لو جئته لرأيت الناس في رجل و الدهر في ساعة و الارض في دار

و لنعم ما قيل :

ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات

فاذا صار كذلك صار جميع ما يضاف اليه مضافا الي الله سبحانه و جميع ما يضاف الي الله مضافا اليه بل لايطلق علي الله شئ الا و هو مطلق عليه و انما الاطلاق عليه هو الاطلاق علي الله و بالعكس فلذلك صار سروره سرور الله و اذاه اذي الله و حكمه حكم الله و اسفه اسف الله و رضاه رضا الله و زيارته زيارة الله [ص 113] و صلته اقراض الله و اطعامه اطعام الله و سقيه سقي الله و مرضه مرض الله و عيادته عيادة الله و الرد عليه الرد علي الله الي غير ذلك انظر الي قول ابي‌جعفر عليه السلام في حديث ان الله جل جلاله قال مايتقرب الي عبدي بشئ احب الي مما افترضته عليه و انه ليتقرب الي بالنافلة حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته فاذا كان امر المؤمن هكذا فاي امر اقرب الي الله من اداء حقه و قد قال ابوجعفر عليه السلام ماعبد الله بشئ احب الي الله من ادخال السرور علي المؤمن و قال ابوعبدالله عليه السلام ماعبد الله بشئ افضل من اداء حق المؤمن و قال الحسن بن علي العسكري عليهما السلام في قوله تعالي و عملوا الصالحات قضوا الفرائض كلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة و الامامة و اعظمها فرضان قضاء حقوق الاخوان في الله و استعمال التقية من اعداء الله و قال علي عليه السلام في حديث قضاء حقوق الاخوان اشرف اعمال المتقين يستجلب مودة الملائكة المقربين و شوق الحورالعين و قال محمد بن علي الباقر عليه السلام [ص 114] اشرف اخلاق الائمة و الفاضلين من شيعتنا استعمال التقية و اخذ النفس لحقوق الاخوان و قال الصادق عليه السلام في حديث المعرفة بحقوق الاخوان من افضل الصدقات و الصلوات و الزكوات و الحج و المجاهدات و قد قال الرضا عليه السلام لفتي سأله ان يسأل ربه ان يرزقه التقية الحسنة و المعرفة بحقوق الاخوان قد اعطاك الله ذلك لقد سالت افضل شعار الصالحين و دثارهم و قيل لعلي بن محمد عليهما السلام من اكمل الناس خصال خير قال اعلمهم بالتقية و اقضاهم لحقوق اخوانه و قال الحسن بن علي عليهما السلام من تواضع في الدنيا لاخوانه فهو عند الله من الصديقين و من شيعة علي بن ابي‌طالب عليه السلام ، الي غير ذلك فتبين و ظهر ان افضل الاعمال اداء حقوق الاخوان فان ذلك اداء حق الله سبحانه راجع اليه بلا شك و لا ريب و كل عمل يحتمل فيه عدم الوصول الي الله سبحانه الا اداء حق المؤمن فانه اداء حق الله مشافهة و يقع في يد الله علانية و يدخل كيسه فلايضيع ابدا فكل عمل احببت ان توصله الي الله رأي العين فاوصله الي اخوانك المؤمنين فكل ما اديت حقا من حقوق اخوانك المؤمنين فاعلم انه وقع في يد الله و دخل في كيسه يقينا و كل ما ضيعت حقا من حقوق الاخوان فاعلم [ص 115] انك ضيعت حقا من حقوق الله سبحانه و اهنته علانية من دون شك و ريب فالزم ما ذكرت لك فقد اسقيتك ماء غدقا و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين و اما تفاصيل فضل اداء حق حق فهي كثيرة يطول بذكرها البيان و فيها من الثواب ما لم‌يخطر علي قلب بشر فان اردت شطرا من ذلك فراجع الكافي في ابواب الطاعات و المعاصي تجد ما ذكرت و هي كثيرة جدا .

وصل في عقاب من ضيع حقوق الاخوان ، و ان كان الوصل السابق يغني عن ذلك الا انا احببنا ذكره بخصوصه في وصل تاكيدا و مبالغة في حفظها ، اعلم انك لما علمت ان كل ما يضاف الي الله سبحانه هو الذي يضاف الي المؤمن و كلما يضاف الي المؤمن فهو الذي يصل الي الله سبحانه و ذلك في جميع الاقوال و الاحوال و الافعال سواء كان بقلب او لسان او يد فلاتخفي علي الله خافية في الارض و لا في السماء حتي قال النبي صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، فلو ضيعت حق مؤمن في قلبك فانما ذلك يسري الي قلب المؤمن و يتأذي منك و يحزن و يلحقك قوله تعالي من آذي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني [ص 116] اليها و يلحقك قوله تعالي و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و اثما مبينا و انت اذا علمت ان سرور المؤمن سرور الله و سرور النبي و اذاه اذي الله و اذي النبي يشملك قوله تعالي الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و اعد لهم عذابا مهينا و يبطل بذلك كل صدقة تصدقت في الدنيا و هي كل معروف لما قال الامام عليه السلام كل معروف صدقة ، و الدليل علي بطلان صدقاتك اجمع قوله تعالي لاتبطلوا صدقاتكم بالمن و الاذي و اطلق الاذي و لم‌يقل الاذي لمن تصدقتم عليه و شاهد صدق هذا المدعي ما روي عن الجواد عليه السلام في هذه الآية انه لم‌يقل لاتبطلوا بالمن علي من تتصدقون عليه و بالاذي لمن تتصدقون عليه و هو كل اذي فابطل عليه السلام بذلك صدقة من اذاه بكلمة قالها و كرهها فقال قد ابطلت برك باخوانك و استشهد بهذه الآية ثم لما تاب الرجل من تلك الكلمة قال الآن قد عادت اليك مثوبات صدقاتك و زال عنها الاحباط و كانت كلمته انه قال انا من شيعتكم الخلص و كان قد تصدق علي اخوانه قبل ذلك فاعتبر و اعلم ان اذي اخيك ما يصنع بك و الدليل علي انك لو خلت في [ص 117] قلبك ما يكره يضجر المؤمن و يتاذي قول رسول الله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و فراسته في قلبه لامور خفية لا الجلية و قال ابوعبدالله عليه السلام انظر قلبك فاذا انكر صاحبك فان احدكما قد احدث فاذا اذا انكر قلب اخيك المؤمن اياك و هو غير مقصر في حقك فقد قصرت انت يقينا في حقه و احدثت شيئا يقينا فاذا تأذي بانكاره فقد حل بك ما قد قدمنا فاذا كان عليك ذلك فيما اضمرت فكيف يكون حالك ان قصرت في حقه بلسانك ثم كيف يكون حالك ان قصرت في حقه بيدك و جوارحك ثم كيف يكون ان اهنته و آذيته فان ذلك يبلغ مبلغ الكفر بالله العلي العظيم و شاهد ذلك انه سئل ابوعبدالله عليه السلام عن حق المؤمن علي المؤمن فقال حق المؤمن علي المؤمن اعظم من ذلك لو حدثتكم لكفرتم الخبر ، و عن عبدالاعلي بن اعين قال كتب اصحابنا يسألون اباعبدالله عن اشياء و امروني ان اسأله عن حق المؤمن علي اخيه فسألته فلم‌يجبني فلما جئت لاودعه فقلت سألتك فلم‌تجبني فقال اني اخاف ان تكفروا ان اشد ما افترض الله علي خلقه ثلث انصاف المرء من نفسه حتي لايرضي لاخيه من نفسه الا بما يرضي لنفسه منه [ص 118] و مواساة الاخ في المال و ذكر الله علي كل حال ليس سبحان الله و الحمد لله و لكن عند ما حرم الله عليه فيدعه انتهي ، و الثالث ايضا يرجع الي الاخ فان اعظم المحرمات تضييع حق المؤمن كما ان اعظم الفرائض اداء حقه و قال عليه السلام في حديث اذا قال الرجل لاخيه اف انقطع ما بينهما من الولاية و اذا قال انت عدوي كفر احدهما فاذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء ، الي غير ذلك من الاخبار و يدل عليه صحيح الاعتبار بل لنا في هذا المجال تحقيق دقيق و تدقيق رشيق لايسلم له الا المسلمون و لايصدقه الا الاخصون و هو ان وجه الله سبحانه اصل كل خير و نور و كمال و سعادة و بقاء و نعمة و لذة و نعيم و من مقابله وجه الشيطان اصل كل شر و ظلمة و نقص و شقاوة و فناء و شقاء و تنغيص و عدم فمن توجه الي وجه الله و ادام النظر اليه اصابه كل ما ذكرنا من فروعه و اشعته و من توجه الي وجه الشيطان و ادام النظر اليه اصابه كل ما ذكرنا من فروعه و ظلماته فالتوجه الي الله سبحانه له اركان بها يتحقق التوجه بحيث اذا انتقص منها شئ لم‌يتحقق التوجه و حصل الادبار و له متممات و مكملات اذا حصلت حصل بها [ص 119] الاستنارة التامة و الاستضاءة الكاملة و اذا انتقص منها شئ انتقص من كمال التوجه شئ و لم‌ينتقص شئ من ماهيته فمثال الاول الهيئة النوعية المقومة التي بها يكون الانسان انسانا ما تعم الحسن و القبيح و الابيض و الاسود و الصحيح و المريض و مثال الثاني الحسن و البهاء و الجمال التي هي من متممات الصورة الانسانية و مكملاته فالهيئة المقومة هي الفرائض و هي اركان التوجه و اصولها التي بها قوامه و بنقصها انعدامه و الهيئة المكملة هي المستحبات و السنن التي بها تكمل هيئة الاقبال و الايمان و بتركها تعوج هيئته و اما التوجه الي الشيطان فله ايضا اصول و اركان بها يتحقق الاقبال التام بحيث اذا انتقص انتقص الاقبال التام اليه و له ايضا متممات و مكملات اذا حصلت حصل بها الاضطلام التام و الشقاوة الكاملة فالاول هو الصورة المقومة و الثاني هو الصورة المتممة فمثال الاول الصورة المقومة النوعية الحيوانية و مثال الثاني تلك الانحرافات المبعدة عن نهج الاعتدال و عن المناسبة بالانسان في الكمال فالصورة المقومة الموجبة للادبار التام هي الكباير التي اوجب الله عليها النار و الصورة المتممة هي المكروهات المكملة لخبث الادبار و اما المباح فهو [ص 120] حكم ظاهري صدر لرفع العسر و الحرج و الا فلايكون فعل الا و هو صادر عن الانسان اما من وجوده فهو نور و خير و طاعة و اما من ماهيته فهو ظلمة و شر و معصية و ليس للانسان جوهر آخر غيرهما لايكون وجودا و لا ماهية حتي يصدر عنه المباح فافهم و اذا عرفت هذا الاصل الاصيل يعني سر الاقبال و الادبار فاعلم ان للانسان مقامات و هو في كلها عبد داخر لله سبحانه مأمور و منهي لا بد و ان يعبد الله في كل مقام و يمتثل امره و نهيه في كل مرام و لايكلفه الله سبحانه في كل مقام الا ما آتيه معاذ الله ان ناخذ الا من وجدنا متاعنا عنده انا اذا لظالمون فلايكلفه الله سبحانه في عالم الوحدة بالكثرات لعدمها هناك و لايكلفه بالوحدة في عالم الكثرة الا من حيث تضمنه للوحدة في باطنه و علي هذا القياس عوالم الكثرة كل عالم بحسبه فالانسان في عالم العقول اول مقام العبودية لايكلف الا علي النهج الكلي بمقتضي مقام العقل فهناك تندرج الفرايض و السنن كلها في فرض واحد كلي و تندرج المحرمات و المكروهات في محرم واحد كلي لفقدان الكثرات هناك فاذا عمل الانسان في ذلك العالم بذلك الفرض الواحد و اجتنب ذلك المحرم الواحد ادي جميع [ص 121] تكاليفه و استحق السعادة الابدية و النعمة السرمدية و ذلك الفرض الواحد في ذلك العالم حب الله سبحانه و ذلك المحرم الواحد حب غيره فاذا عمل الانسان بهذه الشريعة الغراء و المحجة البيضاء ثبتت له السعادة و استحق الجنان و تباعد عن النيران و ان عكس الامر و خالف السنة المحمدية و الطريقة العلوية ثبتت له الشقاوة و استحق النيران و تباعد عن الجنان و الدليل علي ان الحب و البغض اصل الدين و حقيقة الشرع المبين رواية فضيل بن يسار قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن الحب و البغض امن الايمان هو فقال و هل الايمان الا الحب و البغض ثم تلي هذه الآية حبب اليكم الايمان و زينه في قلوبكم و كره اليكم الكفر و الفسوق و العصيان اولئك هم الراشدون ، و لما نزلوا في عالم النفوس امرهم الله سبحانه بشئون العلوم الحقة و اعتقاد العقائد الثابتة و نهاهم عن الشبهات الكاذبة و العقايد الباطلة المجتثة فهيهنا تكثرت الاوامر و النواهي و هذا التكثر هو بعينه تفصيل ذلك الحب و البغض فلما تفصل الحب لله في عالم النفوس ظهر بالعلوم الحقة و لما ظهر البغض لله تفصل بالعلوم الباطلة و قام بين ظهرانيهم الداعي الي الله و دعاهم [ص 122] الي حب الله المصور و نهاهم عن بغض الله المصور و كانت الاوامر و النواهي هيهنا صورا علمية مجردة لطيفة و لما نزلوا في عالم الاجسام تفصلت تلك العقايد الحقة و ظهرت بصورة الطاعات و تفصلت تلك العلوم الباطلة و ظهرت بصورة المعاصي فقام داعي الحق بين ظهرانيهم كما قام هناك و عرفهم شرايع دين الله فمنهم مهتد و كثير منهم فاسقون فعرفهم حب الله المجسم و بغض الله المجسم و الحب المجسم هو الفرايض و السنن و البغض المجسم هو المعاصي قال اميرالمؤمنين عليه السلام لانسبن الاسلام نسبة لم‌ينسبه احد قبلي و لاينسبه احد بعدي الا بمثل ذلك ان الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداء ان المؤمن لم‌ياخذ دينه علي رأيه و لكن اتاه من ربه فاخذه ان المؤمن يري يقينه في عمله و الكافر يري انكاره في عمله فو الذي نفسي بيده ماعرفوا امرهم فاعتبروا انكار الكافرين و المنافقين باعمالهم الخبيثة . انظر في هذا الحديث الشريف بنظر العبرة و تبصر كيف جعل اليقين العمل و جعل الانكار العمل و قال ان اليقين يري في العمل و كذا الانكار يري [ص 123] في العمل و ليس ذلك الا لاجل ان العمل اذا ترقي و تلطف حتي صعد في عالم النفوس صار علما مجردا و اذا صعد من هناك الي عالم العقول صار حبا او بغضا و اذا تنزل الحب او البغض الي عالم النفوس تصور علما و اذا تنزل الي عالم الاجسام تنزل عملا بل جميع ما في العالم كلها علم قد تجسم و جميع العلوم كلها حب و بغض قد تصور فليس شئ سوي الحب و البغض مجسما او مصورا قال الصادق عليه السلام مااحب الله من عصاه ثم تمثل :

تعصي الاله و انت تظهر حبه هذا محال في الفعال بديع

لو كان حبك صادقا لاطعته ان المحب لمن يحب مطيع

فافهم فاهل العقول مستغنون عن العلوم الا في ظهورهم في عالم النفوس و مستغنون عن الاعمال الا في ظهورهم في عالم الاجسام و كذا ارباب النفوس مستغنون عن الاعمال الظاهرة الا من حيث نزولهم في الاجسام و لكن ليسوا بمستغنين عن الحب و البغض لان النفس لا قوام لها الا بالعقل ثم اعلم ان الشئ له مقامان مقام الذات و مقام العرض و مرادنا بمقام الذات مقام هو به هو غير غيره فالصورة المميزة المقومة له جزؤ ذاته و اما الذات التي لا صورة [ص 124] فيها فلا اختصاص لها بشئ دون شئ و انما هي الذات المطلقة و الآية الحق فالشئ له مقام ذات و هو ما انعقد عليه كيانه و اخذ عليه ميثاقه و منه مبدؤه و اليه ايابه و مقام عرض و هو ذاهب و جاءٍ و زائل و ثابت و انما هو عليه من لطخ غيره ليس منه و لا اليه و قد مر ما يدل علي ذلك في صفة اخوان هم من ابيك و امك و انما رضعوا من ثدي حبتر و انت تعلم ان الظاهر تابع للباطن لانه تنزله و تفصيله و ظهوره و لو كان مخالفا له لم‌يكن الظاهر ظاهر ذلك الباطن فكان بلا باطن و يلزم منه الطفرة في الوجود فببرهان بطلان الطفرة عرفنا ان الظاهر لا بد و ان يطابق الباطن في ذاتيته فاذا كانت العقول سليمة سعيدة فلايمكن ان تكون النفوس شقية بالذات الا من حيث اللطخ و الخلط و هو ليس منها و لا اليها و سيعود الي جوهره و عنصره و اذا صارت النفوس سعيدة بالذات لايمكن ان تكون الاجسام شقية بالذات الا من حيث اللطخ و الخلط الذي ليس منها و اليها نعم يمكن ان يكون المبدء هو الجهل الشقي و تكون النفس سعيدة بالعرض و يكون الجسم سعيدا بالعرض و لكن تلك السعادة ليست منه و لا اليه و سيعود الي جوهره و تبقي ذات جسمه و نفسه شقية كانكاره و جهله [ص 125] و لذلك وردت في اخبار متواترة ان حب علي حسنة لاتضر معها سيئة و بغضه سيئة لا تنفع معها حسنة فانه ان حصل حب علي (ع) سعد به العقل و النفس و الجسم ذاتا لان الحب هو تكليف العقل فاذا عمل بتكليفه سعد و سعدت بسعادته النفس التي هي منه و اليه و سعد بسعادتها الجسم الذي هو منها و اليها فما كان للمحب من سيئة فهي فيه بالعرض لسعادة ذاته القطعية و هو عامل بجميع الطاعات و مجتنب من جميع المعاصي و ما يبدو عليه من معصية فهو من غيره و الي غيره فلايضره ابدا و لاتزعمن الحب و البغض في عرض ساير الاعمال و الصفات فيشكل عليك فهمه و انما هما في الاعمال كالروح في الجسد فطاعة الكافر عنده ميت لايسكن فيها روح البغض فلايؤثر و معصية المؤمن عنده ميت لايسكن فيه روح الحب فلايؤثر فاذا كان يوم القيمة و رجع كل شئ الي اصله رجع طاعة الكافر الي المؤمن فدخله روح الحب فحيي و اثر للمؤمن و رجع معصية المؤمن الي الكافر و حيي و اثر له و هذا معني قوله تعالي ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه علي بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم و معني قوله الخبيثات للخبيثين و الطيبات للطيبين يعني الاعمال الصالحة [ص 126] للطيبين و الاعمال الخبيثة للخبيثين و هذا معني ما روي ان المذنب من المؤمنين يقام و يؤتي بالنواصب و يفدي له واحدا بعد واحد حتي لايبقي له ذنب و اما بغضه عليه السلام فهو شقاوة ذاتية و قد عمل المبغض بجميع المعاصي كما ذكرنا و ترك جميع الطاعات و لم‌تصبه حسنة الا من لطخ غيره و سيعود الي جوهره فقل قولا مطلقا انه لايعصي الا المبغض و لايطيع الا المؤمن و المؤمن مستوجب للجنة باعماله المتشعبة عن حبه و الكافر مستوجب للنار بجميع اعماله المتشعبة عن بغضه و ذلك لان الجنة ليست الا حقايق الاعمال الصالحة كما ان النار ليست الا حقايق الاعمال الطالحة فالاعمال في الدنيا جنة و نار دنياويين و الجنة و النار في الآخرة اعمال اخروية لا غير قال الله سبحانه سيجزيهم وصفهم و قال لاتجزون الا ما كنتم تعملون فالمؤمن متنعم في عمله و الكافر معذب في عمله و ذلك تقدير العزيز العليم و ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون و ان قال قائل فما معني ما ورد ان الكباير هي ما اوعد الله عليه النار او ما يوجب النار و ما قال الصادق عليه السلام شفاعتنا لاهل الكباير من شيعتنا فاما التائبون فان الله عز و جل يقول ما علي المحسنين من سبيل ، [ص 127] و قال رسول الله صلي الله عليه و آله انما شفاعتي لاهل الكباير من امتي فاذا كان الشيعة لايصدر منه كبيرة فما وجه النسبة اليه و ما الحاجة الي الشفاعة و ان كان يصدر فكيف تكون الموجبة للنار صادرة عن الشيعة و علي ما قلت المعاصي من الكفار و الطاعات للمؤمن فما وجه النسبة و ما وجه الشفاعة و ما معني انها توجب النار لفاعلها ؟ قلنا انه لا شك و لا ريب في ما ذكرنا فانه مستنبط من الكتاب و السنة و معاضد بالدليل العقلي و الآيات الآفاقية و الانفسية كما عرفت شطرا منها و اما معني ما قلت فاعلم ان النار هي صورة اخروية تعرض علي ظل الكافر و ظهوره فمادة العذاب ظل الكافر و صورته صورة النار و الحميم و الصديد و القطران و الافاعي و الحيات و العقارب و انواع العذاب التي في جهنم و تلك المادة بعينها هي مادة عمله في دار الدنيا و صورته صورة الزنا و اللواط و شرب الخمر و قذف المحصنات و غيرها و المادة في الدارين واحدة و الصورة مختلفة الا ان المادة تتنزل في الدنيا علي ما يناسب الدنيا و تلك المادة هي ظهور الكافر و ظله و وصفه و هي معه سواء كان في الدنيا او في البرزخ او في القيمة و في كل عالم [ص 128] يظهر ذلك الوصف بهيئة تناسب ذلك العالم و هو قوله تعالي سيجزيهم وصفهم و قوله فاليوم لاتظلم نفس شيئا و لاتجزون الا ما كنتم تعملون فنفس العمل و الوصف هو الجزاء فالجزاء عمل اخروي و العمل جزاء دنيوي كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ان الذين ياكلون اموال اليتامي ظلما انما ياكلون في بطونهم نارا و ان جهنم لمحيطة بالكافرين ، فالكافر في جهنم اين ما كان و كذا الجنة هي صورة اخروية تعرض علي ظهور المؤمن و وصفه و مادة النعيم ظهور المؤمن و صورته الجنة و الاشجار و القصور و الحور و الانهار و انواع النعيم التي في الجنة و تلك المادة بعينها هي مادة عمله في دار الدنيا و صورته صورة الصلوة و الزكوة و الحج و غيرها من الاعمال الصالحة و المادة في الدارين واحدة و الصورة مختلفة فالمؤمن ابدا في الجنة و النعيم كما عرفت و قد روي ما معناه ان الصادق عليه السلام سمع رجلا من شيعته يقول اللهم ادخلنا الجنة قال لاتقل هكذا و قل اللهم لاتخرجنا من الجنة فانكم في الجنة ، هذا حكم الفريقين اذا كانا غير متلطخين بلطخ و لكن ربما يتلطخ المؤمن بلطخ الكافر فما مسه من طينة الكافر هو العذاب العرضي الذي اصابه لان الكافر [ص 129] ذاته حقيقة النار و صفاته ظهورها و انواع آلامها قال الله سبحانه لاتركنوا الي الذين ظلموا فتمسكم النار فاذا ركن اليه المؤمن يمسه من ناره عذابه لا محالة لانه نار حقيقة فاذا مس المؤمن من عذابه شئ يظهر من ذلك اللطخ آثار و اظلال لا محالة و تلك الاظلال هي جهنم التي يعذب فيها المؤمن ما دام عليه ذلك اللطخ فان تطهر عنه في دار الدنيا يعذب ما دام عليه في الدنيا و يرد البرزخ طاهرا سالما و ان لم‌يتطهر عنه في دار الدنيا و ورد البرزخ بتلك القذارة و الطفاسة يظهر ظل ذلك اللطخ في البرازخ بصورة تناسب البرزخ و هي صورة عذاب البرزخ فيعذب بوصفه حتي يطهر فان تطهر عنه في البرزخ يرد الآخرة سالما و ان لم‌يتطهر نعوذ بالله منه في البرزخ يرد الآخرة و ذلك الظل المنعكس من ذلك اللطخ يتصور بصورة اخروية و هي صورة الطبقة الاولي من جهنم و يعذب بوصفه حتي يزول عنه فاذا تطهر غسل و ادخل الجنة و فاز مع الفايزين فصح ان الكباير هي ما اوعد الله عليه النار و هي موجبة للنار و لكن النار التي توجبها للكافر هي النار الاصلية التي من دخلها كان مخلدا و النار التي توجبها للمسلم هي النار الظلية التي لاتوجب خلودا [ص 130] و هي المعبر عنها بالطبقة الاولي من جهنم و هي من حظايرها و اظلالها و ليست بنار خلد و سره واضح مما ذكرنا فان النار الاصلية مادتها من ظل الكافر و صورتها هي انواع العذاب علي ما شرحنا و الكافر هو ذاته خبيثة و ذاته فوق رتبة الاوقات زمانية كانت ام دهرية و مادة نارها ظلها فهو ممتد في جميع الازمنة و الدهور بلا انقطاع و لا زوال لنفوذ الذات في كل الاوقات و اما ما يصيب المسلم من مسه فليس ناشيا من ذات المؤمن النافذ في اوقاته و انما هو من الخارج و الحاصل من مس ظل الكافر يكون ظل الظل و الشبح المنفصل من الشبح المتصل فما مس المسلم من اظلال ما للكافر من العذاب و لذا صارت النار التي يدخلها المسلم من حظاير جهنم لا من اصلها فافهم و الذي يدل علي اقسام التطهير و النار التي يدخلها المسلم ما رواه العسكري عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان ولاية علي حسنة لايضر معها شئ من السيئات و ان جلت الا ما يصيبها اهلها من التطهير منها بمحن الدنيا و ببعض العذاب في الآخرة الي ان ينجو منها بشفاعة مواليه الطيبين الطاهرين و ان ولاية اضداد علي و مخالفة علي سيئة لاينفع معها شئ الا ما ينفعهم [ص 131] بطاعاتهم في الدنيا بالنعم و الصحة و السعة فيردوا الآخرة فلايكون لهم الا دائم العذاب ثم قال ان من جحد ولاية علي لايري الجنة بعينه ابدا الا ما يراه مما يعرف به انه لو كان يواليه لكان ذلك محله و ماواه فيزداد حسرات و ندامات و ان من توالي عليا و برئ من اعدائه و سلم لاوليائه لايري النار بعينه ابدا الا ما يراه فيقال له لو كنت علي غير هذا لكان ذلك ماواك و الا ما يباشر منها ان كان مسرفا علي نفسه بما دون الكفر الي ان ينظف بجهنم كما ينظف قذر بدنه بالحمام الحامي ثم ينقل عنها بشفاعة مواليه ثم قال رسول الله صلي الله عليه و آله اتقوا الله معاشر الشيعة فان الجنة لن‌تفوتكم و ان ابطأت بكم عنها قبايح اعمالكم فتنافسوا في درجاتها قيل فهل يدخل جهنم احد من محبيك و محبي علي عليه السلام قال من قذر نفسه بمخالفة محمد و علي عليهما السلام و واقع المحرمات و ظلم المؤمنين و المؤمنات و خالف ما رسم به من الشرايع جاء يوم القيمة قذرا طفسا يقول له محمد و علي عليهما السلام يا فلان انت قذر طفس لاتصلح بمرافقة مواليك الاخيار و معانقة الحور الحسان و لا ملائكة الله المقربين لاتصل الي ما هنالك الا بان تطهر عنك ما [ص 132] هيهنا يعني ما عليك من الذنوب فيدخل الي الطبق الاعلي من جهنم فيعذب ببعض ذنوبه و منهم من يصيبه الشدايد في المحشر ببعض ذنوبه ثم يلتقطه من هنا و من هنا من يبعثهم اليه مواليه من خيار شيعتهم كما يلتقط الطير الحب و منهم من يكون ذنوبه اقل و اخف فيطهر منها بالشدايد و النوايب من السلاطين و غيرهم و من الآفات في الابدان في الدنيا ليدلي في قبره و هو طاهر و منهم من يقرب موته و قد بقي عليه فيشدد نزعه و يكفر عنه فان بقي شئ و قوي عليه يكون له بطن و اضطراب في يوم موته فيقل من يحضره و يلحقه به الذل فيكفر عنه و ان بقي شئ اتي به و لمايلحد فيتفرقون عنه فيطهر فان كانت ذنوبه اكثر و اعظم طهر منها بشدايد عرصات القيمة فان كانت اكثر و اعظم طهر منها في الطبق الاعلي من جهنم و هو اشد محبينا عذابا و اعظمهم ذنوبا ليس هؤلاء يسمون شيعة و لكنهم يسمون بمحبينا و الموالين لاوليائنا و المعادين لاعدائنا ان شيعتنا من شيعنا و اتبع آثارنا و اقتدي باعمالنا و قالت فاطمة عليها السلام في حديث شيعتنا من خيار اهل الجنة و كان محبينا و موالي اوليائنا و معادي اعدائنا و المسلم بقلبه و لسانه لنا ليسوا من [ص 133] شيعتنا اذا خالفوا اوامرنا و نواهينا في ساير الموبقات و هم مع ذلك في الجنة و لكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا و الرزايا او في عرصات القيمة بانواع شدايدها او في الطبق الاعلي من جهنم بعذابها الي ان نستنقذهم بحبنا عنها و ننقلهم الي حضرتنا انتهي ، بالجملة لا شك و لا ريب ان الاجزاء السجينية لاتدخل عليين و ان اجزاء جهنم و اظلالها لاتدخل الجنة ابدا و طينة الكافر و ما تلطخ به المؤمن من اظلالها من طينة خبال و لايمكن ان يدخل بها الجنة ابدا و لا بد من انتزاع ذلك اللطخ عن المؤمن حتي يدخل الجنة و الشفاعة هي انتزاع اللطخ من المؤمن و الطبقة العليا من جهنم هي عين ذلك اللطخ و مدة لبث المؤمن في جهنم علي حسب سرعة الانتزاع و بطئه و هما ناشئان من شدة الالتصاق و ضعفه و كثرة الركون و قلته فكلما كانت تلك الاظلال الصق به كان لبثه فيها اكثر و كلما كان اقل التصاقا كان اسرع انتزاعا و اقل لبثا حتي انه ربما يكون في تلك الطبقة و يخرج منها و لمايمت و ربما يخرج منها و هو في البرزخ و لمايبعث و ربما يخرج في القيمة في اوائلها او بعد احقاب نعوذ بالله و ذلك ان الدخول تلطخه بها و الخروج نزعها عنه و موالوه [ص 134] شافعون له نازعونها عنه ابدا فمنها ما ينتزع سريعا و منها ما ينتزع بطيئا و كذلك حكم عذاب البرزخ فلربما يخرج الانسان من عذاب البرزخ و هو في الدنيا و ربما يخرج في البرزخ و اما ما روي و لكني اتخوف عليكم عذاب البرزخ ، يعني انهم يشفعون شيعتهم في الآخرة و لكن يتخوفون من عذاب البرزخ فمعناه ان اللطخ في الشيعة كما ذكرنا علي ثلثة اقسام و نبات العالمين ثلثة و ايام الحصاد ثلثة فما صدر عنهم من الاعمال الخبيثة او الطيبة بنية صرفة و لا روح لها غيرها فهي من اللطخ الظاهري علي ظاهر اجسادهم العرضية العنصرية الدنياوية او من نفس تلك الاجساد و انما هي في الدنيا و للدنيا و يوم حصاد هذا الزرع الدنيا و اليه الاشارة بقوله تعالي اولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب و قوله تعالي اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا و قوله و من يرد ثواب الدنيا نؤته منها و ما صدر عنهم ببواعث خيالية فهو من ذاتية برزخهم او مما لطخ به و انما هي في البرزخ و للبرزخ و يوم حصاده البرزخ فانهم زرعوه في ارضه و ما صدر عنهم بدواع قلبية و بواعث فؤادية و اشربوا في قلوبهم حبه فيوم حصاده الآخرة فانهم زرعوه في ارضها فيحصدونه في تلك الارض و لربما [ص 135] ياكلون مما زرعوه في ارض البرزخ في الدنيا قليلا و ياكلون مما زرعوه في ارض الآخرة في اليومين الاولين قليلا فاذا كان اللطخ علي ظاهر الاجساد فيبتلون بالآفات في دار الدنيا لانها ثمر زرعهم و اذا كان علي خيالاتهم فيبتلون بآفات البرزخ لانها ثمر زرعهم و ما كان علي قلوبهم فيبتلون بآفات الآخرة لانه ثمر زرعهم و هذه الفرقة الناجية المحقة المستوفين حب الاركان الاربعة المقرون بصفاتهم الموالون لاخوانهم كل معاصيهم او جلها من القسمين الاولين فان قلوبهم محفوظة ببركة مواليهم من تطرق حب اعداء الله و الركون اليهم عن حب و ميل فلايحبون عدوهم ابدا ابدا و ان صدر عنهم معصية يوما ما فليس نعوذ بالله من جهة حب اعداء الله و حب التشبه بهم و حب التأسي بهم و حب المخالفة لمحمد و آل‌محمد عليهم السلام و التعمد علي مخالفة اولياء الله و انما يعصون بظاهر اجسادهم بصرف نية او بخيال منهم قدموه و قلبه عالم بانها معصية و مخالفة لرضا الله و ان الله سبحانه له المشية ان شاء عذبه و ان شاء غفر له و يسوؤه المعصية اذا التفت و تنبه و تسره الطاعة اذا توجه فهذه علامة ان اللطخ لم‌يصل قلوبهم و غاية وصوله خيالهم الذي [ص 136] يدعوهم الي تلك المعصية فهم يزرعون بذرها في ارض البرزخ و يحصدونه في ذلك اليوم و لايقوم ذلك الزرع بحر القيمة بل يعدم و يفني فلايبقي الي ذلك اليوم و لايحصد هنالك فاذا حفظ الموالي لهم نفسه من عذاب البرزخ بترك خيال المعصية فآخرته محفوظة ببركة مواليه الطيبين و في الحقيقة هم الحافظون لقلبه و الماسكون لزمامه كما يمسك صاحب السفينة سكانها و ذلك انه قد ثبت في الحكمة و في البداهة ان الصورة التي في المرآة لاينظر اليك الا اذا نظرت اليه و انت حافظ نظره اليك بنظرك اليه و لو وليت عنه وجهك لادبر عنك موليا و حفظهم لقلوب شيعتهم بالتفاتهم اليهم و نظرهم اليهم بنظر الحب فالآخرة محفوظة ان شاء الله و البرزخ ايضا محفوظ الا ان المرآة البرزخية اذا اعوجت بسبب اللطخ و انصبغت يظهر فيها صورة يتبرؤ منها الناظر اليها و ذلك ثمرة انصباغها و اعوجاجها فافهم راشدا موفقا و اما قولهم عليهم السلام في الحديث السابق و اما التائبون فان الله عز و جل يقول ما علي المحسنين من سبيل ، فاعلم ان التوبة هي الرجوع و التوبة الي الله هي الرجوع اليه و هي علي اقسام فمنها التوبة اللفظية الصريحة [ص 137] كأن يقول تبت الي الله بنية و خيال و حب او غير صريحة كقراءة سورة او دعاء او ذكر او صلوة او غيرها و منها الفعلية كزيارة الحسين عليه السلام او غيره و البكاء عليه و ساير الاعمال الموجبة للمغفرة و منها الخيالية العلمية كأن يعلم بان الله ان شاء عذبه و ان شاء غفر له و غيرها من العلوم الحقة الموجبة للمغفرة و منها القلبية كبغض المعصية و اصلها و معدنها و مأويها و حب آل‌محمد عليهم السلام و مواليهم و اشعتهم و انوارهم و افعالهم و هذه التوبة اصل كل موجب للمغفرة و اصل كل توبة و حقيقتها فمن اذنب ذنبا فاستشعر حب آل‌محمد عليهم السلام و اوليائهم و اخلص في حبهم و تبرء من اعدائهم و صفاتهم و اخلاقهم فهو آمن من عذاب الآخرة و ذلك توبته و ان استشعر في خياله ذلك الحب علي ما يليق به و رجع اليهم و اناب و استشرق بنورهم في خياله فقد امن من عذاب البرزخ و هو تائب آيب الي الله سبحانه و ان اظهر ذلك في ظاهر جسده بعمل او قول فانه ما يليق به مما يوجب المغفرة علي ما هو الماثور فقد امن من عذاب الدنيا و هو المحسن و ما علي المحسنين من سبيل بل اولئك الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات اي ما [ص 138] حصل لهم من الظلمات بالادبار يبدلها الله سبحانه بالنور الحاصل لهم بالاستشراق بالرجوع و التوجه فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون ، بل ارجو من عميم فضل سادتي و موالي ان يكون جل معاصي هذه الفرقة الراجية الناجية او كلها اذا كانوا صادقين مصدقين من القسم الاول فيردون البرزخ بعيون قريرة و وجوه ناضرة تقر اعينهم برؤية مواليهم و مجاورتهم لما اصلح الله سبحانه خيالهم و صدرهم بنور العلم اللامع و الضياء الساطع المشرق من مطلع الركن الرابع فصحح علومهم و اصلح صدورهم و علموا عن برهان و اذعان ان الله سبحانه ان شاء عذبهم و ان شاء غفر لهم و لعلك قد علمت ان اباعبدالله عليه السلام قال من اذنب ذنبا فعلم ان الله مطلع عليه ان شاء عذبه و ان شاء غفر له غفر له و ان لم‌يستغفر و قال ما من عبد اذنب ذنبا فندم عليه الا غفر الله له قبل ان يستغفر و قال ابوجعفر عليه السلام كفي بالندم توبة و قال لا والله مااراد الله من الناس الا خصلتين ان يقروا له بالنعم فيزيدهم و بالذنوب [ص 139] فيغفرها لهم ، الي غير ذلك و قد تكفلوا سلام الله عليهم في هذه الدورة دورة تراهق الزمان باصلاح الصدور فعمروها بالحكم و المعارف و الاقرار بافعال الله سبحانه و صفاته و فضائل آل‌محمد عليهم السلام و ذلك بعينه اصلاح برازخ المصدقين و شفاعة منهم لهم جزاهم الله عن الاسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين والله لهم حق علي هذه الفرقة تقصر عن احصائه السنة الخطباء و بيان البلغاء و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها و هي من اعظم نعماء الله سبحانه علي العباد و اجل آلائه علي البلاد فجل معاصي المصدقين لهم من القسم الاول الا ما شذ و ندر و ان قامت هذه الفرقة الناجية بالشرط الخامس الذي هو كالودق النازل من سحاب الاركان الاربعة علي ارض قوابل هذه الفرقة يصلح به دنياهم و برزخهم و آخرتهم و انما الاخذ به من حظوظ الخصيصين الاخيار الخلصين الابرار و هو القيام بحقوق الاخوان ثمرة شجرة الاركان و الحاصل من القيام بالاسلام و الايمان و لمايجئ وقت ذلك فانا من الزام الناس بالركن الرابع في عويل و اني لهم اذا جاءتهم ذكريهم و قد ارخينا عنان القلم في هذا الميدان لما فيه من الموعظة البليغة و الحث الكامل علي الاعمال الصالحة ، [ص 140] فلنرجع الي ما كنا فيه اولا و كتبنا هذه الرسالة لاجله و وصلنا هذا القول بسببه و قد قدمنا ان كل ما يضاف الي المؤمن هو المضاف الي الله و كل ما يضاف الي الله هو المضاف الي المؤمن فكل ما قصر المقصر في حق اخيه فهو تقصيره في حق الله سبحانه و كلما ادي حق اخيه فهو اداء حق الله سبحانه و لاتزعم كبعض الاقشاب ان كثيرا مما يضاف الي المؤمن من باب انسانيته و بشريته فلايليق الي الله راجع الوصل السابق في حديث مرض الله و استطعامه و استسقائه و ضحكه و اذيته و محاربته و زيارته و غير ذلك فكل ما فعلت بالنسبة الي اخيك فقد فعلت بالنسبة الي الله ثم ان كان ما فعلت ذاتا كما قدمنا يلحقك ما هو جزاؤه من الخلود كما قدمنا و كلما فعلت عرضا و لطخا يلحقك جزاؤه انقطاعا ثم ان كان بظاهر جسدك ففي الدنيا و ان كان بخيالك ففي البرزخ و ان كان بقلبك نعوذ بالله ففي الآخرة فحب الاخوان هو حب الله الذي قدمنا انه اصل كل خير و العامل به عامل بجميع الطاعات و يسعد به العقل و النفس و الجسد و بغض الاخوان هو بغض الله الذي قدمنا انه اصل كل شر و يشقي به جهله و نفسه و جسده و يجعل الحب جميع [ص 141] معاصي الاولين عرضيا و يجعل البغض جميع طاعات الآخرين عرضيا و ان شاء الله يكفيك و يكفي ساير اخواننا ما ذكرنا في هذا الوصل و ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد .

وصل في الحث علي اتخاذ الاخوان و ذكر فوايده و ثمراته ، و قد تبين مما ذكرنا للفطن فوايده و ثمراته الا انا احببنا ان نفرد له وصلا نذكر فيه بعض ما يخفي منه علي الاكثرين ، اعلم ان فوائد اتخاذ الاخوان كثيرة ظاهرا و باطنا نقلا و عقلا اما فائدته الظاهرية فلايخفي علي خبير ان الانسان اذا كان له من يبذل له ماله و جسده و روحه اي لذة له في صحبته و اي مكروهات تدفع عنه به و اي هموم تكشف عنه به و اي كرب تفرج عنه به و اي مصائب ترفع عنه به و اي نوائب تمنع عنه به و اي مؤن تخف عنه به و كم عدو يكسر عنه به و كم منفعة تحصل له به و كم نفس تحترس عنه به و كم حاجة تقضي له به و كم غيبة تحفظ له به و كم يد تعلي له به و كم عرض يحفظ له به كم مال يحرس له به و لااظن شيئا في تمام ملك الله سبحانه اعز و اجل و ابهي و اكرم و اشهي من اخ هكذا بل لااظن لذة في تمام ملك الله سبحانه [ص 142] توازي صحبة اخ هكذا هيهات و اني يلتذ الانسان من صفات الحيوانات من اكل او شرب او جماع و اني يانس الانسان بجماد او نبات او حيوان و انما لذة الانسان من صحبة الانسان و الجلوس معه و انسه بالانسان و لاينبغي ان يكون الانسان اقل من الحيوانات و كل حيوان انسه و لذته من صحبة جنسه فكيف لايكون الانسان هكذا لاسيما اذا وثق به و ائتمنه علي نفسه و دينه بل علي علمه و عقله و علي ماله و اهله و علي جميع ما خوله الله اياه و لاسيما اذا بذل له نفسه و ما خولها الله و يكون احوط علي نفسك و مالك من نفسك و يكون كذلك بلا اكتراث و لا منة و لا اكراه و لا اعراض فيا رب من رزقته اخا هكذا ماذا منعته و من منعته اياه ماذا اعطيته بدله و ان لم‌يكن اخا هكذا فلا اقل من المكاشرة و هو ايضا يقل مؤنتك و يعاونك في قضاء حوايجك و يكون صولة لك عند عدوك و يكشف بعض همومك و يفرج بعض كروبك و تبدي له بعض ما يمكن لك ابداؤه من همك و غمك و تستانس به قليلا و تستعين به علي بعض الشدايد فمن لم‌يجد صديقا مستوثقا به كالاول فلايتركن الثاني فان من لا اخ له و لو كالثاني فهو غريب في الدنيا وحيد فريد لايهنأ له عيش و لايحصل دينا [ص 143] و لا دنيا فان الانسان خلق مدني الطبع لا بد من بعضهم لبعض فكل واحد منهم يقضي حاجة و ما يلزمهم في معاشهم و معادهم فمنهم من يزرع للآخرين و منهم من يحصد و منهم من يطحن و منهم من يخبز و منهم من يحتطب و منهم من يبني و منهم من يحوك و منهم من يجلب الامتعة و منهم من يكاري و منهم من يراعي و منهم من يصنع الصناعات و منهم من يعلم و هكذا فالذين يتركون اتخاذ الاخوة و لو مكاشرين كيف يقدرون علي تعيشهم و اصلاح امور معاشهم فضلا عن معادهم فالزم اللوازم في الظاهر فضلا عن الباطن اتخاذ الاخوة و لو كانوا من المكاشرين لينتظم معاشه في الدين و يعيش حتي يبلغ الكتاب اجله فهذا قليل من كثير في ثمرة اتخاذ الاخوان في ظاهر الحيوة الدنيا .

و اما ثمرته في الباطن فكثيرة : منها اعانته اياك علي فعل الطاعات و الاجتناب عن المعاصي فان طبيعة الانسان مجبولة علي الاكتساب ممن يعاشره حتي كأن يقال المرأ علي دين خليله فاذا كان لك اخ مواظب علي الطاعات و العبادات مجتنب عن المعاصي و السيئات و انت تعاشره و تجاوره تكتسب منه لا محالة و ترغب الي مثل ما يعمله و ذلك امر مجرب محسوس [ص 144] لكل احد ان يعاشر الفسقة و يري مواظبتهم علي المعاصي يقل قبحها في عينه قليلا قليلا و يظهرون له محاسن لها تسويلا و تزيينا للباطل و يرغب الي مثل عملهم شيئا بعد شئ و يستانس بهم حتي يعمل مثل عملهم و من يعاشر العلماء و العباد و يري مواظبتهم علي العلم و الطاعات يكثر محاسنها في عينه شيئا بعد شئ و يكثر قبح المعاصي في نظره قليلا قليلا حتي يهوي و يرغب ان يكون كأحدهم حتي انه يفعل مثل عملهم و يدخل معهم في زمرتهم و لذلك نهينا عن مجاورة الفسقة و معاشرتهم و مواخاتهم و حثثنا علي مجاورة العلماء و اهل الزهد و التقوي و ذلك امر بديهي فاذا اتخذ الانسان اخا في الله بالشروط المقدمة عدلا ثقة زاهدا عابدا و جاوره و ساوره ليلا و نهارا ينجذب اليه طبعه و يرغب الي عمله لا محالة فيصير علي مرور الايام و الليالي مثله عدلا ثقة زاهدا عابدا و هذا نفع عظيم و خير جسيم و منها ان الانسان اذا اتخذ اخا علي ما قررنا و قام له بشروطها يكون عينه و دليله و مرآته و من البين ان حب الشئ يعمي و يصم الانسان عن عيوبه و احب الاشياء عند الانسان في مبادي امره نفسه و هو اعمي و اصم [ص 145] من عيوبه و اما اخوه فهو غيره و يري عيوبه فانه واخاه في الله لا للهوي و ميزانه الشرع المبين و سنة سيد المرسلين و طريقة سيد الوصيين عليهما صلوات المصلين فيري عيوب اخيه و يهديها اليه و يخبره بها فهو مرآته يبين له ما فيه وشمة وشمة و وصمة وصمة و شعرا شعرا و دليله يهديه الي ما يجهله من امر دينه و دنياه و يطلعه علي ما خفي عليه مما فيه رضي الله و يريه الصراط المستقيم و يعدل به عن طرق الضلالة و الغواية و عن سبل فيها قطاع المسافرين و لصوصهم فيأمن من المخاوف و المحاذير حتي يصل الي المقصود و عينه يري في غيبته و يسمع ما يقول الناس في اخيه فان ساير الناس ابصر بعيوبه من اخيه لما يحتمل ان يغطي عينه و يوقر سمعه الحب فيشتبه عليه بعض عيوب اخيه و لكن الناس لقلة حبهم او عدمه لايشتبه عليهم فيقولون و يرون و يسمعون فاذا كان لك اخ يشهد غيبتك و سمع الناس يقولون فيك كذا يتنبه و ينبهك فتترك ذلك العمل و هذه نعمة عظيمة و رحمة جسيمة من الله لك ان عرفت قدره و منها ان الاخ يدعو لاخيه في آناء الليل و النهار بل يؤثر اخاه في الدعاء علي نفسه دائما و دعاؤه فيك [ص 146] مستجاب لا محالة اذ لم‌تعص الله بذلك اللسان و ان الله ابر بك من اخيك و ان مواليك و ساداتك ابرون بك من اخيك فاذا دعا لك اخوك عن صرف الحب في الله كان الله اولي منه بالاجابة و الزيادة و كان موالوك اولي بالتامين و الدعاء فببركة دعاء مواليك و استجابة الله و دعاء اخيك تسعد في الدارين و يصلح لك امر آخرتك و دنياك و هذه ايضا منة اخري من الله سبحانه فاعرف قدرها و كن من الشاكرين و منها اصل حبه لك و حبك له في الله و لله مجذبة لامداد الله سبحانه و لطفه و حبه لكما فان الله سبحانه ابر بكما منكما فاذا تحاببتما لله و في الله كان الله اولي بحبكما و العمل بمقتضي حبه لكما و ذلك اشهي من جميع ما مر و احسن و منهما ان حبك لله يرجع الي حب مواليك و حب مواليك يرجع الي حب الله سبحانه و انت لو لم‌يكن لك من تحبه لايتحقق لك حب الله سبحانه فان الشئ لايحب الشئ الا ان يكون بينهما مناسبة و ارتباط و اي مناسبة بينك و بين الله سبحانه او بينك و بين سادتك المعصومين فلايتحقق لك ابدا حب الله سبحانه و حب سادتك الطيبين عليهم صلوات المصلين الا من هذا الباب فمن لم‌يكن له حبيب من [ص 147] الشيعة و الموالين ليس بحبيب لله سبحانه و لا حبيب الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم و لايعرف ابدا معني الحب و لايذوق ابدا حلاوته كما تري من هذه الاقشاب غير المتواخين لله و في الله و جمودهم و عدم ادراكهم لذة الحب و عدم ذوقهم حلاوته حتي انهم قست قلوبهم فهي كالحجارة او اشد قسوة و يتلاقون كالاجانب و يساور بعضهم بعضا كالاباعد كأنهم لم‌يتعارفوا في عالم من العوالم و لايستانس بعضهم ببعض ابدا و هذه ايضا خصلة كريمة و نعمة عظيمة ليس فوقها نعمة اذ بها يحصل حب الله الذي هو اصل كل خير و حب الائمة الذي هو اصل الدين و حقيقة الايمان و اليقين و منها من لم‌يبتل بحب لم‌يلن له جانب ابدا و لم‌يرق له قلب سرمدا و لم‌يخضع له اطراف و لم‌ينجع له جوانب فان صعاب الطباع لايتذلل الا بلجام الحب و حزن النفوس لايسهل الا بنير الوداد فما لم‌يبتل الرجل بحب حبيب لايصيرن لين العريكة و سهل الطبيعة ابدا و لذا تري المتوادين في الله خشعا خضعا ذلولا سهلا متسامحا متباشرا متواضعا متبسما و تري كل واحد بعيدة خشونتهم قريبة لينتهم سهلا تجاوزهم [ص 148] كثيرة رقتهم زاهدا في ما سوي محبوبهم سموحا في زلل الناس مستقيلا في عثراتهم مستقلا لمحاسنهم مستكثرا لمعايبهم مستوحدا في همومهم مستوحشا عن غير محبوبهم كثير العبرة دائم الرقة كثير التسليم سريع القبول بالجملة لهم كل خير و اجتناب كل شر و هذه لك نعمة اخري فما لم‌يكن الرجل متوادا لله متحابا في الله اني تحصل له هذه المكارم و الخصال و اني يوجد فيه هذه الصفات و الاحوال و منها الشفاعة المقبولة في الآخرة فان الاخ اذا كان في الله مؤمنا تقيا نقيا له شفاعة مقبولة في كل من له عليه حق كما تظافرت به الاخبار فكيف لايشفع اخاه في الله الذي هو اقرب الخلق اليه الي غير ذلك من المنافع الباطنية و هذه اعظم نعماء الله سبحانه و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها فقس علي ذلك ساير المنافع و الخصال و المكارم و الاحوال و اما ما يحث علي اتخاذ الاخوان من الاخبار فكثيرة جدا منها ما قال الرضا عليه السلام من استفاد اخا في الله استفاد بيتا في الجنة و عن لقمن انه قال لابنه يا بني اتخذ الف صديق و الف قليل و لاتتخذ عدوا واحدا و الواحد كثير و قال اميرالمؤمنين عليه السلام :

[ص 149]