قال عليه السلام اصطفاهم لنفسه و جعلهم خزان علمه و بلغاء عنه الي خلقه الي آخر .
الاصطفاء اخذ الصفوة و الخلاصة و جيد الشئ فالله سبحانه اصطفاهم في جميع العوالم من خلقها و اختصهم بنفسه فكانوا في كل عالم له لا لانفسهم و لا لغيرهم فاصطفاهم الله اولا في عالم القدم السرمدي حيث جعلهم قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين فصاروا هنالك الكينونة الظاهرة لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و اصطفاهم ثانيا حيث جعلهم امره و حكمه كما قال الباقر عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده ، و اصطفاهم ثالثا حيث جعلهم محال مشيته و اوكار ارادته كما قال عليه السلام ان الله جعل قلوب اوليائه وكراً لارادته ، و اصطفاهم رابعا حيث جعلهم نفس جميع خلقه و حقيقته التي بها يعرفون الله في الزيارة الجامعة السلام علي الذين من والاهم فقد والي الله و من عاداهم فقد عادي الله و من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و في العوالم عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث يا علي انا و انت و الائمة من ولدك سادة في الدنيا و ملوك في الآخرة من عرفنا فقد عرف الله و من انكرنا فقد انكر الله عز و جل ، فجعلهم آية توحيده و اركان تفريده و معاني اسمائه و اسماءه و صفاته و اصطفاهم كذلك في كل عالم الي ان انزلهم الي الدنيا فخلق الخلق شعوبا و قبائل فاطلع عليهم و احاط بهم علما فاختارهم من جملتهم ففي العوالم عن النبي صلي الله عليه و آله لما خلق الله الخلق اختار العرب فاختار قريشا و اختار بنيهاشم فانا خيرة من الخيرة و في المحتضر عن ابيعبدالله عليه السلام عن آبائه قال قال [ص 132] رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث ان الله اختار من الناس الانبياء و الرسل و اختارني من الرسل و اختار مني عليا و اختار من علي الحسن و الحسين و اختار من الحسين الاوصياء يمنعون عن التنزيل تحريف الضالين و انتحال المبطلين و تأول الجاهلين تاسعهم باطنهم ظاهرهم قائمهم و هو افضلهم و في العوالم عن حماد بن عمرو عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عن علي بن ابيطالب عليهم السلام عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال في وصية له يا علي ان الله عز و جل اشرف علي الدنيا فاختارني منها علي رجال العالمين ثم اطلع الثانية فاختارك علي رجال العالمين بعدي ثم اطلع الثالثة فاختار الائمة من ولدك علي رجال العالمين بعدك ثم اطلع الرابعة فاختار فاطمة علي نساء العالمين و عن الصادق عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي انتجبنا لنفسه فجعلنا صفوته من خلقه و امناءه علي وحيه و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة له الا و اننا خيرة الله اصطفانا علي خلقه و ائتمننا علي وحيه الخطبة ، بالجملة و اصطفاء الله لهم في كل عالم من البديهيات علي الاجمال و لكن الشأن ان تعرف كيفية الاصطفاء في كل عالم و اعلم علي سبيل الاطلاق ان كل ما سوي الله جل و عز حادث و كل حادث مخلوق خلقه الله بنفسه عند مؤثره القريب و ان كان عند الاعلي مخلوقا بالعالي الاتري ان نور الشمس مخلوق بعد الشمس بنفسه ليس بفعل آخر بينه و بينها و لا بحركة و لا بامر و نطق و انما هي شمس و نورها لا ثالث بينهما فالنور من الشمس يصدر بنفسه لا بذات الشمس و لا بشئ ثالث و ان كان الله سبحانه خلقه بالشمس فما سمعت من ان الله خلق الخلق بالمشية فالمعني بتوسط المشية و الا فالخلق عند المشية مخلوق بنفسه فكل شئ في مقامه مخلوق بنفسه عند المؤثر القريب فله جهتان جهة فعلية و جهة مفعولية و لا شك ان جهة فعليته اشرف من جهة مفعوليته و الطف و اعلي و اولي بالله و كذلك لا شك انه في جهة فعليته جهة اجمال و هي اعلاها و جهة تفصيل و تعلق بالمفعول و جهة اجمالها اشرف و ارفع و اعلي و اولي بالله ثم جهته الاجمالي مركب من مادة [ص 133] و صورة و مادته اشرف من صورته و اوحد و الطف و اولي بالله ثم تلك المادة من حيث انها الهيولي اي القابلة للصورة اشرف و الطف و اوحد و اعلي و اولي بالله جل و عز ثم تلك الهيولي مع قطع النظر عن قبولها الصورة و فقد ذكر جميع ما سواها اشرف و اوحد و اعز و اولي بالله عز و جل و للشئ مراتب لاتحصي و لاتقف علي حد و آلمحمد عليهم السلام لما ثبت بالعقل و النقل انهم اشرف الخلق و اسبق الخلق و اعلي الخلق حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع و انهم الذين بهم يعرف الله في كل مقام و من وحده قبل عنهم فهم في كل مقام حقيقة ذلك المقام و حقيقة الشئ و اعلي اذكاره و اعلي درجاته الذي لايتجاوزه شهادات ذلك الشئ و ادواته و هو منتهي حده و غاية قدره فلاجل ذلك صاروا حجاب الله الذي به احتجب الله عن خلقه فلايهتكه شئ فهم في كل عالم صفوة الصفوة اصطفاهم للاختصاص بنفسه كما قال في محكم كتابه الحمد لله رب العالمين فهم بذواتهم و عقولهم و ارواحهم و نفوسهم و طبائعهم و اظلتهم و اجسامهم و صفاتهم و اقوالهم و افعالهم لله عز و جل فهم لله و من الله و الي الله و بالله و في الله و هذا الاصطفاء لهم في جميع العوالم سوي الذات القديمة فهم صفوة الله علي الاطلاق و خلاصة الله بالاستحقاق و اما قوله فجعلهم خزان علمه بعد الاصطفاء كما قال في الجامعة و اصطفاكم لِعلمه ، فالله عز و جل بعد ان اصطفاهم و جعلهم صفوة الخلق رآهم اهلاً ان يشهدهم خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و سلم اليهم خزائن علومه الالف الالف في العوالم الخلقية و سلم اليهم مفاتحه و مفاتيحه فهم امناء الله علي تلك الخزائن و العلوم و لميجعلهم خزان ذاته مع انه انقطع فيها العبارات و المعلمة لنفي الخلاف و هو احد ليس فيه ذكر غيره و يمتنع فيه غيره من ذكر او امكان او كون او عين و اما ما سوي ذاته المقدسة فقد اولاهم اياه و سلمه اليهم و فوض اليهم امره قال علي بن الحسين عليه السلام في حديث اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و في العوالم قال ابوجعفر عليه السلام والله [ص 134] انا لخزان الله في سمائه و ارضه لا علي ذهب و لا علي فضة الا علي علمه و قال عليه السلام نحن خزان الله في الدنيا و الآخرة و شيعتنا خزاننا و عن موسي بن جعفر عن ابيه عليهما السلام قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله خلقنا فاحسن خلقنا و صورنا فاحسن صورتنا فجعلنا خزانه في سمواته و ارضه و لولانا ماعرف الله ، و الاخبار في ذلك وافرة وافية و فيما ذكرنا و ما قدمنا من البحث فيه غنية و كفاية و اما قوله بلغاء عنه الي خلقه ، فالبلغاء جمع البليغ كحكماء جمع الحكيم و البليغ الفصيح الطلق اللسان الذي يبلغ ببيانه كنه مراده فهم سلام الله عليهم كانوا في جميع العوالم الامرية و الخلقية لما ان اصطفاهم الله و اختارهم عن خلقه و انتجبهم فاتخذهم خازن علمه مؤدون ما علمهم الله الي خلقه بلسان طلق ذلق لا اداء ابلغ منه و لا افصح اذ لميكن فيهم انية حاجبة عن ظهور نور الله عز و جل فتجلي الله منهم لخلقه كما هو اهله ان يتجلي اذ المراد من قولي كما هو اهله ليس ذاته و لا تجلي لذاته و انما يتجلي اذا تجلي بفعله و هم محاله التي لا منع فيها عن ظهور تجليه كما جعله الله عليه فتجلي منهم في كل عالم من العوالم الامرية و الخلقية كما هو اهله ان يتجلي و لاجل ذلك كانوا معصومين مطهرين علي سبيل الاطلاق فادوا عن الله كما يؤدي السراج عن النار ما اودعته من اسراره و صفاته فهو اي السراج يبين تلك الاسرار بابلغ بيان و افصح قول يفهمه العربي و العجمي بجميع فرقهم بلا اشتباه و لا احتمال و بيان الحال افصح من بيان القال بسبعين مرة فهم سلام الله عليهم بكينونة ذواتهم في الذوات و بصفاتهم في الصفات و بافعالهم في الافعال و باحوالهم في الاحوال و باقوالهم في الاقوال افصحوا عن مراد الله لاهل تلك العرصة حتي لميبق لذي مقال مقال و لميسع احدا ان يقول لولابينوا بافصح من ذلك و اوضح و العجب من قوم يزعمون ان النبي صلي الله عليه و آله لميكمل الابلاغ و لميأت بجميع ما يحتاج اليه العباد و بقي اعباء النبوة علي ظهورنا و لو لمنبين و نستخرج احكامه و ما قصّر فيه عن ابلاغه لبقي الدين ناقصاً مبهماً او اكمل و بلغ الي الناس و لكن غلب علي الله و علي رسوله [ص 135] و نقص الناس الدين و ظهروا عليه فنسوا او تناسوا و اخطأوا و عمدوا و افسدوا و لميصل الينا و اخترم الدين الي ان يأتي امر الله و علينا اليوم ان نصلحه بآرائنا و انظارنا او اكمل و بلغ الي وصيه و لكن قصر او غلب و خاف و بقي اعباء الولاية علي ظهورنا و يجب علينا ان نستخرج الدين بآرائنا و نبينه للناس حتي لميبق واقعة من الوقايع بلا حكم و الهادي عليه السلام يقول و جاهدتم في الله حق جهاده حتي اعلنتم دعوته و بينتم فرائضه و اقمتم حدوده و نشرتم شرايع احكامه و سننتم سنته و صرتم في ذلك منه الي الرضا الزيارة ، فمتي قصروا و متي غلبوا و اظهر الله دينه علي جميع الاديان و لو كره المشركون و انت لو عرفت ما ذكرنا علمت ان الاكمل ما بينوا و ان كان قوم يزعمون ان ما سواه اكمل و اوضح و هم غافلون انه قد يكون صلاح العباد و الاولي الاجمال و هم قد فصلوا زعما منهم انه الاكمل و اخطأوا و قد يكون الصلاح في الابهام و هم يزعمون ان الايضاح اكمل و اخطأوا و قد يكون السكوت اولي و هم يزعمون ان الكلام فيه اتم و اخطأوا و من عرف انهم المعصومون لايتركون الاولي لا بد و ان يجتنب هذه الخيالات و ان قلت انهم بانفسهم قالوا علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا قلت كلامي فيما ليس منهم فيه عموم و لا خصوص و لا اطلاق و لا تقييد و انه المحذور الذي يجب علي المؤمن ان يحذره و الا فما نطقوا فيه بما ذكرنا فلا كلام فيه فلا بيان ابلغ من بيانهم و لا شرح اوضح من شرحهم و لا اداء اكمل من ادائهم في جميع المراتب و قد مر في مطاوي هذا الشرح ما يكون فيه البلاغ و الكفاية .
قال عليه السلام اقامهم مقام نفسه لايري و لايدرك و لايعرف كيفية انيته الي آخر و في نسخة لانه لايري و هي الاصح و في نسخة و لايعرف كيفيته و لا انيته و لا بأس بها .
و قد ذكر عليه السلام تفصيل هذه الفقرة في خطبة الغدير و الجمعة علي ما رواه الشيخ قال عليه السلام فيها و اشهد ان محمدا عبده و رسوله استخلصه في القدم علي ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه آمرا و ناهيا عنه اقامه في ساير عوالمه في [ص 136] الاداء مقامه اذا كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار الخطبة ، اعلم ان الله جل و عز قسم جميع ما سواه اربعة اقسام و هي حروف الاسم الاعظم الذي لا اعظم منه فخص حرفا واحدا منها بنفسه و حجبه عن خلقه و هو الحرف السرمدي و القديم الخلقي المشار اليه في هذه الخطبة استخلصه في القدم علي ساير الامم و لا شك انه لميستخلصه في رتبة ذاته الازلية و هو المشار اليه في الدعاء اللهم اني اسألك باسمك العظيم و ملكك القديم ، و هو الملك القديم و بذل الاحرف الثلثة لخلقه و هي الحرف الجبروتي و الملكوتي و الملكي و ذلك انه خلق خلقه في هذه العوالم الثلثة و هي ما كان يقال انه لا بد في كل مخلوق ان يكون له كيان ثلثة فالخلق محصور في هذه الكيان ليس يدرك ما فوق هذه الكيان و لايتجاوز ما وراء مبدئها فلاجل ذلك خلق الله له في كل عالم مشاعر من جنسها يدرك بها ما في ذلك العالم لان الآلات تشير الي نظائرها فخلق للانسان من جنس عالم الجبروت مشعرا يقال له العقل فبه يدرك الانسان المعاني الجبروتية الكلية و لولاه ماادركها بساير المشاعر البتة لعدم المناسبة و المصاقعة المستلزمة للانطباع و خلق له مشاعر من جنس عالم الملكوت و هي العاقلة و العالمة و الواهمة و الخيال و الفكر فبها يدرك الانسان ما يصاقعها من موجودات عالم الملكوت من المعاني الجزئية و الصور و نسبها و خلق له مشاعر من جنس عالم الملك و هي البصر و السمع و الشم و الذوق و اللمس فبها يدرك الانسان ما يصاقعها من مدركات عالم الملك و بين الملك و الملكوت عالم مقداري برزخي مرتبط اسفله بالمواد الجسمية و اعلاه بالصور الملكوتية فخلق الله منه ايضا للانسان مشعرا يدرك به تلك المقادير و هو الحس المشترك كما ان بين الجبروت و الملكوت عالم مقداري برزخي اسفله مرتبط بالمواد النورية و اعلاه بالمعاني الجبروتية و خلق للانسان من جنسه مشعرا و هو الروح فبه يدرك الانسان ما في ذلك العالم و لما كان الله جل و عز ذكره متعاليا عن مجانسة مخلوقاته و ليس بمعني كلي كالمعاني الجبروتية [ص 137] و لا بصور ملكوتية و لا بحدود جسمانية ملكية عجزت المشاعر الخلقية عن دركه لان الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها فطردها عن حمي دركه فقال لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و علل ذلك بقوله ليس كمثله شئ فمحال لثواقب طامحات العقول دركه فضلا عن ساير المدارك كما قال عليه السلام في خطبة اخري انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و قال عليه السلام كل ما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، و لا شك ان الله جل شأنه خلق العباد لمعرفته كما قال خلقت الخلق لكي اعرف ، و محال ان يقع المعرفة علي كنه الذات الاحدية لامتناع ما سوي الاحد مع الاحد فهناك لا عارف و لا معرفة و لا معروف حتي انه لايقال ان الله يعرف نفسه فضلا عن غيره فلا بد و ان يكون محل المعرفة دون رتبة الذات الاحدية في مقام الصفات الذي يمكن فيه وجود عارف و معروف و امتيازهما و الا فلا عارف و لا معروف و لا معرفة و اول مقام في الخلق يمكن فيه تعقل الجهات هو وجود محمد صلي الله عليه و آله فانه الذي لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع فانه صلي الله عليه و آله مخلوق كائنا ما كان و المخلوق مركب لا محالة كما كان يقال كل ممكن زوج تركيبي و قال الرضا عليه السلام ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته ، فوجوده المقدس المنزه اول مقامات يمكن فيه المعرفة و اكملها و اجمعها و افضلها و هو اعظم الصفات و اعلاها و اجلها اذ الصفة كائنة ما كانت غير الذات و كل ما كان غير الذات فهو خلق و الذي كان يقال من الصفات الذاتية فالمراد بها الصفات التي هي عين الذات الظاهرة و هي المدلول عليها بها و الذات الاحدية ليس فيها حيث و حيث و جهة و جهة حتي تكون من حيث و جهة ذاتا و من حيث و جهة هي صفة بل هي هي ذات احدية لاتثني و لاتجزأ فان اطلقت الصفة هنالك فهي مترادفة مع الذات فالصفة الملحوظة فيها الوصفية هي دون الذات و قد ثبت بالضرورة انه ليس شئ دون الذات اعظم و اعلي و اجل و اشرف من محمد صلي الله عليه و آله فهي الصفة العظمي التي اقامها [ص 138] الله مقامه في ساير عوالمه في الاداء و هي التي من عرفها فاز و اهتدي و من جهلها ضل و غوي فليس لله عز و جل معرفة غير معرفتها و هي الغاية التي خلق الخلق لاجلها المتسمع الي قوله تعالي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف ، فالمعرفة هي المحبوبة و الحبيب و في الدعاء لا حبيب الا هو و اهله ، فخلقت الخلق لكي اعرف اي لاجل المعرفة التي هي الحبيب فهي غاية الغايات و نهاية النهايات قال الحسين عليه السلام ايها الناس ان الله ماخلق العباد الا ليعرفوه فاذا عرفوه عبدوه فاذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه فقال له رجل يا ابن رسول الله بابي انت و امي فما معرفة الله قال معرفة اهل كل زمان امامهم الذي تجب عليهم طاعته انتهي ، و تقرأ في الجامعة الذين من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و قال عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا ، فمحمد صلي الله عليه و آله هو الصفة التي من عرفها عرف الله و من جهلها جهل الله و لا شك عند الشيعة ان الاربعةعشر سلام الله عليهم اجمعين روحهم واحد و نورهم واحد و طينتهم واحدة و في المحتضر عن زيد الشحام قال قلت لابيعبدالله عليه السلام ايما افضل الحسن ام الحسين قال ان فضل اولنا يلحق بفضل آخرنا و فضل آخرنا يلحق بفضل اولنا فكل له فضل قال قلت جعلت فداك وسع علي فاني والله ماسألتك الا مرتاداً فقال نحن من شجرة طيبة برأنا الله من طينة واحدة فضلنا من الله و علمنا من عند الله و نحن امناؤه علي خلقه و الدعاة الي دينه و الحجاب فيما بينه و بين خلقه ازيدك يا زيد قلت نعم فقال خلقنا واحد و علمنا واحد و فضلنا واحد و كلنا واحد عند الله تعالي فقال اخبرني بعدتكم فقال نحن اثناعشر هكذا حول العرش ربنا عز و جل في مبتدء خلقنا اولنا محمد و اوسطنا محمد و آخرنا محمد انتهي ، فهم سلام الله عليهم جميعهم الصفات الحسني و الامثال العلياء قال عليه السلام نحن والله الاسماء الحسني و سئل عن الاسم فقال صفة لموصوف ، فهم صفة تعرف الله بها لخلقه و عرف بها نفسه فعرف بها و هو علي ما وصف بها نفسه و كما اثني علي نفسه لا فرق بينه و بين [ص 139] صفته في شئ الا انه ذات و هذه صفة فان جميع ما يقال فيه و يوصف به و يصدر منه و يرجع اليه و ينسب اليه فانما هو راجع الي صفته و هذه صفته فهي قائمة مقامها اي مقام الذات في اداء جميع ما يريد اداءه الي خلقه من تعريف ذاته و هويته و الوهيته و احديته و صمديته و توحيد ذاته و صفاته و افعاله و عبادته و شرح صفات الذات و القدس و صفات الاضافة و صفات الافعال المقترنة و شرح رضاه اي تفاصيل واحديته و سخطه مما ينافيها فادوا سلام الله عليهم جميعها بذواتهم و صفاتهم و اقوالهم و احوالهم و افعالهم باداءات كونية و اداءات شرعية حتي صاروا منه الي الرضا لانه لميخالف حرف من حروف كينونتهم شيئا من صفاته تعالي و لميعقهم عن موافقتها عائق اذ كانوا قبل كل شئ و لميمنعهم عن ذلك شئ بالجملة لما ان كلت المشاعر الخلقية بقضها و قضيضها عن درك ذاته رجعت حاسرة الي صفاته و هم صفاته صلوات الله عليهم بل لا معني للمعرفة و لا حقيقة الا معرفة الصفة فانه في مقام الذات لا كثرة و لا عارف و لا معروف و ان جاوزتها فليست الا عرصة الصفات و تحقق الامتيازات فافهم فمن عرفهم عرف الله و من جهلهم جهل الله و اعلم ان المراد بهذه المعرفة هي المعرفة النورانية كما شرحناه مفصلا في شرحنا علي حديث النورانية و لامثلن لك في درجات المعرفة مثلا و هو انه اذا رأيت شبحاً من البعيد فاول معرفتك به التي لاتشك فيها انه شئ ثم انه شبح مرئي لاتزيد علي ذلك و الباقي مجهول لك و انت جاهل به ثم اذا دنوت منه تبينت انه يتحرك فهو حيوان لاتشك في انه حيوان ليس بنبات و لا جماد ثم اذا دنوت منه تبينت انه انسان لاتشك فيه و تجهل فيه ما سواه ثم اذا دنوت منه تبينت انه رجل ثم اذا تبيّنت منه تبينت انه عرب مثلا ثم تدنو و تعرف انه مكي ثم تعرف انه زيد ثم تلحق به و تعاشره و تعرف انه عالم ثم تعرف انه فقيه او حكيم و هكذا و في كل مرتبة تعرف شيئا و تجهل ما سواه و هكذا الامر في معرفة النبي صلي الله عليه و آله كم من رجل كان يعرفه انه محمد بن عبدالله المكي و كبير العرب و رئيسهم و يجهل ما دونه و كم من رجل عرف انه نبي من الله [ص 140] و يجهل ما سواه من فضله و هو ذو فضائل جمة كيف و عبيده لايوصفون و روي المؤمن لايوصف ، و اغلب الناس غاية جهدهم ان محمدا رسول الله ثم يجهلون ما وراءه و لكن ما ذكرناه من فضله في هذا الكتاب او ساير كتبنا لايعرفه الا من عرفهم بالنورانية اي عرف ذواتهم التي خلقها الله من نور عظمته و جلال كبريائه فمن عرفهم كذلك فقد عرف الله و عرف صفاته و اسماءه و مقاماته و علاماته و تلك هي المعرفة التي من عرفهم بها يقال انه عرف الله و ليس ذلك حظ كل مسلم قال علي عليه السلام يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال ان معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي و هي الدين الخالص الذي قال الله تعالي و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين الحديث ، و قد مر في مطاوي هذا الكتاب ما ينبئك عن بعض احوال المعرفة بالنورانية و ان كان ما ذكرته قطرة من بحار معارفهم فقد روي في المحتضر عن ابن ابان قال دخلت انا و كامل التمار علي ابيعبدالله عليه السلام فقال له كامل التمار جعلت فداك حديث رواه فلان فقال اذكره قال حدثني ان النبي صلي الله عليه و آله حدث عليا عليه السلام بالف باب يوم توفي رسول الله صلي الله عليه و آله فيه كل باب يفتح الف باب فذلك الف الف باب فقال قد كان ذلك قال قلت جعلت فداك فظهر ذلك لشيعتكم و مواليكم فقال يا كامل باب او بابان فقلت له جعلت فداك فما يروي من فضلكم من الف الف باب الا بابا او بابين قال فقال و ما عسيتم ان ترووا من فضلنا ماتروون من فضلنا الا الفا غير معطوفة انتهي ، و ما احسن ما قال ابنازري رحمه الله :
ما عسي ان اقول في ذي معال علة الدهر كله احديها
بالجملة يمكن ان يخصص قوله عليه السلام لايري بالمشاعر الظاهرة و لايدرك بالمشاعر الملكوتية و لايعرف بالمشاعر الجبروتية كما مر فافهم راشدا و ان قلت ان ظاهر قوله عليه السلام و لايعرف كيفية انيته او كيفيته و لا انيته ، يفيد ان له كيفية مع انه كيف الكيف فلا كيفية له قلت ان الله جل و عز من حيث تقدسه عن صفات خلقه لما احدثها من العدم لايوصف بشئ من صفات خلقه فلذلك [ص 141] يقال هو اين الاين فلا اين له و كيف الكيف فلا كيف له و هكذا هو اعطي كل شئ خلقه فلايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما ابداه و لكن قد يعبر عنه باسماء خلقية اضطرارا اذ ليس عندنا غيرها فتثبت عليه تارة و تنفي عنه اخري ليتحقق الامر بين الامرين من التوحيد فان التوحيد ان تخرجه عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه و حال جميع اسمائه و صفاته حال هذه الكيفية الاتري ان مبصّر البصر لاينبغي ان يثبت له البصر و مسمّع السمع لاينبغي ان يثبت له السمع بل و مذوت الذات لاينبغي ان يثبت له الذات الا ان الاقرار و الاخبار الجأنا الي ذلك اذ لو لمنتكلم لايعلم المؤمن من الكافر و ان تكلمنا فلا بد و ان نتكلم بالفاظنا التي مصاديقها عندنا و لذلك روي اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم ، فالكيفية هنا منسلخة عن معني الكيفيات الخلقية بل المراد ما عليه انيته او ما هو عليه و ان كان هذه الالفاظ ايضا ناقصة ينبغي الاستغفار منها و لكن الضرورات تبيح المحظورات فافهم .
قال عليه السلام فهؤلاء الناطقون المبلغون عنه المتصرفون في امره و نهيه الي آخر .
اعلم ان المراد بهذه الفقرة في الظاهر ان الائمة عليهم السلام لايسبقون الله بالقول فان مشية الله في لسانهم كالروح في الجسد كما قال عليه السلام القدر في اعمال العباد كالروح في الجسد ، الا ان ساير العباد قد يخالف طبيعتهم القدر فيجري القدر فيهم علي نحو الخذلان فهم اولي بسيئاتهم من الله فينصبغ القدر في اعمالهم فيجري كما يكره الله كما اذا غلبت رطوبة في عضو سد مجاري نفوذ الروح في العضو كما ينبغي فظهر الروح فيه علي نحو الارتعاش لانه قد يفتح الروح المجري بقوته و يرفع العضو و قد يغلب الرطوبة فتسده فتقع و بتوالي هذين يحصل الارتعاش و ليس الارتعاش في روحك و لا من فعاله و لولا الروح لماكان ارتعاش فان الارتعاش حركة و لولا مرض العضو لماكان ارتعاش و ظهر حركة الروح علي حسب اقتضائه و لكن حصل الارتعاش من بين هذين فالروح اولي بالحركة و العضو اولي بالارتعاش بالجملة كل من هو [ص 142] غير المعصوم ينصبغ القدر المصاحب له في مرآة قابليته فيأتي علي حسبها فيخالف رضاء الله في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فبذلك يظهر من الانسان ما يكره الله بقدر الله و ان كانت المرآة مستقيمة جاء علي حسب محبة الله و مراد الله مما القدر اولي به فهو اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك منه و اما الحجج المعصومون عليهم السلام فطبيعتهم علي وفق كينونة الله كما قال علي عليه السلام كنا بكينونته قبل الخلق و قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين منه بدئنا و اليه نعود الخطبة ، فاذا كان كينونتهم بكينونته قبل كل شئ معوج او مانع و كانوا علي حسب اقتضاء الاحدية الوصفية فلايخالفون صفات الله و هم صفات الله فلاينصبغ فيهم القدر اذا نزلوا و نزل اليهم القدر هذا و الظاهر فيهم المشية العامة الكلية التي كل ما سوي الله بها فلايخالف حرف منهم حرفا منها و كانت حادة لهم و كانوا حادي المشية فمايشاءون الا ان يشاء الله فلاينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي اناتبع الا ما يوحي الي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فمهما تحرك لسانهم بكلام فقد تحرك المشية به و اذا جري منه فقد اجرته المشية كما انك تتكلم بلسانك حرفا بحرف و لسانك قد يتقاعس عن طاعتك فلايأتي بما تريد و اما هم سلام الله عليهم فلايتقاعسون عن الجري مجري مشية الله فاذا تكلموا فقد تكلم الله و اذا سكتوا فقد سكت الله فلاجل ذلك كان قولهم قول الله و حكمهم حكم الله و امرهم امر الله و نهيهم نهي الله و طاعتهم طاعة الله قال الله تعالي بعد ما ادبه حتي لميبق فيه ما ينافي مشيته انك لعلي خلق عظيم فاذا بلغ هذا المبلغ قال ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا فاذا بلغ هذا المبلغ قال من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و انما امر بطاعة الرسول و الحجج عليهم السلام لما علم انهم معصومون لايخالفون محبته و رضاه و لولا ذلك لميأمر بطاعتهم مطلقا كما قال لاتطع منهم آثما او كفورا و يكشف عما ذكرنا [ص 143] ما رواه في العوالم عن جابر قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله خلق السموات و الارض دعاهن فاجبنه فعرض عليهن نبوتي و ولاية علي بن ابيطالب عليه السلام فقبلتاهما ثم خلق الخلق و فوض الينا امر الدين فالسعيد من سعد بنا و الشقي من شقي بنا نحن المحللون لحلاله و المحرمون لحرامه و عن محمد بن سنان قال كنت عند ابيجعفر عليه السلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال ان الله لميزل فردا متفردا في الوحدانية ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة عليهم السلام فمكثوا الف دهر ثم خلق الاشياء و اشهدهم خلقها و اجري عليهم طاعتهم و جعل فيهم ما شاء و فوض امر الاشياء اليهم في الحكم و التصرف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الامر و الولاية و الهداية فهم ابوابه و نوابه و حجابه يحللون ما شاءوا و يحرمون ما شاءوا و لايفعلون الا ما شاء عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهذه الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الافراط و من نقصهم عن هذه المراتب التي رتبهم الله فيها زهق في بر التفريط و لميوف آلمحمد صلي الله عليه و آله حقهم فيما يجب علي المؤمن و من معرفتهم ثم قال خذها يا محمد فانها من مخزون العلم و مكنونه و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله ادب نبيه علي محبته فقال انك لعلي خلق عظيم ثم فوض اليه فقال ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و قال من يطع الرسول فقد اطاع الله ثم قال و ان نبي الله صلي الله عليه و آله فوض الي علي عليه السلام و ائتمنه فسلمتم و جحد الناس والله لحسبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا و نحن فيما بينكم و بين الله فماجعل الله لاحد من خير في خلاف امرنا ، الي غير ذلك من الاخبار الساطعة المنار بالجملة هم سلام الله عليهم لموافقة طبيعتهم مشية الله لانهم محل مشية الله كما قال بقية الله عجل الله فرجه قلوبنا اوعية لمشية الله فاذا شاء شئنا و الله يقول و ماتشاءون الا ان يشاء الله انتهي ، يوافق حركاتهم و سكونهم مشية الله لاتفارقهم و لايفارقونه يفعلون ما يشاء الله و يشاء الله ما يفعلون بل هم بامره يعملون و بمشيته ينطقون و بارادته يفعلون [ص 144] فلاجل ذلك صاروا هم الناطقون المبلغون عن الله المتصرفون في امره و نهيه اي انهم يتصرفون في امره و نهيه يعني يحللون ما شاءوا و يحرمون ما شاءوا و يعطون ما شاءوا و يمنعون ما شاءوا لان الله سبحانه صرّفهم في امره و نهيه فهم يتصرفون فيهما طاعة له و امتثالاً لامره هذا الذي سمعت في التشريع و هم سلام الله عليهم كما هم اول من خبر عن الله و علم به كذلك هم اول من خبر عن الله في التكوين بهم فتح الله و بهم يختم و هم رسل الله في التكوين يبلغون عن الله الي القوابل الاوامر الكونية التي كانت تقصر عن تلقيها فهم يحملونها اليها و يبلغونها اليها فمن امتثل اوامرهم سعد و اثيب بجنات الوجود و نعيمها الخالد المخلد فلايخرجون عنها ابدا و يزادون بالامداد سرمدا و من ترك قبول امرهم شقي و بقي في دار البعد و الهوان و مهاوي العدم فلايموت فيها و لايحيي و هو فيها خالد مخلد فهم الرسل المعبرون عن الله في الكون و الشرع و ليس ذلك بتفويض اليهم ابدا و ليس الخالق الرازق المحيي المميت الا الله عز و جل وحده وحده و يفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و هم معانيه جل و عز و هم الرحمة الواسعة و القدرة الكاملة و العزة الغالبة و القوة الفاضلة و العلم المحيط و الجود البسيط و الاسم العظيم و الملك القديم و قد بسطنا القول في ذلك في كتابنا في شرح دعاء السحر فان شئت فراجع و قد مر هنا ما يكتفي به المكتفي .
قال عليه السلام فيهم يظهر قوته و منهم تري آياته و معجزاته الي آخر .
اعلم ان القوة ضد الضعف و الآية العلامة و الامارة فقوله فيهم يظهر قوته لانهم سلام الله عليهم وعاء مشية الله قد حووها برمتها فلاتخرج منهم الي غيرهم و هي حادة لهم و هم حادون لها فلايعون شيئا غيرها و لايسكن شئ منها في غيرهم و ذلك انهم الكليون الحقيقيون الذين لايصاقعهم كلي آخر بخلاف غيرهم من الكليات فان كل كلي غيرهم و ان كان كليا بالنسبة الي ما دونه الا ان معه في رتبته افراد اخر هو و هي بتمامها افراد لكلي آخر فوقها كالفرس فانه و ان كان كليا بالنسبة الي افراده الا انه فرد كالبقر و الغنم و الابل [ص 145] و هي مجموعها واقعة تحت الحيوان الذي هو جنس تلك الكليات و هكذا يترامي الكليات في عرصات الخلق الي كلي الكليات الذي ليس فوقه كلي آخر و ليس معه غيره شئ و الي ذلك اشار الهادي عليه السلام بقوله لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع و قال علي عليه السلام في الخطبة التي مرت استخلصه في القدم علي ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس الخطبة ، فاذ لميفقهم فائق علم انه لا كلي فوقهم و اذا انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس ليس معه فرد و لميقل من ابناء جنسه فيثبت له جنسا و انما قال من ابناء الجنس يعني ليس معه افراد كلي فتكون هي و هو افراد كلي فوقهم فافهم فهم كلي منفرد ليس معهم غيرهم كما قال لميجعل لاحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا ، فاذ كانوا كذلك لميخرج عنهم مشية الله الي غيرهم و لمتقصر عنهم لانهم بمشية الله فصارت حادة لهم و صاروا حادين لها فلمتظهر قوة الله التي هي مشية الله الا منهم قال الحسين عليه السلام في دعائه اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم الدعاء ، و القوة مطلقة عن القوة علي درك الاشياء من مبصر او مسموع او محسوس بحاسة من الحواس و علي احداث الاشياء و اخراجها من العدم الي الوجود و من تصريفها من حال الي حال و من امساكها و امدادها و احيائها و اماتتها و تنزيلها و تصعيدها و نشرها و حشرها و اثابتها و عقابها و ساير ما لها و بها و منها و اليها و فيها مما لايمكن احصاؤها للعادين فان الله عز و جل هو ذو القوة المتين و هو قوي لايضعف عن شئ شاءه و اراده و اما قوله و منهم تري آياته و معجزاته ، اي آياته الدالة علي توحيده و علي صفاته و اسمائه و افعاله التي اراها الله في الآفاق و الانفس كما قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في [ص 146] انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فتلك الآيات التي اراها الله خلقه كانت صادرة منهم فاظهرها الله منهم و بثها في الآفاق و الانفس و اراها خلقه و ذلك ان جميع ما خلق الله من خلق في الآفاق و الانفس هي حادثة حدثت بمشية الله جل و عز و هم محال المشية التي لاتقوم المشية الا بها و لاتظهر الا منها فان الله جعل قلوب اوليائه وكرا لارادته فتعلقت اولا بهم و احدثتهم ثم سرت فيهم و اشتعلت في زيت قابليتهم و انصبغت في اصباغ هويتهم فظهرت منهم منصبغة بصبغهم كما انصبغ النار بصبغ الزيت المكلس الذي هو الدخان فصارت سراجا منيرا فما انبث منه من نور في الفضاء فانما كان من هيأة الشعلة و ان النار من حيث هي لا هيأة لها و لا صبغ و لا ظهور فاذا ظهرت منصبغة بصبغ الدخان اضاءت و جميع اضوائها يكون علي هيأة الشعلة و صبغها راجع اليها كما هو صادر منها و تلك الاضواء هي آيات النار المنبثة في الاقطار تدل علي وجودها و صفاتها و افعالها و كذلك المشية اشتعلت في زيت وجودهم فاستضاء بها شعلة في عرصة الامكان و سراجا منيرا كما سماه الله به في قوله انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فاضاء عرصة الامكان بنوره و نوره الوجود المفاض فاوجد الله من نوره جميع الموجودات و استضاءت الهويات بانوارهم و بذلك النور عرفت ربها و عرفوها ربها و تعرف الله لها به و تلك الانوار آيات الله التي اراها الله خلقه حتي يتبين لهم انه الحق و تلك الانوار نفوس الخلق و حقايقهم التي ورد فيها من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و هو التوسم المشار اليه بقوله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و قال الله عز و جل ان في ذلك لآيات للمتوسمين بالجملة آيات الله هي تلك الانوار و هي منهم و اليهم و لهم و هي آياتهم قال علي بن الحسين عليه السلام في حديث الخيط بعد ان قال جابر يا سيدي العجب انهم لايدرون من اين اتوا قال اجل ثم تلا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا و كانوا بآياتنا يجحدون و هي والله آياتنا و هذه احدها و هي والله ولايتنا يا جابر الخبر ، و يمكن ان يكون المراد ان الآيات الكلية العامة [ص 147] الدالة علي كل الله و جمع الله و علي جميع انواره و صفاته و اسمائه و افعاله فهي تظهر منكم لا من غيركم فانكم قلب العالم الذي ظهر فيه تمام شؤن مشية الله و اسمائه و صفاته و ساير الخلق بمنزلة الاعضاء فكل عضو يحكي من انوار الروح شأنا خاصا فالعين باصرة لا غير و الاذن سامعة لا غير و هكذا و اما البصير بكله و السميع بكله و الشام الذائق اللامس بكله و المتحرك الناطق الفاعل بكله و المدرك العاقل بكله فهو القلب و كذلك هم صلوات الله عليهم يستجمعون جميع انوار الله و صفاته و اسمائه و افعاله و شؤنه بكلهم فالآيات الكلية العامة لاتري الا منهم و لذلك وصف النبي صلي الله عليه و آله في وحي الصبي الذي يعتقده اليهود بلفظهم كليليا اي الكل و الجملة في لغة العبري فهم صلوات الله عليهم الآية العظمي لله جل و عز كما قال تعالي لقد رأي من آيات ربه الكبري ، فعن ابيجعفر عليه السلام قال كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول ما لله آية هي اكبر مني و عن الرضا عليه السلام قال قال علي عليه السلام ما لله نبأ اعظم مني و لا لله آية اكبر مني و لقد عرض فضلي علي الامم الماضية علي اختلاف السنتها فلمتقر بفضلي انتهي ، فمنهم ظهر آياته الكبري التي ليس آية اكبر منها و ان اخذت الآية بمعني المعجزة فالعطف تفسيري و لا شك ان معجزات الله اي افعاله الجارية علي ايدي انبيائه و رسله علي خلاف عادة ابناء الجنس اتماما لحجتهم و دلالة علي نبوتهم و التي لميظهر من الانبياء و ظهرت منهم و علي ايديهم فانما ظهرت منهم و صدرت منهم علي ايدي الانبياء و الاولياء الماضين و ذلك لما علمهم الله اسمه الاعظم الاعظم الاعظم الذي ينقاد له جميع ما سوي الله و لايجاوزه شئ في الدنيا و الآخرة و ذلك ان الانبياء دعاة و هداة رشدهم و مجالي تجليات انوارهم و اشعتهم اكمام مشيتهم و ايدي ارادتهم يفعلون بهم ما يشاءون هم الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و في المحتضر روي انه وجد بخط مولانا ابيمحمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام ما صورته قد صعدنا ذري الحقايق باقدام النبوة و الولاية و نورنا سبع طبقات اعلام الفتوي بالهداية فنحن ليوث الوغا و غيوث الندي و طعان العدي [ص 148] و فينا السيف و القلم في العاجل و لواء الحمد و العلم في الآجل و اسباطنا حلفاء الدين و خلفاء النبيين و مصابيح الامم و مفاتيح الكرم فالكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفا و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة و شيعتنا الفئة الناجية و الفرقة الزاكية صاروا لنا ردءاً و صونا و علي الظلمة الباً و عونا و سيسفر لهم ينابيع الحيوان بعد لظي النيران لتمام الم و طه و الطواسين من السنين و هذا الكتاب درة من درر الرحمة و قطرة من بحر الحكمة و كتب الحسن بن علي العسكري في سنة اربع و خمسين و مأتين و روي انه وجد بخط يده عليه السلام ايضا اعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب و نسوا الله رب الارباب و النبي و ساقي الكوثر في مواقف الحساب و لظي الطامة الكبري و نعيم دار الثواب فنحن السنام الاعظم و فينا النبوة و الولاية و الكرم و نحن منار الهدي و العروة الوثقي و الانبياء كانوا يقتبسون من انوارنا و يقتفون آثارنا و سيظهر حجة الله علي الخلق و السيف المسلول لاظهار الحق و هذا خط الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب (ظ) اميرالمؤمنين انتهي ، و لما كان الغرض نشر فضائلهم و كان في حديث النورانية شواهد علي ما مر نذكره بطوله لكثرة محصوله روي في العوالم عن محمد بن صدقة انه قال سأل ابوذر الغفاري سلمان الفارسي رضي الله عنه يا اباعبدالله ما معرفة اميرالمؤمنين عليه السلام بالنورانية قال يا جندب فامض بنا حتي نسأله عن ذلك قال فاتيناه فلمنجده قال فانتظرناه حتي جاء قال صلوات الله عليه ما جاء بكما قالا جئناك يا اميرالمؤمنين نسألك عن معرفتك بالنورانية قال صلوات الله عليه مرحبا بكما من وليين متعاهدين لدينه لستما بمقصرين لعمري ان ذلك الواجب علي كل مؤمن و مؤمنة ثم قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام انه لايستكمل احد الايمان حتي يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فاذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا مستبصرا و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك مرتاب [ص 149] يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية و هو الدين الخالص الذي قال الله تعالي و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلوة و يؤتوا الزكوة و ذلك دين القيمة يقول ماامروا الا بنبوة محمد صلي الله عليه و آله و هو الدين الحنيفية المحمدية السمحة و قوله و يقيموا الصلوة فمن اقام ولايتي فقد اقام الصلوة و اقامة ولايتي صعب مستصعب لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان فالملك اذا لميكن مقربا لميحتمله و النبي اذا لميكن مرسلا لميحتمله و المؤمن اذا لميكن ممتحنا لميحتمله قلت يا اميرالمؤمنين من المؤمن و ما نهايته و ما حده حتي اعرفه قال عليه السلام يا باعبدالله قلت لبيك يا اخا رسول الله قال المؤمن الممتحن هو الذي لايرد من امرنا اليه شئ الا شرح صدره لقبوله و لميشك و لميرتد اعلم يا اباذر انا عبد الله و خليفته علي عباده لاتجعلونا اربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لنتبلغوا كنه ما فينا و لا نهايته فان الله عز و جل قد اعطانا اكبر و اعظم مما يصفه واصفكم او يخطر علي قلب احدكم فاذا عرفتمونا هكذا فانتم المؤمنون قال سلمان قلت يا اخا رسول الله صلي الله عليه و آله و من اقام الصلوة اقام ولايتك قال نعم يا سلمان تصديق ذلك قوله تعالي في الكتاب العزيز و استعينوا بالصبر و الصلوة و انها لكبيرة الا علي الخاشعين فالصبر رسول الله و الصلوة اقامة ولايتي فمنها قال الله تعالي و انها لكبيرة و لميقل و انهما لكبيرة لان الولاية لكبيرة حملها الا علي الخاشعين و الخاشعون هم الشيعة المستبصرون و ذلك لان اهل الاقاويل من المرجئة و القدرية و الخوارج و غيرهم من الناصبية يقرون لمحمد صلي الله عليه و آله ليس بينهم خلاف و هم مختلفون في ولايتي منكرون لذلك جاحدون بها الا القليل و هم الذين وصفهم الله في كتابه العزيز فقال انها لكبيرة الا علي الخاشعين و قال الله تعالي في موضع آخر في كتابه العزيز في نبوة محمد صلي الله عليه و آله و في ولايتي فقال عز و جل و بئر معطلة و قصر مشيد فالقصر [ص 150] محمد و البئر المعطلة ولايتي عطلوها و جحدوها و من لميقر بولايتي لمينفعه الاقرار بنبوة محمد صلي الله عليه و آله الا انهما مقرونان و ذلك ان النبي صلي الله عليه و آله نبي مرسل و هو امام الخلق و علي من بعده امام الخلق و وصي محمد صلي الله عليه و آله كما قال له النبي صلي الله عليه و آله انت مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي و اولنا محمد و اوسطنا محمد و آخرنا محمد فمن استكمل معرفتي فهو علي الدين القيم كما قال الله تعالي و ذلك دين القيمة و سابين ذلك بعون الله و توفيقه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال كنت انا و محمد نورا واحدا من نور الله عز و جل فامر الله تبارك و تعالي ذلك النور ان يشق فقال للنصف كن محمدا و قال للنصف كن عليا فمنها قال رسول الله صلي الله عليه و آله علي مني و انا من علي و لايؤدي عني الا علي و قد وجه ابابكر ببراءة الي مكة فنزل جبرئيل فقال يا محمد قال لبيك قال ان الله يأمرك ان تؤديها انت او رجل منك فوجهني في استرداد ابيبكر فرددته فوجد في نفسه و قال يا رسول الله انزل في القرآن قال لا و لكن لايؤدي الا انا او علي يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اخا رسول الله صلوات الله عليه و آله قال عليه السلام من لايصلح لحمل صحيفة يؤديها عن رسول الله صلي الله عليه و آله كيف يصلح للامامة يا سلمان و يا جندب فانا و رسول الله صلي الله عليه و آله كنا نورا واحدا صار رسول الله محمد المصطفي و صرت انا وصيه المرتضي و صار محمد الناطق و صرت انا الصامت و انه لا بد في كل عصر من الاعصار ان يكون فيه ناطق و صامت يا سلمان صار محمد المنذر و صرت انا الهادي و ذلك قوله عز و جل انما انت منذر و لكل قوم هاد فرسول الله صلي الله عليه و آله المنذر و انا الهادي الله يعلم ما تحمل كل انثي و ما تغيض الارحام و ما تزداد و كل شئ عنده بمقدار عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال سواء منكم من اسر القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله قال فضرب بيده علي الاخري و قال صار محمد صاحب الجمع و صرت انا صاحب النشر [ص 151] و صار محمد صاحب الجنة و صرت انا صاحب النار اقول لها خذي هذا و ذري هذا و صار محمد (ص) صاحب الرجفة و صرت انا صاحب الهدة و انا صاحب اللوح المحفوظ و الهمني الله عز و جل علم ما فيه نعم يا سلمان و يا جندب و صار محمد يس و القرآن الحكيم و صار محمد ن و القلم و صار محمد طه ماانزلنا عليك القرآن لتشقي و صار محمد صاحب الدلالات و صرت انا صاحب المعجزات و الآيات و صار محمد خاتم النبيين و صرت انا خاتم الوصيين و انا الصراط المستقيم و انا النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و لا احد اختلف الا في ولايتي و صار محمد صاحب الدعوة و صرت انا صاحب السيف و صار محمد نبيا مرسلا و صرت انا صاحب امر النبي قال الله عز و جل يلقي الروح من امره علي من يشاء من عباده و هو روح الله لايعطيه و لايلقي هذا الروح الا علي ملك مقرب او نبي مرسل او وصي منتجب فمن اعطاه الله هذا الروح فقد ابانه من الناس و فوض اليه القدرة و احيي الموتي و علم به ما كان و ما يكون و سار من المشرق الي المغرب و من المغرب الي المشرق في لحظة عين و علم ما في الضماير و القلوب و علم ما في السموات و الارض يا سلمان و يا جندب و صار محمد الذكر الذي قال الله عز و جل قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله اني اعطيت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب و استودعت علم القرآن و ما هو كاين الي يوم القيمة و محمد صلي الله عليه و آله اقام الحجة حجة الناس و صرت انا حجة الله عز و جل جعل الله لي ما لميجعل لاحد من الاولين و الآخرين لا لنبي مرسل و لا لملك مقرب يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام انا الذي حملت نوحا في السفينة بامر ربي و انا الذي اخرجت يونس من بطن الحوت باذن ربي و انا الذي جاوزت بموسي بن عمران البحر بامر ربي و انا الذي اخرجت ابرهيم من النار باذن ربي و انا الذي اجريت انهارها و فجرت عيونها و غرست اشجارها باذن ربي و انا عذاب يوم الظلة و انا المنادي من مكان قريب قد سمعه الثقلان الجن و الانس و فهمه قوم اني لاسمع كل قوم من الجبارين و المنافقين بلغاتهم و انا الخضر عالم موسي [ص 152] و انا معلم سليمان بن داود و انا ذوالقرنين و انا قدرة الله عز و جل يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام انا امير كل مؤمن و مؤمنة ممن مضي و ممن بقي و ايدت بروح العظمة و انما انا عبد من عبيد الله لاتسمونا اربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لنتبلغوا من فضلنا كنه ما جعله الله لنا و لا معشار العشر لانا آيات الله و دلائله و حجج الله و خلفاؤه و امناء الله و ائمته و وجه الله و عين الله و لسان الله بنا يعذب الله عباده و بنا يثيب و من بين خلقه طهرنا و اختارنا و اصطفانا و لو قال قائل لم و كيف و فيم لكفر و اشرك لانه لايسأل عما يفعل و هم يسألون يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام من آمن بما قلت و صدق بما بينت و فسرت و شرحت و اوضحت و نورت و برهنت فهو مؤمن ممتحن امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و هو عارف مستبصر قد انتهي و بلغ و كمل من (كذا) شك و عند و جحد و وقف و تحير و ارتاب فهو مقصر و ناصب يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام انا احيي و اميت باذن ربي و انبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم باذن ربي و انا عالم بضماير قلوبكم و الائمة من اولادي عليهم السلام يعلمون و يفعلون هذا اذا احبوا و ارادوا لانا كلنا واحد اولنا محمد و آخرنا محمد و اوسطنا محمد و كلنا محمد فلاتفرقوا بيننا و نحن اذا شئنا شاء الله و اذا كرهنا كره الله الويل كل الويل لمن انكر فضلنا و خصوصيتنا و ما اعطانا الله ربنا لان من انكر شيئا مما اعطانا الله فقد انكر قدرة الله عز و جل و مشيته فينا يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام لقد اعطانا الله ربنا ما هو اجل و اعظم و اعلي و اكبر من هذا كله قلنا يا اميرالمؤمنين ما الذي اعطاكم ما هو اعظم و اجل من هذا كله قال عليه السلام قد اعطانا ربنا عز و جل علمنا للاسم الاعظم الذي لو شئنا خرقنا السموات و الارض و الجنة و النار و نعرج به السماء و نهبط به الارض و نغرب و نشرق و ننتهي به الي العرش فنجلس عليه بين يدي الله عز و جل [ص 153] و يطيعنا كل شئ حتي السموات و الارض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر و الدواب و البحار و الجنة و النار اعطانا الله ذلك كله بالاسم الاعظم الذي علمنا و خصنا به و مع هذا كله نأكل و نشرب و نمشي في الاسواق و نعمل هذه الاشياء بامر ربنا و نحن عباد الله المكرمون الذين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و جعلنا معصومين مطهرين و فضلنا علي كثير من عباده المؤمنين فنحن نقول الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و حقت كلمة العذاب علي الكافرين اعني الجاحدين بكل ما اعطانا الله من الفضل و الاحسان يا سلمان و يا جندب فهذا معرفتي بالنورانية فتمسك بها راشدا فانه لايبلغ احد من شيعتنا حد الاستبصار حتي يعرفني بالنورانية فاذا عرفني بها كان مستبصرا بالغا كاملا قد خاض بحرا من العلم و ارتقي درجة من الفضل و اطلع علي سر من سر الله و مكنون خزائنه انتهي الخبر الشريف ، و انما ذكرناه بطوله لكثرة محصوله و لان فيه شواهد كثيرة من فقرات هذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه و قد شرحنا حديث النورانية و الحمد لله شرحا مفصلا و خرجت نسخته فمن شاء طلبها بالجملة فيهم ظهر قوة الله و قدرته علي ما يشاء و هي مشية الله المحيطة بكل شئ التي يقوم بها كل شئ و خلق من نورها و شعاعها و عكسها و ظلها كل شئ فهي اقوي من كل شئ و لايعجزها شئ وسع كرسيه السموات و الارض و لايؤده حفظهما و هو العلي العظيم ان الله يمسك السموات و الارض ان تزولا و لئن زالتا انامسكهما من احد من بعده و في الزيارة و بكم يمسك السماء ان تقع علي الارض الا باذنه ، و ذلك بانهم محال مشية الله السرمدية التي بها تقوم المشية قيام ظهور و هي اي تلك المشية قوة الله التي لاتضعف عن ايجاد شئ و عن امداده و عن حفظه و عن افنائه و هي قائمة بهم و نافذة منهم الي غيرهم كما عرفت غير مرة و كذا و لذا تري منهم آياته التي شرحنا و بينا و شرح في حديث النورانية و كذلك منهم تري معجزاته التي تعجز عنها جميع الخلق من الملائكة المقربين و الانبياء المرسلين و ساير الخلق اجمعين فان الله سبحانه خلقهم بهم و اخرجهم من مكمن العدم الي [ص 154] عرصة الوجود بهم و خلقهم من شعاعهم و انوارهم و جميع ما بهم من قوة و قدرة و علم و حكمة فهي صادرة منهم و هو بالنسبة الي اضعف درجاتهم كنسبة الواحد الي السبعين فما يصدر منهم علي نهج الاعجاز يعجز عنه جميع الملائكة المقربين و الانبياء المرسلين و غيرهم من الخلق و كلهم يذعنون بانهم الحجة عليهم و الواسطة بينهم و بين الله عز و جل و قد نزلوا من مكان اعلي و لهم من القدرة و القوة ما ليس لغيرهم الذين كلهم دونهم اذ لا حول و لا قوة الا بالله و كل من هو اقرب الي الله عز و جل يظهر حوله و قوته فيه اكثر فما عنده منهما معجزة عند من دونه فافهم .