بل الغرض اتيان كتاب او سورة يشتمل علي ما يشتمل القرآن فانه لو قام واحد من العجم و اتي بسورة عجمية بهرت العجم و يشتمل علي علم ما كان و ما يكون يسعه ان يقول للنبي صلي الله عليه و آله انت جئت بسورة عربية بهرت العرب و لميقدروا علي الاتيان بمثله لضعف علمهم و ها انا لست بنبي او ادعي النبوة مثلك و اتيت بسورة عجمية بهرت العجم و كما لايقدر العجم علي [ص 61] مثل سورتك لايقدر العرب ايضا علي مثل سورتي و كما بهرت سورتك العرب بهرت سورتي العجم فيصدق علي ذلك انه عارض القرآن و ابطل حجته كان يفتخر سلطان بان لي سريرا ليس لاحد فيفتخر آخر بان لي تاجا ليس لاحد فلايكون لاحدهما علي الآخر فضل البتة و كل فرد من افراد الانسان له خاصة ليست للآخر ، الاتري انه لو ادعي احد نبوة و دعا الجدار فاجاب و قام واحد آخر و قال انا لست بنبي و اقول للماء الجاري قف فيقف فقال قف فوقف الماء فقد اتي بمثل امره الا ان يظهر ذلك المدعي وجه الحيلة في وقوف الماء و يبطل امره فان لميبطل امره فهو ايضا آت بخارق للعادة مع عدم ادعاء النبوة فيظهر ان صدور خارق العادة ليس من اسباب النبوة فعلي ذلك لو جاء احد بسورة فارسية او تركية او هندية تبهر اهل ذلك اللسان و كان مشتملا علي ما يشتمل عليه القرآن من وجوه الاعجاز لكان آتيا بمثل القرآن و لتبين ان كلاما لايقدر عليه اهل عصر او اعصار ليس من اسباب النبوة كما رضي النبي صلي الله عليه ان يأتوا بمثله من السريانية و العبرانية علي ما اخبر به العسكري عليه السلام و لميأتوا به اللهم الا ان يضم اليه امر آخر و هو خارج عن موضع البحث فمن يصعب عليه درك عربية القرآن و يزعم انه يمكن معارضته فليأت بغير لسان العرب باي لسان كان مثل القرآن فظهر ان من زعم انه كان قبل زمان التحدي يصدر عنهم مثل القرآن و صرفوا عنه بعده فقد قال بان القرآن عورض و ابطل اعجازه البتة و ان لميأت احد به حاضرا بل كان و ضاع عن الناس لقلة المبالاة فانه يكفي في ان مثل القرآن مقدور البشر و لميقل النبي ان من قبلكم كانوا قادرين و انتم لاتقدرون و لميقل عارضوه بتأليفكم لا بتأليف من قبلكم و ان كانوا مصروفين عن مثله سابقا و لاحقا [ص 62] احتراما للقرآن و لميصدر عن احد من العرب و العجم من لدن آدم الي زمان التحدي و لايصدر من احد من العرب و العجم الي يوم القيمة فليس ذلك في قوة البشر التي يمكن بروزها و لا مرجح لبروزها و انما هي في امكانهم البعيد و لا احد يمنع ان البشر من عرض الامكان و يمكن في قدرة الله ان يجعل كل احد نبيا ذا معجز فمعارضة القرآن اذا غير مقدور لبني آدم من لدن آدم الي يوم القيمة و ان كانت في امكانهم ، الاتري ان في امكان النطفة ان تصير ولدا ذا رأسين و لكن جري عادة الله بخلق بني آدم ذا رأس واحد فجبلة البشر ان يكونوا كذا و عادة ايجادهم كذا فان كان البشر كلهم سلفا و خلفا مصروفين من عند الله و لميخلق الله اسبابا يقدرون بها علي اتيان مثل القرآن فمن الذي يخرج من امكانهم هذه القوة الي الفعلية ، الاتري ان الله لو صرف جميع بني آدم عن النطق بحيث لاينطق منهم احد لكان عادة البشر و سيرتهم ان يكونوا بكما فلو تكلم واحد بعد لكان خارقا للعادة و اما الامكان البعيد الموقوف علي قدرة الله فحاصل لهم في شق القمر و رد الشمس ايضا فانه يمكن في قدرة الله جعل كل احد قادرا علي شق القمر و انطاق الحصي و الذئب و لكن لميخلق الله غير النبي هكذا و لميهيئ لاحد اسباب ذلك و كل احد لايقدر علي شئ فهو بصرف الله كائنا ما كان و بالغا ما بلغ و كل احد يقدر علي شئ فبتوفيق الله كائنا ما كان و بالغا ما بلغ و ابي الله ان يجري الاشياء صرفا و توفيقا الا باسبابها فمن هيأ الله له اسباب الصرف لايقدر علي التصرف ابدا و من هيأ الله له اسباب العمل يقدر عليه فعدم اتيان الناس بمثل شق القمر ايضا بصرف الله بمقتضي قابليتهم و لو شاء الله لفعلوا و ان قيل بين المقامين فرق فان الله مرة يجعل الشئ في قوة زيد و قدرته كالقيام ثم يمنعه [ص 63] عنه لحكمة و مرة لايجعل الشئ في قوته اصلا و المراد ان الاتيان بمثل القرآن من قبيل الاول قلت ان ذلك لايفيدكم شيئا فانه علي ما ذكرنا كان جميع البشر في جميع الدهور و يكونون مصروفين عن هذا و لميصرفهم الله البتة الا بقابلية و استعداد لهم فكان طباع البشر مقتضيا للصرف فلاجل ذلك قضي الله لهم بالصرف و ليس يجبر الله احدا عن شئ يستعد له و يقتضيه كما لميفوض اليه ان يفعل ما يشاء و اذا كان طباع جملة البشر مصروفا عن هذا من اين علمتم انهم كانوا قادرين عليه و الذي مثلتم به يعرف اذا كان واحد يفعل و واحد لايفعل فالذي لايفعل فهو بصرف الله ما في قوته و اما اذا لميظهر علي احد من البشر ذلك ابدا فكان عدم الظهور علي الكل لحكمة عامة فمحال ان يظهر منهم ذلك فاذاً ليس الاتيان بمثله من عادة البشر و لا من متمكنات البشر و لايقدر عليه احد من البشر و اما قولكم لولا الصرف لقدروا فذلك جار في كل شئ فاني اقول لولا صرف الله لكان كل احد نبيا فان كل من يحرم عن شئ يحرم بمنع الله و كل من ينال شيئا يناله بفضل الله و توفيقه ، الاتري ان النبي صلي الله عليه و آله لو اذن لاحد ان يدعو شجرا فيجيبه يمكن له ذلك فيدعوه فيجيبه البتة فمن لايقدر علي ذلك فبصرف الله و منعه و عدم اذنه و توفيقه له البتة و لو شاء الله لهدي الناس جميعا و لكن الله اعلم حيث يجعل رسالته و لو نشاء لجعلنا منكم ملئكة في الارض يخلفون فلاينفعهم هذا القول بوجه فتبين و ظهر ان القول بالصرفة ساقط بالكلية مع ما في سائر كلماتهم من الاختلال الكثير و ليس لي الآن اقبال الي امثال هذه المباحثات و الرد و الاعتراضات فلاجل ذلك اعرضنا عن التعرض لسائر كلماتهم .
[ص 64] الباب الرابع - و منهم من قال ان وجه اعجاز القرآن الفصاحة قال في الخرائج الاشبه بالحق و الاقرب الي الحجة بعد ذلك القول اي الصرفة قول من قال ان وجه اعجاز القرآن المجيد خروجه عن العادة في الفصاحة فيكون ما زاد علي المعتاد هو المعجز الي آخر كلامه اقول يلوح منه انه يرجح الصرفة علي سائر الاقوال و بعدها الاعجاز بالفصاحة و لعمري الظافر بالحق قليل و اقل منه العارف به فلربما يختار احد الحق من حيث لايشعر فيكون ظافرا به غير عارف به بالجملة ان كانوا يريدون ان وجه الاعجاز الفصاحة التي يدركها سائر الناس وحدها دون سائر خواص القرآن فذلك خطاء محض فان وجوه اعجاز القرآن كثيرة كما سيأتيك ان شاء الله ثم الدليل علي عدم معرفتهم لما اختاروا انهم صاروا يستدلون علي ان القرآن معجز من حيث الفصاحة بان فصحاء العرب اعترفوا بانه معجز و ان فصاحة القرآن فوق حد البشر و انه يجب علي اهل المشرق و المغرب ان يقلدوا كعب بن قيس مثلا و كعب بن زهير و الاعشي الكبير و لبيد و وليد و امثالهم و الحال ان درجات فصاحة الكلام ليست كدرجات سائر الافعال فيعرف الناس منها ما هو حد البشر و ما هو فوق حد البشر كما انه يعرف كل رجل و امرأة و شاب و كهل و صغير و كبير و احمر و اسود ان القيام و القعود و الذهاب و المجيئ من حد البشر و الصعود الي السماء و دعوة الشجر و اجابته و انطاق الحصي ليس من طاقة البشر و حدهم فليس للفصاحة حد محدود يعرفه الناس و ان كان في الواقع لها حد معجز و لكن ليس ذلك بدرجة يعرفها الناس و يقفون عليها و الا لماانكره العلماء الذين يشقون الشعر و ذلك ان كل صنعة يعرف الناس اسبابها او يقدرون علي تصورها او تصور [ص 65] مثلها و وجه الحيلة فيها و الطريق اليها يعرفون انها مقدورة لهم غاية الامر انها لاتتأتي منهم لعدم اسبابها او عدم مزاولتها و ممارستها و كل صنعة لايعرفون اسبابها و وجه علاجها او يرون انها صدرت بلا سبب علاجي يعرفون انها معجزة لانهم يرون العمل حاصلا و لايرون له سببا و الفصاحة هي ان علم وجه ادائها بايّ نحو كان فيرون انهم قادرون عليها كعالم يفهم نكات كلام عالم آخر فكل من فهم نكات كلام يقدر ان يأتي بكلام مثله و يجعل فيه تلك النكات او مثلها البتة و لو بعد حين و لو بجهد و لو باعانة غيره و ان لميعرفوا نكاتها و اشاراتها فلايصدقون ان في الكلام نكات و اشارات و محسنات ازيد مما تعرف و ذلك ان الفصاحة امر علمي ان علمت علمت و ان لمتعلم فهي مجهولة كعاميّ يسمع كلام عالم و لايدري فيه نكات ام لا فكيف يصدق انه فيه نكات حتي يذعن و اما الذي يعلم اجمالا ان في الكلام نكات عديدة مما يعرف و ما لايعرف فذلك حسن ظن و ليس يبلغ به ذلك الظن الي تصديق اعجازه فانه لايري مجهولاته حتي يعلم انها فوق حد البشر بخلاف شق القمر مثلا فانه يراه و يري انه بغير اسباب علاجية فكل حد عرف من فصاحة الكلام يمكن الاتيان بمثله و كل ما لايعرف فهو مجهول لايعلم ما حده و ما مقداره فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف و اعتبر ان الفصاحة ليس لها حد يعرف الناس منه غاية حد البشر و الزائد عليه و القول بان فصحاء العرب عرفوا ذلك و نحن علي آثارهم مقتدون محض مجازفة و قول بغير علم فان متأخري العرب ليسوا باقل معرفة بفنون الكلام و اساليبه و نظمه و فصاحته و بلاغته من المتقدمين و قد اجتمع عندهم الافكار و التمّ لديهم الانظار و دونت الكتب و لميتركوا شيئا صغيرا و لا كبيرا من جهات الفصاحة و البلاغة الا و قد ضبطوه فاين جامعية [ص 66] المتأخرين من متقدمي العرب الذين لميكن لهم كتاب و لااجتمعت علومهم و افكارهم و انظارهم و كانوا اميين و من اهل البوادي و كل واحد منهم كان يتكلم بمقتضي فطرته غاية الامر كانوا فصحاء و لكن بلا علم كالذين يتكلمون دائما بقواعد منطقية و لايعرفون علم المنطق فاين عوام اهل الكلام من العارفين بالقواعد المنطقية المتدبرين فيها الكاتبين للكتب فيها فمتأخروا اهل الادب البتة هم اعرف بفنون الفصاحة و مع ذلك هم لايعرفون حد فصاحة القرآن حتي ان جمعا منهم زعموا انه يمكن التكلم بفصاحة مثل فصاحته و لكن الله يصرف الناس عن التنطق بمثله هذا و كل احد لو انصف عرف من نفسه انه لايدرك حد اعجاز فصاحة القرآن البتة بل المدعون ان اعجاز القرآن بفصاحته ليس يدركون ذلك و لو ادركوا لمااحتاجوا ان يستدلوا علي ذلك بتصديق وليد و لبيد و الاعشي و اري العلماء الازكياء و الشعراء الادباء و الخطباء الفصحاء لو تلي عليهم آية من القرآن غلطا و هم لايحفظونها من الخارج لايشعرون بانها قرأت غلطا فكيف يدركون فصاحتها و تحرف لهم و لايشعرون و روي ان الاولين لما عزموا علي جمع القرآن كانوا يؤتون بآيات فيطلبون الشهود علي انها من القرآن فكل آية معها شهود اثبتوها و كل آية ليس معها شهود تركوها و بذلك تركوا كثيرا من التنزيل فكيف كانوا يعرفون فصاحة القرآن و القول بان طلب الشهود لشدة الضبط قول بمحض تخمين و لا حجة لهم عليه الا ان الغالب علي النفوس حسن الظن بالاموات و تقليد الماضين انا وجدنا آباءنا علي امة و انا علي آثارهم مقتدون ، هذا و الفصاحة و البلاغة ليستا من خواص العربية و عصر الماضين بل هما من كمال كل لغة و توجدان في كل لسان و في كل عصر فليتدبر متدبر في لغته و في عصره هل يمكنه معرفة حد في [ص 67] الفصاحة و البلاغة يبلغه البشر و حد لايبلغه البشر و القول بان في الكلام عقلاً حداً فوق حد البشر ليس ينفع في المعرفة بالفعل هذا و ان النبي صلي الله عليه و آله لميتحد اهل عصره فقط و لا اهل لغته فقط و انما قال لو اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرءان لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا و قال فان لمتفعلوا و لنتفعلوا و قال و ادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين و من اين علم وليد و لبيد ان الانس و الجن من لدن آدم الي يوم القيمة لو اجتمعوا و جمع بعضهم فهمه مع فهم الآخر و صحح كل واحد غلط الآخر و عرف كل واحد منهم ما يعرفه من النِكٰات للآخر و تعاونوا علي سورة لها ثلث آيات كالكوثر لايقدرون علي ان يأتوا بمثل القرآن و من اين صار نظر الكفار و شهادتهم علي جميع الانس و الجن حجة و من اين علموا ان في اقصي بلاد العالم و في بعض جزائره لايوجد واحد يقدر علي مثل فصاحة القرآن و من اين علموا ان في الارض الجديدة و بلاد لميسمعوا باسمها مثلا ليس قوم يتكلمون بالعربية هم افصح من اهل مكة ، هب علموا ان الانس لايقدر من اين علموا ان الجن لايقدر ، هب علموا ان العرب لايقدر كيف علموا ان العجم لايقدر في لسانه علي فصاحة و بلاغة توازيان فصاحة القرآن و بلاغته في عربيته و ان النبي صلي الله عليه و آله لميقل ائتوا بسورة عربية و كمال القرآن و اعجازه ليس في كونه عربيا بل في كونه فصيحا بليغا حاويا لعلم ما كان و ما يكون و لميضع حرف منه في موضع الا لحكمة و دلالة علي اسرار من جهات شتي كما بينا و هي كمالات خارجة عن خصوص اللغة فلو اتي احد بكلام لاطيني يكون فصاحته في لغته و بلاغته و احتوائه علي العلوم توازي القرآن لقد اتي بمثل القرآن كما مر ان [ص 68] العسكري عليه السلام قال انه تحداهم ان يأتوا من العبري و السرياني ايضا فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان القوم عرفوا شيئا و غابت عنهم اشياء و لعمري لو كان السناد و العماد في تصديق اعجاز القرآن و ان اهل المشرق و المغرب و الانس و الجن يعجزون عن مثله قول الاعشي و وليد الكافرين الاميين الجاهلين الذين لايعرفان خيرهما من شرهما و هما غافلان عن عجائب خلق الله و فرق اهل العالم و كمالاتهم فاضعف به ايمانا و اسخف به دينا فتبين انهم لميكونوا عالمين بما قالوا غافلين عن شبهات العالم و شكوكه و قالوا شيئا علي الفطرة و طباع اهل العالم التقليد فكل من قدم شيئا ينسج علي منواله الآخر فان قلت فما السناد و ما العماد و علام الاعتماد قلت علي العليم الخبير الشهيد القدير الذي خلق الانس و الجن و رفع السماء و وضع الارض و احاط بكل شئ علما و قدر كل شئ تقديرا ، الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير . و تقدم هنا كلاما مجملا لتسكين فؤادك الي ان نفصل الحق تفصيلا فاعلم ان القرآن بفصاحته و بلاغته ايضاً معجز و لايقف علي حد اعجازهما احد الا الله جل جلاله و المعصوم المطهر الآتي به و النازل في بيته و الذي يعرفه سائر البشر كل واحد منهم يعرف عجز نفسه عن الاتيان بمثله و لربما لايعرف و يأتي بكلام يظن انه صار مثل القرآن و لكن علي الله ان يبعث واحدا ينبهه علي انه ناقص ليس في حد القرآن فان نبهه واحد مثله فهو و الا فجماعة من امثاله بعد الموازنة و الا فالامام المعصوم يقوم بذلك و يعرفه انه كلام ناقص ليس يبلغ حد القرآن ، الاتري انه رب رجل تكلم بكلام مسجع و عرف انه لميصر مثل القرآن و لربما تكلم جاهل بكلام مسجع و لميعرف هل ماثل القرآن ام لميماثل و لرب رجل تكلم بكلام و ظن انه ماثل القرآن لجهله فاذا وقع علي [ص 69] فصيح عالم عرف انه لميقارب القرآن و عرف ذلك الرجل عواره و نقصه و لربما يتكلم فصيح بكلام لايعرف هو و لا سائر الفصحاء نقصه عن درجة القرآن كما اعترف القائلون بالصرفة انا لانفرق بين قصار سور القرآن و افصح قصائد العرب و يصدقون علي انفسهم فاذا صدر كلام من احد و حصل الشبهة فعلي الامام و الحجة و علي الله تعالي ان يبعث واحدا او يظهر الحجة و يعرف عوار ذلك الكلام اذ ذلك فوق حد البشر و قد عجز البشر عن التمييز و علي الله البيان قال الله تعالي ساصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض فنحن نعرف اعجاز فصاحة القرآن ان النبي صلي الله عليه و آله قام بين يدي الله و جاء بهذا الكتاب و تحدي العرب و العجم و الانس و الجن و عجز من سمعه عن مثله و سكت الله سبحانه الشهيد القدير العليم الحكيم عن رده و عن ان يبعث احدا يرده و يأتي بكتاب مثل كتابه فلما رأينا سكوت الله عرفنا انه صادق كما صدقنا قوله لو اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرءان لايأتون بمثله و عجز فصحاء العرب لايدل علي عجز الجن و الانس من لدن آدم الي يوم القيمة و الجن كانوا في الدنيا قبل خلقة البشر ايضا و صدقنا قوله لنتفعلوا و عجز عرب ذلك اليوم لايدل علي انه لايأتي احد بمثله الي يوم القيمة فكما صدقنا هذه الآيات بتصديق الله الذي احاط بكل شئ علما و علم الخلق من اوله الي آخره و عرف الانس و الجن صدقنا ان القرآن بلغ فصاحته مبلغ الاعجاز و ان لمندرك حده ، الاتري انه لو صدق فقيه مسلم عادل حكيم مؤمن ممتحن ان فلانا فقيه تتيقن انه فقيه و ان لمتعرف مبلغ علمه و لكن القوم سكنوا هذا السكون الي قول الوليد و قالوا انا عرفنا اعجازه بتصديق الوليد و ان لمنعرف حد فصاحته ، ان الذين تدعون من دون الله [ص 70] لنيخلقوا ذبابا و لو اجتمعوا له و ان يسلبهم الذباب شيئا لايستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب ماقدروا الله حق قدره و تصديق الاعشي و الوليد كبيت العنكبوت مع انه اوهن البيوت فواعجبا هل يمكن ان يحتج علي الهندي و الرومي و التركي و الفرسي و الافرنجي و اهل الارض الجديدة بتصديق الاعشي و الوليد و يكلفوا الايمان فاذا سألوا البيان يقال لهم ان الوليد صدق فصدقوا جميعكم و الا فدمكم مباح و اهلكم سبي و اموالكم نهب ، فلا بالله و ان الامر اعظم من ذلك و اعظم ، قال في الخرائج لما كان من محمد الغالب علي قومه الفصاحة و البلاغة حتي كانوا لايتفاخرون بشئ كتفاخرهم بها جعل الله تعالي معجزته من هذا القبيل فاظهر علي يديه هذا القرآن فعلم الفصحاء منهم ان ذلك ليس من كلام البشر فآمنوا به و لذلك جاء المحضرمون و آمنوا برسول الله صلي الله عليه و آله منهم كعب بن قيس بن زهير و كعب بن زهير و جاء الاعشي و مدح رسول الله بقصيدة معروفة و اراد ان يؤمن به فدافعته قريش الي ان قال مات كافرا و جاء لبيد و آمن برسول الله و ترك قول الشعر تعظيما لامر القرآن انتهي ، اقول ذلك مبلغهم من العلم و ذلك غاية استدلالهم و عرفت انه لايسمن و لايغني من جوع فتدبر و انصف و يأتيك ان شاء الله مزيد بيان .
الباب الخامس - و منهم من قال ان وجه اعجازه الفصاحة و النظم معا قالوا الذي يدل علي ان التحدي كان بالنظم و الفصاحة معا انا رأينا النبي صلي الله عليه و آله ارسل التحدي ارسالا و اطلقه اطلاقا من غير تخصيص يحصره او استثناء يقصره فقال مخبراً عن ربه قل لئن اجتمعت الآية ، و قال تعالي و ان كنتم في ريب الآية ، فترك القوم استفهامه عن مراده بالتحدي و [ص 71] هل اراد مثله في الفصاحة دون النظم او في النظم وحده او فيهما جميعا او في غيرهما فعل من سبق الفهم الي قلبه و ازال الريب عنه لانهم لو ارتابوا لسألوه و لو شكوا لاستفهموه و لميجر ذلك علي هذا الا و التحدي واقع بحسب عهدهم و عادتهم عندهم و معروف بينهم و قد علمنا ان عادتهم جارية في التحدي باعتبار طريقة النظم مع الفصاحة باعتبار الفن الذي يقع فيه التحدي و تفاوته في الفصاحة و لهذا لايتحدي الشاعر الخطيب بالشعر و لا الخطيب الشاعر و انما يتحدي كل انسان صاحبه بالفن المعارض حتي يأتي بمثل عروض صاحبه كمناقضة جرير و فرزدق و جرير للاخطل و هذه عادتهم جري الحكم في التحدي عليها ثم ذكر بعض الابحاث و اجوبتها ما حاصله انه و ان كانت عادة العرب كما ذكرتم في التحدي لكن لايمتنع صحة التحدي بالفصاحة و انه افهمهم قصده و اجاب بانه لو كان كذا لوجب ان ينقل الينا علي ان التحدي لو كان مقصورا علي الفصاحة لعارضوه ببعض شعرهم لانا لانعلم حق الفرق بين قصار السور و فصيح كلام العرب و هذا يدل علي التقارب المزيل للاعجاز و العرب بهذا اعلم و لهذا لايصاب في كلام العرب ما يقارب القرآن في فصاحته و نظمه انتهي ، اقول ان القول في ذلك كالقول في صاحبه فانه صلي الله عليه و آله لميتحدهم بان يأتوا بكلامهم السابق علي زمان التحدي فيكفي ان يأتوا بما الفوه بعد سماعهم القرآن و اطلاعهم علي نظمه و لا شك ان المقدار المعروف من نظم القرآن يمكن ان يقتفي و يؤلف كلام علي نظمه فان الانسان قادر بفعله علي ما ادرك بعقله و عرف وجهه كما الف مسيلمة و سجاح و غيرهما من الناس علي نظم القرآن بحسب الظاهر [ص 72] و ان النظم الذي لايعرف منه فمجهول لايعلم احد انه علي حد الاعجاز ام لا فلايعرف احد من العرب و لا العجم و لا المتقدمين و لا المتأخرين حد ممكن النظم من حد اعجازه و ذلك اي ما ادعوا محض قول لا معني له و محض ادعاء و كم رأينا و سمعنا من كلام علي نظم القرآن فالقول في النظم بعينه القول في الفصاحة نعم للقرآن نظم فوق طاقة البشر من ترتيب الآيات بل الكلمات بل الحروف و تقدم بعضها علي بعض و تأخر بعضها عن بعض و خواص حروفها و قواها و طبائعها و لها قرانات و اوضاع قد نطلع علي بعضها بحيث يبهر العقل فذلك فوق طاقة البشر و لكن من الذي يعرف ذلك النظم حتي يعلم انه معجز ام لا فمعرفة ان نظم القرآن معجز و لايقدر عليه احد من الانس و الجن من لدن آدم الي يوم القيمة ليس من حظ العرب الاميين البدويين الجهلة الغفلة عن اوضاع العالم الماشين وراء المواشي في برهم و بواديهم و آكامهم و هضابهم و لايمكن عقلاء العالم تقليدهم و حسن الظن فيهم غاية الامر انهم لما سمعوا نظم القرآن اعجبهم ذلك و راقهم و راعهم و عرفوا انه ليس بخطبة و لا شعر و لا نثر و لا نظم كالفصاحة حرفا بحرف و اما انه محال ان يخرج من فلق فم البشر مثله علي ما يعرف فلا ، فمعرفة اعجاز النظم شأن المعصومين سلام الله عليهم اجمعين و الله هو العالم به و عليه ان يبطل كلام المبطل و يعرف عواره و يحقق الحق فانه العالم به و حججه ، و لعمري اعجب الامور من امر القرآن و اعظم معجزاته ما ساحكيه لك و هو ان ،
الناس من حسب التمثال اكفاء ابوهم آدم و الام حواء
و طبائع اهل الاعصار متشاكلة و عدم عفافهم و لغوهم و هزلهم متوافقة و عرب الجاهلية معروفون في عنادهم و لجاجهم و عصبيتهم و حميتهم ثم [ص 73] في شربهم الخمور و هلعهم في الفجور و عدم مبالاتهم عن الكذب و الزور و الفرية و غاية الغرور و قد جاء النبي صلي الله عليه و آله بين ظهرانيهم وحيدا فريدا يتيما و لا احد يؤمن به في اول الامر و انما صدقه واحد بعد واحد و اتي بالقرآن و تحداهم به و وضع السيف علي آنافهم و البسهم الذل علي ان يأتوا بمثل هذا القرآن فلميقدروا علي الاتيان بمثله و ذلك سهل بل و لاقدروا ان يلغوا و يدعوا كذبا انا اتينا بمثله فيشهروه في البلاد حتي يشككوا العباد فانهم ان عجزوا عن الاتيان بالمثل لميكونوا يعجزون عن ادعاء ان فلانا اتي بمثله و نحن فصحاء عرفنا انه يماثل القرآن و يساويه و يشهروه حتي يشككوا الناس بل ماقدروا ان يصدقوا كلاما معروفا ليس يساوي القرآن حمية و عصبية ابطالا لامر القرآن و اقل ما كان ينفع لهم ان يشككوا هؤلاء الذين يقلدونهم و يقتدون بهم و الشعراء و الادباء كثيرا ما يفعلون ذلك حمية و عصبية و حسدا و لاتزعم انهم كانوا عاجزين عن المقدار المفهوم من الفصاحة و النظم فلو اتوا بعبارة تشتمل علي الفصاحة بقدر المفهوم و من النظم علي قدر المعلوم ثم شهروا في البلاد انا عرب فصحاء ها اتينا بمثله ثم صدق بعضهم بعضا لوقع الشبهة و الشك في الناس الي آخر الابد فان المقدار المفهوم منهما فقد اتوا بمثله و غير المفهوم منهما فمجهول لايطالبون به فكان يحصل الشبهة العظيمة للجهال و كذلك في الاعصار بعدهم و قد كثر الزنادقة و تنبهوا بالشبهات و عرفوا نسج الكلام و مضامين الاسلام فلميأت احد بكلام فصيح بقدر الطاقة علي نظم القرآن علي المعروف حتي يقع الشبهة في الاذهان و ان قالوا خافوا صولة الاسلام قلت كم من شعر ليس يعرف قائله و كم من كتاب ليس يعرف له مصنف فهلاكتبوا كتابا من غير نسبة الي احد و يشهروه فان غرضهم [ص 74] كان يحصل به اللهم الا بعض اصحاب النزق الذين خرجوا في هذه الازمان و ادعوا مقامات عجيبة و نزول الوحي عليهم و اتوا بخزعبلات تضحك الثكلي و قد احكمت امر القرآن و شيدت بنيانه حيث تحاولوا المجاراة و لميقدروا عليه و تبين عجزهم عن الاتيان بما يقارب القدر المعروف من فصاحته و بلاغته بالجملة هذا الصون و صرف النفوس و العزيمات في جميع هذه الاعصار عن التعرض لما ذكرنا و عن الادعاء و عن اتيان ما يساوي المفهوم منه بل ما يقارب بل عن ادعاء انا جئنا بمثله و لو كذبا فيشهروه كما يقع كثيرا امر خارق للعادة و خلاف معتاد طبائع البشر في حقدهم و حسدهم و لهوهم و لغوهم و هزلهم و تبين بذلك معني قوله تعالي ساصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق و معني انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون و لو كان منهم ذلك لماخفي في الدنيا مع هذه الشياطين و الاعداء و الزنادقة الساعين في اطفاء هذا النور و الادباء و الشعراء الناقلين لكل كلام فصيح و عبارة طريفة بل و غير طريفة فالصرف بهذا المعني واقع و هو خارق لعادة البشر البتة كيف لا و لميسلم شئ في الدنيا عن تحاول الناس و معارضتهم و مجاراتهم و السعي في اتيان مثله و لو مع عدم ارادة ابطال امره و من باب تكميل النفس في تلك الصنعة و معارضتهم لكل شئ ان هذا الا خلاف معتاد العالم و البشر و ان هذا الا من صرف الله جل و عز و لعمري ان هذا محل تعجب فانصرف كل احد بسبب عن التعرض لمثل ذلك و ان كان و لو اتي بشئ لتبين عواره و ابطل الله آثاره لان القرآن في الواقع معجز و الله مظهر امره و لو كره المشركون و عليه بيانه و اثبات حقيته و اعجازه علي اي حال و عليه رفع الشبهات [ص 75] و الشكوك بالحجج البينة في كل الاحوال و ليس بعجب عدم اتيانهم بمثله واقعا و انما العجب من عدم تعرضهم عن اللغو فيه و ادعاء انهم اتوا بمثله و اللبس و الخلط في الامر بل كفر من كفر جهارا و عنادا و انكر القرآن بمحض الادعاء و قول انه سحر او انه افتراء و لايمكن سد فم العدو و آمن من آمن عن معرفة بحقيته و علم بشأنه و اتبعهما من اتبعهما عن جهل ، بالجملة لو تدبرت فيما ذكرت لقضيت العجب مما نبهت .
الباب السادس - و منهم من قال ان اعجاز القرآن النظم المخصوص و يشعر هذا القول بان فصاحته و بلاغته ليستا بمعجزتين نعوذ بالله و قالوا الذي يجب ان يعلم في العلم باعجاز النظم هو ان يعلم مباني الكلام و اسباب الفصاحة في الفاظها و كيفية ترتيبها و تباين الفاظها و كيفية الفرق بين الفصيح و الافصح و البليغ و الابلغ و يعلم مقادير النظم و الاوزان و ما به يتبين المنظوم من المنثور و فواصل الكلام و مقاطعه و مباديه و انواع مؤلفه و منظومه ثم ينظر فيما اتي به حتي يعلم انه من اي نوع هو و كيف فضل علي ما فضل عليه من انواع الكلام حتي يعلم انه نظم مباين لسائر المنظوم و نمط خارج عن جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم من انواع الخطب و الرسائل و الشعر و المنظوم و المنثور من الرجز و المخمس و المزدوج و العريض و القصير فاذا تأملت ذلك و تدبرت مقاطعه و مفاتحه و سهولة الفاظه و استجماع معانيه و ان كل لفظ منها لو غيرت لميمكن ان يؤتي بدلها بلفظة هي اوفق من تلك اللفظة و ادل علي المعني منها و اجمع للفوائد و الزوائد منها و اذا كان كذلك فعند تأمل جميع ذلك يتحقق ما فيه من النظم اللائق المباين و المعاني الصحيحة [ص 76] التي لايكاد يوجد مثلها علي نظم تلك العبارة و ان اجتهد البليغ و الخطيب اقول قد نسجوا عبارات و قالوا كلمات و ماادري هل فهموا ما قالوا ام لا و هل فهموا بانفسهم اعجاز نظم القرآن و عرفوا من النظم ما هو حد البشر و منه ما هو فوق حد البشر و هل عرفوا ما هو حد الانس و الجن و ما هو فوق ذلك ام لا نعم قالوا ما قالوا و لا شك ان نظم القرآن معجز و انما الكلام في ان مقدار ما يعرفون منه و عرفه كعب بن زهير و صدق هل هو امر يعرف انه فوق حد البشر و الانس و الجن ام لا و كل من راجع نفسه و استقضي قلنسوته كما في المثل عرف انه لايفرق بين حد البشر من النظم و بين حد المعجز نعم هو معجز و كل احد غاية ما يعرفه عجز نفسه و خطاء من يدعي انه اتي بمثله و هذا هو الغاية في فهم العباد قالوا و في نظم القرآن خواص : اولها خروج نظمه عن سائر اسباب المنظومات فلما عدم وجود شبه القرآن من انواع المنظوم انقطعت اطماعهم عن معارضته و الثانية هي الروعة التي في قلوب السامعين الثالثة انه لميزل غضا طريا الرابعة انه في صورة كلام هو خطاب لرسوله تارة و لخلقه اخري الخامسة ما يوجد في جمعه فان له صفتي الجزالة و العذوبة و هما كالمتضادين و السادسة ما وقع في اجزائه من امتزاج بعض انواع الكلام ببعض و عادة ناظمي البشر تقسيم معاني الكلام و السابعة ان كل فضيلة بنفسها تأسيس اللغة في اللسان العربي هي موجودة في القرآن و الثامنة وجود التفاضل بين اجزائه من السور و بين بعض فالسورة الحسنة تظهر بين المختلفات كما في التورية كلمات عشر يشتمل علي الوصايا يستحلفون بها لجلالة قدرها و كذا في الانجيل اربع صحف و كذا في الزبور تحاميد و تسابيح يقولونها في صلوتهم و التاسعة وجود ما يحتاج العباد الي علمه [ص 77] من اصول دينهم و فروعه من التنبيه علي طرق العقليات و اقامة الحجج علي الملاحدة و البراهمة و الثنوية و المنكرة للبعث و القائلين بالطبائع باوجز كلام و ابلغه و فيه من انواع الاعراب و العربية و الحقيقة و المجاز و الناسخ و المنسوخ و هو مهيمن علي جميع الكتب المتقدمة و العاشرة وجود قوة النظم في اجزائه كلها حتي لايظهر في شئ من ذلك تفاوت و لا اختلاف و له خواص سواها كثيرة و قال فان قيل فهلاكانت الفاظ القرآن بكليتها مؤلفة من مثل الالفاظ الموجزة التي اذا وقعت في الكلام زادته حسنا ليكون كلام الله علي النظم الافضل الاحسن اذا كان لايعجزه شئ عن بلوغ الغاية كما يعجز الخلق عن ذلك الجواب ان هذا يعود الي انه كيف لميرتفع اسباب التفاضل بين الاشياء حتي يكون كلها سببا واحدا متشابه الاجزاء و الابعاض و كيف فضل بعض الملئكة علي بعض و متي كان كذلك لميوجد اختلاف بين الاشياء يعرف به الشئ و ضده علي انه لو كان كلام الله كله كما ذكر لخرج في صورة المعمي الذي لايوجد له لذة البسط و الشرح و لو كان مبسوطا لميبن فضيلة الراسخين في العلم علي من سواهم ثم انه تعالي حكيم علي ان الطائفة المبعوث اليهم انما هو في النمط الذي انزله فلو كان علي تركيب آخر لميكن لطفا بهم انتهي ، و كان الكتاب مغلوطا و الخطب فيه سهل فان هذه الادلة صحيحها و غلطها سواء و هي كما تري و لسنا بصدد بيان عيوبها و ردها و انما ذكرناها لتحيط بمبالغ العلم خبرا ، بالجملة القول في النظم كالقول في الفصاحة منفردة و مع النظم و قد مر مشروحا .