عليك باخوان الصفاء فانهم عماد اذا استنجدتهم و ظهور

و ليس كثيرا الف خل و صاحب و ان عدوا واحدا لكثير

و قال رسول الله صلي الله عليه و آله لايدخل الجنة من ليس له فرط قيل يا رسول الله و لكل فرط قال نعم ان من فرط الرجل اخاه في الله و قال ابوعبدالله عليه السلام اكثروا من الاصدقاء في الدنيا فانهم ينفعون في الدنيا و الآخرة اما في الدنيا فحوايج يقومون بها و اما الآخرة فان اهل جهنم قالوا فما لنا من شافعين و لا صديق حميم و قال عليه السلام استكثروا من الاخوان فان لكل مؤمن دعوة مستجابة و قال استكثروا من الاخوان فان لكل مؤمن شفاعة و قال اكثروا من مواخاة المؤمنين فان لهم عند الله يدا يكافيهم بها يوم القيمة و قال اميرالمؤمنين عليه السلام اعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان و اعجز منه من ضيع من ظفر به منهم و قال رسول الله صلي الله عليه و آله المؤمن عز كريم و المنافق خب لئيم و خير المؤمنين من كان مألفة للمؤمنين و لا خير فيمن لايألف و لايؤالف و قال شرار الناس من يبغض المؤمنين و تبغضه قلوبهم المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الاحبة الباغون للناس العيب اولئك لاينظر الله اليهم و لايزكيهم يوم القيمة ثم تلا [ص 150] عليه السلام هو الذي ايدك بالمؤمنين و الف بين قلوبهم ، الي غير ذلك من الاخبار و الآثار و فيما مر سابقا و ذكرنا آنفا عبرة لاولي الابصار و كفاك قوله تعالي في صفة الكافرين انهم يقولون فما لنا من شافعين و لا صديق حميم و في صفة المؤمنين اخوانا علي سرر متقابلين و قوله ايدك بالمؤمنين و الف بين قلوبهم فقلوب المؤمنين مؤلفة لا محالة لاخبار الله سبحانه فمن ليس له صديق في الدنيا ليس له صديق في الآخرة و من لا اخ له في الدنيا ليس له اخ في الآخرة فمن ليس له في الدنيا صديق حميم و لا اخ مستفاد في الله و ليس قلبه مألوفا بمؤمن ليس بمؤمن قطعا لما عرفت و اما ما يحث علي اتخاذ الاخوان من صحيح الاعتبار فكثير مما ذكر و نزيد عليه من باب الموعظة الحسنة ان الظاهر علي طبق الباطن و الباطن علي وفق الظاهر فكما ان الانسان لايقدر ان يسلك طريقا لم‌يسلكه قبل و لم‌يهتد اليه الا بدليل يرفقه و يهديه مع ان مشاعره الجسمانية صحيحة و الطريق واضحة و الدنيا نهار و الاعداء اقل من الباطن و الشعب اشذ كذلك لايقدر الانسان ان يسلك طريق الباطن الذي لم‌يسلكه قط و لم‌ير احدا يسلكه ذلك مع ان مشاعره الباطنة كآلة منطمسة [ص 151] و الطرق خفية و فضاؤه مظلم و الاعداء متكاثرة و الشعب وافرة و هو غريب وحيد فريد جاهل لايهتدي سبيلا و لايعرف دليلا لا زاد له و لا راحلة هل يمكن عادة ان يهتدي مثل هذا السالك الي المقصد و ينجو من ايدي هذه الاعداء او لايموت جوعا و عطشا و تعبا فلعمري يستحيل عادة ان يصل مثل هذا السالك الي مقصد بل يمتنع عادة ان ينجو و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و لذا ورد الرفيق ثم الطريق و انما هم يتكلمون بالكلمة و يريدون سبعين وجها لهم من كلها المخرج و هذا المعني احدها و نزيد لك بيانا ايضا في الوصل الآتي بحيث تعلم ان ذلك سر سري من اول الايجاد الي آخره لايمكن لاحد ان يسلك خطوة الا برفيق لا يقال ان الله سبحانه اوضح الدين و النبي صلي الله عليه و آله نصب اعلام الشرع المبين و الائمة عليهم السلام نهجوا مناهج اليقين فاي حاجة مع ذلك كله الي اتخاذ الاخوان فانا نقول ان الله سبحانه و رسوله و اوليائه عليهم السلام دلوا علي الطريق بالقول و بينوا الشوارع و الطرق بالبيان و انك لو قال لك قائل ان الطريق الي مكة كذا و كذا و تمشي يمينا كذا و كذا اياما و يسارا كذا و كذا و مستقيما كذا و كذا فاولا [ص 152] لايمكنك ضبط هذه التحديدات و الدلالات و ثانيا لاتامن الخطا عند الطرق المتشعبة و يشتبه عليك لا محالة و ثالثا لاتامن اللصوص و قطاع الطريق و لاتقدر علي مجاهدتهم و محاربتهم مع انهم الوف و انت وحيد فريد لا سلاح لك و لا معين و رابعا ان طرق الباطن ليست كالطرق الظاهرة فليس كل احد يفهم من الله و رسوله صلي الله عليه و آله كيفية بيان الطرق و حقايقها فمنها طرق في مقامات التوحيد و منها طرق في معانيها و منها طرق في ابوابها و منها طرق في ادلائها و منها طرق في اركانها و منها طرق في مظاهرها و مجاليها و منها طرق في اصلاح النفس و اخلاقها و احوالها و صفاتها و منها طرق في عوالم النفس و مصاعدها و مدارجها فمن الذي يفهم من الله و رسوله صلي الله عليه و آله كل ذلك الا واحد عصره و ناموس دهره فان عرف امرء ذلك كله و رءاها رأي العين فهو الواصل البالغ و الدليل الكامل و لكن الرعية الضعيفة و المستهدي الجاهل كيف يقدر ان يهتدي من كتاب و سنة ذلك كله الاتري ان جميع المسائل الشرعية موجودة في كتاب الله و سنة نبيه و ليس لكل احد ان يستخرجها الا فقيه متلمذ علي فقيه آخر و لا بد لجميع [ص 153] المتشرعين ان يهتدوا بهداه و يسلكوا بدلالته مع ان الله موجود و الرسول و الائمة عليهم السلام موجودون و الطريقة اكثر مسائلا و اكثر شعبا و ازيد خطرا و اوفر شبهة فكيف يمكن ان يمشوا فيها بمحض الكتاب و السنة او دلالة ادلاء الشريعة الذين هم الفقهاء ايمكن السلوك في البحر بدلالة ادلاء البر حاشا و كلا فلايمكن السلوك في الطريقة بدلالة الفقهاء و التفقه و ان لها علما آخر و ادلاء اخر لا بد و ان يسلك السالك بهداهم و يقتفي اثرهم و يمشي بضوئهم و هم اخوة خاصة علي قدر مراتبهم الاتري انه لم‌يقدر احد من الاولين و الآخرين ان يسلك خطوة من اهل الظاهر و لو كانوا سلكوا خطوة لرأوا خطوة و لاخبروا عن خطوة و كفاك تجربة هذا الجم الغفير في الف و مأتين و احدي و ستين سنة و لم‌يهتدوا خطوة واحدة و كفاك الشاهد علي ذلك نفسك انك كنت كأحدهم بل اعلمهم و اعملهم و اتقاهم في مدة اربعين سنة و لم‌تحصل شيئا و لم‌تهتد سبيلا الا بعد ان تحاببت و تصادقت مع اهله فانظر ما افادوك في علمك بالله و برسوله و اوليائه و في اخلاقك النفسانية و افعالك الطبيعية في مدة قليلة علي قدر ما تقدمت اليهم و لو زدت في التقدم خطوة واحدة لزادوك [ص 154] و لقد جرب المجربون ان كل من يسلم لهؤلاء امرهم و يحبهم يتغير حاله علما و عملا و خلقا في يومه بل و في ساعته و يري و يحس انه يترقي في كل آن و حين و ان في ذلك لعبرة لك و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل و كفاك بما ذكرنا في هذا الوصل في الحث علي اتخاذ الاخوان و بيان ثمرته .

وصل في بيان عدد الاخوة و كم ينبغي ان يكونوا معا في طريق واحد و ذلك امر مهم ايضا وجب في الحكمة التصريح به و بيانه ، اعلم ان للاخوة كما عرفت مراتب و مقامات فمن الاخوة اخوان ثقة و منهم اخوان مكاشرة و لكل واحد كما عرفت حق و لكل واحد حد محدود اعلم ان الاخوان المكاشرين لا حد لهم فكل ما كانوا اكثر كان احسن كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام :

و ليس كثيرا الف خل و صاحب و ان عدوا واحدا لكثير

و كما قال الصادق عليه السلام استكثروا من الاخوان فان لكل مؤمن دعوة مستجابة و لكل مؤمن شفاعة ، و ذلك الاخوان المكاشرين اخوان في الشريعة و نظام العالم و بناء عيش بني آدم علي اتخاذهم و مصاحبتهم [ص 155] و مجاورتهم و مخالطتهم و مخالقتهم و مساورتهم و لولاهم لم‌يخضر للشريعة عود و لم‌يقم لها عمود فلا بد من اتخاذهم و استكثارهم و اداء حقوقهم و لايلزم من اداء حقوقهم في استكثارهم عسر و لا حرج فانك تبذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه و حلاوة اللسان و المخالقة و المصاحبة فتعطيهم من يد تاخذ بها عنهم و تلك اخوة شرعية و لما كان و لا بد لكل احد من حفظ الشريعة و العمل بمقتضاها لا بد و ان يستكثر من هذه الاخوان و يؤدي حقوقهم مما لايؤدي الي عسر و حرج فان ذلك منفي عن الشريعة الغراء و المحجة البيضاء و ان كثيرا من الحقوق لايمكن اداؤها مع كثرة الاخوان الاتري ان المؤمن لاينبغي ان يهجر اخاه ازيد من ثلثة ايام و لايمكن اداؤ هذا الحق اذا كانوا مائة او اكثر او اقل و ينبغي للمؤمن ان يواسي اخاه و لايمكن المواساة مع خلق كثير و لو فعل امسي و هو متكفف علي الطرق و الدور لا محالة و هكذا فاذا استكثر من هذه الاخوان ادي اليهم بقدر ما يؤدون اليه و لا حرج و اما الاخوان في الطريقة فهم اخوان المصادقة و اخوان الثقة كما عرفت و حدهم ان يكونوا اربعة او ستة لا ازيد منها و لا اقل و لنسرد الاخبار الدالة علي اتخاذهم في [ص 156] الطريقة و عددهم ثم نتبعها بما رزقنا الله من ادلتها و تفاصيلها قال رسول الله صلي الله عليه و آله الرفيق ثم السفر و في رواية الرفيق ثم الطريق و قال صلي الله عليه و آله احب الصحابة الي الله تعالي اربعة و مازاد قوم علي سبعة الا زاد لغطهم و قال صلي الله عليه و آله الاانبئكم بشر الناس قالوا بلي يا رسول الله قال من سافر وحده و منع رفده و ضرب عبده و قال صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام لاتخرج في سفر وحدك فان الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين ابعد يا علي ان الرجل اذا سافر وحده فهو غاو و الاثنان غاويان و الثلثة نفر و روي سفر و قال موسي بن جعفر عليهما السلام لعن رسول الله صلي الله عليه و آله ثلاثة الآكل زاده وحده و النائم في بيت وحده و الراكب في الفلاة وحده و كان ابوعبدالله عليه السلام بمكة اذ جاء رجل من اهل المدينة فقال من صحبك فقال ماصحبت احدا فقال ابوعبدالله عليه السلام اما لو كنت تقدمت اليك لاحسنت ادبك ثم قال واحد شيطان و اثنان شيطانان و ثلثة صحب و اربعة رفقا و قال رسول الله صلي الله عليه و آله البائت في بيت وحده و الساير وحده شيطانان و الاثنان لمة و الثلثة انس و قال ابوعبدالله [ص 157] عليه السلام خير الرفقاء اربعة الحديث ، الي غير ذلك من الاخبار و انت تعلم انهم يتكلمون بالكلمة و يريدون منها سبعين وجها لهم من كلها المخرج و هم الواقفون علي الطتنجين و الناظرون في المشرقين و المغربين و المهيمنون علي الخلايق و المكلفون لجميع العوالم و الناطقون في كل عالم باحكام الله سبحانه و شرايع دينه و قد قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الحديث ، فهم عليهم السلام قد نبهوا بهذه الاخبار سالكي جميع العوالم و الاقطار علي طريق الصحبة في الاسفار للاستيمان عن الاخطار اذ لا ظاهر الا بالباطن و لا باطن الا بالظاهر فالامتثال بها واجب علي جميع السالكين في العالمين و منهم السالكون في عالم الطريقة و المنتحلون لاحكام الولاية فمهما اراد امرؤ السلوك في طريق الولاية لا بد و ان يسلك بهديهم و يقتفي اثرهم و يتبع امرهم فانهم عليهم [ص 158] السلام منار الهدي في كل طريق و هداة الوري في كل سبيل و الادلاء علي الله في الغيوب و الشهود و الدعاة اليه في جميع مراتب الوجود و من اوامرهم في عالم الطريقة وجوب اتخاذ الصحب و حرمة السير و السلوك وحده و الدليل علي تحريمهم السير وحده ما مر ان من سافر وحده شر الناس و انه شيطان و انه ملعون فاذا حرم السير وحده و السفر واجب لقوله تعالي سيروا فيها ليالي و اياما آمنين وجب اتخاذ الاصحاب و المصاحبة لا محالة و من سافر وحده فقد القي بنفسه الي التهلكة و هو حرام البتة و الوجه في انه القاء الي التهلكة قول ابي‌جعفر عليه السلام في حديث اجرأ ما يكون الشيطان علي الانسان اذا كان وحده و قال عليه السلام ان الشيطان اشد ما يهم بالانسان حين يكون وحده خاليا و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الشيطان اشد ما يهم بالانسان اذا كان وحده فلاتبيتن وحدك و لاتسافرن وحدك ، الي غير ذلك و روي ما يدل علي ان ما اصاب الانسان في الوحدة لم‌يكد يفارقه ، فتبين و ظهر ان في الوحدة خطر عظيم و التوحد القاء النفس الي التهلكة و هو حرام في السفر الباطني و الظاهري لانه ملعون بلعن رسول الله صلي الله عليه و آله و ان فاعله شر [ص 159] الناس فلايجوز التوحد لاهل الطريقة ابدا و ما روي عن الصادق عليه السلام انه قال لهشام يا هشام الصبر علي الوحدة علامة قوة العقل فمن عقل عن الله اعتزل اهل الدنيا و الراغبين فيها و رغب فيما عند الله و كان الله انسه في الوحشة و صاحبه في الوحدة و غناه في العيلة و معزه من غير عشيرة الحديث ، فالمراد العزلة عن الاشرار و التوحد العرفي اي اجتناب عامة الناس فان التوحد الصرف ليس في هذه الامة المرحومة لانه لا بد لهم من الاختلاف الي المساجد و زيارة الاخوان و تحصيل العلم من محله و التزويج و تحصيل الرزق لهم فكيف يجوز في الشريعة التوحد و التفرد الصرف و القرينة علي هذا المعني واضحة في نفس الخبر فانه يقول بعده فمن عقل عن الله اعتزل اهل الدنيا و الراغبين فيها ، و لم‌يقل اعتزل الاخيار ايضا و اما في الطريقة فقد عرفت انه لايجوز الا نفسا اي ينقطع عن جميع الخلق الي الله سبحانه فلايتوجه الي غيره و لايريد غيره و لايحب سواه و لايرجو الا اياه فالصبر علي هذه الوحدة من قوة العقل فمن عقل عن الله اعتزل اهل الدنيا و الراغبين فيها بقلبه لا بجسده [ص 160] فلاينحو نحو احد و لايميل الي غير الله سبحانه و اما ما يميل الي الاخيار و محبتهم و ولايتهم و زيارتهم و صحبتهم و الاخذ عنهم فذلك راجع الي الله سبحانه كما عرفت في وصل حقوق الاخوان فالمعاشر للمؤمنين الاخيار متوحد متعيش وحده فان الغالب عليهم جهة الوحدة و جهة الرب الواحد و لا اختلاف فيهم و لا تكثر رأي و هوي و لذا قال اعتزل اهل الدنيا اي الذين عشرتهم توجب تشتت البال و اختلاف الحال و التفرق و البلبال فالصبر علي الوحدة اي علي صحبة الاخيار علامة قوة العقل و له معني آخر ان يكون الخبر واردا في المشايخ فان الشيخ من اولي العقول النقباء و هو آية الوحدة بالنسبة الي السايرين كما يأتي و هو آية التوحيد و سر التفريد للاصحاب الاربعة كما ياتي فالتوحد محبوب منه لا من غيره و لذا قال علامة قوة العقل و اما غيره فلايجوز له التفرد و التوحد ابدا و انه شيطان ملعون ان فعل .

و اما سر ان خير الرفقاء اربعة و الشيخ واحد فاعلم انا قد بينا في كثير من رسائلنا و مباحثاتنا و قد حفظه مستحفظوه انه لايوجد اثر و لايصدر من مؤثره الا و له كيفيات اربعة لان الاثر اثر فعل الفاعل و الفعل هو [ص 161] حركة المسمي كما قال علي عليه السلام و الحركة محدثة للحرارة فالاثر اول ما يصدر من فعل مؤثره يكون حارا و هو في اول صدوره قبل ان ينتقل من تحت ظل مؤثره الي غيره ساكن يابس لانه لايميل الي شئ سوي مؤثره و مؤثره باحديته طاو له فليس ينتقل من محله فلايوجد فيه رطوبة اصلا و هو حينئذ متحرك علي القطب فهو ساكن لايدرك بالسكون و الاثر من حيث نفسه مع قطع النظر عن مؤثره الذي هو مبدؤ الحرارة بارد لانه مفعول و لا حركة في المفعول و يابس لانه غير مطاوع من حيث نفسه في نفسه لامر مؤثر فهو مستقر في حده غير ممتثل امر غيره و لما مالت الحرارة و اليبوسة الي البرودة لحصول الامتزاج و التركيب حصل الحار الرطب الرابط بين اليابسين و الباب المتلقي من الجهتين و هو رسول الحار اليابس لتمكين قابلية البرودة و اليبوسة فتمكنت و قبلت و اقبلت و امتثلت فحصل منها البارد الرطب فتمت بذلك مراتبه و كملت و ائتلفت و امتزجت و تركبت فحصل منه الاثر تاما و هذا مرادهم ان الاثر مربع الكيفية و هذا السر سري في جميع مراتب الوجود فلا شئ الا و فيه هذه المراتب الاربع حتي المركبات و المولدات التامة و غير التامة و له وجوه اخر كثيرة [ص 162] ذكرنا كثيرا منها في ساير كتبنا فمن ارادها فليطلبها من مظانها ثم لما كان الاثر ما لم‌يتركب اجزاؤه و تمتزج كيفياته لم‌يكن شيئا واحدا و اذا تركب حصل من بين الاربع طبيعة خامسة معتدلة بين الكيفيات الاربع لا محالة و هي التي سميها الاطباء المزاج و نسميه قطب المركب و قلبه و مركزه و اوسطه و هو طبيعة برزخية بين الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و لم‌يروا الاطباء غير هذا المزاج و لم‌يصعدوا عنه و انما هو ظهور الواحد الفرد المهيمن علي هذه الكثرات الذي هو بالنسبة اليها نسبة الرحمن الي العرش و هو مستو علي عرش الطبايع مقدم وجودا عليها فان من المقرر الثابت في الحكمة ان الواحد اشرف من المتكثر و الاشرف اقرب الي المبدء من الاخس فذلك الواحد الذي هو آية الرحمن اسبق وجودا و اعلي مكانا من هذه الطبايع فلما تنزل في عالم الطبايع ظهر بالمزاج المتوسط بين الطبايع المتأخر ظهوره عنها فهو الفاتح في الوجود و الخاتم في الظهور به فتح الله و به ختم و هذه الطبايع و الاركان الاربع هي تفاصيل شئون ذلك الواحد و ظهور اطواره و ذلك المزاج وجه الاربع الي ذلك الواحد و قلبها المستمد منه الممد لها و هو ايضا مقدم عليها وجودا لانه [ص 163] اوحد و اشرف منها و لايمكن في الحكمة ان يكون الاخس مقدما و الاشرف مؤخرا في الوجود فمن ذلك قالوا ان كل اثر مثلث الكيان فالكون الاول هو الواحد المقدم وجودا آية الرحمن المهيمن علي عرش الطبايع المذكور فيه الطبايع علي وجه صلوح الاشراق و الكون الثاني هو المزاج الحاصل من تركيب الطبايع و هو الكيفية المتوسطة بين الطبايع المذكور فيه الطبايع علي وجه الاندراج و الاندماج و الاستجنان و المجموع المركب الذي هو بمنزلة الجسد لذلك المزاج المذكور فيه الطبايع علي جهة التفصيل و ذلك مشروح مبين في الانسان الفلسفي فان حجرهم مركب من روح و نفس و جسد و فيه الكيفيات الاربعة مفصلا مشروحا و هي الفتي الكرشي و الاحمر الشرقي و هو نارهم و الاصفر الشرقي و هو هوائهم و الفتاة الغربية و هي ماؤهم و الارض المقدسة و اكليل الغلبة و هي ترابهم و كذلك كل اثر لانك لاتري في خلق الرحمن من تفاوت فكل اثر مثلث الكيان مربع الكيفية و به يتم الشئ و يكمل و لذلك قالوا في علم الحساب و العدد ان السبعة عدد كامل لاشتماله علي الفرد الاول و الزوج الاول بعد ان قالوا ان الواحد ليس من العدد و الاثنان يمتنع ان يكون اول الاعداد [ص 164] لانه زوج و لايمكن ان يكون لكم الذكر و له الانثي فاول الافراد ثلثة و هو اول الاعداد و اول الازواج اربعة و السبعة اول عدد اشتمل علي اول الافراد و اول الازواج فهو اول كامل في الاعداد و قالوا ان الستة عدد تام لان كسوره اذا اجتمعت ساوته و هي علة عددية و الحكمة في تمامه ان الواحد الذي هو الروح لما لم‌يكن من صقع المركب و كان آية الرحمن المهيمن علي العرش ليس يدخل في هذا الاعتبار في صقع حدود العرش و حدود العرش ستة جهات اربع و اعلي و هو النفس و اسفل و هو الجسد و لذلك صارت الجهات ستة و محدد الجهات سابعها و الاثر قد تم بستة و كمل بسبعة و الكمال فوق التمام و لما كان تدبير المدبر في كل شئ علي نهج الحكمة و الصواب و الحكمة اثر الواحد و صفة الواحد الحق سبحانه فهي في كل الوجود واحد و لذا قال الله سبحانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير اراد الله سبحانه ان يكون سر الحكمة ساريا في اصحاب السلوك ايضا لان الاعراض في عالم الطريقة اقل منها في عالم الشريعة و ان الشريعة اختلفت احكامها بحسب [ص 165] الخلط و اللطخ و المزج و لذا انحرفت عن نهج الاعتدال الواقعي و ان كانت علي غاية الاعتدال النفس الامري و قد وضع فيها كل شئ موضعه الا انها علي حسب الحكم الثانوي الجاري علي مقتضي الاعراض و الخلط و المزج و اما في الطريقة فلما كانت اعراضها اقل كان سر الحكمة فيها اظهر فلذلك لزم ان تكون عدة الاصحاب السالكين فيها علي نهج الحكمة و الاعتدال الحقيقي فلذلك لزم ان يكونوا ستة علي حسب الجهات الستة الواقعة تحت محدد الجهات الذي هو شيخهم و رئيسهم و معه يكونون سبعة او اربعة علي عدد اركان العرش و انواره الاربعة المعروفة و هي النور الابيض الذي منه ابيض البياض و النور الاصفر الذي منه اصفرت الصفرة و النور الاخضر الذي منه اخضرت الخضرة و النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة الواقعة تحت اسم الرحمن المستوي علي العرش الذي هو خامسهم علي عدد اصحاب الكساء كما كان رسول الله صلي الله عليه و آله آية الرحمن المستوي علي عرش الولاية و كان عرش الولاية ذا اركان اربعة علي و الحسن و الحسين و فاطمة عليها السلام و كان رسول الله صلي الله عليه و آله قطبهم و رئيسهم و سيدهم ففي اول الامر ينبغي [ص 166] ان يكون الاصحاب ستة و سابعهم الشيخ المهيمن لانهم مبتدؤن في الامر مستأنسون بالكثرة و مستوحشون من الوحدة و لم‌يقو فيهم العقل الذي من علامته الصبر علي الوحدة و لم‌يتناسبوا عالم الوحدة فلا بد لهم من كثرة ايتلاف و اختلاط حتي لاتذبل بنيتهم بيبس الوحدة و لاتحترق اخلاطهم بحر التفرد فان التوحد و التفرد اشد حرارة و يبسا من كل نار و لذا لو توحد المبتدي و تفرد غلبت عليه الحرارة و اليبوسة و احرقت رطوباته و اخلاطه و حصلت في مزاجه نار غير طبيعية و تولد منها الشيطان الذي يخلق من مارج من نار و يتسلط عليه فاذا احترقت اخلاطه و تولدت النار غير الطبيعية التي هي مس الشيطان و سرير استيلائه لايكاد يفارقه فلو سلط علي المبتدي نار التوحد و التفرد ذبل و جف و احترقت اخلاطه بها و فسد مزاجه كالطفل اذا سلط عليه نار التكليف و التاديب ذبل و جف و احترق و لذا امرونا ان نتركهم سبعا حتي يقوي فيهم نار الشعور شيئا بعد شئ و تجففت الرطوبات علي نهج التدبير و الاعتدال كجفاف الخشب في الشتاء في الفيء و لو سلط علي الخشب الرطب نارا شديدة لدخنت و افسدته و احرقته فكذلك السالك المبتدي لو سلط عليه [ص 167] نار الوحدة و التفرد فسد مزاجه و غلبت عليه الحرارة و احرقت اخلاطه و حصل له منها الماليخوليا و تولد منه الشيطان و تسلط عليه فالاولي في الحكمة ان لايمنع اولا من الكثرة و حد اعتدال الكثرة العدد التام و هو الستة فينبغي ان يكون الاصحاب في اول الامر ستة و لان جنسه في اول الامر اكثر فاخوانه اكثر و حقوقهم و صحبتهم لازمة فاذا ترقي بعضهم و قويت فيه النار الغريزية و تجففت رطوباته علي نهج الرفق بالرفقة و قل امثاله و اقرانه و اشباهه يقتصر علي اربعة خامسهم الشيخ الهادي لهم الرحمن المستوي علي عرشهم فيسلكون في ظله الي ربهم و هم خير اصحاب لانهم اقرب الي الوحدة و اشبه بالمبادي العادية و لذا ورد المدح في الاربعة و الذم في ما زاد علي السبعة و قالوا مازاد علي السبعة الا زاد لغطهم لانه يغلب عليهم الكثرة و الرطوبة و الميل لانه لا بد و ان يميل كل واحد الي كل واحد فيكثر الميل اذا زادوا علي السبعة فاذا كثر الميل قل الجفاف و بعدوا عن المبدء و الاستعداد لنار التكليف و لتدخنوا كثيرا ان سلطت عليهم النار و ان منعت عنهم ابطأ بهم الكمال فروعي الكمال و سرعة الوصول و الاقبال في هذا العدد و اما الاقل من [ص 168] السبعة بان يكون القوم خمسة و الشيخ سادسهم فذلك يجري علي خلاف الطبيعة و النظم الطبيعي فان الخمسة فرد و الفرد لايليق بالقوم الممتثلين لامر الشيخ لانهم في مقام نفس الشيخ و مقام الاثر و الاثر لا بد و ان يكون زوجا الكم الذكر و له الانثي تلك اذا قسمة ضيزي فاذا صار القوم فردا كان الشيخ سبب زوجيتهم و بضم الشيخ لايصير القوم زوجا فانه جاء ليخرجهم من الكثرة الي الوحدة و من مشاكلة الخلق الي مشاكلة الرب و من الظلمات الي النور فلايمكن ان يكونوا فردا و يصيروا بضم الشيخ و ظهور نوره عليهم فردا فوجب ان يكونوا ستة و مع الشيخ سبعة او اربعة و مع الشيخ خمسة و اما الثلثة فلما عرفت في الخمسة لايجوز ان يكون القوم ثلثة و بضم الشيخ يصيروا اربعة و اما الاثنان بان يكون القوم اثنين و الشيخ ثالثهم فذلك جايز في الحكمة و لذا ورد الثلثة نفر او سفر و ورد ثلثة صحب و في رواية الثلثة انس و لكن المتحمل لمصاحبة واحد قليل اقل من الكبريت الاحمر و ليس شان كل احد لما ذكرنا من غلبة الحرارة عليه و القادر عليها في الناس اقل قليل و هو آية النبوة و الولاية اللتين فوقهما الالوهية فذلك حظ الواصلين الكاملين و النقباء [ص 169] المنتجبين و ليس شان كل احد و لذا ورد خير الرفقاء اربعة فانه انسب بحال الرعية و اما اذا كان واحد تحت واحد فيلزم منه محذور الخمسة كواحد متفرد لم‌يكن تحت احد فانه شأن الرب جل و علا و كل من ادعي ذلك فقد ضاد الله في سلطانه و نازعه في كبريائه و باء بغضب من الله و ماويه جهنم و بئس المصير فهو شيطان غاو فالواحد شيطان غاو و الاثنان شيطانان غاويان و الثلثة سفر و صحب و انس لكن في غالب الناس الثلثة لمة من الشيطان و الاربعة خير الرفقاء و خير اصحاب و السبعة جماعة و لاينبغي ان يزيد عليه فافهم ذلك ثم اعلم انه اذا وفق قوم للتحابب و التوادد و التصاحب و كانوا ستة فالذي تقتضيه الحكمة الالهية ان يكون واحد منهم صفراويا و واحد دمويا و واحد بلغميا و واحد سوداويا و واحد معتدلا في طبعه لبيا و واحد معتدلا قشريا لان كل واحد منهم اذا افرط في ما يقتضيه طبعه يرده الآخر و اذا تحيروا يرجعوا الي ذلك الواحد المعتدل اللبي الغالب عليه الباطن و اذا افرط ذلك المعتدل الباطني في الباطن و اراد ترك الظاهر ينزله المعتدل الجسماني حتي يرجع الكل الي الاعتدال و يستقيموا و يسقوا ماء غدقا و هو امداد الشيخ و اذا [ص 170] كانوا اربعة فمقتضي الحكمة الربانية ان يكون كل واحد علي طبع كما مر ليحصل لهم الاعتدال في جميع اقوالهم و افعالهم و احوالهم و قد استغنوا عن المعتدلين لحصول الاعتدال في جميعهم من حيث الباطن و الظاهر و شاهد هذا المدعي الاركان الاربع فان كل واحد منهم علي طبع و المهيمن علي الكل هو الغوث الاعظم المعدل لكلهم فافهم ذلك و تدبر فيه تجده موافقا لجميع الآيات الآفاقية و الانفسية و الكتاب و السنة ثم اعلم ان هذه الرسالة الشريفة درة يتيمة و جوهرة كريمة لم‌يسمح الزمان بمثلها و عقرت ام الدهر عن شكلها فاعرف قدرها و اغل مهرها فانها حسناء لم‌يكشف ابدا لثامها و رحيق لم‌يفض ختامها ليس انه قد جهل ما ذكرت من سبقني من اسلافي و من تقدمني من مشايخي بل لاجل انهم لم‌يروا من الزمان اقتضاء و لا من اهله اقبالا فلذا كتموه و اخفوه الي ان من الله علي اهل هذا الزمان و اراد اظهار ما كان في الكتمان عذرا او نذرا فتقبلها بقبول حسن و اعمل بها عملا حسنا فان الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون و لما كانت المسئلة من مسائل السلوك و الطريقة ذكرت اغلب ما [ص 171] بينت فيها علي طريق الموعظة الحسنة و اخليتها عن المجادلة و ما اندرج فيها من الحكمة ايضا ملبس بلباس الموعظة الحسنة فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد و ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و هذه آخر ما قدر الله و قضي من اشحان هذه الرسالة باسرار حقيقة السلوك اجمالا و الحمد لله اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا .

قد تمت علي يد مصنفها و مؤلفها في عصر يوم الاحد الثامن من شهر الربيع‌الاول من شهور سنة احدي و ستين بعد المأتين و الالف من سني الهجرة ببلدة كرمان صانها الله عن طوارق الحدثان حامدا مصليا مستغفرا مستقيلا . تمت .