و اما ما وعدناك من معني علم اخبار و وحي فاعلم ان الله جل و عز ذات احدية لاتتغير و لاتتبدل و لاتتحول و لاتزول و لاتتحرك بعد سكون فلايخرج منه شئ و لا صوت ان هذا هكذا و مشيته ايضا كلية واحدة لا تعين في نفسها بشئ من الاشياء و انما التعينات في القوابل و اول شئ صدر منها العقل و هو عقلهم و ليس يخرج من نفس المشية صوت و لا شئ الي عرصة المخلوقات و انما وقع شبحها علي مرآة قابلية العقل فوجد العقل و علي مرآة قابلية الروح فوجد الروح و هكذا فمعني اخبار الله لهم ما جعلهم الله عليه من الاحاطة بالكاينات و المشاهدة لحقايق الموجودات و ذلك ان احاطتهم و مشاهدتهم مخلوقة و المخلوق مخلوق بمشية الله فاذا كان المخلوق خبر زيد مثلا كان الفعل المتعلق به الاخبار فقعود زيد باقعاد الله و قيامه باقامة الله و هكذا فهم سلام الله عليهم لايعلمون شيئا الا بتعليم الله كما سمعت قول النبي صلي الله عليه و آله لااعلم وراء الجدار الا ما علمني ربي ، اما مقامهم الكلي المؤثر فيشاهد حقايق الاشياء الخارجة الي عرصة الكون و الفعلية و مشاهدتهم ذلك باشهاد الله جل و عز كما قال مااشهدتهم خلق السموات و الارض [ص 77] و هو يعلم ما ليس فيه بداء زماني و لا دهري و اما مقامهم الجزئي الشخصي فلايعلم الا علم اخبار و اخبارهم في هذا المقام اما باخبار نبي او ملك او نكت في القلوب او وقر في الاسماع او الهام او انطاق جماد او نبات او حيوان او انسان او ارض او سماء او نجوم او بر او بحر او جبل او غير ذلك و منه استنباط استدلال من وضع العالم و قراناته و اوضاعه من ساير العلوم كل ذلك وجوه اخبار الله لهم فهم سلام الله عليهم بقول مطلق لايعلمون الا ما علمهم الله و هكذا علمهم الله و جمع لهم جميع هذه الطرق و لايعلمون مع ذلك الغيب و يعلمون ما اشهدهم الله و يعلمون ما خلقه الله و لايعلمون ما لميخلقه الله و هو بعد في عالم الامكان و عرصة العدم و لله فيه البداء ان شاء خلق و ان شاء لميخلق انظر كيف يجتمع الاخبار المختلفة التي قد حار فيها العقول بحيث لا اختلاف فيها ابدا و لولا ان هذا العلم من عندهم لماكان به حل اخبارهم و شرح آثارهم ما لاتجتمع بغيره من العلوم ابدا الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و رضي الله عن الذين هدونا بعد ما اهتدوا الي سواء الصراط المستقيم .
و اما قوله و علمهما البيان ، فاعلم ان البيان لغة الانكشاف و الظهور و الفصاحة و الاظهار و الافصاح و ما تبين به الشئ من الدلالة و غيرها و التبيان الايضاح و الافصاح و هذا الكلام اقتباس من قوله تعالي الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان فاقتبس من قوله علم القرآن قد استودعهما العلم و من قوله علمه البيان علمهما البيان و عن الصادق عليه السلام البيان الاسم الاعظم الذي به علم كل شئ و سئل الرضا عليه السلام عن قول الله تعالي الرحمن علم القرآن قال الله علم القرآن قيل فقوله خلق الانسان علمه البيان قال ذاك اميرالمؤمنين علمه الله بيان كل شئ يحتاج اليه الناس ، اعلم ان الله سبحانه اختار من بين جميع اسمائه الرحمن لان به استوي علي العرش و استولي به علي الكل و هو اسم يستجمع جميع الكمالات الاضافية و الفعلية المتعلقة باذكار الخلق و اعيانه التي هي متعلق العلم و هي المعلوم المستثني في قوله و لايحيطون بشئ من [ص 78] علمه الا بما شاء و اما الله فهو صاحب العلم المستثني منه و المستثني فلاجل ذلك قال الرحمن و فسره في الخبر بالله فاراد به ان الرحمن اسم الله و المراد بالقرآن هو علم العرش الذي لايعزب عنه شئ علي ان العرش جميع الملك فلايخرج عن ملكه شئ فالقرآن الذي فيه تبيان كل شئ و مافرط فيه من شئ هو العرش و العرش و ان كان هو مقام القلم و الكرسي هو مقام اللوح و الكتب الا ان القلم هو مبدء اللوح و اجماله و معناه و اصله و منه يجري الي اللوح فاصل الكتاب و روحه مقام القلم و العرش و منه يتفصل في اللوح ما يتفصل فاللوح ظاهر الكتاب و صورته و العرش باطن الكتاب و معناه و مواد اللوح من تأييدات القلم و ظهور القلم في اللوح فلولا القلم ماخلق اللوح و لولا اللوح ماظهر القلم فالقلم يعلم اللوح علم الوجود و الاجمال و الوحدة و المعنوية و اللوح يعلم القلم علم الظهور و التفصيل و الكثرة و الصورية بالجملة الرحمن المستوي علي العرش حق ان يعلم القرآن محمدا صلي الله عليه و آله و يجعل قلبه عرشه لان قلب المؤمن عرش الرحمن و هو ذلك المؤمن لا غير نزل به الروح الامين علي قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين و هو علي عليه السلام لقوله و جعلنا لهم لسان صدق عليا ، خلق الانسان و هو الانسان حامل الامانة امانة الولاية الظلوم الجهول في قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا ، علمه البيان لانه لسان صدق محمد حيث دعا و قال و اجعل لي لسان صدق في الآخرين و لسان القوم المتكلم عنهم ليبين مرادي و يكشف عما بلغت و اديت من رسالاتك فاستجاب الله له ذلك فعلي هو الذي علمه الله البيان يبين المراد من القرآن و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و هم اهل الذكر المسؤلون بالبينات و الزبر او اللسان الصدق هو الثناء الجميل و الذكر الخير و سمي ما يؤدي باللسان لسانا كما سمي ما يؤدي باليد يدا و هو العطية فاللسان الصدق الثناء الصدق و اشار الي ذلك اميرالمؤمنين (ع) في حديثه لسان الصدق يجعل الله في الناس خير من المال يأكله و يورثه ، [ص 79] فعلي عليه السلام هو ثناء رسول الله صلي الله عليه و آله في آخر الامم و في آخر الزمان و في الرجعة بالجملة علي عليه السلام هو لسان صدق رسول الله صلي الله عليه و آله و كتب الي ابيالحسن الهادي عليه السلام و وهبنا لهم من رحمتنا و جعلنا لهم لسان صدق علياً فاخذ الكتاب و وقع تحته وفقك الله و رحمك هو اميرالمؤمنين و قيل للرضا عليه السلام ان قومي طالبون باسم اميرالمؤمنين في كتاب الله فقلت لهم عن قوله تعالي و جعلنا لهم لسان صدق عليا قال صدقت هو هكذا انتهي ، فعلي عليه السلام لسان عربي مبين انذر النبي صلي الله عليه و آله به قومه و بيّن شرايعه به و شرح القرآن به لامته فعلم الله النبي البيان بعلي عليه السلام و باستعانته و علم عليا البيان بقوة محمد صلي الله عليه و آله كما انك تبين بلسانك و لسانك يبين بك و ان اردت بالآية باطنها فالمراد بالقرآن جميع ما خلق الله فانه الكتاب الكبير الذي فيه تبيان كل شئ فالرحمن المستوي علي عرش الملك علم محمدا القرآن و عرفه حقايق الاشياء و اشهده خلقهم كما دعا و قال اللهم ارني الاشياء كما هي ، فعلمه الله القرآن ثم خلق الانسان اي عليا عليه السلام من نفس محمد صلي الله عليه و آله لآية انفسنا و انفسكم ثم علمه البيان فشرح علم ما كان و ما يكون و علم كل عالم و كل من يعلم علماً فهو بتعليمه عليه السلام و ان اردت باطن باطنه فالرحمن جل و عز علم محمدا بان جعله كذلك شاهدا مطلعا علي الحَرف المستور بقمص النور اذ هو اول اذكار القرآن و خلق عليا من محمد ثم علمه البيان فبيّن هو لقوابل ارض الجواز اسرار الوجود و انوار المعبود كتب العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة و ان الكليم لما عهدنا منه الوفا البس حلة الاصطفاء الكتاب ، و العلم لايقف و المراتب لاتعد و المقامات لاتحصي فمنها ما يمكن بيانه و منها ما الاولي كتمانه و اما قوله عليه السلام و استطلعهما علي غيبه ، فاعلم ان الغيب ما غاب عن الشخص و خفي عن عينه و هو خلاف الشهادة و هي ما حضرك و تراه فمن اخبر عما يشاهد يقال شهد و من اطلع علي ما غاب عنه يقال علم الغيب و علي ذلك [ص 80] الغيب و الشهادة امران اضافيان فلرب شئ غائب عني مشهود لك و لرب مشهود لك غائب عني فانت اذا علمت ما تشاهده و هو غائب عني لايقال انك علمت الغيب لاجل انه غائب عني بل علمت ما شهدت فكل شئ غيب باعتبار و شهادة باعتبار و كل احد يعلم ما يغيب عن احد و لا غرو فالمراد بالغيب المطلق الذي يقال ان الله عالم به و لايعلمه سواه ينبغي ان يكون المراد به الغائب عن جميع خلقه و الا فليس شئ بغائب عن الله حتي يعلمه فيصدق عليه انه علم ما غاب عن نفسه نعوذ بالله بل المراد بعلم الله الغيب خلاف المراد بعلم الغيب من الخلق فالله سبحانه يعلم ما يغيب عن جميع خلقه الكائنين في عرصة الوجود و هو الامكان لا غير فان ما فيه في عرصة العدم و هو غائب عن اعين اهل عرصة الوجود و لذا روي عن ابيعبدالله عليه السلام الغيب ما لميكن و الشهادة ما كان ، فالله عز و جل عالم الغيب و الشهادة اي عالم بما في الامكان و الاكوان و هو مجموع العلمين اللذين اشار اليهما في كتابه بقوله و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فالمستثني منه هو العلم الامكاني الغيبي و المستثني هو العلم الكوني الشهادي و اما ما يقال للذات غيب الغيوب فهو كناية عن خفاء ذاته للحوادث و تعبير بلفظ حادث عن المعني المراد و الا فلايقال للذات الغيب فان في الغيب ذكر ما يغيب عنه و ليس فيه جل شأنه ذكر ما سواه فالمراد بالغيب الغائب عن الاكوان و هو الامكان و قد استعير منه الغيب للذات كساير الاسماء فالله خالق الغيب و الشهادة و اما قوله و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو ، فالمراد بالمفاتح مخازن الامكان لايعلمها احد غيره بلا استثناء و ان اريد بالغيب ما غاب عن الاناسي فيمكن الاستثناء منه كما قال عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول فيعلم رسوله علم ما قد كان و يزوي عنه علم ما لميكن يعني هو بعد في الامكان فانه العلم المخصوص بالله عز و جل و ليس محمد صلي الله عليه و آله موجودا حيث هو معدوم و يكشف عن ذلك انه سأل حمران بن اعين اباجعفر عليه السلام عن قوله عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا [ص 81] فقال عليه السلام الا من ارتضي من رسول و كان محمد والله ممن ارتضاه و اما قوله عالم الغيب فان الله عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شئ و يقضيه في علمه قبل ان يخلقه و قبل ان يقضيه الي الملائكة فذلك يا حمران علم موقوف عنده اليه فيه المشية فيقضيه اذا اراد و يبدو له فيه فلايمضيه فاما العلم الذي يقدره الله و يقضيه و يمضيه فهو العلم الذي انتهي الي رسول الله ثم الينا انتهي ، و هو الذي اشرنا اليه من ان المراد بالغيب ما غاب عن الخلق و هو اعم مما قدر و قضي و ما لميقدر و لميقض فما قضاه و قدره علّمه محمداً و آلمحمد عليهم السلام و ما لميقضه و لميقدره و هو بعد في عرصة الامكان فلايعلمه الا الله عز و جل و يشهد بذلك ايضا قول ابيعبدالله عليه السلام ان لله علمين علم عنده و لميطلع عليه احدا من خلقه و علمٌ نبذه الي ملائكته و رسله فما نبذه الي ملائكته و رسله فقد انتهي الينا انتهي ، و اعلم انه لا كل ملك يعلم جميع العلم و لا كل رسول يعلم جميع العلم بل عند كل واحد منهم بعض العلم فما يصلح ان يعلمه ملك او رسول فانما انتهي اليهم فانهم افضل الكل محيط بالكل مؤثر للكل و عندهم ما ليس عند الملائكة و الرسل فهم عليهم السلام بقول مطلق لايعلمون ما غاب عنهم و لايغيب عنهم الا ما لميكن و هو بعد في العدم فهم علماء بالشهادة كما قال الله عز و جل مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و هم اعضاد و اشهاد كما في دعاء رجب فمن نسب اليهم علم الغيب فقد غلا في حقهم و لايرضون بذلك ابدا فقد روي في العوالم عن ابيالمغيرة قال كنت انا و يحيي بن عبدالله بن الحسن عند ابيالحسن عليه السلام فقال له يحيي جعلت فداك انهم يزعمون انك تعلم الغيب فقال سبحان الله ضع يدك علي رأسي فوالله مابقيت شعرة فيه و لا في جسدي الا قامت ثم قال لا والله ما هي الا وراثة من رسول الله صلي الله عليه و آله انتهي ، و هذا لا شك فيه و هم لايعلمون الغيب اي ما لميكن و هو بعد في عالم الامكان و العدم و اما ما قد كان اي وجد في عرصة الاكوان سواءا كان ماضيا في الزمان او غابرا فلا شك انهم يعلمونه [ص 82] فما روي انه سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الامام يعلم الغيب قال لا و لكن اذا اراد ان يعلم الشئ اعلمه الله انتهي ، فذلك بالنسبة الي بشريتهم لايعلمون ما غاب عن عالم الزمان و لو شاء ان يعلم الشئ اعلمه الله و اجري من نفسه علي بدنه علم ذلك كما انك حين تكلمك في الفقه لاتعلم النحو و متي ما شئت مسألة من مسائل النحو اجري الله من نفسك العالمة بالنحو تلك المسألة علي قلبك فافهم و اما ما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان لله علمين علم استأثر به في غيبه فلميطلع عليه نبيا من انبيائه و لا ملكا من ملائكته و ذلك قول الله تعالي ان الله عنده علم الساعة و ينزل الغيث و يعلم ما في الارحام و ماتدري نفس ماذا تكسب غدا و ماتدري نفس باي ارض تموت و له علم قد اطلع عليه ملائكته فقد اطلع عليه محمدا و آله فقد اطلعني عليه يعلمه الكبير منا و الصغير الي ان تقوم الساعة انتهي ، و هذه الخمس مما لميأت في الزمان و لميُنْهَ علمها الي احد من اهل عالم الزمان لا نبي مرسل و لا ملك مقرب و لايشاهدها المشاعر الجسمانية و هي غائبة عنهم و اما ما شهده احد في الزمان فقد انهاه الله الي محمد و آلمحمد عليهم السلام و اما هم في مقام الكلية و المؤثرية فيعلمون ذلك و علمهم علم الله و هم مستودعه و جل اخبارهم بالغيوب من هذه الخمس و قد تواتر عنهم اخبارهم بما سيكون في آتي الزمان و قد قال ابوجعفر عليه السلام و قد سئل عن علم النبي فقال علم النبي علم جميع النبيين و علم ما كان و علم ما هو كائن الي قيام الساعة ثم قال و الذي نفسي بيده اني لاعلم علم النبي و علم ما كان و علم ما هو كائن فيما بيني و بين قيام الساعة و قال ابوعبدالله عليه السلام في دعائه اللهم يا من اعطانا علم ما مضي و ما بقي و جعلنا ورثة الانبياء و ختم بنا الامم السالفة و خصنا بالوصية و قال في حديث ان موسي و الخضر اعطيا علم ما كان و لميعطيا علم ما هو كائن و ان رسول الله صلي الله عليه و آله اعطي علم ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة فورثناه من رسول الله وراثة و قال ابوعبدالله عليه السلام والله لقد اعطينا علم الاولين و الآخرين فقال له رجل من اصحابه جعلت فداك [ص 83] اعندكم علم الغيب فقال له ويحك اني لاعلم ما في اصلاب الرجال و ارحام النساء ويحكم وسعوا صدوركم و لتبصر اعينكم و لتع قلوبكم فنحن حجة الله في خلقه و لنيسع ذلك الا صدر كل مؤمن قوي قوته كجبال تهامة الا باذن الله والله لو اردت ان احصي لكم كل حصاة عليها لاخبرتكم الخبر ، بالجملة من البديهيات انهم لايعلمون الغيب اي الغائب عنهم في كل عالم بحسبه و اما الشهادة و ما اشهدهم الله خلقه فهم يعلمونه و ليس بغيب بالنسبة اليهم و ان كان غيبا بالنسبة الي ساير الخلق و لميطأ كائن عرصة الكون الا و هو من شعاعهم و نورهم و الشعاع و النور لايخفي عن منيره بداهة و لو خفي عدم و هذا علي علمنا علم غيب و اما علي علمهم فهو علم شهادة و اعلم انه قد حصر الغيب في هذه الخمس فان المراد بقوله ينزل الغيث في الباطن هو الماء النازل من سحاب المشية الي الارض الجرز و هي ارض الامكان و هو ماء المادة و ماء الوجود المقيد حين سيره من الحق الي الخلق و بقوله و يعلم ما في الارحام هو ارحام ارض الامكان و ارض القوابل فان غيث الوجود ينحصر في ارحام قوابل الارض و يربي هناك و هي مقام الماهيات و الانيات ثم يخرج من الارض نبات الاكوان و الله انبتكم من الارض نباتا و تلك النباتات هي الاولاد المتولدة من بطن ام الارض و رحمها المركبة من الوجود و الماهية و الله يعلم ما في تلك القوابل و استعداداتها و ما فيها هل فيها ذكر يغلب فيه جهة الرب و هل فيها انثي يغلب فيها جهة النفس و هل هو سعيد ام شقي و هل جميل ام دميم و هكذا و ماتدري نفس ماذا تكسب غدا بعد ما تولد في ارض الامكان و منها و تكوّن اي ماذا يصنع من مبدء كونه الي منتهي اجله مما يصعده صاعدا الي ربه باقدام امتثالاته الكونية و مما يصعده الي ربه الشرعي باقدام امتثالات اوامره الشرعية و مما يبعده عنه باقدام مخالفته ربه حين سيره في الخلق و ماتدري نفس باي ارض تموت و ينتهي اجله و يصعد صاعدا من عرصة غاية بعده و سيره من الخلق الي الحق و اما ان الله عنده علم الساعة فذلك عند بلوغ الاشياء في منتهي صعودها الي منازلها و مراجعها و مَعاداتها التي هي مباديها [ص 84] كما بدأكم تعودون و هي في السير في الحق و القيمة الكبري و انكشاف جميع الدائرة و القوسين الصعودية و النزولية و الانتهاء الي العلة الغائية فهذه الآية جارية في جميع ما في بدء الايجاد و ختمه و القوس النزولية و القوس الصعودية و جميع هذا العلم مخصوص بالله عز و جل لايعلمه الا من اشهده الله خلق السموات سموات العلل و الارض ارض المعلولات و خلق انفس الكائنات بينهما من ساير الجزئيات لا غيره و هم قد علموا ذلك بعلم احاطة و عيان قال اميرالمؤمنين عليه السلام لقد علمت ما فوق الفردوس الاعلي و ما تحت الثري كل ذلك علم احاطة لا علم اخبار و قال انا محصي الخلايق و ان كثروا و محاسبهم و ان عظموا الخطبة ، و قال و لقد نظرت في الملكوت فماغاب عني شئ مما كان قبلي و لا شئ مما يأتي بعدي و في حديث طارق في صفة الامام و علم الضمير و يطلع علي الغيب و يعطي التصرف علي الاطلاق و فيه مطلع علي الغيوب ظاهره امر لايملك و باطنه غيب لايدرك و عن محمد بن سنان عن المفضل عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال يا مفضل من زعم ان الامام من آلمحمد يعزب عنه شئ من الامر المحتوم يعني مما كتب القلم علي اللوح فقد كفر بما انزل علي محمد و انا لنشهد اعمالكم و لايخفي علينا شئ من امركم و ان اعمالكم لتعرض علينا ، و قد مر في بيان شهادتهم ما فيه كفاية .
قال عليه السلام و جعل احدهما نفسه و الآخر روحه و لايقوم احدهما بغير صاحبه الي آخر .
اعلم ان النفس لغة تطلق علي معان منها الروح قال الله تعالي الله يتوفي الانفس اي الارواح و الدم و ذلك ما في الاخبار من ذي النفس السائلة اي الدم السائل و الجسد و عين الشئ و حقيقته و لذا يؤكد به و يقال رأيت الشئ نفسه و العظمة و العزة و الهمة و الانفة و الارادة فاذا كان المراد بقوله جعل احدهما نفسه محمدا صلي الله عليه و آله فالمراد بالنفس العين و الحقيقة فانه حقيقة الله المخلوقة و هي ذات الله العليا المدلول عليها في قوله يا من دل علي ذاته بذاته ، و النفس المحذرة منه في قوله و يحذركم الله نفسه اذا كان الكناية [ص 85] راجعة الي الله عز و جل فنفسه محمد صلي الله عليه و آله و هو نفس جميع الخلق التي من عرفها فقد عرف ربه و من جهلها جهل ربه و يمكن ان يكون بمعني العظمة و العزة فانه المخلوق من نور العظمة و الجلال كما عرفت و يمكن ان يكون بمعني الهمة فان الهمة اول العزم و قد تطلق علي العزم القوي فهو اول ما همّ الله بايجاد الخلق فاول عزم الله في عالم الامر قبل ان يتعلق و العزم القوي و آخره بعد ما تعلق فهو ارادة الله قبل ان تتعلق بالمرادات يقال في العربية هممت بالشئ اذا اردته و لماتفعل فافهم و يمكن ان يؤخذ بمعني الانفة و ذلك ان وجوده المبارك لما كان علة العلل لايجري عليها ما هي اجرته و لايعود فيها ما هي ابدته هو آية قدس الله و تنزه الله عن مشاكلة المخلوقات و سبحانه جل و عز و قد روي ان سبحان الله انفة لله و هو تنزيه و تعظيم جلال الله و تنزيهه عما قال فيه كل مشرك ، فهو صلي الله عليه و آله نفسه اي سبحانه و تسبيحه و تقديسه و ان اريد به علي عليه السلام فهو نفس الله لانه نفس محمد صلي الله عليه و آله و ما يضاف اليه فهو مضاف اليه فانه جهة اضافته اذ هي غيره فلاجل ذلك قوله قول الله و حكمه حكم الله و طاعته طاعة الله و نفسه نفس الله و لذا تقرأ في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن ، و ذلك لانه نفس محمد (ص) بالاتفاق و لقوله و انفسنا و انفسكم فمن هو نفس محمد و عينه هو نفس الله و عينه فانه لا اعتبار له لنفسه من نفسه و انما هو محض جهة اضافة الله في الجل و القل و يمكن ان يؤخذ بمعني الروح فهو عليه السلام روح محمد صلي الله عليه و آله اما لاجل ان محمدا صلي الله عليه و آله بمنزلة العقل المعنوي و هو بمنزلة الروح الصوري و اما بملاحظة باطن الولاية و ظاهر النبوة فهو بالنسبة اليه كالروح في الجسد و يمكن ان يؤخذ بمعني الجسد علي ان عليا عليه السلام ظاهر النبي و ظاهره ظاهر الله عز و جل بالجملة الظاهر من العبارة ان المراد من الفقرة الاولي هو محمد صلي الله عليه و آله و المراد به حقيقته الظاهرة في عالم الخلق التي من عرفها فقد عرف ربه و هي التي هي اعلي من الروح و اشرف فقد جعل [ص 86] محمدا نفسه و هي المشار اليها بقوله و يحذركم الله نفسه يعني يحذركم الله محمدا ان تصعدوه و تجعلوه ربا قديما مستقلا فتغلوا في دينكم و تكفروا و ان تنزلوا محمدا صلي الله عليه و آله الي رتبة الرعية فتجعلوه كاحد الرعية بانكار فضائله فَتَقْلُوه فتكفروا بل اقروا له بما خصه الله به من الفضائل و المقامات كما امروكم نزلونا عن الربوبية فقولوا في فضلنا ما شئتم ، و لما جعله الله اول ما خلق باجماع المسلمين الفاتح لما استقبل و الخاتم لما سبق فهو الوجود العام الشامل الذي خلقه الله قبل جميع الخلق و اليه مرد جميع الخلق و لذا قال علي عليه السلام في صفة الامام انه صراط الحق و عصمته و مبدء الوجود و غايته و قدرة الرب و مشيته و ام الكتاب و خاتمته و قال فهم سر الله المخزون و اولياؤه المقربون و امره بين الكاف و النون لا بل هم الكاف و النون الي الله يدعون و عنه يقولون و بامره يعملون و قال انهم قطب الوجود و سماء الجود الخبر ، فهو صلي الله عليه و آله الوجود العام الشامل السابق فانه اول ما خلق الله فانه الماء المشار اليه بقوله عليه السلام اول ما خلق الله الماء ، و قد قال الله عز و جل و جعلنا من الماء كل شئ حي و ذلك الماء هو الوجود الاول الذي خلق اول كل شئ ثم خلق منه كل شئ فذلك الوجود قد تبرأ من جميع كثرات الشهود و هو ظهور وحدة المعبود و وصف الله نفسه لخلقه فمن عرف قدسه عن كل نسبة و اضافة و اسم و رسم و عبارة و اشارة و كثرة و تعديل و تحديد عرف وصف الله و تعرفه و عرف الله فلاجل ذلك صار نفس الله و عين الله و حقيقته التي وصف بها نفسه لعباده ليعرفوه به فمن عرفه عرف الله و من جهله جهل الله و كذا الظاهر ان المراد من الفقرة الثانية هو علي عليه السلام فهو روح الله اذ به حيوة جميع الكائنات كونا و ولايته هي حيوة كل سعيد شرعا قال الله عز من قائل استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و هو الولاية كونا و شرعا فانه مادعا الا اليه و قال اومن كان ميتا فاحييناه اي ضالّا فهديناه فولاية علي عليه السلام هي الحيوة الشرعية فهو روح الكل في الكون و الشرع و لاختصاصه بالله صار روح الله و اذا صار عيسي روح الله باحيائه الموتي و الطير و مؤمني قومه [ص 87] فكيف لايكون علي عليه السلام روح الله باحيائه الكاينات و جميع المؤمنين من الاولين و الآخرين و صار روح الله لاختصاصه بالله عز و جل كما كان البيت العتيق عن تملك الغير بيت الله و اما قوله عليه السلام و لايقوم احدهما بغير صاحبه ، فاعلم ان الله سبحانه هو الواحد الاحد و لا احد سواه و ان جميع ما سوي ذاته الاحدية المقدسة مثني و مركب و متعدد الاجزاء و ذلك ان جميع ما سواه ممكن و الامكان مقدم عليه و الا لكانت الاشياء واجبة فاذا كان الامكان مقدما علي الكائن كان الكائن مسبوقا بالعدم اذ الامكان عدم الكون الا انه صلوحه و قوته و هذه القوة لاتخرج بنفسها الي عرصة الفعلية بنفسها لان المعدوم لايكمل نفسه و لايوجدها فهو محتاج الي موجود خارج عنه يشرق عليه بفضل وجوده حتي يوجد تلك القوة يعني حتي يتصور ذلك الوجود المشرق بصورة ذلك الصلوح و الامكان كما تري في المرآة انها لا صورة فيها الا انها صالحة لقبول كل صورة ترد عليها و تلك الصورة اذا اشرقت عليها تتصور بصورتها علي حسب قابليتها فان كانت مستقيمة و لا لون لها و لا هيأة تظهر تلك الصورة علي حسب استقامتها و الا فعلي حسب اعوجاجها و الوانها فالصورة الظاهرة في المرآة مركبة من شيئين من صورة جائية من قبل الشاخص هي هنا المادة و من صورة من الزجاجة و بذلك تركب جميع الممكنات من مادة و صورة مادته من شبح الموجد و صورته من صورة القابلية و هيأتها و لعلك عرفت ان جميع المخلوقات مسبوق بالامكان الذي هو العدم و هو العدم الذي كان يقال كل حادث مسبوق بالعدم و هنا مسألة غامضة و هي ان كل ممكن مسبوق بالامكان و الامكان عدم الاشياء فاي وجود اشرق علي الامكان حتي انعش صرعي القوابل و اَحْيٰي امواتها اما ذات الله عز و جل فهي اجل من ان يكون لها شبح و اشراق و ان كان قد يقال بعض هذه الالفاظ بالنسبة الي الذات و لكنها علي نحو الاستعارة و التعبير اللفظي و كثير مثل هذه التعبيرات في هذا الباب و الله جل و عز اجل من ان يشرق علي شئ او يصدر منه شئ او يقابل شيئا اذ مجموع ذلك صفات الحوادث الممتنعة من الازل الممتنع من الحدث فذلك الوجود [ص 88] الذي جميع ما في الامكان يوجد باشراقه هو الوجود المطلق القائم بنفسه لغيره به و هو الذي عبر عنه ابوعبدالله عليه السلام بقوله خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فجميع الاشياء اشباح المشية المشرقة علي الارض الجرز و مركبة من اشراق المشية التي هي الوجود و من صفة ذلك الامكان الذي هو العدم اي نفي الوجود و ذلك سر تركب جميع الموجودات من وجود و ماهية و مادة و صورة و جهة رب و جهة نفس و ماء و طين و روح و جسم و عال و دان و غيب و شهادة و باطن و ظاهر و هكذا و ان قلت فما بال المشية هل هي مركبة ام واحدة فان قلت واحدة احدية فلا احد الا الله و لايعقل تعدد الآحاد و ان قلت مركبة فمن المشرق علي امكانها بالوجود و لا سابق عليها قلت هذا هو السر المنمنم بيّنه ابوعبدالله عليه السلام بقوله خلق الله المشية بنفسها ، فوجب ان يكون المشية قوّتها مساوقة فعليتها و فعليتها مصاقعة قوتها و تكونا في غاية الاتحاد الخلقي الذي ليس شئ ابسط منه بحيث يكون اتحادها فوق مشاعر جميع الكاينات و لاتعقل فيها التعدد بوجه من الوجوه فهما علي حذو قول الشاعر :
رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر
فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر
و ذلك ان الواجب ان تكون مخلوقةً بنفسها و المخلوق بنفسه لايعقل ان يكون عليه سبق حال عدم لانه ان كان معدوماً حيناً مّا امتنع بعد خروجه من العدم الي الوجود و كذلك لايعقل في امداده الواصلة اليه العدم لان الشئ لايقدر ان يحدث مددا ذاتيا لذاته و فعله لايجري علي ذاته بل و اعلي من ذاته فالواجب ان يكون جميع قوته في الفعلية بحيث لايزيد و لاينقص فاذا هي لا اول لها و لا آخر و لا زوال و لا انتقال لا غاية لها و لا نهاية الا انها ليست لنفسها بل لغيرها بها فيها و ذلك رمز ليس فوقها رمز بالجملة هذا الوجود الثابت الباقي الدائم السرمدي هو الوجود الكامل الذي من فضل وجوده خلق كل موجود و من شعاع نوره كينونة كل مشهود و هو الموجود الاول الذي لايسبقه [ص 89] سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع ظاهره امر لايملك و باطنه غيب لايدرك لا قوام لفعليته الا بقوته و لا لقوته الا بفعليته لميسبق احديٰهما صاحبتها لان سبق فعليته يستلزم ان لاتكون من عرصة الامكان و سبق قوته يستلزم ان لاتكون مخلوقة بفعل الله فلولا فعليته لميخلق قوته و لولا قوته لميخلق فعليته فعليته نفس الله القائمة فيه بالسنن و قوته روح الله الذي به حيوة كل شئ و ذلك ما روي في القدسي لولاك لماخلقت الافلاك و لولا علي لماخلقتك ، و هذه الرواية منقولة عن المجلسي رحمه الله فالمراد بالافلاك افلاك الولاية فلولا محمد لماخلق الله عليا و لولا علي لماخلق الله محمدا لان عليا نفس محمد صلي الله عليه و آله بالاتفاق و لولا نفس الشئ لماكان الشئ و لولا الشئ لماكان نفسه و ذلك قول ابيعبدالله عليه السلام يا مفضل ان الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور و القدرة و العزة تمام الفعل و متي لمتكن كليات الحكمة تامة في بطونها تامة في ظهورها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و قال ايضا ان الحكمة اظهار ما في الكيان الي العيان و لو لميظهر ما علمه من غامض علمه الي وجود معاينة بعضها لبعض لكان ناقصا و الحكمة غير تامة لان تمام القوة الفعل و تمام العلم المعلوم و تمام الكون المكون الحديث ، فكان الامر في عرصة السرمد هكذا فكانا بسيطين لا قوام لاحدهما بدون الآخر و هما من نور واحد و لما تجلي ذلك الموجود في عرصة الفصل و الشهود امتاز احدهما عن الآخر فكان محمد فؤاد الكل و علي عقل الكل و محمد عقل الكل و علي روح الكل و محمد روح الكل و علي نفس الكل و محمد نفس الكل و علي مادة الكل و محمد مادة الكل و ابوهم و علي صورة الكل و امهم و هكذا محمد روح الكل و علي جسم الكل و محمد العرش و علي الكرسي و محمد الكرسي و علي الافلاك و محمد الافلاك و علي الارض و في كل عالم لا قوام لاحدهما الا بالآخر و هم علي حسب اختلاف المصالح و القوابل يعبرون لكل احد عن مقام بما شاءوا كيف شاءوا و كان الامر كذلك الي ان جاءوا في مقام الشخصية الدنياوية فظهر محمد نبيا و علي وليا فواخاه و جعله وزيره [ص 90] و ترجمانه و خليفته و وليه و كان ناصره و معينه و موازره و الدافع عنه لايقوم احدهما الا بالآخر قال صلي الله عليه و آله في الحديث المتفق عليه علي مني و انا منه ، و هو باطن قوله تعالي و يقطعون ما امر الله به ان يوصل و قوله يريدون ان يفرقوا بين الله و رسله فافهم و اكتف به .
قال عليه السلام ظاهرهما بشرية و باطنهما لاهوتية ظهروا للخلق علي هياكل الناسوتية حتي يطيقوا رؤيتهما و هو قوله تعالي و للبسنا عليهم ما يلبسون الي آخر .
اعلم ان البشر الانسان ذكراً او انثي واحداً او جمعاً لكن العرب ثنوه و لميجمعوه و في التنزيل قالوا لبشرين مثلنا و قد يجمع علي ابشار كسبب و اسباب و ظاهر جلد الانسان قيل و غيره جمع بشرة كقصب و قصبة جمع الجمع ابشار كسبب و اسباب كذا في المعيار و اللاهوت قيل انه مشتق من لاه و وزنه فعلوت مثل رحموت و رهبوت و قيل انه مركب من كلمتين لا و هو و التاء للمبالغة و معناه ليس فيه هوية و الناسوت مبالغة ناس من ناس ينوس بمعني تحرك قيل فيطلق علي الانس و الجن كما قال تعالي في صدور الناس من الجنة و الناس و الظاهر بعده و انه تفسير الوسواس لا الناس و المراد بقوله ظاهرهما بشرية يعني انهما ظهرا في الدنيا بالانسانية و مباشرة ساير الاناسي و لكن باطنهما لاهوتية يعني من عرصة اللاهوت و هي فوق الجبروت و هي عرصة الحقيقة الكلية التي لايعتبر فيها الهوية فان الهاء لتثبيت الثابت و الواو اشارة الي الغايب عن درك الحواس و الحقيقة متعالية عن الغيبة و الحضور منزهة عن السبحات بلا اشارة فلاجل ذلك صار عالمها عالم اللاهوت فباطنهما مقام حقيقة الكل التي من عرفها عرف ربه ظهروا للخلق علي هياكل الناسوتية حتي يقول كل واحد انا بشر مثلكم و يتمكنوا من رؤيتهم و معاشرتهم و مساورتهم و السماع منهم و الاختلاف اليهم و التعلم منهم و الا لميتمكنوا من رؤيتهم و لمينتفعوا منهم فالخلق محتاجون الي تنزلهم لا هم سلام الله عليهم و لذا قال الله تعالي قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا و هو قول علي عليه السلام في حديث طارق [ص 91] و الامام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي و امر الهي و روح قدسي و مقام علي و نور جلي و سر خفي فهو ملكي الذات الهي الصفات زايد الحسنات عالم بالمغيبات حظا من رب العالمين و ميراثا من الصادق الامين و هذا كله لآلمحمد لايشاركهم فيه مشارك الخبر ، و اعلم ان الاداني لبعد مراتبهم مادة و صورة عن المبدء عاجزون عن درك الاعالي و الاطلاع علي اراداتهم و امرهم و نهيهم كونا و شرعا الا ان يظهر العالي في رتبة الاداني بلباسهم حتي يتمكنوا من رؤيته و الاستماع منه و الانفعال بفعله و الاداني المنحرفة الجزئية انقص من ان يتحملوا ظهور العالي الكلي الجامع و اضيق من ان يسعوا جميع تجليات العالي الاتري ان العين لاتليق بظهور سمع الروح العالي و الاذن لاتليق بظهور بصر الروح العالي و هكذا اللهم الا ان يتفق في رتبة الاداني دان معتدل في الجهات متوسط يكون الطف و اعدل و اصفي من الكل يكون بريئا من جميع تعينات الاداني حتي لايأبي عن تحمل ظهور من ظهورات العالي كالقلب الواقع في الوسط و المراد به الروح البخاري الحاصل من صفايا جميع اخلاط البدن و يكون معتدلا بينها فهو يمكن ان يصير عرش استواء العالي و كرسي استيلائه و بيت مظهره و مجلاه فيظهر عليه نور الروح الملكوتي و امره و نهيه و يكون خليفته في عباده و القائم مقامه في بلاده و ترجمان مراده و لسان تعبيره فيعبر للاعضاء و الجوارح و يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل عضو رزقه فيعطي العين البصر و الاذن السمع و الانف الشم و اللسان الذوق و الاعضاء اللمس و اليد البطش و الرجل السعي و هكذا و هو بنفسه بصير بكله سميع بكله شام بكله ذائق بكله لامس بكله باطش بكله ساع بكله و هكذا فهو آية الروح الملكوتية و خليفته و لولاه لماكان للاعضاء خبر عن الروح و لا فيها منه اثر و من هذا اعتبر و تبصر و محمد و آلمحمد عليهم السلام هم قلب العالم و اعدل اجزائه و قطبه و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام للدهقان الماروّك من عين التوفيق قال بلي يا اميرالمؤمنين فقال انا و صاحبي لا شرقي و لا غربي نحن ناشئة القطب و اعلام الفلك الخبر ، و قال في حديث و هل يعرف او يوصف [ص 92] او يعلم او يفهم او يدرك او يملك شأن من هو نقطة الكائنات و قطب الدايرات و سر الممكنات الخبر ، و قال فيه فهم رأس دائرة الايمان و قطب الوجود و سماء الجود و شرف الموجود الخبر ، فهم قطب العالم و قلبه و اجسامهم يساوي في اللطافة العرش و في الاعتدال اعدل منه و اجمع فلاجل ذلك ظهر حيث عليتهم علي ابدانهم الظاهرة و لايطيقه غيرها ابدا ابدا و لايتحملها الاتري ان موسي علي نبينا و آله و عليه السلام لما تجلي نور احد من شيعتهم من الخلق الاول الذين جعلهم الله خلف العرش عليه ماطاق و ماثبت و خر صعقا و مات من معه و اندك الجبل فاذ لميطق موسي نور احد من شيعتهم ان يظهر له فكيف يطيق احد من الاناسي نور حيث وحدانيتهم و آئيتهم و عليتهم و لولا تلك الابدان لميظهر ذلك النور و لولا ظهور ذلك لميوجد شئ من الاداني و لميهتد واحد منهم فلاجل ذلك اوجب الله في الحكمة وجودهم في عالم الاداني فمن حيث هم بشر مثلنا و لكن الفرق بينهم و بيننا ما اوحي اليهم من نور الوحدة الالهية و سر المعبودية الذي لايطيقه احد سواهم و اما قوله عليه السلام و هو قوله تعالي و للبسنا عليهم ما يلبسون هو استشهاد بقوله تعالي حيث يقول و قالوا لولاانزل عليه ملك و لو انزلناه ملكا لقضي الامر ثم لاينظرون و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون فالكفار اقترحوا اقتراحين احدهما لولاكان معه ملك نشاهده و يصدقه علي نبوته و ثانيهما هلابعث الله ملكا رسولا الينا يهون علينا اتباعه فاجاب الله عن الاقتراحين فقال ان اعينكم اعين بشرية خلقت من غلائظ العناصر و غلب عليها التراب و هي لاتري الا ما كان من جنسها لان الآلات تشير الي نظايرها فلايمكن رؤيتكم للملك الا باَحَدِ اَمْرَيْنِ اما باصعادكم الي رتبتهم و اما بانزالهم الي رتبتكم فان اصعدناكم الي رتبة الملائكة قضي الامر و متم و لا بد من خلعكم ابدانكم التي هي لايمكن ان تري الملك لعدم المجانسة و نظركم باعين ارواحكم و في ذلك موتكم كما تدركون الملائكة حين غطّيتم اعينكم عن الدنيا عند الموت و ان انزلناهم الي عالم البشرية و الجسمانية و جاءوا اليكم كاحدكم [ص 93] اشتبه الامر عليكم و اختلط هل هم بشر مثلكم ام غيرهم و مانفعكم اجابتنا اقتراحكم و ان فعلنا ذلك كنا نحن اوقعناكم في الاختلاط و الاشتباه و اضللناكم و نحن لانلبس علي عبيدنا و امائنا الذين نريد هدايتهم و نحن لانغري بالباطل و اما قوله ما يلبسون فالظاهر انه مفعول مطلق اي كما تلبسون الحق علي الناس و علي اتباعكم و الآخذين عنكم و تختارون هذه الرذيلة علي النصيحة لعباد الله و الهداية و القول بالحق و صرنا نحن مثلكم في هذه الرذيلة و اتصفنا بصفتكم فاخترنا للرسالة بشرا و اجرينا علي يده افعالنا لتعلموا انه من لدنا و يتم الحجة عليكم بالجملة الاستشهاد بالآية علي ان الخلق كانوا عاجزين عن درك انوار محمد و آله صلي الله عليه و عليهم لتشعشع انوارهم في العالم الاعلي و تلألؤ اشعتهم في العالم الاعلي و ماكان يمكن معاشرتهم و مساورتهم و مكالمتهم و استهداؤهم بهم فانزلنا اليهم ذكرا رسولا من العالم الاعلي و صورناه بالصورة الناسوتية حتي يتمكنوا من الاهتداء به و ذلك لازم في الحكمة و ليس ذلك تضليلاً و تخليطا فان محمدا انسان الا (ظ) انه اشرفهم و اكرمهم علي الله عز و جل ولد من اب و ام يأكل الطعام و يشرب الشراب و ينكح النساء و يصح و يمرض و ينام و يستيقظ كساير افراد الانسان الا انه كان اشرفهم و اسبقهم و الطفهم و اعدلهم لايمكن ساير الخلق ان يستأنسوا به الا ان ينزل اليهم بلباسهم و يخرج الي الدنيا كخروجهم و يموت كموتهم و موضع الاستشهاد بالآية ان رؤية الكثيف اللطيف لايمكن الا باحد قسمين و الواقع هنا انزال العالي كما قال و للبسنا عليهم ما يلبسون فهو شاهد لقوله ظهروا للخلق علي هياكل الناسوتية حتي يطيقوا رؤيتهما ، و يمكن ان يقال بل هو الاولي ان اللبس لبسان لبس تضليل و لبس تمكين و المذموم هو لبس التضليل و هو ان يصرف اللابس الانسان من الحق الي الباطل و اما اذا كان اللبس لتمكين الشخص من الحق و ابعاده عن الباطل فلايضر بل هو ممدوح الاتري ان جبرئيل كان يظهر بصورة دحية و ماكان لبس تضليل و كان يظهر بصورة الاعرابي و ماكان لبس تضليل و ظهرت الملائكة لابراهيم و لوط بصورة [ص 94] الضيفان و ماكان لبس تضليل و بصورة هاروت و ماروت و ماكان لبس تضليل و هكذا ظهرت الملائكة في مواضع كثيرة بالصورة الجسمانية و لميك لبس تضليل و ان كان لبسا و علي هذا يصير قوله ما يلبسون يعني كما يلبسون هم علي رعيتهم و من هو دونهم و اطفالهم و اهاليهم عند الحاجة الي اللبس و لولا ذلك اللبس لفسد عليهم امرهم و هلكوا عن آخرهم فنحن ايضا في حكمتنا يجب ان نلبس عليهم الامر فاذا لبسنا لايدرون اهو بشر ام ملك و الآن ايضا لاتدرون ان محمدا من هو فلعله ملك من الملائكة العالين الذين خلقهم الله في عرشه فانزله الله اليكم لهدايتكم و هو الحق فانه اول ما خلق الله و من شعاعه خلق كل ملك مقرب و كل نبي مرسل و كل انسان و جن و حيوان و نبات و جماد و سماء و ارض و عالم و هو اعظم من ذلك كله انزله اليكم فتبين ان اقتراحكم باطل و انكم لاتؤمنون و علي هذا يصير الاستشهاد تاما فافهم .
قال عليه السلام فهما مقام رب العالمين و حجابا لخالق الخلائق اجمعين و في نسخة صحيحة و حجاب خالق الخلائق اجمعين و الاولي فيها غلط الي آخر .
اعلم ان المقام محل القيام و القيام قيامان ظاهري و هو الانتصاب المعروف و هو لايليق بالله و قيام معنوي و هو القيام بالامر و يطلق القيام علي الحفظ و البقاء و الكفاية فالقائم هو الحافظ الباقي الكافي القائم بالامر و هذه المعاني يليق ان تنسب الي الله تعالي فهو قيوم و هو مبالغة القائم اي شديد الحفظ و كثير البقاء و الكفاية و شديد القيام بالامور فهما صلوات الله عليهما مقام الله افرد الخبر لاتحادهما او المراد ان كل واحد منهما مقام الله اي محل بروز قيومية الله و قيامه بامر الخلايق اجمعين و حفظه لهم و بقائه و دوامه و كفاية امر الكائنات فجميع ذلك يظهر فيهم و منهم و بهم و عليهم في الكون و الشرع و ذلك انهم صلوات الله عليهم محال مشية الله و اوكار ارادته و كذلك هم مجالي اسماء الله و صفاته و انواره فيهم تتجلي و منهم تظهر و تنتشر و هذا هو المشار اليه في دعاء رجب اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك المأمونون علي سرك المستبشرون بامرك الواصفون [ص 95] لقدرتك المعلنون لعظمتك اسألك بما نطق فيهم من مشيتك فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك اعضاد و اشهاد و مناة و اذواد و حفظة و رواد فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت فبذلك اسألك و بمواقع العز من رحمتك و بمقاماتك و علاماتك الدعاء ، ذكرنا اكثره لاشتماله علي جلايل الفضائل و ارتباط بعضها ببعض و موضع الاستشهاد قوله و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان الي آخر الفقرة اعلم ان مقام المقامية اعلي المقامات و اسنيها و ارفعها و ازكيها و اجمعها و ازهاها فاعلاه مقام الهوية التي هي اول مقام التركيب الغيبي فالهاء لتثبيت الثابت و الواو اشارة الي الغائب عن درك الحواس و الهاء دليل الثابت الدائم القائم و الواو مقامه و مظهره المشير الي الغائب و لذلك تري ان الهاء هي ما به اشتراك الضماير في هو هما هم هي هما هن و الواو ما به الامتياز فالواو للغائب و ما للغائبين و الميم للغائبين و الياء للغائبة و ما للغائبتين و النون للغائبات و الهاء فيهن جميعا لتثبيت الثابت الظاهر فيهن جميعا بالجملة الواو حرف الانية الغيبية الدالة علي مبادي الحدود التي هي مظهر و مقام لما يدل عليه الهاء من ذات ثابتة دائمة قائمة و هي اول المقامات ليس قبلها مقام و فوقها مقام الاحدية الذاتية و هذا المقام هو مقام الضمير المستتر في قولك زيد ضارب الراجع الي جهة فاعلية زيد الظاهرة في الضارب اذ هي الذات الظاهرة في الضرب و هي الضاربة دون ذات زيد اذ لو كان ذات زيد هي الضاربة و كانت الضاربية عينها لفنيت بفنائها و وجدت بوجودها و اذ وجدنا الذات هي هي في حال اتصافها بكل صفة صفة علمنا ان الصفات ليست بذاتية لذات زيد و تفسخت دونها النعوت و انما جميعها راجعة الي جهة ظهور الذات بها ففي الضارب ظهور من الذات تجلي في مرآة الضرب و انصبغ بصبغ الضرب فوجد الضارب و في الناصر ظهور من الذات تجلي في مرآة النصر فانصبغ في النصر فتولد منهما الناصر و هكذا كما ان شبح [ص 96] الشمس يقع في مرايا مختلفة و يتشكل في كل مرآة بحسبها و الشمس شمس علي ما هي عليه و ان تدقق نظرك و قلت ان الشمس جسم مركب له مادة و صورة و الشبح المنفصل ينفصل من صورته و شبحه المتصل و ذات الله جل جلاله احدية لا شبح لها فكيف ينفصل عنها شبح و يقع في مرايا قوابل المعاني قلت نعم ان الذات ليست بمركبة و لاينفصل عنها شبح البتة و لكن الله يوجد ذلك الظهور بذلك الظهور بلا كيف و لا اشارة و لا حركة و لا كلام فذلك الظهور ذات ظاهرة قائمة بنفسها لغيرها بها و ذلك رمز مبهم و سر منمنم قد اشرنا اليه سابقا فذلك الظهور يتجلي في مرايا المعاني المشار اليها في الدعاء المذكور فانت تدعو الله بيا رحيم و المعني الذي ظهر الذات به الرحمة و لذا يقال انها من اسماء المعاني و قسموا الاسم بقسمين اسم الذات و هو كزيد و اسم المعني كالقيام مثلا فالرحمة من المعاني اي من مظاهر الذات و سمي المعني بالمعني لانه يظهر من الذات قال عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم ، فظهور الذات يتجلي في معني الرحمة فينصبغ بصبغها فيتولد اسم الرحيم و يتجلي في المغفرة فينصبغ بصبغها و يتولد منهما الغافر و هكذا فذلك الظهور المنصبغ هو جهة فاعلية الذات لذلك المعني فاذا قلت زيد ضارب فضارب صفة تلك الجهة و دليل لها و اسم لها و تلك الجهة ليست مستقلة تري نفسها و لكنها مضمحلة تحت الذات و ليست الا لها فما لها و اليها و بها للذات و الي الذات و بالذات فبذلك تقول زيد ضارب يعني بجهة ظهوره في مرآة الضرب و زيد ناصر يعني بجهة ظهوره في النصر و الا فصرف الذات منزهة عن الصفات مبراة عن النعوت فتلك الجهة هي مقام زيد و مظهر قيومته علي الضرب و النصر ثم اعلم ان لزيد ظهورين ظهور كلي يجمع جميع ظهوراته كائنا ما كان بحيث لايغادر كمالا من كمالاته و هو المسمي بزيد حقيقة فان الذات البحت البات مبراة عن الاسماء و الصفات لا اسم لها و لا رسم و ظهور جزئي في الضرب و النصر و الفتح و العلم و غير ذلك و هو المسمي بالضارب و الناصر و الفاتح و العالم و هذه الظهورات الجزئية ظهورات ذلك الظهور الكلي و آثاره و لذلك يوصف [ص 97] زيد بالضارب و الناصر و لايوصف الضارب و الناصر به البتة فزيد اي المسمي بزيد اي الظهور الكلي هو المقام الاعلي الاعلي و اما الظهورات الجزئية فهي المقامات الدنيا و هي التي لا تعطيل لها في كل مكان يعني ان الظهور الكلي متجل في جميعها و جميعها محلي بتلك الحلية التي هي الظهور الاعلي يعرف زيدا بها اهل كل رتبة ما يساوقها و تجلي زيد لهم به و في جميع المراتب لا فرق بين زيد و بينها اي لا فرق بين زيد في احداثه الضرب و بين الضارب و في احداثه النصر بينه و بين الناصر و في احداثه الفتح بينه و بين الفاتح و فرق بينه و بين الضارب في احداثه الفتح فان الضارب لايحدث الفتح و ذلك من نقصان الضارب و محدوديته و من اطلاق زيد عن التعينات و اما زيد اي الظهور الكلي فلا فرق بينه و بين الذات الا ان الذات لنفسه و الظهور الكلي لغيره فافهم ما اقول لك فانه من الاسرار الخفية التي يجريه الله علي قلمي لكي يتنبه به من كتب له ثم اعلم ان بين الظهور الكلي الاعلي و بين الظهورات الجزئية برزخ و ظهور هو مبدء الجزئيات و منتهي ذلك الكلي فليس في كليته بتوحد الاعلي و لا بتكثر الادني فذلك هو اسم لزيد نعبر عنه الآن بالفاعل المطلق او الصانع المطلق و هذا الاسم مهيمن علي جميع تلك الجزئيات فان الضرب صنع و النصر صنع و الفتح صنع و هكذا و زيد بهذا الاسم يستولي علي ملك تلك الصفات و يحوزها قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم و قال في الارض آيات للموقنين و في انفسكم فلاترد لك فوق ذلك بيانا فان للحيطان آذانا فالمقام الاول الذي اشرنا اليه كائنا ما كان بالغا ما بلغ غير الاحد و كلما هو غير الاحد مثني مجزأ فالاعلي منهما محمد و الادني منهما علي فان عليا نفس محمد فهما مقام رب العالمين فان شئت قل كل واحد لان محمدا هو علي و عليا هو محمد و يفعل كل واحد منهما ما يفعل الآخر و هما في المقام الاعلي في غاية المشاكلة الاتحادية و ان شئت قل هما معاً مقام الله لانهما في غاية البساطة الامكانية لا وجود في الخارج لكل واحد الا بالآخر و لا قوام لكل واحد الا بالآخر فهما معاً مقام رب العالمين و اما قوله حجاب [ص 98] خالق الخلائق اجمعين ، فاعلم ان الحجاب في الظاهر في المعيار جسم حائل بين جسدين و قد استعمل للمعاني فقيل العجز حجاب بين الانسان و مراده و المعصية حجاب بين العبد و ربه و الحجاب الستر و قيل ما احتجب به لانه يمنع المشاهدة اعلم ان اصل الحجاب من الحجب و هو الستر و المنع يقال حجَبَهُ اذا ستره او منعه و الحجاب ككتاب اسم الساتر و المانع و يقال لمانع الدخول علي السلطان الحاجب و يقال لشعاع الشمس المانع من النظر اليها الحجاب فهم صلوات الله عليهم حجاب الله لانهم خلقوا من شعاع نور الله و ذلك الشعاع من شدة ظهوره و عظم نوره و قدس وجوده و نزاهة كينونته طرد الاغيار فلا احد من الخلق يقدر من النظر اليهم فضلا الي ربهم في الدعاء اللهم اني اسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه يا من تسربل بالجلال و العظمة و اشتهر بالتجبر في قدسه الي ان قال و اسألك بالاسماء التي تجليت بها للكليم علي الجبل العظيم فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة خرت الجبال متدكدكة لعظمتك و جلالك و هيبتك و خوفا من سطوتك راهبة منك و في الخبر و هو المحتجب و نحن حجبه و قال الباقر عليه السلام في حديث خاطبهم الله من اجلكم ابتدأت خلق ما خلقت فانتم خيار خلقي و احبائي و كلماتي و اسمائي الحسني و اسبابي و آياتي الكبري و حجتي فيما بيني و بين خلقي فخلقتكم من نور عظمتي و احتجب بكم عمن سواكم من خلقي و جعلتكم استقبل بكم و اسأل بكم و كل شئ هالك الا وجهي و انتم وجهي لاتبيدون و لاتهلكون و لايهلك و لايبيد من توالاكم و من استقبلني بغيركم فقد ضل و هوي الخبر ، اعلم ان الله جل جلاله خلق كل شئ من خلقه في حده و مقامه هو فوق مقامه معدوم و دون وجوده مفقود و هو محصور بين الحدين لايستطيع احد التجاوز عن حده و مقامه و هو تأويل قوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون فاعلي اذكار كل شئ يمنعه من الصعود و التجاوز عنه لايستطيع احد ان يتجاوز اعلي اذكاره فهو حجاب العالي المرخي دونه بينه و بين العالي لايستطيع الداني رفعه و التجاوز عنه و هو المشار [ص 99] اليه في فقرة الدعاء فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة خرت الجبال متدكدكة لعظمتك و جلالك و هيبتك ، و المراد بالحجب حجاب فؤاد موسي و حقيقته فانه الملك الكروبي الذي تجلي لموسي و هو من الخلق الاول من خلف العرش و هو من شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام فلما بدا شعاع نور الحجب اي شعاع نور فؤاد موسي من بهاء العظمة و ذلك النور هو بهاء العظمة و ذلك الحجاب هو العظمة و من بيانية و يمكن ان يراد بالحجب آلمحمد عليهم السلام لانهم اعلي اذكار الخلق جميعا لايتجاوزه خلق من الخلايق كما في الزيارة لايلحقه لاحق و لايفوقه فايق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع ، فحيث لايتجاوزهم خلق فهم ايضا حجاب الله الذي يمنع ما دونه ان يتجاوزه و نور الحجب هو علي هذا حقيقة موسي المخلوقة من شعاعهم فلما بدا شعاع نور الحجب و شعاع الحقيقة ما وقع علي جسد موسي و الجبل من بهاء العظمة خرت الجبال جبل طور و جبال جبلات بنياسرائيل و جبل جبلة موسي متدكدكة لعظمتك و جلالك و هيبتك الدعاء ، هذا علي معني المانع فهم حجب الله و حجاب الله يطردون جميع الحوادث من الذوات و الصفات و الافعال و المعلولات و العلل و الخلق و الامر ان يصعد عن حدهم و مقامهم و يصل الي خالق الخلق و كذلك هم الستر المسدول علي وجه الخلائق فلا احد يقدر علي كشفه و رفعه و كونهم سترا لاجل كسر سورة نور الاحدية بالكثرة الخلقية التي فيهم حتي يقدر بُنٰي الخلق علي تحمل اعباء مشاهدة انوار التوحيد و اشعة التفريد و لولا هذا الستر المرخي لاحرق شعاع نور التفريد جميع الخلق في الخبر ان لله تعالي سبعين الف حجاب من نور و ظلمة لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ، و تلك السبعون الف حجاب هي مقاماتهم قبل ان يخلق الله الخلق و هي من نور الوجود و ظلمة الماهية و كان سبعين فانه في مقام الكاف و النون قال علي عليه السلام في صفة الامام و امره بين الكاف و النون بل هم الكاف و النون ، و صار الفاً لان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون فهم حجب الله السبعون الف لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما [ص 100] انتهي اليه بصره من خلقه سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن الحجب فقال ( اول خ ) الحجب سبعة غلظ كل حجاب منها مسيرة خمسمائة عام و بين كل حجابين مسيرة خمسمائة عام و الحجاب الثاني سبعون حجابا بين كل حجابين مسيرة خمسمائة و ( طوله خمسمائة عام خ ) حجبة كل حجاب سبعون الف ملك قوة كل ملك منهم قوة الثقلين منها ظلمة و منها نور و منها نار و منها دخان و منها سحاب و منها برق ( و منها مطر خ ) و منها رعد و منها ضوء و منها رمل و منها جبل و منها عجاج و منها ماء و منها انهار و هي حجب مختلفة غلظ كل حجاب مسيرة سبعين الف عام ثم سرادقات الجلال و هي سبعون ( ستون خل ) سرادقا في كل سرادق سبعون الف ملك بين كل سرادق و سرادق مسيرة خمسمائة عام ثم سرادق العز ثم سرادق الكبرياء ثم سرادق العظمة ثم سرادق القدس ثم سرادق الجبروت ثم سرادق الفخر ثم سرادق النور الابيض ثم سرادق الوحدانية و هو مسيرة سبعين الف عام في سبعين الف عام ثم الحجاب الاعلي و انقضي كلامه عليه السلام و سكت فقال له عمر لابقيت ليوم لااراك فيه يا اباالحسن و عن السفيان الثوري عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن ابيه عن جده عن علي بن ابيطالب عليه السلام قال ان الله خلق نور محمد قبل ان خلق السماوات و الارض الي ان قال و قبل ان خلق الانبياء كلهم باربعمائة الف و اربع و عشرين الف سنة و خلق عز و جل معه اثنيعشر حجابا حجاب القدرة و حجاب العظمة و حجاب المنة و حجاب الرحمة و حجاب السعادة و حجاب الكرامة و حجاب المنزلة و حجاب الهداية و حجاب النبوة و حجاب الرفعة و حجاب الهيبة و حجاب الشفاعة ثم ذكر ما حبس في كل حجاب من المدة و ذكر ذكره فيه و عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال جبرئيل في ليلة المعراج ان بين الله و بين خلقه تسعين الف حجاب و اقرب الخلق الي الله انا و اسرافيل و بيننا و بينه اربعة حجب حجاب من نور و حجاب من ظلمة و حجاب من الغمام و حجاب من ماء و في خبر المعراج فعبر رسول الله صلي الله عليه و آله حتي انتهي الي [ص 101] الحجب و الحجب خمسمائة حجاب من الحجاب الي الحجاب مسيرة خمسمائة عام و عن ابيعبدالله عليه السلام قال الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش و العرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب و الحجاب جزء من سبعين جزءا من نور الستر الخبر ، بالجملة ليس بين هذه الاخبار اختلاف و ان لله عز و جل حجبا بعدد ذرات الكاينات كما في الدعاء انت لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك و في دعاء الاعمال دونك ، فان اخذت الحجاب بمعني المانع فكل انية حجاب لصاحبها تمنعه عن تجاوزها و الصعود عن حدها فهو محجوب عن ربه بحجاب انيته مرخي عليه و الله غير محتجب عنه و لكنه محجوب عنه كما ان الشمس غير محتجبة و لكن حجاب الضعف و العمي يمنع ابصار ضعفاء العيون عن النظر اليها و يدل علي هذا الحجاب ما روي في حديث المعراج انه صعد الي ان كان بينهما حجاب يتلألأ بخفق و لااعلمه الا و قد قال زبرجد فنظر في سم الابرة الي ما شاء الله من نور العظمة الحديث ، و حجاب الزبرجد هو حجاب النفس الذي لايمكن للحادث كشفه ابدا فانه لو لميفكك كينونته بقي علي التركيب من وجوده و ماهيته و لو فكك لفني و ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و ان اخذت الحجاب بمعني اول الاذكار فكل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و هو محصور في حده فهو ابدا وراء اول اذكاره الي غاية وجوده فالحجب لاتتناهي فهم سلام الله عليهم يجملون في بيانهم تارة و يفصلون اخري و يقتصرون علي بعض الكليات حينا و يضيفون اليه بعضا حينا علي حسب ما يقتضيه حال السؤال و يريدون اظهار العظمة فالحجاب الاعظم الاعظم الاعظم الذي لايكشف و لايكشفه احد من المخلوقين هو حجاب وجودهم صلوات الله عليهم فانهم اول الخلق و اعلي اذكار الخلق فلايتجاوزهم احد و اما ساير الحجب فهو حجاب مسدول لاحد مكشوف عن احد فتبصر .