و اما علمهم سلام الله عليهم في عالم الشخصية الدنياوية فمما اشكل حاله علي العلماء فهم بين غال مفرط و بين مقصر مفرط و جاهل خابط و عالم متوسط و انا انبئك بحقيقة الحق و لا حول و لا قوة الا بالله و ان قلت :
و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا
قلت :
اذا انبجست دموع من خدود تبين من بكي ممن تباكي
فهب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء
قال الله عز من قائل قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين اعلم ان الله جل و عز خلق الشئ من مادة مبهمة و صورة مشخصة فالمادة هي ذات قوة لقبول الصور التي تمكن فيها و ليس فيها فعلية واحدة منها تجامع كل صورة و اما الصورة فهي فعلية موجودة لايمكن ان تجامع غيرها في حدها كما لايمكن و لايعقل ان يجامع البياض السواد و الطول القصر و الخفة الثقل و هكذا و اما المادة فتجامع السواد و البياض و الطول و القصر و الخفة و الثقل و غيرها فتكون في وقت او مكان سوداء و في وقت او مكان بيضاء و هكذا طويلة و قصيرة و خفيفة و ثقيلة و اما حين كونها بيضاء و في حد كونها بيضاء يمتنع ان تكون سوداء و في حد كونها طويلة يمتنع ان تكون قصيرة كما يمتنع ان يكون البياض سوادا و الطول قصرا فاجسامهم سلام الله عليهم في هذا العالم اجسام مركبة من هذه العناصر كساير الاجسام [ص 51] لها مادة و صورة و لايعقل ان تكون حين كونها متحركة ساكنة و بالعكس و حين كونها مقبلة مدبرة و حين كونها بيضاء سوداء و حين كونها ناطقة ساكتة و هكذا عكوسها و ما روي من انهم كانوا يظهرون لاعين في آن واحد باشكال مختلفة كما رواه في الخرايج عن خادم علي بن محمد عليهما السلام قال كان المتوكل يمنع الناس من الدخول الي علي بن محمد عليهما السلام فخرجت يوما و هو في دار المتوكل فاذا جماعة من الشيعة جلوس بقرب الباب فقلت ما شأنكم جلستم هيٰهنا قالوا ننتظر انصراف مولانا لننظر اليه و نسلم عليه و ننصرف فقلت لهم اذا رأيتموه تعرفونه قالوا كلنا نعرفه فلما وافي قاموا اليه فسلموا عليه و نزل فدخل داره و اراد اولئك الانصراف فقلت يا فتيان اصبروا حتي اسألكم اليس قد رأيتم مولاكم قالوا بلي قال فصفوه لي فقال واحد هو شيخ ابيض الرأس ابيض مشرب بحمرة و قال الآخر لاتكذب ما هو الا اسمر اسود اللحية و قال الآخر لا لعمري ما هو كذلك هو كهل ما بين البياض و السمرة فقلت اليس زعمتم انكم تعرفونه انصرفوا في حفظ الله انتهي ، و هذا الخبر يعطي انهم كانوا يرونه دائما كذلك و الا كانوا يتعجبون اول مرة و ينكرونه اول مرة بالجملة ليس هذا تصور مادة واحدة في آن واحد و مكان واحد بصور عديدة فان ذلك ممتنع في العقول و محال في القول و ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب و يمكن ذلك بالتصرف في الابصار و المشاعر التي هي القابلة حتي تري ما هو الواقع هكذا كما تري ان وجهك ابيض مستقيم يري في المرآة الحمراء العوجاء احمر معوجا و يري الواحد في مرآة متعددا كما يري الاحول الواحد اثنين و اما ما كان يحكي عن علي عليه السلام انه انضاف في وقت واحد في اربعين بيتا و كان يحارب من وراء سبععشرة كتيبة فذلك اما من باب التجلي بمواد عديدة و صور عديدة فانه صلي الله عليه اخذ من المواد العرضية الدنياوية ما شاء و صورها بصورته و تجلي فيها و منها و نطق منها و نظر و تحرك و سكن منها فان نسبته الي جميع الدنيا واحدة و هو آية استواء الرحمن فاينما وجد مرآة تحكيه و يظهر منها كما ظهر روح زيد من جسده حرفا بحرف فان روح [ص 52] زيد ايضا في الملكوت و ليس في الزمان فلو صيغ جسده في مكة كان يظهر فيه و لو صيغ في المدينة لظهر فيه و لو صيغ في العراق لظهر فيه و هكذا المشرق و المغرب و الارض العتيقة و الجديدة فاينما صيغ جسده ظهر فيه كذلك هو عليه السلام في الملكوت الاعلي فلما صيغ جسد له في مكة ظهر فيه و لو صيغ له جسد آخر في مكان آخر يشاكله لظهر فيه فلما كان صلي الله عليه صاحب قدرة يعمل بامر الله صاغ ابدانا متعددة علي شكله فصارت تحكيه كمرايا عديدة وضعت تحت الشمس فانها تحكيها بعددها فلما وضع الاجساد المتشاكلة العديدة تحت روحه الملكوتي المستوي علي الامكنة حكته فلو صيغ الف الف جسد لظهر في الكل و اما من باب التصرف في الابصار كما عرفت فاذا عرفت ذلك فاجسامهم العنصرية الدنياوية المحسوسة لها اقبال غير ادبار و ادبار غير اقبال و وجه غير ظهر و ظهر غير وجه و ما روي و علم انهم كانوا يرون من خلفهم كما يرون من امامهم فذلك بغير هذه العين و انما هو من باب احاطة الارواح و الا فعيونهم هذه كالمرآة ينطبع فيها ما قابلها و يذهب الشبح عنها اذا فارقته فاذا نظروا الي امامهم ينطبع فيها ما امامهم و من نظر في عينهم يري فيها عكس ما امامهم و ماكان يري في ساير جسدهم عكس ما امامه كما يري في المرآة و كذلك حركة لسانهم غير سكوته و تحركه بالالف غير تحركه بالباء و لايمكن ان يتحرك جسدهم حركتين مختلفتين في آن واحد البتة و ان كانوا يقدرون علي احداث جسد آخر يتحرك كما يشاءون و كما ان الامر في ظاهر الجسد العنصري كذلك فاقول كذلك الامر في حواسه الباطنة البرزخية المقرونة بالعنصرية و كذلك حال قلبه و حال صدره فلايعقل ان يتوجه قلبه الي شيئين في آن واحد و لا ان يتخيل خيالين في آن واحد و لا ان يتفكر فكرين في آن واحد اللهم الا بسرعة التعاقب و لكن سرعة تعاقبهم في الامور فوق ما يتحمله امثالنا و ذلك انه كلما يلطف الجسم يلطف مكانه و وقته و حركته و كلما يغلظ تغلظ المتسمع ان الشمس تقطع في وقت قولك متي خمسمائة عام كما في البحار عن ابيجعفر عليه السلام قال ان موسي سأل ربه ان يعلمه زوال [ص 53] الشمس فوكل الله بها ملكا فقال يا موسي قد زالت الشمس فقال موسي متي فقال حين اخبرتك و قد سارت خمسمائة عام ه ، و انما ذلك لان الافلاك الطف من الارض و العرش الطف من الافلاك بمرات فانظر في سرعة حركة العرش و قطعه الامكنة في آن واحد و بدن الامام عليه السلام الاصلي منه الطف من العرش بمرات فانظر في سرعة تعاقب ادراكاتهم و حركاتهم بالجملة فابدانهم و ان كانت سريعة التعاقب الا ان العقل يحكم بانها حين حركتها غير ساكنة و حين سكونها غير متحركة و كذلك حين تخيلها لزيد ليس بمتخيل لعمرو و بالعكس و ذلك ان الخيال مرآة كالعين و هو آلة ادراك القلب الجزئيات الدهرية المرتبطة بالمواد الزمانية كما ان العين آلة ادراكه الجزئيات الشهادية فكما انه حين نظره الي زيد ليس بناظر الي عمرو كذلك حين تخيله لزيد غير متخيل لعمرو و ان كانوا في مقام الكلية محيطين بزيد و عمرو معاً في آن واحد اذ لا آن هناك و اما في مقام الجزئية و في الآن فكما اخبرتك فلاجل ذلك يرد عليهم الشئ بعد الشئ و ربما يسألون و يقولون لانعلم و يقولون يقبض عنا فلانعلم و يبسط لنا فنعلم و ورود الشئ اليهم يعبر عنه بوقر في الاسماع و نكت في القلوب و رجم الظنون و البسط و الالهام و النجوي من الله و تأييد روح القدس و الوحي و امثال ذلك و جميع ذلك اصله و منشاؤه ورود الشئ الي خواطرهم و ان كانوا يعلمونه في مقام الكلية في ملكوتهم كما انك تعلم علم النحو جميعه لست بجاهل به قطعا و لكنك لست حين اكلمك ذاكرا ان تقديم الخبر المجرور يفيد الحصر كقولك في الدار زيد و اذ لمتكن ذاكرا كان مقبوضا عنك لاتعلمه و ليس يحضر قلبك و اما اذا سئلت و توجه مرآة خاطرك و خيالك الي نفسك انطبع فيه ما طلبه منها فوجده القلب في خياله فبسط له فعلم افهم ما اقول لك فانه النمرقة الوسطي اليها يرد الغالي و بها يلحق التالي و لو فهمت ما قلت لك و ظني اني اوضحت غاية الوضوح جمعت بين جميع الاخبار بلا غبار و علمت انهم يجيبون كل احد علي حسب فهمه من مرتبة من مراتبهم و كلها صادق حق و الجاهل يزعم ان فيها اختلافا فقد روي في البحار عن ضريس قال كنت مع [ص 54] ابيبصير عند ابيجعفر عليه السلام فقال له ابوبصير بما يعلم عالمكم جعلت فداك قال يا ابامحمد ان عالمنا لايعلم الغيب و لو وكل الله عالمنا الي نفسه كان كبعضكم و لكن يحدث اليه ساعة بعد ساعة انتهي ، و هو ما اخبرتك به من ورود العلوم علي قلبه شيئا بعد شئ من منبع نفسه و عن ابيالربيع الشامي قال قال ابوعبدالله عليه السلام العالم اذا شاء ان يعلم علم انتهي ، و هو ما اخبرتك به ان قلب الامام كفوارة يخرج منها ماء الالهامات و العلم و يجري اليها من منبع نفسه المجتمع فيه جميع العلوم الماضية و الغابرة فاذا سئل عن مسألة و لميكن في قلبه شئ لها توجه الي منبع نفسه و جري منه في فوارة قلبه جوابه حتي ينزل في قلبه جواب تلك المسألة و هو ما سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الامام يعلم الغيب قال لا و لكن اذا اراد ان يعلم الشئ اعلمه الله ذلك و قيل له جعلت فداك الذي يسأل عنه الامام و ليس عنده فيه شئ من اين يعلمه قال ينكت في القلب نكتا او ينقر في الاذن نقرا و عن ابيجعفر عليه السلام قال كان علي عليه السلام يعمل بكتاب الله و سنة نبيه فاذا ورد عليه الشئ الحادث الذي ليس في الكتاب و لا في السنة الهمه الله الحق فيه الهاما و ذلك والله من المفصلات و في رواية رجم فاصاب و في اخري رجم فيه يعني ساهم فاصاب ، بالجملة المراد من جميع ذلك ما كان يجري في قلبه من فوارته من منبع نفسه التي هي كتاب الله و سنة نبيه و ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة و فيه تبيان كل شئ و قال ابوعبدالله عليه السلام كان علي عليه السلام محدثا و كان سلمان محدثا قيل فما آية المحدث قال يأتيه ملك فينكت في قلبه كيت و كيت انتهي ، و هو ما ذكرت لك و قال ابوعبدالله عليه السلام انا لنزداد في الليل و النهار و لو لمنزد لنفد ما عندنا قيل جعلت فداك من يأتيكم به قال ان منا من يعاين و ان منا لمن ينقر في قلبه كيت و كيت و منا من يسمع باذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست فقيل من الذي يأتيكم بذلك قال خلق لله اعظم من جبرئيل و ميكائيل و عن بشر بن ابرهيم عن ابيعبدالله عليه السلام قال كنت جالسا عند ابيعبدالله عليه السلام اذ جاءه رجل فسأله عن [ص 55] مسألة فقال ما عندي فيها شئ فقال الرجل انا لله و انا اليه راجعون هذا الامام المفترض الطاعة سألته مسألة فزعم انه ليس عنده فيها شئ فاصغي ابوعبدالله عليه السلام اذنه الي الحائط كأن انسانا يكلمه فقال اين السائل عن مسألة كذا و كذا و كان السائل قد جاوز اسكفة الباب قال ها انا ذا فقال القول فيها هكذا ثم التفت الي فقال لولانزداد لنفد ما عندنا و قيل لابيجعفر عليه السلام لو تعلمون الغيب فقال يبسط لنا فنعلم و يقبض عنا فلانعلم و سئل ابوجعفر عليه السلام عن علم النبي صلي الله عليه و آله فقال علم النبي علم جميع النبيين و علم ما كان و علم ما هو كائن الي قيام الساعة ثم قال و الذي نفسي بيده اني لاعلم علم النبي و علم ما كان و علم ما هو كائن فيما بيني و بين قيام الساعة انتهي ، فذلك علم نفوسهم في الملكوت فانها محيطة بما هو كان و ما هو كائن و اما العلم الحادث الوارد فهو مع الزمان يحدث منه شئ بعد شئ و مثل ذلك انك تعلم علم النحو باجمعه مع انه ليس في قلبك منه شئ و اذا درست يرد علي قلبك منه كلمة بعد كلمة و مسألة بعد مسألة الي منتهي المسائل و القلب لايحتمل ورود جميع ذلك عليه دفعة فلاجل ذلك يرد عليه شيئا بعد شئ و كذلك حال النبي و الحجج عليهم السلام فان قالوا نعلم ما كان و ما يكون فيريدون علمهم المجموعي الملكوتي الدهري و ان قالوا لانعلم و ان شئنا علمنا فيريدون خواطرهم الزماني البرزخي هذا هو النمرقة الوسطي التي يجب ان يرد اليه الغالي و يلحق به التالي فافهم ثبتك الله بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و لهم سلام الله عليهم في عالم الشخصية علوم جزئية استدلالية استنباطية لاتحصي كالنجوم و الرمل و الحصيات و الخيوط و الجفر و القيافة و الطبيعيات و غيرها مما يحيطون به و لايحيط بها احد سواهم و لايعلم حقيقتها فيستدلون من النجوم مثلا علي ما كان و ما يكون علي النهج الحق بالجملة لايعزب عن علمهم شئ في السموات و الارض يعلمونها علي المجموع في نفوسهم و علي التدريج و التوارد في خيالهم و فكرهم بالجملة قد طال الكلام في هذا المقام فلنعد الي ما كنا فيه من المرام فشهادة الحجة عليه السلام [ص 56] علي الخلق في عالم الشخصية اي العنصرية الدنياوية بالمشاعر الجسمانية المشاركة فيها مع ساير الخلق فلايشاهدون الا ما حاذي مشاعرهم و حضر في محاضرهم كما قال الله عز و جل و ماكنت بجانب الغربي اذ قضينا الي موسي الامر و ماكنت من الشاهدين و قال عز من قائل و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم و هم سلام الله عليهم لايعلمون الغيب اي ما غاب عن مشاعرهم فما غاب عن عينهم لايعلمونه بالعين و لعلهم يعلمونه بمشعر آخر كما انك لاتري الصوت بعينك و هو غائب عن عينك و لكنك تعلمه باذنك و لاتعلم المخيلات بحواسك الظاهرة و هي غائبة عنها و انما تعلمها بحواسك الباطنة و كذلك هم سلام الله عليهم لايعلمون الغيب قطعا في عالم من العوالم فمن زعم انهم يعلمون فهو غال اشركهم مع الله الاحد و لايعلمون الا ما يشاهدونه و يحاذي حواسهم فما حاذي حواسهم الظاهرة يعلمونه و ما لميحاذ حواسهم الظاهرة لايعلمونه بتلك الحواس و لكن يعلمونه بحاسة اعلي فيعلمونه بحواسهم المثالية و ما غاب عن حواسهم المثالية فلايعلمونه بتلك الحواس و انما يعلمونه بنفوسهم و ما لميحاذ نفوسهم فانما يعلمونه بعقولهم فانها محيطة بالاشياء من جميع جهاتها عالمة بالشئ قبل كونه فلايخفي عليهم خافية مما كان او يكون الي يوم القيمة و ليس ذلك بعلم غيب فان الغيب ما غاب عن الشخص و الله يقول في حقهم بمفهوم الآية بئس للظالمين بدلا مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و بذلك ايضا يجتمع الاخبار بلا غبار كما روي في العوالم عن ابيالمغيرة قال كنت انا و يحيي بن عبدالله بن الحسن عند ابيالحسن عليه السلام فقال له يحيي جعلت فداك انهم يزعمون انك تعلم الغيب فقال سبحان الله ضع يدك علي رأسي فوالله مابقيت شعرة فيه و لا في جسدي الا قامت ثم قال لا والله ما هي الا وراثة عن رسول الله صلي الله عليه و آله و عن الساباطي قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن الامام يعلم الغيب قال لا و لكن اذا اراد ان يعلم الشئ علم و عن ابيبصير عن ابيجعفر عليه السلام سئل عن علم النبي [ص 57] صلي الله عليه و آله فقال علم النبي علم جميع النبيين و علم ما كان و علم ما هو كائن فيما بيني و بين قيام الساعة ، فلا شك انهم لايعلمون علم الغيب و لايعلمون الا ما يشاهدون و يعلمون ما يغيب عن غيرهم لانهم يشاهدونه و الله سبحانه يعلم ما يغيب عنهم سلام الله عليهم مما لميخلقه و هو في سابق علمه جل جلاله و فيما ذكرنا هنا كفاية و بلاغ .
قال عليه السلام و خلفاء علي خليقته و عينا عليهم و لسانا له اليهم الخ .
اعلم ان الخليفة علي ما في المعيار فعيلة بمعني فاعل و بمعني مفعول و اما الخليفة بمعني السلطان الاعظم فيجوز ان يكون فاعلا لانه خلف من قبله اي جاء بعده و يجوز ان يكون مفعولا لان الله جعله خليفة قال تعالي هو الذي جعلكم خلائف في الارض و الخليفة اصله خليف بغير هاءٍ لانه بمعني الفاعل و الهاء مبالغة كعلّامة و نسّابة و يكون وصفا للرجل خاصة و منهم من يجمعه باعتبار الاصل علي خلفاء كحكيم و حكماء و هذا الجمع مذكر فيقال ثلثة خلفاء و منهم من يجمعه باعتبار اللفظ علي خلائف ككتيبة و كتائب و يجوز تذكير العدد و تأنيثه في هذا الجمع فيقال ثلاثة خلايف و ثلث خلائف و هما نعتان فصيحتان و هذا خليفة آخر بالتذكير و منهم من يقول خليفة اخري بالتأنيث و استخلفته علي استفعل جعلته خليفة انتهي ، و يقال خلف فلانا علي اهله و ماله خلافة ككتابة و خليفي كخصيصي صار خليفته و زيدا جاء بعده و هم سلام الله عليهم خلفاء الله علي خليقته استخلفهم الله في عباده و خلفهم في بلاده و انما ينصب الحكيم خليفة بعده علي اهله و عبيده و امائه و ملكه ليحكم فيهم بحكمه و يجري فيهم امره و يسير فيهم بسيرته و يكون قوله قوله و حكمه حكمه و امره امره و نهيه نهيه و طاعته طاعته و معصيته معصيته كما قال عز من قائل يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق و قال عز من قائل للملائكة اني جاعل في الارض خليفة و الغرض من جعله اظهار امره و انفاذ حكمه و قال عز من قائل يا هرون اخلفني في قومي و اصلح و لاتتبع سبيل المفسدين [ص 58] و الله سبحانه و ان كان حاضر كل ملأ و شاهد كل نجوي و لايغيب عنه شئ الا انه لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار فالناس محجوبون عنه كما في الدعاء انك لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك ، و قد احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه و بعظم نوره و بشدة ظهوره فلا عين تبصره و لا مشعر يدركه فاحتاج الناس الي خليفة لله علي خلقه حتي ينتهوا الي امره و يروه و يسمعوه و يدركوه حتي يمكنهم طاعته و امتثال امره قال عليه السلام بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله ، فبالخليفة يعبد الله و يطاع و لولا الخليفة ماعبد الله و مااطيع فانه لايدرك و لايسمع منه و لايعرف فالخليفة مرآه و مسمعه و وجهه الذي منه يؤتي و يتوجه اليه الاولياء و لسانه و يده و امره و حكمه و معانيه و ظاهره كما قال عليه السلام في حديث اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الخبر ، و خلافتهم سلام الله عليهم تتحقق في مقامات فهم خلفاء الله في شرعه في اداء توحيد الذات و توحيد الصفات و توحيد الافعال و توحيد العبادة و هم خلفاء الله في تبيين معرفة الذات و معرفة الهوية و معرفة الالوهية و معرفة الاحدية و معرفة الصمدية و هم خلفاء الله في اظهار معرفة البيان و المعاني و الابواب و هم خلفاء الله في امره و نهيه و تحليله و تحريمه يأمرون بما شاءوا و ينهون عما شاءوا و يحللون ما شاءوا و يحرمون ما شاءوا و يعرفون وجوه الحكمة فيها بل يجب امتثال امرهم و حكمهم و ان لميكن له حكمة مفهومة لنا كما يجب امتثال امر صاحب الدار في متاع داره و لايسأل عن حكمته و ينبغي ان يطاع و ان كان علي خلاف الحكمة الاتري انه لو قال لاتحرك هذه الآنية من هنا و كان المصلحة في رفعها من هناك لايجوز رفعها لعدم رضاء صاحب البيت كذلك خولهم الله عوالمه و اوجب علي الخلق طاعتهم و قال ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و قال هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب فهم يحللون ما شاءوا و يحرمون ما شاءوا و ان كانوا لايشاءون الا ان يشاء الله و لايشاء الله الا ما يوافق الحكمة و هم خلفاء الله في الكون [ص 59] فهم خلفاء الله علي مشية الله و امره فلايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فلايشاءون الا ان يشاء الله و هم خلفاء الله علي قضائه و قدره في مجاري امره فهم المناة المتيحون الذين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و خلفاء الله في اقامة الوجود و تحديد اركان الشهود و خلفاء الله في مقام القطبية و القلبية فبهم الافتتاح و بهم الاختتام فهم الفاتحون لما استقبل و الخاتمون لما سبق و المجرون الي كل ذي حق حقه و السائقون الي كل مخلوق رزقه بالجملة قال الله سبحانه في كتابه المجيد وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لايشركون بي شيئا و فسرت في رواية بالائمة و في رواية بالقائم و اصحابه و في رواية نزلت في علي بن ابيطالب و الائمة من ولده عليهم السلام و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني عَنٰي به ظهور القائم عليه السلام و روي هم والله شيعتنا اهل البيت يفعل الله ذلك بهم علي يد رجل منا و هو مهدي هذه الامة الخبر ، فقوله عز و جل وعد الله فان اريد بالخلافة الخلافة الظاهرة فظاهر فانه وعد الله ان يظهر هذا الدين علي الدين كله و لو كره المشركون و يكون ذلك حال الظهور و الرجعة و ان اريد بها الخلافة الكونية و شرعها فهو ما وعد بقوله ادعوني استجب لكم فهم دعوا الله بالسنة قابليتهم المعتدلة التي هي ناشئة القطب لا شرقية و لا غربية اللائقة للحكم بالعدل بين العباد في الكون و الشرع ان يجعلهم الله خليفة في الارض ليحكموا بالحق كما قال يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق و وعدهم الله الاجابة لتأخر الظهور عن الوجود و التفصيل عن الاجمال و الكثرة عن الوحدة و قد انجز و فعل و له الحمد فقد جعلهم الله خلفاء في ارضه و الارض في الحقيقة هي ارض قابلية الامكان قال ابوعبدالله عليه السلام الائمة خلفاء الله في ارضه انتهي ، و الدليل علي ذلك قول علي عليه السلام في خطبة الغدير و الجمعة اشهد ان محمدا عبده و رسوله استخلصه في القدم علي [ص 60] ساير الامم علي علم منه انفرد عن التشاكل و التماثل من ابناء الجنس و انتجبه آمرا و ناهيا عنه اقامه في ساير عوالمه في الاداء مقامه اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار الخطبة ، فلما بين عليه السلام انه اقامه في ساير عوالمه اي جميع عوالمه عرفنا ان المراد بالارض في الباطن ارض الامكان و قد انزلهم الله من سماء المشية الي ارض الامكان كما قال يا ايها الذين آمنوا قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا فنزل الي ارض الامكان فكان خليفة الله فيها قائما مقامه في الاداء بظهور ذاته و صفاته و افعاله و اقواله و احواله و آثاره و اشعته و انواره فيؤدي عن الله ما اراد الله اداءه الي خلقه و الذين آمنوا و عملوا الصالحات هم الائمة سلام الله عليهم في المقام الاعلي فهم الذين آمنوا اي اعطوا الامان اهل جميع عرصات الاكوان حين اخرجوهم من مكمن العدم الي فضاء العالم عن البوار و الدثور و الفناء و الاضمحلال و مقتضاه ان لايخرج من عرصة الوجود من دخلها فسعوا بذمتهم الي الله عز و جل و اجاز اللّه امانهم و ذمتهم فآمن اهل عرصة الوجود عن الفناء و كذلك آمنوا شيعتهم من عذاب الله و اجاز الله امانهم و آمنوا بالله علي الحقيقة و صدقوه بجنانهم و لسانهم و افعالهم في ذواتهم و صفاتهم و احوالهم و اعمالهم و غيوبهم و شهاداتهم و اعضائهم و جوارحهم و لا مؤمن كذلك سواهم و لذلك خصهم الله باسم الايمان في آي كثيرة كما قال انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا و قال قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و كذلك عملوا الصالحات التي ليس في الامكان اصلح منها كما قالت الحكماء ليس في الامكان ابدع مما كان و في الخبر ان الله لايفعل بعباده الا الاصلح ، و كذلك عملوا الصالحات حيث شرعوا شرعا ليس اقوم منه و لا اعدل و لا اتقن بحيث حارت العقول في اتقانه و نظمه و كونه صلاح الخلق رافعا للفساد و اذعنت بالخضوع و الخنوع و العجز عن درك شئ منه ما لميصل منهم شرع فيه و كذلك عملوا الصالحات حيث عملوا برضاء الله و ما فيه صلاح نفوسهم و ترقيتهم الي حضرة اسماء الله و صفاته و انواره فبلغوا الي آثار [ص 61] اعمالهم و اي صالح اصلح من ذلك و كذلك عملوا الصالحات من النسل الطيب حيث كانوا طيبين و اولدوا طيبين في الايلاد الدنياوي الجسماني و في الايلاد الروحاني كما قال صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة ، كما استخلف الذين من قبلهم من آدم و هرون و داود او جميع الانبياء و الاوصياء في ارض العلم و الحكم فان الله سبحانه خلفهم في الارض الظاهرة و لميمكن لهم و لميأمنوا خوف عدوهم فالتشبيه بهذا لايناسب الوعد و ذيل الآية و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم اي ليمكنن دينهم في جميع العالم او من جميع الاديان اذ اظهره الله علي الدين كله و جعل ذلك لهم و لاجل ظهور سلطانهم و دولتهم و علمهم و حكمتهم و سياستهم المدن و قهرهم اعداءهم و تربيتهم اولياءهم فقوله يمكنن بالمعني الاول بمعني يثبتن و بالمعني الثاني اي نظهره و نسلطه علي جميع الاديان او المعني ليجعلن الدين منقادا لهم مطيعا بان يحلوا ما شاءوا و يحرموا ما شاءوا و يعلنوا ما شاءوا كيف شاءوا و لايخفوا شيئا خوفا من التقية او المعني ليمكنن عليا عليه السلام او الائمة عليهم السلام اذا كان المراد بالذين آمنوا الشيعة فان عليا و الائمة عليهم السلام دينهم الذي ارتضي لهم او المعني المجازاة التي ارتضاها لهم ليجزوا بها اولياءهم و اعداءهم كما تقول كما تدين تدان ، فليمكنن لهم مجازاتهم اولياءهم و اعداءهم حتي يجزوا بقدرة و شدة و في الظاهر المراد من الدين الاسلام لقوله و من يبتغ غير الاسلام دينا فلنيقبل منه و ان الدين عند الله الاسلام و رضيت لكم الاسلام دينا و تمكين الاسلام تثبيته و تقريره في الدنيا لاجلهم لانه سنتهم و امرهم و حكمهم فالاسلام يظهر يومئذ علي ما صدر من الله في حكم حقايق الاشياء من حيث هي خالية عن الامراض عالية عن الاعراض و هو الدين المرتضي الموافق لرضاء الله و مشيته الجاري باقتضاء المشية المرضية لا علي حسب اقتضاء الاعراض و الامراض و ليبدلنهم من بعد خوفهم من فرعون و ملأه ان يفتنهم او يفتن رعيتهم امنا يعبدونني لايشركون بي شيئا و ذلك حين الوقت المعلوم و قتل ابليس و جنوده و خلوص الحق عن [ص 62] شوب الباطل كما قال جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا بالجملة ان الله سبحانه جعل محمدا و آلمحمد خلفاء في ارضه يؤدون ما اراد الله اداءه الي الخلق و هم خلفاء الله من يوم خلقوا الي ما لا نهاية من ملكه لا راد لقضائهم و لا مانع من حكمهم الا انهم في دولة الباطل يحكمون علي حسب اقتضاء القوابل العرضية فاذا انقضي دولتهم و صعد الملك عن عرصتهم يحكمون بالحق الاولي المطابق لمقتضي مشية الله و لامثلن لك مثالا تعتبر به اذا كان لك صبي تعامله بمقتضي ضعف بدنه و عقله و تسامحه و تعاشره و تكالمه علي حسب ضعفه و تغمض عن كثير من صفاته و اقواله و افعاله رحمة عليه و مداراة اذ لايطيق منك غير ذلك و ان كنت تستقذر كثيرا مما هو فيه و تعلم سخافته و قباحته و وهنه و كونه لغوا و لهوا فتداريه و لايصلحه غير ذلك و لايعيش بغير ذلك فلما بلغ اشده و استوي تنهاه عما كان فيه و تأمره بما يناسب رضاك و عقلك و علمك و ادبك فسلوكك الاول و امرك و نهيك من قضائك لكن علي حسب اقتضاء بنيته و هي علي خلاف كينونتك و اما ما تأمره به و تنهاه حال كبره فهو علي حسب اقتضاء كينونتك و طبيعتك و رضاك و من هذا تبصر امر قضائهم صلوات الله عليهم فانهم سلام الله عليهم يقضون في دولة الباطل و في هذه الازمنة علي حسب اقتضاء بُنَي العباد و البلاد و لايتحملون غير ذلك و ازيد من ذلك قال عليه السلام و اما وجه الانتفاع بي في غيبتي كانتفاع الناس بالشمس اذا جللها السحاب ، و اذا خلص الحق عن شوب الباطل و زهق الباطل يحكمون في العالم علي حسب اقتضاء عقولهم و طباعهم و صفاتهم و اخلاقهم و احوالهم فهم ابداً خلفاۤءُ الله علي العباد و البلاد الا ان هذه الازمنة لاتتحمل ازيد من ذلك فالاستخلاف الموعود ظاهرا هو الاستخلاف الظاهري الدنياوي فافهم و اما قوله عليه السلام و عينا عليهم و لسانا له اليهم ، فالعين تطلق علي معان عديدة يناسب هذا المقام بعضها فالعين بمعني الدَيْدبان و هو من تضعه علي قوم في مرتفع ليشاهد ما هم عليه فارسي معرب فهم سلام الله عليهم الديدبان الذي جعلهم الله في مقامهم الرفيع ليشاهدوا [ص 63] خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و اعمال العباد و افعالهم علي معني ما مر في الشاهد فهم عين الله علي خليقته قال الله تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و تكون بمعني السيد و كبير القوم و شريفهم فهم السادة الكبراء الشرفاء علي جميع الخليقة و الخلق عبيدهم و اماؤهم قال علي عليه السلام نحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، و تكون بمعني الباصرة فهم عين الله الناظرة في خلقه ينظر الله الي خلقه بهم لا بباصرتهم وَحْدها بل بهم بجميع اعضائهم و مراتبهم فانهم بكلهم حقيقة الادراك يدركون الكل بكلهم و من لميعرف سر تعديل الاجزاء الاكسيرية بعد تهذيبها و تنقيتها و تلطيفها و تشكيلها لايعرف حدوث فعل النار من الماء و فعل الماء من النار و فعل الهواء من التراب و فعل التراب من الهواء و لنعم ما قال ابن ارفعرأس الشذوري حيث قال :
و كم طينة خمرتها فتصورت بنفخي فيها الروح نفسا بذاتها
و محمومة ربعا قلبت مزاجها الي ضده لما علت زفراتها
بجنية انسية ملكية هوائية نارية لفحاتها
جنوبية غربية مشرقية شمالية كل الجهات جهاتها
القصيدة ، فهم سلام الله عليهم لما قد عدل امزجة مراتبهم و تقاربت و تشاكلت و تناسبت و توحدت صار يحصل من كل عضو فعل كل عضو فانملة منهم تسمع و تبصر و تشم و تذوق و تلمس و تتخيل و تتفكر و تعلم و تعقل و تعرف و علي هذه فقس ما سواها فلست اقول عينهم عين الله بل اقول كلهم عين الله يعلم الله بهم كل معلوم من غير حاجة من الله اليهم و لااقول كما قال قائلون ان الله يعلم بعلم و يقدر بقدرة علي انه محتاج الي علم غيره او قدرة غيره نعوذ بالله بل لا شك انهم ليسوا بشئ الا بالله و لله و لا شك ان الله يعلم خلقه في رتبة خلقه و ليس يعلمه في ذاته اذ كونه في ذاته كذب و علمه حق صدق فيعلمه في رتبة خلقه و لا شك ان ذات الله تعلم الخلق بنفس ذلك الخلق و بعلله و اسبابه لانه مذكور في علله و اسبابه و هم سلام الله عليهم اعظم علل الخلق [ص 64] و اعظم اسبابه يعلمون الخلق و الله اولي بهم من انفسهم و هم و ذواتهم و صفاتهم و افعالهم و اقوالهم لله فكما ان قولهم قول الله و حكمهم حكم الله كذلك كلهم لله و علمهم علم الله و لا عالم بالخلق في الخلق فوقهم فافهم و لاتغل في دينك فان الذي خلقهم و خلق ما لهم و منهم و بهم و فيهم و اليهم من العدم ليس يحتاج اليهم ابدا و كلهم قائم بعطاء الله و مدد الله فلايذهبن بك المذاهب و زنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير و احسن تأويلا و اما قوله عليه السلام في زيارة علي عليه السلام و عينه التي من عرفها يطمئن ، فهي بمعني الحقيقة لا الباصرة فان معرفة الباصرة لاتكون سبب الاطمينان بل هي معرفة الحقيقة و هي التي تزيل الشكوك و الشبهات التي هي سبب اضطراب النفس اذ لا شبهة بعد العيان فهم حقيقة الله المخلوقة التي سأل عنها كميل اميرالمؤمنين عليه السلام فهم الحقيقة التي من عرفها عرف الله و من جهلها جهل الله و هي نور اشرق من صبح الازل فلاح علي هياكل التوحيد آثاره و كونهم حقيقة الله ككون الكعبة بيت الله و سميت بيت الله لانها بيت شريف لميملكه احد دون الله عز و جل و لا شريف في الخلق اشرف من محمد و آله صلوات الله عليهم و لميكونوا الّا لِلّه و لمينظروا الا الي الله و لميحكوا الا الله و عن الله فكان جميعهم لله بل كانوا جهة اضافة الله فافهم و تبصر و لاتغل و كذلك الامر في قوله و لسانا له اليهم ، فهم لسان الله بجميع مراتبهم يتكلمون بلغات عديدة منها ما يفهمه كل موجود و منها ما يفهمه الامريون و منها ما يفهمه النوريون و منها ما يفهمه العقليون و منها ما يفهمه الروحيون و منها ما يفهمه النفسيون و منها ما يفهمه الطبعيون و منها ما يفهمه البرزخيون و منها ما يفهمه السماويون و منها ما يفهمه الارضيون و منها ما يفهمه الجمادات و منها ما يفهمه النباتات و منها ما يفهمه الحيوانات و منها ما يفهمه الاناسي و منها ما يفهمه الملائكة بصنوفها و اقسامها و في كل عالم بكل لسان يتكلمون بالكلمة و يريدون منها سبعين وجها لهم من كلها المخرج و قد بينوا في كل عالم بلسانه توحيد الله سبحانه و اسماءه و صفاته حتي عرفوا اهله توحيد الله بجميع مراتبه [ص 65] فمن وحده قبل عنهم و من عرف الله عرفه بهم و بتعريفهم و عرفوا شأن انفسهم و فضائلهم مما خصهم الله به و كان فرضا عليهم اظهاره لانه لا عارف بهم سواهم الا بتعريفهم و ليس ذلك التزكية المذمومة الاتري ان يوسف حين اضطر الي تزكية نفسه اذ لميعرفه غيره قال اني حفيظ عليم و الاتري الرسل ان لميقولوا انا رسل الله لميعرفهم احد فلما بعثوا الي الخلق كان الفرض عليهم ان يقولوا انا رسل الله و اثبات الرسالة تزكية ليس فوقها تزكية فكذلك عرفوا اهل كل عالم انفسهم و فضائلهم و مقاماتهم و صفاتهم و افعالهم و بينوا شرايع احكام الله و سنته و دينه كما يحب الله و يرضي و من تلك العوالم هذا العالم و من تلك الالسنة هذا اللسان المعروف فبينوا جميع مرادات الله عز و جل و شرائعه و فرائضه و احكامه و حكمه و علومه علي ما يتحمله الرعية حتي صاروا الي الرضا من الله فهم لسان الله بكلهم في جميع المراتب و لسان الحال ابلغ من لسان القال بسبعين مرة فان لسان الحال يعرفه كل احد و لسان القال لايعرفه الا صاحب تلك اللغة الاتري ان قول النار انا المحرقة يعرفه و يفهمه اهل كل لغة و اما قول العربي انا الجمال لايعرفه الا العربي فقط فهم سلام الله عليهم بينوا في كل عالم بلسان الحال حتي عرفه جميع اهل ذلك العالم و اما في هذا العالم و للاناسي فبينوا بلسان عربي بالجملة هم لسان الله الي الخلق .
قال عليه السلام قد استودع فيهما علمه و علمهما البيان و استطلعهما علي غيبه الي آخر .
اعلم ان الوديعة ما يترك عند احد و استودعه اياها استحفظه اياها و الوديعة مملوكة للمستودع بالكسر لمتخرج عن ملكه يأخذها متي شاء و ليس للمستودع بالفتح فيها حق الا انه استأمنه المالك فاستودعه اياها فبين عليه السلام بقوله استودع فيهما علمه ان الله سبحانه هو اولي بعلمهم منهم و هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه ليسوا بشركاء لله في تملك ذلك العلم و لا بمستقلين دونه فعلمهم علمه جل شأنه ثم اعلم ان العلم الذي [ص 66] استودعهم الله هو الذي قال الله عز و جل و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فقسم الله علمه قسمين قسم لايحيطون به و قسم يحيطون به فلايصح ان يكون العلم الذي لايحيطون به مما استودعوه فهو الذي يحيطون به و هو العلم المشاء الذي تعلق به المشية فما لميتعلق به المشية و لميخلقه الله لايعلمونه هذا مجمل القول و لنا في هذا المقام تحقيق دقيق رشيق هو فوق كلام المقصرين و دون كلام الغالين اعلم ان ذات الله جل و عز ذات احدية يمتنع معها سواها امتناعا بحتا و لذلك تفرد بالاحدية و لا شئ سواه فتلك ذات لايعلمها احد بل لايصح ان يقال علم نفسه فان علم فعله و لا فعل هناك مع ان المعلمة لنفي الخلاف و لا خلاف هناك و ليس الا ذات احدية مبراة من الحيوث و الجهات و الاعتبارات و الانظار و الفروض تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و اما ما سواه جل و عز فعلي ثلثة اقسام امكان و تكوين و مكون لا رابع لها اما الامكان فهو عرصة القوة المحضة لا تعين لشئ فيها و لا تمييز فلا شئ هناك علي الحقيقة فانما سمي الشئ شيئا لانه مشاء و لا مشاء هناك و لميتعلق به تكوين و لا كون من غير تكوين فهو عرصة العدم و هو معني واحد عدمي و ليست الاشياء فيه متعينة و لا قويٰها فيه ممتازة بل هو قوة واحدة لاتأبي عن قبول تكوين شئ من الاشياء و هو مع ذلك بحر غير متناه لا ساحل له و لايحيط به من كون فيه و منه و انما يحيط به الله وحده لا شريك له و هو العلم المخصوص بالله يقدم منه ما يشاء و يؤخر ما يشاء و يبدو فيه كيف ما شاء و يزيد من يشاء منه و هو خزانته التي لا نفاد لها و يخرج منها ما لا نهاية له الي ما لا نهاية له و مثاله المداد حيث يكون حصة منه صالحة لكل صورة مما لا نهاية لها فاذا تصورت بصورة الالف مثلا تعينت من هذه الحيثية و لكن يمكن في الالف من الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان و الوضع و الاجل و النسب و غير ذلك ما لا نهاية له و جميع ذلك في الامكان معدوم الكون و العين و لايعلمها الا الله الخارج عنه الذي هو وراء ما لايتناهي بما لايتناهي و يعلمها الله فيه كما هي فيه و لولا ذلك لكان كذبا و الله علمه صدق حق و اما التكوين فهو نفس [ص 67] المشية فهو و ان كان اصل كل شئ و منه صدر كل شئ و به قام كل شئ الا انه وحداني في سرمده قال الله سبحانه و ما امرنا الا واحدة و هو امر واحد دليل آمر واحد و ليس فيه كون الاشياء و لا عينها و انما في المشية صلوح تعلق الاشياء يعني انها موجودة صالحة لان يصدر منها زيد و عمرو و بكر و سماء و ارض و هكذا الي ما لا نهاية له فالمشية امكان راجح لامور لا نهاية لها فهي امكان زيد مثلا و زيد الامكاني و يصلح ان يخلق به و يصدر منه عمرو و بكر و انسان و حيوان و نبي و شيطان و ارض و سماء و هكذا الي ما لا نهاية له و مع ذلك هو امكان زيد و زيد الامكاني و يمكن ايضا ان يكون امكان بكر و خالد و سماء و ارض و هكذا الي ما لا نهاية له و هو هو امكان زيد و زيد الامكاني و الامكان ان كان صلوح الايجاد فهو الامكان الراجح الوجود و ان كان صلوح الانوجاد فهو الامكان الجايز الوجود بالجملة علم التكوين مخصوص بالله سبحانه لانه الحرف الرابع المخفي المكنون المخزون الذي لايطلع عليه احد سواه و جميع ما سوي التكوين قد وطئ عرصة الاكوان بالتكوين و قد قال الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فهم سلام الله عليهم من عرصة الوجود قد اوجدوا بالمشية و هم محلها و لا استمساك لهم معها مضمحلون عندها متقلبون تحتها فلايحيطون بما فيها نعم يعلمون الامكان بانه عدم الاكوان و لا امتياز بشئ من الاشياء فيه و كذا يعلمون التكوين بانه وجود اطلاقي بشرط لا و انه صلوح احداث كل شئ لا تعين فيه و اما المكون فهو الموجود الذي قد تعلق به المشية الكونية و البسته حلة الوجود فما البس حلة اما هو سبب و اما هو مسبب فالسبب هو هم صلوات الله عليهم كما في الزيارة فما من شئ منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل ، و اما المسبب فساير الخلق و بذلك قد تضافرت الاخبار و تكاثرت الآثار و تواترت المعاني فجميع المسببات من آثارهم و اشعة انوارهم كالقيام بالنسبة الي القائم فهم يعلمونه و هم خزانه و مستودعه فلايعزب عن علمهم شئ موجود في السموات و الارض و الدنيا و الآخرة فان الشئ ان كان بعد لميلبس حلة الوجود فهو معدوم و لايناسبه علم و ان لبس [ص 68] حلة الوجود فذلك الوجود شبح منفصل من وجودهم و جمال لهم و نور منهم فلايخفي عليهم الشبح الذي انفصل من وجودهم كما لايخفي القيام علي القائم و ذلك انهم صلوات الله عليهم محال المشية و وكر الارادة و لايخلو المراد من ذلك من غموض فاصغ لما اقول علك تنال المأمول اعلم ان المشية و ان كانت وجودا راجحا ابسط ما يمكن في الامكان الا انه من الامكان و يعتبر فيه الجهات لما يشاهد في آثاره التي هي علي طبقه و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية فله مقامان مقام خلق به نفسه و مقام خلق به غيره اما في المقام الاول فله اعتباران اعتبار فعلية و اعتبار مفعولية الاتري ان اباعبدالله عليه السلام قال خلق الله المشية بنفسها ، فاثبت لها المفعولية و اثبت لها الفعلية فهي من حيث انها مفعولة محل لها من حيث انها فعل و وكر لها لا قوام لاحديهما الا بالاخري فالمشية و المشاء متضايفان لايتحقق احدهما الا بالآخر كالضرب و المضروب فان المضروب محل الضرب و لا ضرب الا في مضروب و لا مضروب الا بضرب و ليس ان الله شاء و تأخر المشاء عنه حاشاه بل اذا شاء كان المشاء و مهما كان مشاء فبمشيته كان و تلك المشية التي اشرنا اليها مشاؤها انية المشية و ماهيتها لميخلق بها سواها فلما خلق الله بتلك المشية نفسها و تجلت تلك المشية في تلك الماهية و ثبتت و تمثلت و قامت و كانت مشية خلق من شبحها و نورها ساير الاكوان و اول ما خلق بها هيهنا عقل محمد صلي الله عليه و آله فانه اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش ثم تجلي في العقل لساير الخلق و لذلك صار علة العلل و مبدء الموجودات فهم سلام الله عليهم محل المشية في المقامين في السرمد و في الدهر اما في السرمد فهم محل المشية بافئدتهم و اما في الدهر فهم محل المشية بعقولهم يعني تلبست بهم و تجلت بهم كما ان حركة يدك تتجلي بيدك للحروف و لاتتعلق بالحروف الا من وراء حجاب اليد كذلك مشية الله جل و عز احتجبت بهم و تجلت و برزت منهم في قنوت الحسين عليه السلام اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك [ص 69] مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقائق ما منحتهم الدعاء ، و فيه الكفاية و البلاغ فجميع ما سواهم اشباح لهم قد انفصل عن شبحهم المتصل بهم فلايخفي عليهم ما برز منهم فلاجل ذلك تواترت الاخبار عنهم انهم يعلمون علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة علم احاطة لا علم اخبار و ذلك وجهه و هذا هو العلم الذي قد شاء الله احاطتهم به كما قال و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء ثم ما يحيطون به منه منجز فهم يحيطون به انه يكون كذا و كذا علي ما هو عليه بظاهره و باطنه و مبدئه و منتهاه و لكن لايحيطون بمنتهي اجله انه يستمر الي متي و متي يفني و منه مشروط بشروط لماتتحقق و شروطه بعد في عرصة الامكان اما الشروط فمعدومة و لايحيطون بها و اما الموقوف بها فيعلمون انه ان وجد كان كذا و كذا و اما متي تقع و هل تقع فلا و لذا روي انا لانوقت و من وقت شيئا فكذبه فما يحيطون به قسمان قسم قد كان و يحيطون به احاطة مشاهدة و عيان و قسم لميكن فيحيطون به احاطة اخبار من الله جل و عز و ساشرح لك ان شاء الله معني الاخبار و هيهنا مسألة غامضة صعبة ان ما سيأتي بعد في الازمنة الآتية هل هو مما قد كان و يحيطون به علم عيان او هو مما لميكن و هو بعد في عرصة الامكان و قد طال من مشايخنا ذكرهم ان الزمان ماضيه و غابره بحر راكد و الاجسام كالسفينة تجري في ذلك البحر و تحاذي جزءا بعد جزء فالمشرف علي الزمان يري كل جزء منه في محله فالغد في محله موجود و ان لمنشاهده و لمنصل اليه و هذا الكلام منهم صعب مستصعب و لا مانع من الاشارة الي تحقيق ذلك فانه مطلب جليل اعلم ان الله جل و عز ذات احدية لا مكان له و لا وقت و لا حد و لا اول له و لا آخر و لا مبدء له و لا غاية فهو ذات بالفعل لا قوة له و لا امكان فلايتجدد و لايزيد و لاينقص و لايحدث فيه ما لميكن فيه و يمتنع معه ما سواه فلا وقت له من سرمد و دهر و زمان و الازل ذاته و الابد ذاته لا وقته و ما قيل ان الازل ما مضي منه و [ص 70] الابد ما بقي فهو ازلي اي لا اول له و ابدي اي لا آخر له قول سخيف ينافي الاحدية فهو ذات قائمة بالفعل ازله عين ابده و ابده عين ازله ثم احدث المشية و احداثه لها عينها لا شئ بينه و بينها فاحدثها بها و جعل مكانها الامكان و وقتها السرمد و الثلثة من غاية المشاكلة واحدة بالوحدة الواحدية فالمشية هي الوجود الاطلاقي الراجح الوجود لانه قائم بنفسه و مافقدت نفسها و نفسها لاتوجد بدونها فهي لا بدء لها و لا منتهي و هي وجود بالفعل الا انها للوجود الحق لا لنفسها و الوجود الحق قائم بنفسه لنفسه و هذا قائم بنفسه لغيره فهو لاينتظر لنفسه حدوث كمال و لاتترقب طروء جمال لايزيد و لاينقص و لايمر عليه وقت و لاينتقل من مكان الي مكان و لاينقطع كما لميحدث بعد ان لميكن و ذلك انه لايعقل فيما يقوم بنفسه مبدأ و منتهي هذا و هو ابسط ما يمكن في الامكان فهو مركب من بسيطين و لايعقل في المركب من البسيطين مبدأ و لا غاية و لاجل ذلك قال الله و ما امرنا الا واحدة فهذه المشية ليس فيها امتداد وقت و لا تقض و لا ماض و لا غابر بل هي وجود موجود بالفعل حاضر عند ربه بكله فلايتجدد للرب جل و علا مشية شئ لميكن شائيا له و ارادة امر لميكن مريدا له فقد شاء ما شاء هناك و كان ما كان و حضور المشية عند الله جل و عز حضور ازلي و ان كان عند نفسها سرمديا فهي بمجموعها العلم الازلي عند الله عز و جل حاضرة لديه ازلا ابدا لا بداء لله فيها و لميعلم الله بعد شيئا لميكن علمه لايزيد في علمه و لاينقص و لايري ما لميكن يري ثم اشرق هذه المشية و خلق من اشراقها الدهر فلا بد و ان يحدث جميع الدهر بالنسبة اليها لانها لاتتقوي بعد ضعف و لاتتغير عما كانت و هي ذات واحدة اقتضت الاشراق فاشرقت فوجدت اشراقاته جميعا و قامت لديها بها لاتزيد و لاتنقص فلايعقل ان يحدث بعد بالنسبة الي المشية دهر لميكن و ان كان الدهر بالنسبة الي نفسه وجودا مستمرا له اجزاء بالنسبة الي البسيط الاعلي و ان كان الدهر ايضا بلا تقض بالنسبة الي الزمان الا ان له في نفسه تقضيا و انقضاءا و يكون في نفسه كطومار يطوي من طرف و ينشر من طرف و الحاضر دائما شئ منه لكنه بكله [ص 71] منشور عند المشية لايطوي شئ منه و لاينشر مجددا شئ منه فالمشية تري الدهر بكله حاضرا لديها قائما بها و لايتجدد و لايبدو فيه شئ لميبد و مجموعه عندها سرمدي لا دهري و ذلك ان الدهر وقت الانوار و ليس الدهر وقتا للدهر و انما وقت الدهر هو السرمد فمجموع الدهر حاضر في السرمد لدي السرمد للسرمد في وقت سرمدي فالدهري لايكاد يحيط بجميع الدهر فانه من المتجددات فيه و اما السرمد و السرمدي فيطلع علي جميع الدهر اطلاعا واحدا باحاطة و عيان و ذلك ان السرمد اولي بالدهر من الدهر و اقرب منه به و اوجد منه في مكانه الا ان كون الدهر بكله سرمديا لايخرجه عن كونه ذا امتداد سرمدي و لايجعله ازليا نعم مجموع السرمد و الدهر عند الازل لوح ازلي موضوع عنده لايزول و لايحول و لايتغير و لايتبدل و لايمر عليه وقت سرمدي و لا دهري و الزمان كالدهر حرفا بحرف يعني مجموع الزمان لوح موضوع لدي الدهر دهري و ليس الزمان وقت الزمان و انما هو وقت الزماني فالزماني يمر عليه الزمان و اما الزمان فدهري لايمر عليه الزمان فهو عند الدهر دهري و له تقضيات الدهر و هو و الدهر معا حاضران عند السرمد و لهما حالات السرمد و الثلثة حاضرة لدي الازل و لا تقضي له و لا زوال و لا تحول و لا انتقال فالازل لايخفي عليه شئ من الثلثة و لايعزب عن علمه شئ منها و اما السرمد فيشهد الدهر و الزمان و لكن يقال استطرادا للقول انه يخفي عليه التحولات السرمدية ان كانت و الدهر مطلع علي الزمان لايعزب عنه شئ منه و لكن يخفي عليه التحولات الدهرية و الزمان يخفي عليه تقلبات الزمان و تقضياته و تحولاته اذ هو في نفسه كطومار يطوي ماضيه و ينشر من غابره الي ما لا نهاية له و لكن هذا الذي ذكرنا من حضور الزمان لدي الدهر ليس انه حاضر عند كل دهري بل هو حاضر لدي الدهر الكلي لا الدهري الجزئي فالدهري الجزئي لايستحضر جميع الزمان و لايطلع عليه و لايحيط به و لايشاهده الا ما كان من الزماني من شعاعه و نوره و مجموع الزمان شعاع الدهر الكلي و كذلك مجموعهما حاضر لدي السرمد الكلي الذي مجموعهما شعاعه و نوره و لما كانوا هم سلام الله عليهم الدهر [ص 72] الكلي هم يحيطون بالزمان احاطة مشاهدة و عيان و لكن يحتمل عندهم في الدهر البداء الدهري كما يحتمل عندهم في الزمان البداء الزماني و لايحتمل عندهم في الدهر البداء الزماني لان الزمان بمجموعه حاضر عندهم يشاهدون كل جزء منه في محله و ان التفت خيالهم الشخصي الدهري الي شئ منه بعد شئ و لكنهم في مقام الكلية يرون مجموع الزمان دفعة دهرية و يرون مجموع الدهر و الزمان بالعين السرمدية حيث كونهم محل المشية دفعة واحدة و لايحتمل عندهم فيهما بداء الا البداء السرمدي ان كان و انما ذكرنا ذلك استطراداً للكلام و ان كان في ذكرنا كذا ما لايخفي علي الاعلام و اما الذي لا بداء له في شئ فهو الله الواحد الفرد الصمد جل جلاله و جميع ما سواه من الخلق لايعلمون الا ما علمهم الله المتسمع قول النبي صلي الله عليه و آله لااعلم وراء الجدار الا ما علمني ربي انتهي ، و ذلك ان كل مخلوق موصوف بصفة بها تمييزه عن غيره و كل موصوف محدود و كل محدود مفقود في ما وراء حده و لا مشعر للموجود في موضع فقدانه فلايعلم حيث هو مفقود فيه و هذا هو معني الغيب و اما الله سبحانه فليس بموصوف و لا محدود و هو موجود في كل مكان بل هو اوجد من كل شئ في مكان وجوده فلايفقد شيئا مما في الامكان و الاكوان و الاعيان مما قد كان او يكون و لا شيئا من قراناتها و نسبها و ما لها و بها و منها و فيها و اليها و معها و كذلك الرب القديم الاحد جل جلاله فعنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو فافهم بقي شئ و هو انه كيف يعلم الجسم المطلق الدهري جميع الجسمانيات الموجودة في الامكنة و الاوقات و ما صفته و كيفيته و ذلك من المشكلات اعلم ان الجسم في نفسه حقيقة واحدة دهرية غير مخصصة بوقت من الاوقات و مكان من الامكنة و هو الذي تراه في كل جسم في كل وقت و كل مكان و هو جوهر غليظ قابل لكل حد من الحدود الستة صالح للتصور بكل صورة من الصور التخطيطية فان لوحظ عدم تقيده بشئ من القيود و تصوره بالفعل بشئ من الصور سمي بالمطلق و ان قطعت النظر عن اطلاقه هذا ايضا كان جسما لابشرط و هو حق الجسم و حقيقته التي تعرف الله بها للاجسام [ص 73] و هي آية الله القدوس عن المشابهة بساير الاجسام المعراة عن الحدود الجسمانية كما حققناه في محله و هي نفس هذا العالم التي من عرفها من هذا العالم فقد عرف ربه و من جهلها فقد جهل ربه البتة و هي تعرف الله له و تعريف الله الذي لايطيق العبد الايمان بغيره اذ لايكلف نفسا الا ما آتيها و هو غاية الاحدية التي يدركها الاجسام بالجملة فذلك الجسم الحقي شئ في نفسه احدي في حده و مقامه فهو في نفسه بنفسه يعلم امرا احديا ليس فيه ذكر شئ غيره من عرش او فرش او ما بينهما او جزئي او كلي بل ليس فيه ذكر اطلاق فضلا عن تقييد هو هو لا معلمة هناك و اما الجسم بشرط لا و هو الجسم المطلق فهو في نفسه معني صلوحي قد يذكر فيه الاشياء بالقوة و الاشياء فيه معدومة بالفعل موجودة بالقوة فالجسم بشرط لا يعلم بنفسه في نفسه امرا وحدانيا لا كثرة فيه بالفعل مما يحدث به بعد و اما عرصة الاجسام و الحدود الفعلية ففيه تصادم و تضايق و لايجتمع فيه فعليان معاً ابداً ابداً في وقت واحد و مكان واحد فلايكون الشئ طويلا و قصيرا في آن واحد و ابيض و اسود في وقت واحد و ثقيلا و خفيفا في وقت واحد فيصدم الفعليات بعضها بعضا فلاجل ذلك يكون الماضي و الآتي معدومين و الحال موجودا و المراد بالمعدوم المعدوم في حد الحال لا المعدوم في موضعه و حده لان ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله و لو خرج من ملك الله لايراه الله بعد و نقص علم الله و الاشياء من كمال الله و كمال الله لاينقص و لايزيد فهو موجود في حده و مقامه ابدا خالدا بخلود ملك الله اما الماضي المعدوم و الآتي المعدوم فلا شك انهما ليسا في الحال و لايراهما عين الحالي نعم الماضي و الآتي في قوة مادة الحال كما ان الالف حين كونها الفا يكون الباء و الجيم في قوة المداد المتصور بصورة الالف فما كان قبل بصورة الباء و ما يكون بعد بصورة الجيم فهما في قوة المداد يعني مثلهما و الا فنفس الصورة الكائنة قبل بالفعل لمتعد الي عرصة القوة و لاتعود و لنتعود بالجملة العين الحالية لاتري الصورة الماضية و الصورة الآتية و يحتمل لها في آتيه البداء اذ لميخرج من القوة الي الفعلية حال الحال [ص 74] فلاتدرك عين الحال البحر الراكد الزماني قطعا و اما الجسم بشرط لا فبعينه الذاتية فلاتدرك الا جسما بشرط لا فانه دار القوة و نفي الفعلية و العدم و انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها و ليس الماضي و الغابر في نفس الجسم المطلق فلايدركهما بعينه الذاتية ابدا و هل يري الجسم المطلق الاجسام الماضية و الغابرة بهما ام لا فاقول نعم فان الجسم المطلق ليس موقتا بوقت من الاوقات الثلثة فهو جسم بالفعل لايتجدد عليه الاوقات و هو مؤثر كل جسم كان او يكون الي ما شاء الله و جميعها قائم به قيام صدور فوجب ان يكون الجميع قد صدر منه الا ان كل جسم منه في حده و وقته و مكانه فهو يري الكل لكن لا بعين نفسه بل بها اي بنفس تلك الاجسام و هي بعينها صور علمية للجسم المطلق و عرصتها بعينها عرصة خيال له و تلك الصور صور خيالية له يتخيلها بها فهي علمه و معلومه يراها و يسمعها بها كما تري خيالك بخيالك فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و جميع تلك الصور هي كائنة و ما لميحدثه فهو مما لايكون و ان قلت فعلي ذلك لا بداء لتلك الصور عند الجسم المطلق قلت اما البداء الزماني فلا و اما البداء الدهري فيحتمل فيها فانها تتجدد بتجددات دهرية و اما الجسم الحقي فهو بنفسه لايري الا جسما احديا بالنسبة و بفعله الذي هو المطلق يري جسما مطلقا لا شئ فيه و اما الاجسام الزمانية فيراها علي نحو القوة في الجسم المطلق و علي نحو الفعلية في انفسها و ما علمه منها لاينسي و لايضل و هو يري ماضيها و حالها و غابرها في عرصة واحدة و وقت واحد فلتلك الصور من حيث انها صور علمية للجسم الحقي ازلية اضافية و من حيث انها صور علمية للجسم المطلق سرمدية اضافية و ليس لها دهرية فان نسبتها مع الدهر نسبة عرضية لا طولية و المستعلي بالعرض لايحيط بالداني لانه ليس اثره كما ان خيال الانسان لايحيط بجميع اوقات الجسم و كذا نفسه و عقله و لعلك تعرف من ذلك ان مشاهدة الماضي و الغابر ليست حظ كل جزئي و لاتحصل الا للشخص الكلي المؤثر و هو منحصر في الاربعةعشر سلام الله عليهم حتي ان ذلك ليس حظ كل ولي و نبي فضلا عن [ص 75] ساير الرعية نعم كل شئ يحيط بآثاره و اعماله في مقام المؤثرية و وجدوا ما عملوا حاضرا و يستحضرون ما لهم من غيرهم لانفس غيرهم و المؤثر يستحضر نفس الغير فافهم فقد اسقيتك ماء غدقا و الحمد لله و لا حول و لا قوة الا بالله نعم و يتم هذا الكلام بان نقول ان لهم سلام الله عليهم مقامين مقام شخصية ظهروا بها للاشخاص حتي يروهم و يسمعوهم و هو مقام انا بشر مثلكم فهم في هذا المقام جزئيون يمر عليهم الاوقات فلايرون شيئا مما مضي و لا شيئا مما بقي بعين شخصيتهم الجزئية لانها في الاوقات و من مواد ساير الاجسام الزمانية فيبدو لهم فيما سيأتي و هيهنا جرت الآية يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب و لاجل هذه الآية لميخبروا بما يكون الا مع الشرط و انما يعلمون علم ما يكون علم اخبار و احاديث مكتنزة و وحي نازل و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ، و ماكنت بجانب الغربي اذ قضينا الي موسي الامر و ماكنت من الشاهدين و لهم مقام كلية و مؤثرية يشهدون الاشياء كل شئ في مقامه و حده و هو مقام مفهوم قوله بئس للظالمين بدلا مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و مقام ثم جئنا بك علي هؤلاء شهيدا و مقام ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و مقام قول علي عليه السلام انا اخو رسول الله و وارث علمه و معدن حكمه و صاحب سره و ماانزل الله حرفا في كتاب من كتبه الا و قد صار الي و زاد لي علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة اعطيت علم الانساب و الاسباب و اعطيت الف مفتاح يفتح كل مفتاح الف باب و امددت بعلم القدر يجري في الاوصياء من بعدي ما جري الليل و النهار و قال في خطبة اخري انا علم الله انا عندي علم ما كان و ما يكون الي يوم القيمة لايدعي ذلك احد و لايدفعني عنه احد و قال في خطبة اخري و لقد علمت من عجايب خلق الله ما لايعلمه الا الله و عرفت ما كان و ما يكون و ما كان في الذر الاول مع من تقدم مع آدم الاول و لقد كشف لي فعرفت و علمني ربي فتعلمت الا فعوا و لاتضجوا و لاترتجّوا فلولا خوفي عليكم [ص 76] ان تقولوا جن او ارتد لاخبرتكم بما كانوا و ما انتم فيه و ما تلقونه الي يوم القيمة علم اوعز الي فعلمت و لقد ستر علمه عن جميع النبيين الا صاحب شريعتكم هذه صلي الله عليه فعلمني علمه و علمته علمي الي ان قال علمت ما فوق الفردوس الاعلي و ما تحت السابعة السفلي و ما في السموات العلي و ما بينهما و ما تحت الثري كل ذلك علم احاطة لا علم اخبار الخطبة ، و لاينافي علمهم بالاشياء في ذلك المقام عدم علمهم في مقام الشخصية و آية ذلك انك تعلم اكثر لغة العرب و يمر عليك آنات لاتتذكر اسماء اغلب الاشياء بالعربية فاذا سئلت عنها توجهت و ذكرت و قلت فلان و تعلم علم النحو و حين تكلمك في الفقه لاتذكر شيئا من علم النحو و لكن اذا سئلت عنه اجبت و كذلك هم صلوات الله عليهم يعلمون الاشياء في مقام الكلية و المؤثرية و لكن ابدانهم الشخصية قد لاتتوجه الي شئ و اذا سئلوا عنه و ارادوا علموا و هذا معني قولهم اذا شئنا علمنا ، فتدبر .