فصل - اعلم اولا ان من يريد ان يعرف موضوعا خاصا يجب ان يعرف اولا صفة الكلي الذي يحتمل او يظن ان ذلك الموضوع احد افراده ثم اذا حققه و عرفه علي نحو الكلية حق المعرفة يبحث عن ذلك الموضوع هل هو من افراد ذلك الكلي ام لا ، فمن لميعرف حقيقة السراج علي نحو الكلية مثلا لايجوز ان يبحث عن الفرد الخاص هل هو سراج ام لا و من لايعرف الفيل مثلا علي نحو كلي كيف يجوز ان يبحث عن الحيوان المرئي هل هو فيل ام لا و يرد و يعترض و يجادل بلا طائل و اغلب طول المباحثات من غير طائل و طول المنازعات لانهم لميحققوا الكلي و لعلهم مختلفون في معرفة الكلي و نزاعهم في الكلي و هم غافلون عنه و هو سبب نزاعهم في الجزئي و ذلك باب عظيم غفل عنه كثير من الناس و لذلك طال جدالهم بلم و لانسلم و قدحوا و ردوا و اعترضوا و اجابوا من غير ان يعرفوا معني حقيقة الكلي ، فتنبه انت يا هذا و قدم امام كل بحث معرفة الكلي ثم باحث عن الفرد الخاص فالواجب هيهنا ان تعرف ان النبي ايّ معني هو و ايّ نوع من الانواع يسمي بالنبي فاذا عرفت النبي فتفكر في الرجل الخاص هل هو من افراد ذلك النوع ام لا حتي يسهل عليك الخطب ، فاقول الواجب ان يكون النبي اولا انسانا بشرا فان من دون البشر ظاهرا حيوان و نبات و جماد و هي مسخرة للانسان مخلوقة لمنافع الانسان و رزقه و حمل اثقاله عديمة الشعور و الادراك للكليات و عواقب الامور و ابعد عن المبدء من الانسان و لايجوز ان يستحق نزول الوحي عليه و السفارة بين الانسان و الرب الاحد القديم جل جلاله و ليست صورها و جبلتها صالحة لهذا المقام و ذلك بديهي [ص 27] و الانسان فيه جمادية كاملة و نباتية كاملة و حيوانية كاملة اكمل مما لها و اقرب الي المبدء منها و اشبه بالمشية منها و انسانية مزيدا عليها كما هو بين و الله الاحد الواحد الحكيم يجري افعاله علي نهج الحكمة و الصواب كما قدمنا في المقدمة و اما الجن و الملك فهم غيب عن الانسان لايرون الا اذا تجسموا و صاروا كالبشر و غلظوا فهم مع كونهم ادني من الانسان و عدم كونهم كلمة تامة حاملة لسر التوحيد الجامع و كونهم اطرافا للخلق و كلمات ناقصة و ابعد عن المبدء منه اذا غلظوا و صاروا كالبشر لايعرف انهم بشر او غير بشر و ان عرفوا لايعلم ان ما يأتون به من المعجز هل هو من مقدورات نوعهم ام من خواص من صار نبيا منهم و قد اخبر الله في كتابه بهذا المعني و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون هذا و الحكمة اقتضت ان يكونوا روحانيين مخفيين عن البشر لايراهم الانسان الا بمشاعره الباطنة فوجب في الحكمة ان يكون النبي بشرا كلمة تامة يصلح للبعثة علي الانسان و سائر الكلمات التامة بالقوة القريبة اذ لميخلق الله خلقا اشرف و لا اجمع من الانسان كما هو معلوم عند الحكماء فهو فرد من افراد الانسان فاذا صار من افراد الانسان يجب ان يكون كسائر افراد الانسان في الخواص النوعي يأكل و يشرب و ينام و يستيقظ و ينكح و يلد و يولد و يحيي و يعيش و يموت كسائر افراد البشر في الخواص النوعية المشتركة بينها و لايجب بل لايجوز ان يكون فيه خواص كل الافراد فيلزم التناقض فيكون جاهلا فاسقا كافرا غبيا و عاجزا و مجنونا و امثال ذلك فما استدل علينا منكروا الفضائل ان النبي قال انا بشر مثلكم فيجب ان يكون جاهلا و عاجزا و ساهيا حتي يكون كالبشر فذلك سفه من الرأي و خطأ محض و نصب صرف و اخماد لنور الله [ص 28] و كتمان لفضائل اولياء الله و انما البشر له خصال نوعية مشتركة بين جميع الافراد و هي الواجبة ان تكون في النبي و الولي و اما الخصال الخاصة فالواجب ان يكون فيه افضل خصالهم و اشرف صفاتهم فان كان فرد عالما و فرد جاهلا فهو كالفرد العالم و ان كان فرد ظالما و فرد عادلا فهو كالفرد العادل و ان كان فرد بخيلا و فرد جوادا فهو كالفرد الجواد و ان كان فرد ذاكرا و فرد ناسيا فهو كالفرد الذاكر و هكذا و يجب ان يكون هو افضل افراد امته و اكملهم فيما يدعي لهم و بعث به حتي يكون حجة عليهم و يكون بينهم و بين الله يستحق من كل جهة بعث به نزول الفيض اليه اولا ثم ينزل منه الي رعيته فانه السفير في تلك الجهة فلايضر جهل النبي بشئ لايدعيه و لميبعث به كقول النبي صلي الله عليه و آله انادري ما يفعل بي و لا بكم و كقوله تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسك فلايضر جهل سليمان مثلا بموضع الهدهد فانه لميدع علم ما كان و ما يكون اذا ثبت انه لميدر واقعا و ليس كل سؤال دليل الجهل فان الله يقول ما تلك بيمينك يا موسي و يقول ءانت قلت للناس اتخذوني و امي الهين و الاوفق بالقواعد الحكمية ان لايجهل شيئا يعلمه رعيته و كذا لايضر جهل نبينا صلي الله عليه و آله بحرف من حروف الاسم الاعظم مثلا لانه لميدع تسوية علمه مع علم الله و الله اعلم منه يقينا و مقتضي الاعلمية ان يكون عند الاعلم ما ليس عند غير الاعلم البتة و لايضر به حاجته الي الله فانه لميدع الغناء عن الله جل جلاله و هكذا علم البداء هذا اذا ثبت انه جاهل واقعا بحرف من حروف الاسم الاعظم و بعلم البداء و لايكون له تأويل فان الثابت في الحكمة و ضرورة الاسلام انه اشرف من جميع ما سوي ذات الاحد جل جلاله فاذا كان كذلك فما سوي الله اما ذاته الشريفة او [ص 29] دون ذاتها فلايعقل جهله بذاته و لا بما دونها فالواجب تأويل ما ورد من امثال ذلك و تخصيصه بمقام من مقاماتهم الدانية لا اعلي مقاماتهم فتدبر و انصف بالجملة و لتحقيقه مقام غير هذا المقام و الكلي الثابت بالحكمة انه يجب ان يكون النبي افضل رعيته من كل جهة بعث به حتي يكون سفيرا بينهم و بين ربهم و حجة عليهم لان النبي من ينبي عن الله و ما لميكن مضمحلا متلاشيا في جنب الله مطيعا منقادا لمشيته لايشف عنها و لاينبي عنها و لو كان علي صفة رعيته و مثلهم لكان محجوبا عن مشية الله مثلهم و لايقدر علي الانباء عنها حتي انه لو خالف مشية الله في جهة واحدة لايقدر علي الانباء عنها في تلك الجهة و يكون محجوبا عنها في تلك الجهة فان كان مبعوثا علي جميع ما سوي الله من كل جهة فيجب ان يكون افضل من كلهم في كل جهة و الا فعلي حسب بعثته و لما كان النبوة صفة باطنية ليست من الخصال الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة و مقام سفارة بين الله و بين خلقه و وساطة و مقام قرب بمشية الله وجب ان يكون حامل مشية الله و محلها و ان يكون صاحب صفات الهية و اسماء ربانية و آيات صمدانية لايقدر عليها احد من البشر حتي يعلم انه سفير اٰتٍ من عند الله جل و عز و هو غير سائر افراد البشر فوجب ان يجري علي يديه معجزة او معجزات لايقدر عليها احد من البشر ، و لايكون فيه صفة عسي ان يكرهها احد و يعيب عليه عاقل مما قدمنا و ما يشاكله و لما كان من نوع البشر لا بد و ان يجري عليه الحوادث و الموت فينجرح و ينكسر و يمرض و يصح و يموت فانها حالات قهرية تجري علي الجسم بحوادث الليل و النهار و لا غضاضة في امرء منها و هذا النبي رجل من ولد آدم عليه السلام كسائر اولاده نوعا و يكون في بلد من البلاد و يبعث بالامر [ص 30] في بلد من البلاد فيظهر امره في ذلك البلد في ذلك المجمع المعين فيسمع بامره اهل ذلك المجمع و كل الدنيا عنه غافلون ثم ينتشر شيئا فشيئا في ذلك البلد ثم ينتشر بعد زمان حول ذلك البلد مما يقرب منه و يؤمن به واحد بعد واحد و من الناس سريع الفهم و منهم بطيء الفهم و منهم كثير العرض و منهم قليل العرض و منهم من يؤمن به و منهم من لايؤمن به ابدا لشقائه ثم ينتشر امره شيئا بعد شئ في بلد بعد بلد و يؤمن به من كل بلد واحد بعد واحد و يعاينه من معه و سائر الناس يسمعون خبره و لايرونه الا من يسافر اليه و هذا عادة امر الدنيا و عادة اهلها و لايكون النبي جميع اموره علي خلاف العادة و لايغير وضع حكمة العالم الا بقدر الحاجة و بقدر اقامة الحجة مما لاينافي الحكمة فلايجيب ابدا الي كل ما يقترحه الجهال فلايجيب اذا قال له رجل ان كنت صادقا فاجعل البر بحرا و البحر يبسا او خرب السماوات او ازل الشمس و القمر و النجوم عن مجاريها او افن النبات عن العالم او امت كل الحيوانات او احي كل الاموات و امثال ذلك من ما يخالف المصالح العامة و ليس من الحكمة اجابة الجهال فيما يقولون فان الله خلق العالم لحكمة و خلقه هكذا لحكمة و جعل عادته فيه كذا لحكمة فلايجوز خلافها الا بقدر الضرورة و اقامة الحجة و يكفي خرق العادة في حصاة واحدة بانطاقها و الله شهيد علي ما يعملون و لايجب ان يفعله لكل احد بل يكفي ان يفعله عند جماعة ثم يصل الامر الي الباقي بالشياع و التواتر و اخبار العدل الموجب للقطع العادي فان الغرض حصول القطع و هو حاصل فليس يجب اجابة كل احد في خرق العادة و يكرر ذلك لكل واحد واحد من افراد البشر فان تغيير عادة الله لاينبغي الا عند الحاجة و بقدرها و ترتفع الحاجة بعد [ص 31] الشياع و اخبار العدول و التواتر فلا حاجة الي التكرير و كذلك في الابلاغ الي الاعصار فان حصل القطع لاهل عصر او بلد في زمان بالتواتر و الضرورة و اخبار الثقات فهو و لا حاجة الي شئ زائد و الا وجب علي الوصي ان يجدد الحجة حتي يحصل القطع و يرتفع العذر و ان تكرر عن نبي او وصي معجزة فلا بد و ان لاتكون علي خلاف الحكمة و يكون فيها حكمة مجوزة و الا فلا حاجة الي التكرير الا ان لايمكن حصول القطع للطالب الا بها فحينئذ يجب . و يجب ايضا ان يكون اعلم اهل زمانه بالله و بكتبه و رسله و شرائعه و اليوم الآخر و حقائق الاشياء و افضلهم و اتقاهم و اورعهم و ازهدهم و اشجعهم و اقواهم و اسخاهم و اكملهم في جميع الخصال فان نوعه فوق نوع الرعية و كما يكون الانسان فوق جميع الحيوانات من جميع الجهات و يكون الحيوان فوق النبات من جميع الجهات يكون نوع النبي فوق نوع الرعية ، نعم قد يكون نبات اقوي من نباتية الحيوان من حيث الجثة لا اللطافة و صلوح تعلق الحيوة و كذا قد يكون حيوان اقوي من انسان من حيث النباتية الكثيفة و الحيوانية و من حيث الجثة لا اللطافة و صلوح تعلق روح الانسان به فهذه ليست دليل افضلية الادني اذا كان مع ما هو عليه غير قابل لروح الاعلي ، فكذلك قد يكون انسان اقوي و اكبر من حيث الجثة و من حيث النباتية و الحيوانية و الانسانية من النبي لكن هو علي ما هو عليه كثيف غليظ غير معتدل و غير صالح لروح النبوة فذلك غير ضائر و لايدل علي افضلية انسان في جهة عن النبي صلي الله عليه فان كان حلم روبيل مثلا اكثر من يونس فلايدل ذلك علي افضلية روبيل و لو من تلك الجهة فلا كل حلم من قوة الاختيار و ان علم النملة ما لميعلم سليمان فلميدل علي افضلية النملة من [ص 32] تلك الجهة فان هو الا ككون شجرة الدلب اكبر من الذئب و النخلة اكبر من النملة فهذا الكبر لايجدي شيئا البتة فانه زيادة في اجزاء كثيفة غير قابلة لروح الحيوة و النملة اشرف من النخلة كائنة ما كانت كما ان ارزة ماس اشرف من جبل ابيقبيس الفالف مرة فكذلك اكبرية بعض الانسان و اقوائيته عن النبي و لو في العاديات الانسانية ليست تدل علي اشرفيته فافهم فانه دقيق لطيف شريف فالنبي لاجل كونه صاحب روح النبوة التي ليست لاحد من الرعية يكون جميع ما له اشرف و الطف و اكمل و اقوي من جميع من ليس بنبي اذ بها استحق روح النبوة و نفخت فيه بها .
فصل - اعلم ان حقيقة المعجز ايضا في الظاهر فعل يصدر من النبي او الوصي لا من حيث جماديته و لا من حيث نباتيته و لا من حيث حيوانيته و لا من حيث انسانيته بل هو آثار روح النبوة التي فيه و هي مثال مشية الله الملقي في هويته فيظهر منها آثاره و تلك الآثار آثار فوق هيمنة الجمادات و النباتات و الحيوانات و الاناسي و هي تعجز عنها البتة كما يعجز النبات عن فعل الحيوان و الحيوان عن فعل الانسان فكذلك الانسان يعجز عن فعل النبي فانه فوق هيمنته و روح النبوة روح مكوِّنة بكسر الواو علية لها قوة علي التكوين و التغيير و لها مقام الاسمية التشريعية و الوصفية لله سبحانه حاملة لمشية الله و محلها مضمحلة متلاشية في جنبها و بذلك تحكيها و تؤدي عنها و تبلغ عنها و تشرح مرادها و وجب علي من احتجب بنفسه عنها ان يسمع لها و يطيعها و يأخذ عنها و يتصل بها حتي يتصل بما اتصلت بها كما يجب علي الاعضاء المحجوبة عن الروح الملكوتية غير المطلعة علي مرادها ان تسمع للروح [ص 33] البخارية المضمحلة في جنب الروح الملكوتية و تطيعها و تتصل بها و تأخذ عنها و الا لتكون ميتة لا حراك لها و تنبئ الروح البخارية عن الروح الملكوتية و تشرح مرادها و تؤدي عنها قد القت الروح الملكوتية مثالها فيها و اظهرت عنها افعالها و افعالها فوق هيمنة الاعضاء و تعجز الاعضاء عن فعلها البتة و كذلك يعجز سائر افراد الانسان عن فعل روح النبوة و جميع افعالها معجزة بالنسبة اليهم ، اللهم الا افعال تصدر عن النبي من حيث جماديته و نباتيته و حيوانيته و انسانيته في الظاهر و الا ففي الحقيقة جميع افعاله علي غير معني افعال الرعية و يعجز الرعية عنها فان جماديته و نباتيته و حيوانيته و انسانيته اعدل من جميع الرعية فهو و ان اكل و شرب يكون اكله و شربه علي غير معني اكل الرعية و شربهم و يعجزون عن الاكل بذلك المعني و عن الشرب بذلك المعني في الحقيقة ، الاتدرون ان النبي مخلص في الله لايشرك به شيئا و لايفعل فعلا الا بامر الله كما امر الله و ذلك مما يعجز عنه الرعية فالنبي جميع افعاله و اقواله و احواله معجزة حقيقة و ان كان بعض افعاله في الصورة كفعل الرعية و بعضها علي خلاف صورة فعل الرعية و اهل الظاهر يعدون الاخير معجزا دون الاول و عند العارف بشأنهم جميع افعالهم معجزة باهرة ، فالنبي و ان قال اسقني ماءا و قال غيره كذلك الا ان قول النبي واقع موقعا يعجز عنه جميع الرعية فافهم ان كنت تفهم الا ان الذي يعده اهل الظاهر معجزا ما يخالف افعالهم ظاهرا فبذلك نقول ان ما قصده النبي من قوله كل ماء طاهر مثلا لايبلغه عقل احد من الرعية و واقع موقعا لايبلغه عقول الرجال فهو معجز كائنا ما كان ، بالجملة المعجز باسباب تكوينية ايجادية لا باسباب علاجية و الاسباب التكوينية اسماء الله العظيمة [ص 34] الكبيرة و هي نفسه الشريفة يفعل بالله ما يشاء كما يفعل الله به ما يشاء فروح النبوة مثال مشية الله و شعاعها و نورها و هي منها كالمصدر الحاصل من الفعل كالضرب من ضرب فهو تأكيدها و لذلك قيل قولك ضرب ضربا في قوة قولك ضرب ضرب فهو الفعل التأكيدي الظلي و لذا يعمل عمله و كذلك روح النبوة هي المشية التأكيدية الظلية تعمل عملها و تقوم مقامها و هي الامر المفعولي المشار اليه بقوله تعالي و كان امر الله مفعولا ، و في الحديث نحن امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد ، و هي من حيث الدلالة علي الله جل و عز اسم الله يفعل الله به ما يشاء فيما هو مهيمن عليه مما دونه فلما ظهر في عالم التشريع كان نبيا يظهر علي يديه بقوة كونه اسما لله ما يشاء .
الباب الاول - اذا عرفت ما تمهد من ذكر المقدمة و الكليات اعلم انه لا شك و لا ريب ان محمد بن عبدالله و ابن آمنة صلي الله عليه و آله المولود بمكة من بنيهاشم قد نشأ فيها الي اربعين سنة و كان معروفا مشهورا حسبا و نسبا و سيرة و اخلاقا ثم ادعي النبوة و ابدي صفحته باظهار الرسالة الي القوم فاضطلع باعباء الرسالة علانية و ادعي انه ليس ببدع من الرسل و انه افضلهم و خاتمهم و انتهي اليه علم جميع الرسل و الكتب فقام بين ظهراني العرب و بين يدي الله سبحانه و دعا الناس الي توحيد الله و خلع الانداد و شرع للناس شرائع و احكاما و نسخ جميع الشرائع و الكتب السابقة مصدقا بانها و رسلها و غيرهم من الرسل حق و سلك مثل ما يسلك افضل نبي في امته بحيث لو وصف عاقل حكيم نبيا حقا كاملا لماتجاوز صفته و لو فتشت عن حال الانبياء السالفين لماكانوا بافضل منه و لميقدر احد علي [ص 35] عائبة فيه من نسبه و حسبه و اخلاقه و اقواله و افعاله الا اللمازون و المستهزؤن و من لايعبأ بقوله ممن لايبالي ما يقول و لا ما يقال فيه فانه لايسلم من شرهم حق و لا باطل و لميعب عليه عاقل بشئ و اعجب من ذلك ما عاب عليه اليوم بعض المنافقين المظهرين للاسلام المرتدين عن المذهب باطنا و ظاهرا من غير اقرار بالارتداد ان النبي كان سارقا قاطع طريق فيا ويله من كافر ما اجهله هو قد جاء بان من لميدخل في دينه كافر يجب قتله و ماله حلال و دمه هدر و زوجته وصيفة يحل سبيها و فرجها و اولاده كلهم عبيد و اماء فاذا قطع سبيلا عليهم و اخذ اموالهم ايّ مغمض عليه و ايّ عيب هو يقاتل جهارا و يسبي عيانا فاذا بعث علي قافلة و اخذت ينكر عليه ، ءاموالهم اكثر حرمة ام دماؤهم و عيالهم و فروجهم نحن نستحل دماءهم فكيف لانستحل اموالهم ، نستعيذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و خذلان الله و توكيله العبد الي نفسه فمن البديهيات انه لميعب عليه احد بشئ و لمينكر عليه احد نسبا و لا حسبا و لا خلقا و لا عملا كان اعمل الناس بما يقول و ازجرهم عما ينهي و ازهدهم في الدنيا و اخضعهم و اشدهم تواضعا و كان بحيث ان وصفي عليه و مدحي له قبيح فكان هو هو كما كان و معروف جميع ما يتعلق به مضبوط و كليات محاسنه و مكارمه من البديهيات و المتواترات كوجود صين و هند عند من لميرهما و قد ثبت اموره بما يثبت به امر كل نبي من آدم الي الخاتم و امر كل غائب عن الحس و هو بعين الله و امام وجه الله و بين يديه فادعي بين يدي الله و امام وجه الله انه آت من عند الله و هو رسول من الله و ماينطق الا بوحي و انه اكرم الخلق علي الله و اشبههم بصفات الله و افضل رسل الله فقتل عباد الله و سبي اماء الله و نسخ شرائع الله و دعا [ص 36] الي الله و حكم في عباد الله و في فروجهم و اموالهم و دمائهم فقرره الله و صدقه و سكت عن رده بل اجري علي يديه و لسانه بعض خوارق العادات فان صدور نوع خوارق العادات منه من المتواترات البديهية القطعية و قد صدر منه و من اوصيائه احياءا و امواتا خوارق عادات و روي عنهم ما لايحصي و صدور النوع مما حصل القطع به و قامت به الضرورة و ان لميثبت فردا فردا و رويت عنهم ما يتجاوز الاحصاء من خوارق العادات و لميكذبها الله و لميردها بل صدقها و قررها نوعا و كلها بعين الله و امام وجه الله فلمينكر الله عليه بوجه من الوجوه و حيث من الحيوث فهذا هو تسديد الله و تقريره و تصديقه ليس فوقه تصديق لاحد من الانبياء و الاولياء و اي تصديق اعظم من ذلك في الدنيا فنفس هذا التصديق هو حجتنا علي انه نبي حق صدق عدل و اي باطل و زور يسطع نوره هكذا في العالم من غير نكير و ليس من النكير عدم ايمان الكفرة به لاجل العناد او عدم اعتناء به و لايدحض بذلك حجة نبي ابدا و ليس من شرائط صدق النبوة و تصديق الله لصاحبها ايمان جميع اهل الارض به و ما ذكروه من الاحتمالات كلها احتمالات ارضية و هذا البرهان برهان سماوي لايتطرق فيه شئ من تلك الاحتمالات و من لميكن من الله و الي الله كان كافرا مشركا ضالا قرين الشياطين بعيدا من الملئكة الروحانيين و كان فاسقا فاجرا طالبا للرياسة و العزة الدنياوية و من كان كذلك كان منه امداد الخير و النور و الكمال و الاتساق و البهاء و الجمال و الجلال منقطعة و لايكون هكذا و اهل الباطل لايقدرون علي امساك انفسهم يوما واحدا و هم اصحاب خرق و نزق و اشر و بطر و بذاء و فحش و كثافة و قذارة و رجس و كبائر و افك فاني و متي و من اين الي اين و الي هذا [ص 37] اشار الله بقوله قل هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم كاذبون و الشعراء يتبعهم الغاوون المتر انهم في كل واد يهيمون و انهم يقولون ما لايفعلون و قال ان الله لايصلح عمل المفسدين و قال ان الله لايهدي القوم الكافرين و الظالمين و الفاسقين و هي آيات موافقة للبراهين العقلية و كذا غيرها من آي كثيرة قد سردناها في كتابنا علماليقين كلها براهين عقلية صحيحة فان الساقط المنقطع عن الله لايتصف بصفات الله من القوام و الدوام و الاتساق و الصدق و بالخضوع و الخشوع و البكاء و التذلل و التبتل و السهر و الجوع و الجهاد في سبيل الله مع ذلك الزهد و الوقار و العز و الانتظام و الجد و اهل الباطل اهل هزل و لعب و تشاجر و تنازع و اختلاف و اختلال و منذا رأي في الدنيا باطلا بصفة اهل الحق ابدا ابدا كل ذلك شبهات غير جارية و غير واقعة و ساحة الحق عنها منزهة فنحن ان استدللنا بعدم نكير عليه فمرادنا عدم نكير الله القادر الشاهد القاهر المتعال لا عدم نكير الخلق حتي يقال جهلوا او غفلوا او خافوا او فعلوا او غير ذلك من الاحتمالات فهو المصدق من كل جهة فيما ادعي و لميعجزه احد و لميُكْذِبْه احد اي لميأت بما يظهر كذبه ابدا فهو نبي صدق حق مطلق صلي الله عليه و آله و سلم آمنا به و لمنره و اسلمنا معه و لمنشاهده صدقا و عدلا فاكتبنا اللهم من الشاهدين و الحمد لله رب العالمين .
الباب الثاني - و مما جاء به صلوات الله و سلامه عليه القرآن المجيد و الفرقان الحميد فقام بين ظهراني القوم و اتي بمعجزات باهرات و خوارق [ص 38] عادات و رأوا عليه قبل بعثته ايضا خوارق عادات كثيرة و اتي بالقرآن بعد ان عادت الامم في الجاهلية و اشركوا بالله عز و جل و نسوا سنن الانبياء و اتخذوا الاصنام آلهة و من كان ينتحل منهم دينا و كتابا فغيروا و بدلوا حتي لميبق من آثار الحق في ايديهم الا شئ قليل فاتي بالقرآن بعد فترة من الرسل و جهل من الامم فقال انه كتاب ربكم انزله عليّ و قد امر فيه بالتوحيد و العدل و القسط و تصديق الانبياء و كتبهم و شرائعهم و اظهر كثيرا مما غيره اممهم و اخفوه من كتبهم و دينهم و عظم شعائر الله و جدد شرائع الله فامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و نهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و احل الطيبات و حرم الخبائث و جدد للناس رسوم الانسانية بعد ما صاروا بهائم رتع و امر بالزهد في الدنيا و الايمان بالله و الكفر بالجبت و الطاغوت و خلع الانداد و الاخلاص في التوحيد و حكي سنن الانبياء و سيرهم و سننهم و سنن الاوصياء للاعتبار و ذكر الامثال و عظم الآخرة بما لا مزيد عليه و احوال الجنة و النار و ذكر النصائح و العبر و المواعظ و رغب و رهب و امثال ذلك في غاية الوقار و السكون و الطمأنينة و الجلالة و العظمة و الهيبة و من ابده البديهيات ان مثل هذا الكتاب ليس بكتاب هازل لاعب بالدين مستهزئ بالله و رسله و كتبه و شرايعه جليس الشياطين و عديل الكافرين الفاسقين كافر بالله و رسله و كتبه مسول للناس مظهر غير ما يكتمه يريد جلب متاع الدنيا و خدعة الناس و مكرهم و كيدهم فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و المتنبي اكفر كافر و اعظم مشرك و افضح منافق يستهزئ بالله و رسله و كتبه و يلعب بهم يراعي دائما نفسه لايضره من ضل اذا انتفع و من هلك اذا بقي له رياسته غير مهتم بهداية الناس و غير حامل اياهم علي العبادة و الزهادة [ص 39] و الاعراض عن الدنيا و كسب الانسانية و تمام همته في ثبوت رياسته و حصول منافعه و هو اصطبل الشياطين يغدو عليه فوج منهم و يروح عليه فوج و هو اهل فسق و فجور و افك و افتراء و كذب و زور و بهتان افاك قفاز هماز لماز فاجر ماجن خائن و من كان كذلك لايتكلم بمثل هذا القول و لايطاوعه نفسه علي الاستقامة طول عمره و لايصبر اربعين سنة بلا عائبة يؤنب بها ثم يدعي النبوة ثم يستقيم علي الاعتدال الي منتهي اجله و لو والله نظرت فيما ذكرت و الي طبائع الخلق و اهل العالم لتيقنت بحقيته صلي الله عليه و آله بصرف حالاته و سيرته و اخلاقه و شرائعه و عباداته و طاعاته و زهادته و سلوكه في جميع احواله علي مقتضي العقل السليم و كيف يمكن ان يكون رجل من اهل الكفر بالله و برسله و اليوم الآخر و لايغلب عليه شهوة و لا عادة و لايخطي في شئ من احواله طريق العقل السليم بالجملة اتي بكتابه و قرأه بين ظهراني القوم ذاكرا ان فيه علم ما كان و ما يكون و انه فيه تفصيل كل شئ و تبيان كل شئ و ضرب فيه من كل مثل و مافرط فيه من شئ و لا رطب و لا يابس الا فيه و فيه ما يحتاج اليه الامة الي يوم القيمة لانه لا كتاب بعده و لا شرع بعد شرعي و لا نبي بعدي و قال و ما من غائبة في السماء و الارض الا في كتاب مبين و صدقه الله علي هذا المدعي و لميكذبه بوجه فلما ابي القوم قبوله عنه و لميقنعوا باخباره مع سائر معجزاته تحداهم و قال ان كنتم تزعمون اني كاذب في قولي انه من عند الله فانتم ايضا بشر مثلي فأتوا بمثله فان ما هو من افعال البشر و اقواله يمكن ان يؤتي بمثله و جعل لتحديه مراتب فمرة قال الله سبحانه علي لسانه ام يقولون تقوله بل لايؤمنون فليأتوا بحديث مثله ان كانوا صادقين و ذلك ان الكلام المتقول من صنع البشر و انتم بشر عقلاء [ص 40] ذووا الالسن فأتوا انتم ايضا بحديث مثله يحدث عما حدثت عنه و يمكن تنزيل هذه الآية الي حكاية تامة ايضا فلما رأي عجزهم اي عجز الحاضرين المكذبين عن الاتيان بمثله قال الله تعالي له ام يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين فنزلنا عن الاتيان بكتاب مثل القرآن فأتوا بعشر سور مثله ففيه قصار ايضا و اكتفي منكم بعشر سور قصار فلما رأي عجزهم عن ذلك ايضا قال الله تعالي له و ماكان هذا القرآن ان يفتري من دون الله و لكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ام يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله و ادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين فلما رأي عجزهم عن ذلك ايضا قال الله تعالي له و ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين فان لمتفعلوا و لنتفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة اعدت للكافرين و اراد بقوله من مثله من مثل القرآن من الكتب المنزلة من السماء من التورية و الانجيل و الزبور و صحف ابرهيم و غيرها من الكتب فان لميكن سائر الكتب السماوية التي نزلت من عند الله مثل القرآن كما لميكن الرسل مثلي فكيف يمكن ان يكون كلام البشر مثل القرآن فلما رأي عجزهم عن كل ذلك ترقي و قال الله تعالي له قل لئن اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا و لقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فابي اكثر الناس الا كفورا فقال ان القرآن لاشتماله علي كل مثل و صفة كل شئ و تبيان كل شئ لو اجتمعت الانس و الجن عربهم و عجمهم علي ان يأتوا بمثل هذا القرآن في اشتماله علي تبيان كل شئ و لو بغير لسان [ص 41] العرب لايأتون بمثله و لو تظاهروا و علم كل واحد جهل الآخر و صحح كل واحد غلط الآخر و تعاونوا و جعلوا علومهم بعضها علي بعض فانهم لايقدرون علي ذلك فانهم لايحيطون بعلم الله منفردين و لا جميعا فكيف يقدرون علي الاتيان بمثل القرآن المشتمل علي علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة فلما راهم لايقنعون بالتحدي و عجزهم و يحتمل عند بعض انه لعلهم في زمانهم عجزوا و لعل اهل تلك البلدة عجزوا و غيرهم يقدرون علي ذلك دخل عليهم من باب التقرير باوضح بيان فقال تعالي قدره يسألك اهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سالوا موسي اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فساق الكلام الي سائر اعمالهم الي ان قال لكن الراسخون في العلم منهم و المؤمنون يؤمنون بما انزل اليك و ما انزل من قبلك و ساق الكلام الي ان قال لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه و الملئكة يشهدون و كفي بالله شهيدا فان كان يحتمل ان هؤلاء الشاهدين داهنوا او جهلوا او لميعتنوا او عجزوا و غيرهم ليس بعاجز او عارضوا سراً و لميجسروا ان يبرزوا فالله جل جلاله لايحتمل في حقه شئ من ذلك لايداهن و لايداري و لايخاف و لايغري بالباطل و لايهمل الخلق و لايشبه الباطل بالحق و هو شهيد علي انه انزله بعلمه و كفي به شهيدا و شهادته لصدقي اعظم من اقرار ذوي نهاكم و خطبائكم و شعرائكم و قال جل جلاله في جواب اولئك و لو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بايديهم لقال الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين الي ان قال قل اي شئ اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم و اوحي اليّ هذا القرءان لانذركم به و من بلغ فبين ان الله و انتم معترفون ان شهادته اكبر الشهادات شهيد علي صدقي فما بالكم لاتعترفون بصدقي و قال قل لو شاء [ص 42] الله ماتلوته عليكم و لاادريكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله افلاتعقلون فمن اظلم ممن افتري علي الله كذبا او كذب بآياته انه لايفلح المجرمون فلو كنت مفتريا علي الله لكنت اظلم الناس و ماكنت افلح ابدا و الظالم هالك منقطع عن الله خائب خاسر لايهديه الله الي خير دنياه و آخرته و شرح خيبة الذين ينقطعون عن الله في سورة هود مفصلا فقال ام يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين فان لميستجيبوا لكم فاعلموا انما انزل بعلم الله و ان لا اله الا هو فهل انتم مسلمون من كان يريد الحيوة الدنيا و زينتها نوف اليهم اعمالهم فيها و هم فيها لايبخسون يعني لو كان محمد صلي الله عليه و آله مفتريا لكان من اهل الدنيا و لحقه وزر اعماله في الدنيا ثم قال اولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار و حبط ما صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون افمن كان علي بينة من ربه و يتلوه شاهد منه و من قبله كتاب موسي اماما و رحمة اولئك يؤمنون به و من يكفر به من الاحزاب فالنار موعده فلاتك في مرية منه انه الحق من ربك و لكن اكثر الناس لايؤمنون و من اظلم ممن افتري علي الله كذبا اولئك يعرضون علي ربهم و يقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا علي ربهم الا لعنة الله علي الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالآخرة هم كافرون اولئك لميكونوا معجزين في الارض و ماكان لهم من دون الله من اولياء يضاعف لهم العذاب ماكانوا يستطيعون السمع و ماكانوا يبصرون اولئك الذين خسروا انفسهم و ضل عنهم ما كانوا يفترون ان الذين آمنوا و اخبتوا الي ربهم اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون مثل الفريقين كالاعمي و الاصم و البصير و السميع هل يستويان مثلا افلاتذكرون انظر الي صراحة الآيات [ص 43] في دليل التقرير و شرح احوال الكاذبين و الصادقين و الفرق بينهما و الزام كل فريق علامته الخاصة به و قال في سورة الشعراء و انه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين علي قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين و انه لفي زبر الاولين اولميكن لهم آية ان يعلمه علماؤ بنياسرائيل فبين ان البشارة بمحمد صلي الله عليه و آله في زبر الاولين و البشارة في التورية موجودة بنزول هذا القرآن و يكفي بها آية علي صدق النبي صلي الله عليه و آله الي ان قال و ماتنزلت به الشياطين و ماينبغي لهم و مايستطيعون انهم عن السمع لمعزولون الي ان قال هل انبئكم علي من تنزل الشياطين تنزل علي كل افاك اثيم يلقون السمع و اكثرهم كاذبون و الشعراء يتبعهم الغاوون المتر انهم في كل واد يهيمون و انهم يقولون ما لايفعلون فبين حال من يتعلق به الشياطين و حال الشعراء و ذكر ان محمدا مباين حاله مع حالهم و اقواله مع اقوالهم و قال في سورة العنكبوت و قالوا لولاانزل عليه آيات من ربه قل انما الآيات عند الله و انما انا نذير مبين اولميكفهم انا انزلنا عليك الكتاب يتلي عليهم ان في ذلك لرحمة و ذكري لقوم يؤمنون قل كفي بالله بيني و بينكم شهيدا يعلم ما في السموات و الارض و الذين آمنوا بالباطل و كفروا بالله اولئك هم الخاسرون فبين ان هذا الكتاب يكفي من كل آية باقية و فيه الرحمة و الذكري ثم استشهد الله الذي يعلم ما في السموات و الارض ثم بين ان من آمن بالباطل و كفر بالله خاسر لايسدده الله و قال في الشوري ام يقولون افتري علي الله كذبا فان يشأ الله يختم علي قلبك و يمح الله الباطل و يحق الحق بكلماته انه عليم بذات الصدور و قال في الاحقاف ام يقولون افتراه قل ان افتريته فلاتملكون لي من الله شيئا [ص 44] هو اعلم بما تفيضون فيه كفي به شهيدا بيني و بينكم و هو الغفور الرحيم و قال في سورة الحاقة فلااقسم بما تبصرون و ما لاتبصرون انه لقول رسول كريم و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون و لا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احد عنه حاجزين الي غير ذلك من الآيات التي استدل الله سبحانه بها علي صدق نبيه و كتابه و سائر انبيائه بالتقرير فبهذا الدليل اوضح ان الله شهيد يراني و يسمعني لايداهن و لايداري و لايسالم و لايصالح و لايعين الباطل علي الحق و لايغري بالباطل قادر علي دفعي ان كنت مفتريا بانواع الدفع و هو قد صدقني فما تأملكم بعد ذلك فآمن من آمن و كفر من كفر عنادا بعد اتمام الحجة و وضوح المحجة و استحق من الله العذاب الاليم ، بالجملة هذا صفة تحديه بهذا الكتاب و صفة استدلاله علي انه من عند الله .
و اما وجه اعجاز كتابه علي نحو الاختصار ان الكلام له فضلان فضل صوري و هو الفصاحة و السلاسة و الجزالة و غيرها من محاسن اللفظ و فضل معنوي و هو ما يشتمل عليه من المعاني التي هي في اللفظ كالروح في الجسد و كون اللفظ بالغا في تأدية المراد علي اكمل وجه بجميع جهاته واقعا في محل لايسع لغيره و الفضل الاول ينفع و هو كمال ان كان الفضل الثاني ثابتا و الا فلا كمال فيه بل هو في نهاية القباحة ، الاتري انه لو جمع واحد من كتاب اللغة الفاظا سليسة و كتبها واحدا بعد واحد من غير ربط معنوي بين الالفاظ بل جمع صرف الالفاظ او تنطق بتلك الالفاظ لايعد هذا الرجل متكلما فصيحا و كلامه ركيك قبيح ميت و اما اذا كان اللفظ حيا ذا روح و له المحاسن اللفظية كان الكلام فاضلا فصيحا حيا البتة [ص 45] و انما مثل ذلك كبدن مصنوع من الخرق و الاخشاب معتدل الصورة لا حيوة له و بدن حي جميل و بينهما بون بعيد فتفاضل الالفاظ حقيقة بمعانيها فكلما يكون المعاني جليلة موافقة للواقع مشتملة علي علوم دقيقة و دلالة الالفاظ بموادها و صورها و مواقعها و خصوصياتها عليها صحيحة مع المحاسن اللفظية يكون الكلام جليلا فمهما فاق علم احد جماعة يفوق كلامه علي كلامهم اذ كلام كل ناطق علي حسب عقله و يتكلم علي حسب علمه فيرتب كلمات تدل علي مطالبه الجليلة بحيث يعجز عنه من لا علم له بها البتة ، و ان تخلفا يعني كان كلمات فيها محاسن لفظية بلا معني صحيح و كلام له معان صحيحة و الفاظه غير سليسة قدم الاخير البتة و رد الاول فانه لا فائدة فيه فان اجتمعا كان الكمال و كل الكمال له و يعجز عنه من ليس له تلك الدرية البتة ارأيت لو ان جميع العرب الذين كانوا في عهد الرسول صلي الله عليه و آله حضريهم و بدويهم اجتمعوا علي ان يأتوا بكتاب مثل الروضة او الرياض او الحدائق او كتاب آخر من كتب العلماء قدروا علي الاتيان بمثلها بل لميقدروا فانهم لميكونوا من اهل العلم فلاكانوا يقدرون علي الاتيان بمثلها ابدا الا ان يتعلموا ذلك العلم فيمكنهم صوغ الالفاظ علي طبق تلك المعاني و كذلك لو اجتمع جميع العلماء الاولين و الآخرين فضلا عن سائر الناس من غير العرفاء الكاملين علي ان يأتوا بمثل شرح الزيارة لشيخنا الاوحد اعلي الله مقامه لميقدروا عليه بل علي فهمه بل لايقفون علي مراد سطر بل لايدركون علة وضع كلمة منه موضعها و نكتتها فلعلهم يرون انها تخالف السجع و ظنوا ان لفظا آخر يحفظ السجع اولي منها و لايفهمون حسن لفظه و موقعه من كتابه ابدا ابدا فانهم ليس لهم معرفة الشيخ بحقائق المعاني و مناسبة الالفاظ [ص 46] لها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الله سبحانه وضع في القرآن تبيان كل شئ و تبيان كل شئ فوق شهادات البشر لايقدرون عليه البتة فهم لايقدرون علي اتيان كلام يكون فيه تبيان كل شئ البتة و بلاغة اللفظ ان يصدر من الناطق به في وقته و محله و علي قدر الكفاية في احسن الدلالة و مناسبة تامة و كل ذلك يكون علي حسب العلم بالمعني و اللفظ و حقايق الاشياء و مناسبات الالفاظ معها علي ما حققناه في محله و علي ما يأتي فلو ان غير عالم جهد في البلاغة حتي يكون كالعالم لايكون ابدا فان العالم لاينطق بواو و لا فاء الا في محله و لاجل حكمة و لملاحظة سر و اني يسع غير العالم ان يتكلم ببلاغة العالم ففصاحة القرآن ليست بمعجزة فان الفصاحة صفة الكلمة في نفسها و كلمات القرآن كانت مستعملة عند العرب شائعة و كلهم كانوا يستعملون تلك الالفاظ و ليس شيوع الكلمات بين العرب و قدرتهم علي التفوه بها سبب رفع الاعجاز عن القرآن ، الاتري ان كلمات قصائد امرئالقيس مثلا و لله المثل الاعلي شائعة معروفة عند جميع العرب و انما جمعها بحيث يعرض علي المجموع وصف الوزن و وصف البلاغة و تأدية المعني علي احسن وجه لميكن الا من خواصه و خواص من هو في درجته في الشعر و كذلك كلمات شرح الزيارة للشيخ الاوحد مثلا كلها عربية معروفة عند العرب و كلهم يستعملونها و انما جمعها بحيث تفيد تلك المطالب الجليلة و المعارف العظيمة ليس شأن كل احد الا من كان في درجته من العلم فانه لايأتي بكلمة و لا بحرف الا لاجل اداء مطلب لايعرفه الا هو و من هو مثله فتفاضل الكلام بوضع كل حرف و كل كلمة في محل لو بدل و حرف لميدل علي ذلك المطلب فرب عالم يأتي بحرف او كلمة يدل علي مطلب واحد و رب عالم يأتي بحرف [ص 47] او كلمة يدل علي مطالب عديدة و رب عالم يأتي بحرف يدل من حيث معناه اللغوي علي مطلب و من حيث صفاته المعروفة في التجويد علي مطلب بل مطالب و من حيث منسوباته و قواه الجفرية علي مطالب و من حيث خواصه الريميائية علي مطالب و لايأتي بكلمة الا و هي تطابق بعض مراداته بظاهرها و بعضا بظاهر ظاهرها و بعضا بباطنها و بعضا بباطن باطنها و بعضا بتأويلاتها و هكذا فتفاضل الكلام في امثال هذه الامور و ما يعرض علي الحروف و الكلمات و الفقرات من النظم و الترتيب الدال علي عجائب المطالب و ان كان لفصاحة الكلمات دخل في المقام فان حسن النظم مع غير فصاحة الالفاظ اخس و ادني من حسن التأليف مع الفصاحة في الدرجة القصوي البتة فحروف القرآن من حيث انفسها لا اعجاز فيها بالبداهة و كذا كلماتها و اما وضع كل حرف و كلمة في مقام فانما ينشأ من علم فمن كان له ذلك العلم يقدر عليه و من لميكن له ذلك العلم لايقدر عليه و لربما يمر بها من ليس له تلك الدرية و يزعم ان غيره من الحروف او الكلمات اولي فانه لايري الا ظاهرها و العالم لاحظ جميع جهاتها كوضع العالم بعينه فلرب جاهل يزعم ان الشمس لو كانت اقرب الي الارض كانت اولي او لو كانت ابعد كان احسن اذ لايدري سر خلقة العالم و كذلك امر القرآن بعينه فلرب اناس اذا نظروا فيه زعموا انه ليس بمعجز و كل عربي فصيح بالغ يقدر علي مثله و انما يعجزون بسبب الصرف و لايتدبرون ان العرب لايقدرون علي تصنيف كتاب مثل كتب العلماء فكيف يقدرون علي تصنيف كتاب مثل القرآن ، اليس القرآن الا جسدا ميتا لا روح له ام له روح فان كان له روح فما روحه هل روحه هذه المعاني التي يعرفها كل بدوي ام له بطون و تأويلات و حقائق و لطائف و اسرار كما قال [ص 48] تبيانا لكل شئ فان كان منطويا علي علم الاول و الآخر فكيف يقدر العرب علي الاتيان بمثله بل كيف يقدر البشر علي الاتيان بمثله و تحدي النبي صلي الله عليه و آله تحد واقعي لانه يعلم انه انزل بعلم الله و ان الله سبحانه وضع فيه علم ما كان و ما يكون و لميضع حرفا مكانه الا لاجل حكم لاتحصي و الدلالة علي علوم لاتمني بحيث لو قدم حرف او اخر عن محله لاختل ذلك المراد و لو وضع كلمة مكان كلمة لفسد ذلك المقصود و ليس النبي شاعرا و لا خطيبا محضا يكون نظره منحصرا في المعاني الظاهرة فاذا تحدي قومه يكون تحديه في المعاني الظاهرة و انه لميتحد شعراء العرب وحدهم و انما تحدي جميع الانس و الجن و فيهم الشاعر و الخطيب و الاديب و صنوف العلماء و الحكماء و العرفاء و فيهم الرعية و الاولياء و الانبياء و الرسل فتحدي جميعهم لانه نظم كلامه نظما ينطوي علي علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هذا العلم ليس لاحد حتي يقدر علي نظم كلام كذلك و اما المعاني الظاهرة التي يعرفها كل عربي فليس فيها حد اعجاز و ليس يفهم العرب في حروفه و كلماته و آيه و سوره بل كله من حيث متفاهم العرب و بيان هذا المعني بهذا اللفظ اعجازا و لاجل ذلك انكر قوم كونه بنفسه معجزا و قالوا ان المعجز هو صرف الخلق عن الاتيان بمثل القرآن غفلة منهم عما ينطوي عليه القرآن و انما مثل تحديه و لله المثل الاعلي ان يتحدي الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه العرب و العجم الجهال و العلماء بكتابه الشرح الزيارة او الفوائد فيقول ان كنتم تزعمون اني افتريت علي الله في هذين الكتابين و نسجتهما باطلا فأتوا بكتاب مثل واحد منهما ان كنتم صادقين فلا شك ان مراده ليس ان ائتوا بحروف هجائه فانها حروف ينطق بها جميع اهل اللسان و لا بكلماته [ص 49] فانها منطوقة كل صبي و لا بمعانيه التي هي مقتضي لغة العرب ، و انما المراد ان ائتوا بكتاب يشتمل علي ما يشتمل من اسرار توحيد الذات و الصفات و الافعال و العبادات و اسماء الله و صفاته و شئون مشيته و جهات تعلقاته و فضائل محمد و آلمحمد عليهم السلام في مقام البيان و المعاني و الابواب و الامامة و فضائل شيعتهم في كونهم من اشعتهم و ظواهرهم بين ظهراني العباد و تمام الكلمة التامة التي لايجاوزها بر و لا فاجر و هي الاسم الاعظم و ينطوي علي معرفة حقائق الاشياء في العوالم الالفالالف و سر الايجاد و احوالات النفوس و مدارج ترقياتها و اسبابها و عللها و ينطوي علي اسرار الشريعة و الطريقة و الحقيقة و علي اصول يستفاد منها علوم جمة و ذلك ان الشيخ كان عالما و كلامه علي حسب علمه لاسيما اذا تعمد ان يأتي بكتاب يشتمل علي جميع ذلك فانه لايفرط فيه بقدر جهده و كذلك النبي صلي الله عليه و آله و له المثل الاعلي عالم و ما وصفي له بانه عالم هو رسول الله و افضل خلق الله اتي بكتاب و قال فيه تبيان كل شئ و مافرط فيه من شئ و ما من غائبة في السماء و الارض الا و هو فيه ثم تحدي الانس و الجن فقال لو اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرءان لايأتون بمثله و فيهم الانبياء و الرسل و اولوا الامر فتبين انه لميكن تحديه بالفصاحة او البلاغة في المعاني الظاهرة و لميكن شاعرا او خطيبا يكون همه ذلك و لميكن وجه خطابه الي الشعراء وحدهم او الخطباء او العرب او اهل عصره وحدهم بل خاطب الخلق الي يوم القيمة و لما كان هو عالما بما وضع فيه تحدي جميع الخلق و قال فان لمتفعلوا و لنتفعلوا فاعجاز القرآن فيما ينطوي من العلوم و وقوع كل حرف موقعا يدل علي تلك العلوم فهو معجز [ص 50] الآن لفظا و معني لايقدر احد من الجن و الانس علي نظم الحروف و الكلمات علي حسبه و مثله بحيث يكون منطويا علي ما ينطوي و درك هذا الاعجاز منه ليس حد كل احد فان الناظر في كتاب العالم لايعرف سر نظم حروفه و كلماته ما لميكن عالما و لا احد يساوي علمه علم الله سبحانه حتي يعرف اسرار نظمه و مواقع اشاراته فان قلت فهب ان العرب بماذا عرفوا انه معجز و كيف عجزوا عن الاتيان بمثله و اعترفوا به اقول ان العرب لميعرفوا انه معجز خارج عن حد البشر و ليس ذلك حدهم و غاية ما عرفوا عجزهم و انما ذلك ايضا لاجل العلوم الظاهرة التي كان يشتمل عليها و الغيوب و غيرها و نقصان فصاحتهم في الظاهر عن حد فصاحته فانه فوقهم في الفصاحة و البلاغة البشرية ايضا و اما عدم امكان الاتيان بمثله الي يوم القيمة فلا ، بل لعل جهال يزعمون انه يمكن علي حسب متفاهمهم فانهم يزعمون ان حروف القرآن معروفة و كلماته مشهورة و المعاني الظاهرة اللغوية منه مفهومة و ان النبي صلي الله عليه و آله ايضا لميتحدهم بآية كيف و ثم نظر آية و مدهامتان آية فيمكن عندهم الاتيان بآية فآية و آية و هكذا و لايدركون ربط الآيات البتة فاذا ركبوا من تلك الآيات المقدورة علي زعمهم آيات و سموها سورة زعموا انها صارت مثل القرآن لاسيما و اقصر سورة الكوثر فكيف عرفوا انها من حيث الظاهر معجز و العلماء تحيروا بعد الفحص و البحث العظيم فانكر جمع منهم ان يكون ظاهره معجزا و ذلك الجأهم الي القول بالصرفة من حيث لايشعرون و ان قيل فلم لميعارضوه قلت تركوا المعارضة لما ذكرت من اشتماله علي العلوم التي لمتكن عندهم مع فصاحة كانت فوق فصاحتهم الظاهرة قطعا و ان لميعرفوا كونها علي حد الاعجاز و كم من كلام نسجوا [ص 51] علي منواله جهلا حتي ان في ازماننا صاروا يعارضونه و تحير كثير من العرب و العجم و العلماء لجهلهم فيه حتي زعموا انه مثل القرآن حتي اعترفوا بانه مثل القرآن و افضل و انما ذلك لغاية جهلهم بما ينطوي عليه القرآن من الاسرار فلما وقع تلك الخزعبلات في ايدينا استخرجنا عوارها و فسادها و كتبنا عليها كتبا و كذلك يخزي الله الظالمين فالعرب لميفهموا وجه اعجاز القرآن و لاعرفوا حد الفصاحة الممكنة و الاعجازية و لميكن ذلك من شأنهم و غاية تصديق العرب انه في غاية الفصاحة و فوق فصاحة كلماتهم كيف و تحير العلماء مع بحثهم و فحصهم و فصاحتهم و بلاغتهم و علمهم في ذلك فكل منهم ذهب الي شئ حتي ان منهم لما عجز عن درك وجه الاعجاز قال هو معجز لانه قديم و اضحك الثكلي بقوله فالعرب البوالون علي اعقابهم كيف يعرفون وجه الاعجاز نعم ان النبي اتي بمعجزات اخر اعجزتهم ثم اتي بالقرآن و قال فيه علم الاول و الآخر و ذلك اليوم كانوا جهلة بهذه المعاني الظاهرة ايضا لايعرفون توحيدا و لا سنة المرسلين و لا سيرة الانبياء و اخبارهم و لا ما يمدح و يذم من الاخلاق و الاعمال و لا تلك الامثال و العبر فانهم كانوا اهل بادية جهالا لايعرفون الهر من البر فعجزوا عن تلك المعاني الظاهرة مع انه في الفصاحة البشرية فوقهم و لاسيما و فيه غيوب و عليه شهود من التورية و الانجيل و آثار الانبياء و ينبؤهم بما في قلوبهم و بما يسرون في خلواتهم و له وقع عظيم لاسيما اذا خرج من فم النبي او قرأ في عصره و يريد اقامة الحجة به و له رعب و عظمة و تأثير في القلوب و مزيدا علي ذلك هو في الفصاحة و البلاغة الظاهرة ايضا افصح من كل كلماتهم و ابلغ و اسلس و احلي ، اليس ان اكثر العرب اذعنوا لامرئالقيس لانه كان افصحهم [ص 52] و سلموا له و ان لميكن كلامه معجزا و ايسوا عن معارضته و لميقدروا علي الاتيان بشعر مثل شعره فالنبي و له المثل الاعلي كان في الظاهر ايضا افصح منهم اقلا و ان لميدركوا حد اعجاز فصاحته فلما كان افصح من كلهم ظاهرا و انطوي كتابه ظاهرا علي علوم كانوا بها جهالا لانهم بدويون اظهروا العجز عن الاتيان بمثله و لا غرو و قد ذكرت ان الناس غير العالمين يعجزون عن الاتيان بمثل كتاب عالم فالعرب ايضا عجزوا عن الاتيان بمثل القرآن لانه ظاهرا افصح من كلهم و ينطوي علي علوم لايعرفونه فخضعوا لديه و اذعنوا و انقادوا مع ما يشاهدونه من سائر المعجزات و ان معاني القرآن الظاهرة قد شاع بين المسلمين بعد نزول القرآن و شرح النبي و الا فذلك اليوم ماكانوا مشتمين رائحة هذه المسائل لا اهل كتابهم المرتدون عن دين نبيهم و لا العرب البوالون علي عقبيهم و لا العجم عبدة النار و الشمس فجميع الناس كانوا جاهلين بهذه المسائل الا قليلا من اهل الكتاب الثابتين علي دين نبيهم و اني لهم بعلم جميع كتب الانبياء و سيرهم و ما حرف من كتبهم مثل ما في القرآن و ان هذا القرءان يقص علي بنياسرائيل اكثر الذي هم فيه مختلفون و كان اغلب سيرهم مجهولة و لذلك قال تلك من انباء الغيب نوحيها اليك و في الفصاحة الظاهرة افصحهم ايضا فلما رأوا هذه الاحوال عجزوا ظاهرا و باطنا عن ظاهر القرآن و باطنه و اما درك انه معجز و فوق حد البشر فلا فانما هو مخصوص بمحمد و آلمحمد عليهم السلام الذين هم العالمون به بل هي آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و اما اليوم فمن جاء بعبارات يزعم انها مثل القرآن بعد ما تعلموا العلوم الظاهرة من محمد و آلمحمد عليهم السلام و سرقوا الآيات و قدموها و اخروها [ص 53] فان الله يفضحهم لما ظهر من شأن القرآن و نكاته و ما آتي الله العلماء من معانيه و لما علم بالتقرير انه ينطوي علي علم الاول و الآخر و لما حتم الله في الحكمة ان يخزي الفاسقين و يحق الحق بكلماته و يبطل الباطل كما فعل ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و لنذكر شطرا من اقوال العلماء في وجه الاعجاز لتكون علي بصيرة .