قال عليه السلام خلقهما الله بيده و نفخ فيهما بنفسه من نفسه لنفسه و صورهما علي صورتهما الي آخر و ترك في نسخة قوله من نفسه .
اعلم ان اليد في اللغة القوة و القدرة و السلطان و الملك و النعمة و ان كانت اسماً لجارحةٍ مخصوصة و لكنها لايناسب القديم الاحدي جل شأنه فالمراد هنا احد تلك المعاني و كلها صحيحة اي خلقهما الله بقوته و قدرته و بسلطانه و بملكه و بنعمته و لكن لذلك التخصيص معني خاص و الا فقد خلق الله جميع ما خلق بقوته و قدرته و سلطانه و نعمته فالمعني الذي هو شرف لهم دون غيرهم هو ان الله سبحانه لا شك في انه لايجري الاشياء بذاته الاحدية اذ لاتقارن شيئا و لاتلامس شيئا و لاتتغير عما هي عليه و لاتتجزا و لاتتبعض و لاتتحرك بعد سكون و لاتنتقل من حال الي حال و لاتجامع بعد تفرد و لاتستأنس بعد توحش [ص 29] و ابي ان يخلق ما يخلق الا باسبابها و جعل تلك الاسباب بعضها مترتبا علي بعض و بعضها مستنبطا من بعض و بعضها حاصلا من بعض و بعضها ناشيا من بعض فجميع تلك الاسباب الخلقية كلها مسبب من جهة و سبب من جهة الاتري ان الحمي تحدث من عفونة الاخلاط و العفونة تحدث من الحرارة الغريبة الواردة و الحرارة الغريبة تحدث من المؤثرات الخارجة و هكذا تترتب الاسباب بعضها ببعض حتي تنتهي الي سبب الاسباب و السبب الذي ليس بمسبب لغيره و ان كان مسببا لنفسه اذ خلقه الله بنفسه و لا بد ان يكون هو اول ما خلق الله الذي ليس قبله خلق يقوم به و يستند اليه فذلك هو سبب الاسباب و هو المخلوق بنفسه و لايعقل ان يفني المخلوق بنفسه او يكون له اول او آخر فانه ان فرض له عدم وجب ان يمتنع خروجه اذ المعدوم لايوجد نفسه و لا سواه شئ يوجده فليس له اول مبتدأ و لايعقل فناؤه اذ هو لايفقد نفسه و هو قائم بنفسه و هو هو فليس له آخر منتهي فهو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و الازلي الخلقي و القديم المدي الذي ليس لوجوده مبتدأ و لا لكونه منتهي بالجملة هذه و ما لايقدر هذا الناس سماعه صفة اول ما خلق الله و هو سبب الاسباب و مفتاح الباب و مختام الكتاب و هو قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و قد قام الاجماع من المسلمين ان محمدا صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله و قد قام اجماع الشيعة ان الائمة عليهم السلام من نوره و طينته و اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض فهم اول ما خلق الله فهم سلام الله عليهم سبب الاسباب و مفتاح الباب منهم البدء و اليهم الاياب لا شك في ذلك و لا ارتياب و اليهم ينتهي الاسباب في كل باب فهم السبب الاعظم الذي ساير الاسباب اشعتهم و انوارهم و آثارهم كما قال عليه السلام في حديث و نحن سبب خلق الخلق و في الزيارة فما من شئ منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل الزيارة ، فهم السبب الذي به خلقهم الله اذ خلقهم بانفسهم اذ لميسبقهم سابق و لميفقهم فائق و جميع من سواهم خلقهم بهم و بانوارهم و آثارهم و لما كانوا [ص 30] سلام الله عليهم قد فنوا في جنب الله حتي لميبق لهم من حيث انفسهم وجود و تمحضوا بقدر ما يسع الامكان في حيث الرب صاروا جهة الرب و جهة خطابه و صنعه و معرفته و اضافته فجميع ما يضاف اليهم مضاف الي الله وحده و لذلك صار من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و من تخلي عنهم فقد تخلي عن الله و من اطاعهم فقد اطاع الله و من عصاهم فقد عصي الله و من احبهم فقد احب الله و من ابغضهم فقد ابغض الله و من اعتصم بهم فقد اعتصم بالله و هكذا كما في الزيارات و الاخبار فالاسباب اسبابهم و الايدي ايديهم و الوجوه وجوههم و الافعال افعالهم و الاقوال اقوالهم و الاحكام احكامهم و الآثار آثارهم و الانوار انوارهم في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك و في الدعاء ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا الدعاء ، و الغرض انه
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
فالله سبحانه خلقهم اذ خلقهم بيده العليا التي ليس فوقها يد يد الله فوق ايديهم و خلق ما خلق بساير الايدي الدانية التي منها قوله لما خلقت بيدي استكبرت الآية ، و منها قوله الله يتوفي الانفس حين موتها و قوله و السماء بنيناها بايد و انا لموسعون و الارض فرشناها فنعم الماهدون ، في دعاء الحسين عليه السلام اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك الدعاء ، فتدبر تفهم و اما قوله و نفخ فيهما بنفسه من نفسه لنفسه ، فاعلم ان المراد بالنفخ نفخ الروح و انما ينفخ الروح في الجسد الذي هو دونه لا في المقام الاعلي منه فالمنفوخ اعلي [ص 31] و اشرف من المنفوخ فيه البتة فالمراد بقوله خلقهما الله بيده خلق ابدانهم في تلك البحبوحة العلياء اي ادني مراتبهم و اسفل مقاماتهم فلما خلق تلك الابدان و الظواهر الطاهرة نفخ فيها الروح الذي هو اعلي و اشرف من تلك الابدان اذ به حيوتها و به ارتباطها بملكوتها و تعلقها بمبدئها و من البين ان الروح لطائف الجسد و رقايقه و لذا قال عليه السلام في الروح انه جسم رقيق البس قالبا كثيفا ، فالنسبة بينهما تشكيكية يختلفان في المادة الصنفية يجتمعان في النوع فهما من مادة نوعية واحدة و ان اختلفت مراتبها في اللطافة و الكثافة فما لطف منها صور بصورة لطيفة روحانية و ما كثف منها صور بصورة كثيفة جسدانية فالروح في الحقيقة جسد رقيق ملكوتي و الجسد روح غليظ ملكي يدل احدهما علي الآخر و الروح ربوبية الجسد و الجسد عبودية الروح فما فقد في الجسد وجد في الروح و ما خفي في الروح اصيب في الجسد و الجسد مقدم ظهورا علي الروح و الروح مقدم وجودا علي الجسد و الجسد لسان داع و الروح اجابة حاضرة من المدعو يجيب دعوة الداع اذا دعاه كما دعاه علي حسب ما دعاه و لاجل ذلك خلق الله الروح قبل الجسد رتبة باربعة آلاف سنة و خلق الله الجسد قبل الروح في الظهور و البروز فما لميوجد جسد في الدنيا و الملك لميوجد روح في العليا و الملكوت قال الله عز و جل قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فما لميدع الله الجسد بلسان قابليته و استعداده ان يعطيه روحا مااعطاه فبدعائه يخلق له روح و ان كان رتبته اعلي منه ثم لما كان مشاكلا للريح عبر عنه بالنفخ و هو اخراج هواء ما في الجوف و لما كان الروح من جوف الغيب و يتعلق بالجسد الشهادي عبر عنه بالنفخ ثم نسب ذلك النفخ بنفسه اذ فقدت الوسائط بينه و بينه و كان اول صادر من ربه بنفسه او المراد من النفس هنا هو النفس التي من عرفها فقد عرف ربه و هي الفؤاد و هي نفس محمد صلي الله عليه و آله و هي نفس الله لاختصاصها بالله كما في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن ، فقد نفخ الله روح محمد في جسد محمد بفؤاد محمد و حقيقته صلوات الله عليه و آله و هي اي تلك النفس [ص 32] يد الله العليا في احداث جميع الاشياء قال ابوعبدالله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فكان نفخ روح محمد في جسد محمد بنفس محمد صلي الله عليه و آله قد تجلت للجسد بنورها فاشرق الجسد بفضل تجليها و لما كان تلك النفس من الله و الي الله و لله نسبت اليه فافهم و اما قوله من نفسه ، فشرح بيان حقيقة ذلك الروح كما قال الله عز و جل يسألونك عن الروح اي ما حقيقته و ما كنهه قل الروح من امر ربي اي مادته من امر الله كما تقول صغت الخاتم من الفضة اي مادته من الفضة فاذا ثبت ان مادته من فضة و هو خاتم فصورته مشهودة و انما كان المجهول مادته فشرح فقال قل الروح من امر ربي و امر الله هو مشية الله قال له الخلق و الامر فمادة الروح المسؤل من المشية و ذلك الروح المسؤل هو روح محمد صلي الله عليه و آله فساير الارواح و ان كانت ايضا من امر الله لكن من امر الله الجزئي الذي هو رأس لامر الله الكلي او هو من امر الله بوسايط فالروح الكلي من امر الله الكلي و الروح الجزئي هو من امر الله الجزئي و كل روح في حده من ملكوت رتبته و امر عالمه و روح محمد روح كلي فهو من الملكوت الكلي و مادته من الامر الكلي المخلوق بنفسه فمادة روحه من امره و امره مخلوق بنفسه و نفس الامر حقيقته التي خلق منها فنفخ في جسد محمد صلي الله عليه و آله الروح بنفسه من نفسه فهو منه و به و اما قوله لنفسه ، فهو اثبات فضل عظيم و مقام جسيم فانه قد بين بهذه الكلمة ان الله جل و عز اصطنعه لنفسه و خلقه لاجله فكان له كما خلقه له و لميك لنفسه فكان من ذاته الي ذراته لله عز و جل لا لغيره فكان الله اولي به من نفسه و اوجد منه في مكان وجوده و ابين منه في حدود شهوده فصار موجودا بالله و من الله و لله كما قال الله عز و جل سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فنفي الاختصاص به عن جميع الاناسي و الانبياء و المرسلين و اثبت الاختصاص بالحمد الذي هو حقيقة محمد اذ هو الذي اثني الله نفسه له به فلاجل ذلك صار ذاته ذات الله و روحه روح الله و نفسه نفس الله و ظهوره ظهور الله و مرآه مرأي الله و مسمعه مسمع الله [ص 33] و مقاله مقال الله و مفعله مفعل الله و جميع ما له لله و جميع ما به بالله و هكذا و لذلك صار حبه حب الله و بغضه بغضه و الاعتصام به الاعتصام بالله و طاعته طاعة الله و معصيته معصية الله و معرفته معرفة الله و جهله جهل الله و التخلي عنه التخلي عن الله فكذلك كان لله عز و جل و هذا معني لنفسه و اما قوله عليه السلام و صورهما علي صورتهما ، اعلم ان الصورة تطلق علي حدود الماهية و الانية فلها مراتب بحسب مراتب الماهية من الدرة الي الذرة بل من اول الخلق الي آخره فان الله سبحانه لميخلق خلقا فردا قائما بنفسه للذي اراد من الدلالة عليه قال الله سبحانه و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون فجميع ما سوي الله عز و جل الاحدِ الواحدِ مثني و كل مثني له وجود و ماهية و كل ذي ماهية له صورة و حدود و نهايات بالمعني الاَعم و كلما كانت المادة الطف كانت الصورة الطف و كلما كانت اكثف كانت الصورة اكثف فالحدود و النهايات الذكرية تسمي بالحقيقية و الحدود و النهايات الملكوتية تسمي بالمعنوية الكلية الملكوتية و الحدود و النهايات الدهرية تسمي بالصور النوعية الغيبية و الحدود و النهايات الملكية تسمي بالصور الشخصية الظاهرية و جميعها صورة بالمعني الاعم و قد يقال الصورة في مقابلة المعني فتختص بحدود النفس و ما دونها و قد يطلق الصورة و يراد منها الصفات و منه قوله عليه السلام خلق الله آدم علي صورته ، اي علي صفته اي جعله عليماً سميعاً بصيراً خبيراً ذكوراً شكوراً و هكذا و قد يطلق الصورة علي التمثلات و الآثار فيكون العرش و الكرسي و الافلاك مثلا صور الجسم الكلي لانها تمثلاته في الخارج و قد يطلق الصورة علي الوجودات المنفصلة كما يقال ان الولي صورة النبي و الارادة صورة المشية و هكذا و اعلم ان الصورة صورتان كونية و شرعية اما الكونية فهي نهايات الماهية و الانية و اطرافها و حدودها و ارفها و امّا الشرعية فهي اجابة امر الشارع و امتثال حكمه و عصيانه و مخالفته و ذلك انه كما ان الاكوان كانت قبل ايجادها في الامكان معدومة العين كذلك الاكوان الشرعية في امكانها الذي هو الوجود الكوني معدومة العين لا تعين لها فيه فلاجل ذلك تجده صالحا [ص 34] للسعادة و الشقاوة لايمتنع عن احدهما و كما ان الاكوان في الامكان لاتخرج بانفسها من العدم الي الوجود الا ان يخرجها كائن موجود كامل كذلك الاكوان الشرعية لاتخرج من عدمها و امكانها الي الوجود اي الوجود الشرعي الا ان يخرجها كائن شرعي موجود كامل في الشرع و هيهنا كليمة ينبغي التصريح بها و هي انا كثيرا ما نقول ان الكائن كان قبل كونه في الامكان و اخرجه الموجد الي عرصة الوجود و ليس المعني علي ما يستبان منه ظاهرا بل المعني ان الامكان صالح الانفعال و صالح القبول يعني اذا افاض موجود عليه وجوداً قبله و ذلك كالمرءاة فانها صالحة لكل صورة و ليس صورة من الصور فيها و لكنها صالحة لقبول كل ما يرد عليها و لمتكن صورة فيها و لااستخرجت منها و انما هي مثال الشاخص الموجود بالفعل و كمال كامل و فضل فاضل منحها اياه فقبلت لصلوحها للقبول و من هذا تبصر الامر و اعرف المسألة و كذلك زيد الموجود الكوني مثلا فانه صالح للسعادة و الشقاوة و ليس فيه سعادة و انما السعادة صورة الشارع الكامل و فضل الامر الفاضل منحه اياها فقبلها فتصور بصورة السعادة فكان سعيدا و سعادته من الغير كما ان المرآة اذا قابلها الشاخص الاحمر احمرت و صارت حمراء و انما حمرتها من الشاخص و لمتكن فيها حمرة كامنة تستخرج و اما الشقاوة فهي باعراضه عن مبدء الخير و توجهه الي مبدء الشقاوة و وقوع ظل الشقي الكامل في شقاوته عليه فلمتكن فيه شقاوة كامنة تستخرج و انما هو صالح لقبول ما يلقي عليه و قد القي عليه الشقاوة فكان شقيا و شقاوته من الشاخص راجعة اليه و هذا معني قوله عليه السلام نحن اَصْل كل خير و من فروعنا كل بر و اعداؤنا اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة ، و لنرجع الي ما كنا فيه فذلك الكائن الموجود في الكون امر كوني و في الشرع امر شرعي و كما ان الله جل و عز جعل الامر الكوني منتهي جميع خلقه و قال وليه عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية ، كذلك الامر الشرعي منتهي جميع الشرعيات و الوجودات الشرعية خلق جميعها به و كما ان الشواخص اذا ذهبت ذهبت المثل و الصور جميعا معها و بقيت المرايا خلوة من الصور لا شئ لها و فيها كذلك اذا ذهب [ص 35] الآمر الشارع ذهبت السعادات كلا معه و هو ممدوح بها و بقيت النفوس خلوة من السعادة ما اصابك من حسنة فمن الله ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و انما هي معه كشعاع الشمس من الشمس يطلع اذا طلعت و هو منبث في المرايا و يغرب اذا غربت و خَلَت المرايا لا شئ فيها و في الزيارة اليكم التفويض و عليكم التعويض ، و كذلك اذا ذهب مبدء الشقاوة رجع جميع الشقاوات اليه و تبعته اذ هي برمتها منه و اليه و هو مذموم بها فقوله فصورهما علي صورتهما بعد ذكر الخلق و النفخ فالمراد به التصوير الشرعي بعد الخلق الكوني فانه ذكر انه خلقهما و نفخ فيهما من روحه فتم بذلك خلق ظاهرهما و باطنهما ثم قال انه صورهما علي صورتهما اي الصورة التي اقتضت اجابتهما بعد ان دعاهما فدعا النبي بلسانه و دعا الولي بلسان النبي و ذلك انه علي ما ذكرنا كما ان انتهاء الخلق الي الامر و الامر هو بدء كل شئ منه و ختم كل شئ اليه فلايسبقه سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق وجب ان يكون مخلوقا بنفسه لا بشئ غيره اذ لا شئ غيره فكذلك يجب ان يكون الامر الشرعي مهديا بنفسه مدعوا بنفسه منبئا بنفسه اذ لايسبقه سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق فهو مهدي بنفسه و مدعو بنفسه فهو الداعي و المدعو و المنادي و المجيب و صوره اللّٰه بصورة مدعو يدعي بنفسه و هو صورة النبوة الكلية العامة فصوره اللّٰه بهذه الصورة و اما الولي فقد دعاه الله بلسان نبيه الاقدم صلي الله عليه و آله فاجابه و صوره الله بصورة اجابته و هذه الصورة هي الطينة المذكورة في الاخبار التي منها و فيها تحقق عليون و سجين فمن اجاب امر الآمر صور بصورة عليين و كتب كلمة اجابته في كتاب عليين كلا ان كتاب الابرار لفي عليين و ما ادريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون و من انكر امر الآمر و خالفه صور بصورة سجين كلا ان كتاب الفجار لفي سجين و ما ادريك ما سجين كتاب مرقوم فمن تصور كينونته بصورة الاجابة و الامتثال و هي الاعتراف بالتوحيد و صفات الله و اسمائه و افعاله علي ما ذكره في كتابه و الاعتراف بالنبوة لجميع الانبياء و اقر بفضائلهم و صفاتهم و انزلهم عن [ص 36] الربوبية و اثبت لهم جميع الكمالات مما سواها و لميبخل الله فيهم و لميسلبهم صحة استعدادهم الذي منحهم الله و لميصغر عظمة الله فيهم و سبح الله باسمائه ثم اعترف كذلك بالاوصياء و اقر بفضائلهم و سلم لرواتها و قبل من حملتها و ائتم بهم و والاهم و عادي اعداءهم ثم والي اولياءهم و عادي اعداءهم و اقر بجملة ما جاءوا به و اقتصر علي الاخذ منهم و جانب الاخذ عن غيرهم و عمل بآثارهم و اقتصر علي اخبارهم و هجر الرأي و الهوي في دين الله فذلك المجيب حقا و المصور بصورة محبوبة هي صورة عليين فكتب كلمة وجوده بتلك الصورة في حدود وجوده و لوح شهوده و هو من الابرار و من تصور و العياذ بالله بصورة الانكار و الانحراف و هي انكار التوحيد و الصفات و الاسماء و الافعال علي ما اتت به الرسل و نزلت به الكتب و انكار الانبياۤء و المرسلين و اوصياۤئهم المكرمين و انكار فضائلهم الظاهرة و ما خصهم الله به من القدرة و الكمال و انكار حملة علومهم و رواة فضائلهم و انكار ما جاءوا به جميعه او بعضه و العمل في دين الله بالرأي و الهوي فذلك هو المنكر الذي كتبه الله بانكاره في كتاب الفجار في سجين في مقام شهوده و موضع وجوده بهيأة ما هو عليه و اعلم ان انكار الجميع و انكار البعض بمنزلة واحدة فلايغرنك قوم يأخذون باكثر امور الدين و هم للبعض منكرون و هذا هو الفرق بين الاقرار و الانكار فالاقرار بالبعض لايغني عن الاقرار بالكل و اما انكار البعض فيكفي عن انكار الكل اذ هو بمنزلة انكار الكل الاتري انه لو اقر رجل بجميع امور الدين و انكر شيئا واحدا ثابتا فكأنه انكر الكل فان انكار الشئ الواحد الثابت انكار للنبي صلي الله عليه و آله و تكذيب له فيه و تكذيبه تكذيب لرسالته و معجزاته و هو كفر بالله العظيم فمن انكر شيئا واحدا ثابتا من الدين فقد صور بصورة الانكار و ان ما اقر به فانما هو كيد و نفاق و يكذب فيه البتة بالجملة ان الله سبحانه لما ان خلق محمدا و آلمحمد عليهم السلام و اتم كينونتهما صورهما في التشريع بصورتهما التي هي النبوة و الولاية و ابانهما و ابان فضلهما عن العالمين و صورهما علي صورة التوحيد و هيكل التفريد و درك ذلك مشكل جدا حيث ان الكثرة الصورية [ص 37] مضادة للوحدة و الاشارة اليه ان الله سبحانه خلق نور محمد و آلمحمد عليهم السلام حيث خلقه في مقام اللاهوت في غاية الوحدانية التي تمكن في الامكان و هي التركيب من البسيطين اللذين لا قوام لاحدهما بدون الآخر فكان واحدا متوحدا ليس في الامكان شئ اوحد منه فلما انزله الي غاية المراتب الوجودية فصل ذلك النور في كل رتبة بعد رتبة فكان ذلك التفصيل تفصيل ذلك الاجمال و ذلك الاجمال اجمال ذلك التفصيل بحيث لو اجمل ذلك التفصيل صار ذلك الاجمال و لو فصل ذلك الاجمال صار ذلك التفصيل بعينه لايزيد عليه و لاينقص و ذلك كبرمة كسرتها اعشارا فاذا وضعت كل قطعة مكانها و الزقتها باللازوق صارت برمة واحدة و اذا فصلتها حصلت تلك القطع فلو كانت انقص لكان يبقي عند الالزاق ثلمة و لو كانت ازيد لزاد قطعة بعد تمام البرمة فتفصيل تلك الاعشار تفصيل تلك البرمة الواحدة و تلك البرمة اجمال تلك الاعشار و هذا مبدأ علم القيافة و منشأه و لاجل ذلك صاروا يستدلون من الهيئة و اللون و السحنة و الخطوط و الاسارير علي الحالات النفسانية و الاخلاق الروحانية و ذلك ان الجسم تنزل الروح و جمود ذائبه و تفصيل اجماله و غليظ رقيقه لا فرق بينهما الا في الرقة و الغلظة فاذا كانت الحقيقة آية التوحيد و ظهور التفريد كانت الصور الدانية التي هي تنزلها صورة التوحيد و هيكل التفريد و كلما كان الشخص ابعد عن لحوق الاعراض و البوائن كان اخلص في كونه ظهور التوحيد و تمثل التفريد و لما كان محمد و آلمحمد عليهم السلام معصومين مطهرين عن لحوق جميع الاعراض و البوائن لميلحقهم شئ من اعراض المراتب و امراض المقامات فكانوا في كل مرتبة علي صرف مقتضي مشية الله المحبوبة و هيأة اسمائه و صفاته و انواره و كمالاته فكانوا في كل مقام علي صورة التوحيد و هيكل التفريد يدلون اليه و يظهرونه لايعدلون عنه الي غيره و لايدلون الا اليه فافهم ان كنت تفهم فكذلك صورهما علي صورتهما فكانوا مقامات الله و علامات الله التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه اهل الافئدة باسرارهم و اهل العقول بانوارهم و اهل النفوس ببصايرهم [ص 38] و اهل الاجسام باجسامهم فاقامهم مقامه في ساير عوالمه في الاداء فادوا الي اهل كل لسان بلسانهم فمن اراد الله بدأ بهم و من وحده قبل عنهم و من قصده توجه اليهم صلوات الله عليهم .
قال عليه السلام و جعلهما امناء له الي آخر .
اعلم ان الامناء جمع الامين كالحكماء جمع الحكيم و الامين من تثق به و لاتخاف منه علي شئ فيختلف مراتب الامين علي حسب الخصوصية و الاطلاق فمنهم من يوثق به في شئ مخصوص و منهم من يوثق به في شيئين و منهم من يوثق به في اشياء و منهم من يوثق به علي الاطلاق فالامين المطلق لايكون الا المعصوم الحقيقي فانه الذي لايخاف منه علي شئ ان يكون منه علي خلاف رضاء الله و محبته و مشيته المحبوبة و خلاف مقتضي توحيده و لما علم بالدليل القطعي انهم سلام الله عليهم معصومون مطهرون فكانوا امناء الله علي الاطلاق فآمنهم علي اداء توحيده الذاتي بلسان حقيقتهم و سرهم حيث امر الله سرهم بقوله قل هو الله احد الله الصمد لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد فقالوا ذلك بلسان ذلق (ظ) في جميع عرصة الامكان فمن وحده قبل عنهم و تعلم منهم و عرف بهم و الا لميكن لاحد خبر من التوحيد ابدا ابدا و آمنهم علي اداء توحيده الوصفي فلميظهروا الا بها و لميظهروا الا اياها فكانوا بذلك قدرة الله و علم الله و حيوة الله و سلطان الله و وجه الله و عين الله و يد الله و لسان الله و هكذا و آمنهم علي اداء توحيده الفعلي فلميصدر منهم فعل الا فعل الله و بالله و لميصدر من الله فعل الا فعلهم و بهم اذ كانوا محل مشية الله و وكر ارادته فهو اذا شاء ما شاء اينما شاء و حيثما شاء حرك من سرائرهم كوامن ما ابطن فيهم من مشيته و اظهره علي ايديهم و السنتهم فلميقولوا الا قوله و لميفعلوا الا فعله لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و آمنهم علي اداء الشرايع الكونية فأدّوا الي كل ذي حق حقه و ساقوا الي كل مخلوق رزقه فلميزووا عن احد شيئا اراده الله له و لميزيدوا احدا شيئا لميجعله الله له فاعطوا كل شئ خلقه ثم هدوا بم شاء و كيف شاء و آمنهم علي [ص 39] اداء الشرايع الوصفية فادوا ما حملهم الله من دينه و شرعه و هيئات رضاه و صفات محبته فاعذر رسوله صلي الله عليه و آله و انذر و بلغ و ادي كما شاء حتي انزل الله في حقه قرآنا فقال ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و قال اناتبع الا ما يوحي الي و قال و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فلميزد في دين الله حرفا و لمينقص من دين الله حرفا و لميقل في دين الله بظن و لا حدس و لا تخمين و لا رأي و لا هوي و لا باستدلال بدليل و لا بنظر منه و لو كان غير عليل بل بنص قاطع و وحي خاص نازل و العجب من قوم غير معصومين متحول النظر في كل حين يحكمون في دين الله بالظن و التخمين و يسمونه الشرع المبين و يستدلون بعقولهم و يستبدّون بآرائهم و يحكمون بمصالحهم و استحساناتهم ثم يسمونه دين الله و شرعه و يحرمون التخلف عنه و يثيبون عليه و يعاقبون عليه و يختار كل واحد منهم بعقله الباير المختلف في الاحيان رأيا ثم يعدون بطاعتهم الجنة و يوعدون بعصيانهم النار لاادري ءانزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه او انزل دينا تاما فقصر الرسول عن ابلاغه او هم شركاء لله فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضي او رأوا دينا ناقصا مهملا فتبرعوا باكماله املكوا زمام الجنة و النار فكانوا قسيمهما حتي صاروا يعدون و يوعدون ابعثهم الله انبياء فلم لايقولون بالوحي ام فوض اليهم امر ملكه فيختاروا ما يشاءوا فلم يقولون بان الله مالك يوم الدين بالجملة تلك شقشقة هدرت ثم قرت ، فجعلهم الله امناء علي اداء دينه و شرعه فادوا كما في الزيارة حتي اعلنتم دعوته و بينتم فرائضه و اقمتم حدوده و نشرتم شرايع احكامه و سننتم سنته و صرتم في ذلك منه الي الرضاء و سلمتم له القضاء و في العوالم بسنده عن المفضل بن عمر قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا مفضل ان الله خلقنا من نوره و خلق شيعتنا منا و ساير الخلق في النار بنا يطاع الله و بنا يعصي يا مفضل سبقت عزيمة من الله انه لايتقبل من احد الا بنا و لايعذب احدا الا بنا فنحن باب الله و حجته و امناؤه علي خلقه و خزانه في سمائه و ارضه حللنا عن الله [ص 40] و حرمنا عن الله لانحتجب عن الله اذا شئنا و هو قوله تعالي و ماتشاءون الا ان يشاء الله و هو قوله صلي الله عليه و آله ان الله جعل قلب وليه وكرا لارادته فاذا شئنا شاء الله ، و آمنهم الله علي امر ملكه ففوض اليهم امر ملكه اجمع و هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فهم و ما فوض اليهم في يده مملوكون له قال عليه السلام اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و في الكافي عن زرارة قال سمعت اباجعفر عليه السلام و اباعبدالله عليه السلام يقولان ان الله عز و جل فوض الي نبيه امر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا هذه الآية ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا انتهي ، و عقد لذلك بابا فهم امناء الله علي خلقه بالجملة حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و هم اول الخلق لايسبقهم سابق و لايفوقهم فائق و خلق ما سواهم من اشعتهم و انوارهم و قد فوض اليهم امر جميع اشعتهم و انوارهم كما فوض الي الشمس امر جميع اشعتها منها بدؤها و اليها عودها و هي تدبرها و تديرها و تحولها من حال الي حال و تقوم بها في ذاتها و صفاتها و آثارها فالشمس امين الله في تدبير اشعتها مفوض اليها و لا شرك و كذلك هم صلوات الله عليهم و لا شرك و التفويض الذي هو الشرك ان يقال انه فوض الله امر شئ الي احد ثم رفع يده عنه فهو بعد مستقل فيه او شريك مع الله فيه و اما اذا كان الامر بيد الله و لميخرج من يده و لنيخرج و هو المدبر له وحده وحده وحده لا شريك له و مالك الكل فليس بشرك و كذلك نقول في كل شئ دائما و لاينافي ما قلنا آنفا ما قلناه هنا و انا امثل لك مثالا فاعتبر به ان كنت ممن لا حنق في قلبك لآلمحمد عليهم السلام اخبرني عن البلورة التي تؤخذ قبال الشمس فتحرق المقابل هل البلورة هي حارة ام هي ضيئة علي الاستقلال ام بشركة مع الشمس ام الشمس وحدها هي المحرقة المضيئة و ان اظهرت احراقها و ضوءها من البلورة اذ حفظت اشعتها و جمعتها و لمتكن حجابا لها فلا شك ان الشمس هي المحرقة المضيئة وحدها الا انها اظهرت نورها من البلورة و هي جسم بارد غليظ ظلماني فافهم ان كنت تفهم و آمنهم علي الحكم بين العباد في الدنيا و يوم التناد [ص 41] ففوض اليهم امر الحكم بين العباد فيحكمون بينهم بما اراهم و فتح عين بصيرتهم حتي يبصرون كل شئ بحقيقته و يبصرون ما فيه و ما عليه و ما منه و ما له و ما به علي ما هو عليه فيحكمون له او عليه بما يستحقه فهم حكام الله في الدنيا و الآخرة و اياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم و فصل الخطاب عندكم و آمنهم علي علمه و جعل عندهم خزائن علومه فهم يكتمون عن الكل ما ينبغي كتمانه عن الكل و يسعه صدورهم فلايطلعون عليه ملكا مقربا و لا نبيا مرسلا ابدا ابدا و يكتمون عما سوي المقربين و المرسلين و الممتحنين ما لايطيقونه و ما لايحتملونه و ما يكفرون به لو علموهم و ينشرون بين الناس ما امروا بنشره علي حسب طاقة كل فرد فرد و هم امناء الله في علمه عن التغيير و التحريف و التبديل فيحفظونه كما اودعهم و ذلك ان الامين امينان امين اكتسب الامانة بقوة روحانيته و نفسه القدسية و مهما غفل جرت طبايعه علي مقتضي ما فيها من الشيطنة و الخيانة و لو بالسهو و الخطاء و الجهل و امثال ذلك و امين جبل علي الامانة و خلق عليها في ذاته فلاتقتضي ما ينافي ذلك الا ان يعدم و يوجد غيره و الا فما دام هو هو كذلك و جبل علي ذلك و الذاتي لايتخلف كالنار المجبولة علي الحرارة و الاحراق فلاتسهو و لاتلهو و لاتخطي و لاتغفل و لايتأتي منها غير ذلك فهم سلام الله عليهم مجبولون بالذات علي الامانة و ان كان الجبل علي نحو الامر بين الامرين اينما كان و لا جبر و لا تفويض فهم امناء الله بالذات آمنهم الله علي علمه يضعونه اينما اراد الله لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و آمنهم الله علي وحيه الكوني و الشرعي اذ وجدهم حافظين له لايغيرون و لايبدلون لاستقامة فطرتهم و مشاعرهم و ثباتهم و دوامهم علي ما جبلهم الله عليه فيتلقون الوحي كما يوحي اليهم و يفهمونه علي ما اراد الله و يؤدونه علي حسب ارادة الله فبذلك صاروا امناء الله علي وحيه تلقياً و تفهما و اداءاً و هو قوله عليه السلام مابعث الله نبيا الا و هو ذو مرة سوداء صافية ، و ذلك ان المرة السوداء ما بين الاخلاط اثبتها و احفظها و اصونها عن التغير فافهم و آمنهم الله علي انفسهم حيث [ص 42] خلقهم بانفسهم اذ لايسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و هم اول ما خلق الله فجعلهم الله يده في احداث انفسهم و فعله في ايجادهم فكانوا كما شاء الله لايتخلفون عن وجه محبته و سبيل رضاه لانهم محبة الله و لايمكن تخلف المحبة عن كونها محبة و هم محبة الله و انما قد يتخلف غير المحبة عن المحبة فهم كانوا علي حسب محبة الله فهم امناء الله علي ما احب فكانوا كما احب فلاجل ذلك صاروا امناء الله علي انفسهم فلايجرون بعد ما كانوا علي ما احب في غير سبل رضاه فلاينطقون الا بما احب و لايفعلون الا ما احب و لايفقدهم الله حيث احب و لايجدهم الله حيث يكره ابدا و لايمكن مثل تلك الامانة في غيرهم اذ لميجبلوا علي صرفها مثلهم بالجملة هم امين الله في الكل و فيما ذكرنا و مثلنا كفاية و بلاغ و لايسع وقتي اكثر من ذلك .
قال عليه السلام و شهداء علي خلقه الي آخر .
اعلم ان الشهداء جمع شهيد يقال شهد الرجل اي اطلع عليه و عاينه و حضره فهم سلام الله عليهم شهداء الله علي خلقه كما خاطبهم في كتابه و قال ملة ابيكم ابرهيم هو سميكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس كما وضع قاعدة كلية فقال يوم نبعث من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا و كل نبي و وصي شهيد ما يليه من العصر كما قال عيسي عليه السلام و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم و انت علي كل شئ شهيد ثم فصل ذلك في كتابه فقال بئس للظالمين بدلا مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا فدلت الآية بمفهوم اللقب انه اتخذ الهادين العادلين عضدا و اشهدهم خلق السموات و الارض و هم الهادون العادلون باتفاق الامة فهم شهداء الله في خلقه و كيف لايشهدون الخلق و هو برمته مخلوق بهم و من اشعتهم و انوارهم و آثارهم و هم منهم كقيامك منك قائمون بهم قيام صدور موجودون بتوجههم اليهم اذ هم مشيته و امره و حكمه و في الدعاء كل شئ سواك قائم بامرك ، و قال الله و من آياته ان تقوم السماء [ص 43] و الارض بامره و هم العاملون بامره حيث يقول لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فلايعقل احتجاب شئ عنهم سلام الله عليهم قال ابوجعفر عليه السلام في قول الله تعالي و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا قال منا شهيد علي كل زمان علي بن ابيطالب في زمانه و الحسن في زمانه و الحسين في زمانه و كل من يدعو منا الي امر الله و سئل عن قول الله تبارك و تعالي و كذلك جعلناكم امة وسطا الآية ، قال نحن الامة الوسط و نحن شهداء الله علي خلقه و حجته في ارضه و قال ابوعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا قال نزلت في امة محمد صلي الله عليه و آله خاصة في كل قرن منهم امام منا شاهد عليهم و محمد صلي الله عليه و آله شاهد علينا و سئل عن قوله قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون فقال عليه السلام ايّانا عَنٰي ، و الاخبار بشهادتهم متواترة و اعلم انهم عليهم السلام يشهدون الخلق من وجوه عديدة منها انهم صلوات الله عليهم في اعلي مقاماتهم في مقام الوجود المطلق الذي ليس معه غيره علي معني النفي لا الامتناع الحقيقي فلهم في هذا المقام ثلثة انظار نظر يكشفون فيه عن سبحات الجلال و يهتكون الاستار بغلبة السر و يجذب احديتهم لصفات توحيدهم و يمحون الموهوم حتي يصحو المعلوم فيقفون وجدانا في مقام الكينونة التي هي الحقيقة و الوجود الحق الآئي فلايرون حينئذ الا الاحد الحق الآئي لا من حيث الآئيّة بل بامتناع الآئية الوجداني و نظر يرون فيه انفسهم في مقام الاطلاق فلايجدون معهم سواهم الا بالنفي و نظر يرون فيه آثارهم و انوارهم و تمثلاتهم بهم و ذلك حين اعراضهم عن قيد اطلاقهم و النظر بحقيقة وجودهم فيعلمون حينئذ ما كان و ما يكون الي يوم القيمة علم احاطة و عيان لا علم سماع و اخبار و امثل لك في ذلك مثالا تشاهده و هو ان ما تري من السموات و الارض و ما بينهما اجسام شخصية مشهودة يجمعها الجسم بقول مطلق اي لا بشرط و الجسم لا بشرط هو اعلي درجات الجسم بشرط لا الذي [ص 44] هو مقام الاطلاق و ليس للجسم بقول مطلق وجود مباين للجسم المطلق غيره بل الموجود في الخارج هو الجسم المطلق فاذا رفع النظر عن قيد اطلاقه فهو الجسم بقول مطلق و كذلك ليس للجسم المطلق وجود مباين فوق العرش كما ان العرش فوق الكرسي بل الجسم المطلق موجود بوجود هذه الاشخاص و هذه هي تمثله في الخارج ليس له وجود خارج عنها فوقها بل هو فيها و بها و مثله و مثلها كمثقال مداد كتبت جميعه و صورته علي صورة الحروف فلا مداد في الخارج غير هذه الحروف و هذه الحروف تصور مدادك و تمثله في الخارج فالموجود في الخارج هو حروفك فاذا رفعت النظر عن خصوصية الحروف فهي المداد الصالح كل جزءٍ منه لكل حرف و ليس فيه صور الحروف و هو موجود في الخارج حقيقة و ليس معني ينزع عن الشخصيات و الحروف كما يزعمون بل هو موجود في الخارج كما تري و يراه كل حيوان لكن في لباس الحروف و اذا رفعت النظر عن صلوحه و نفي الحروف رأيت مدادا بقول مطلق لاتذكر فيه عدم الحروف و لا وجودها فليس علي الصفحة شئ متذوت غير المداد قطعا جزما فالمداد ليس يخفي عليه شئ من الحروف و هو يعلم كلها كيف لا و ليس الحروف الا وجوداته و تمثلاته في الخارج و كذلك امر الوجود الحق الآئي فان جميع ما في العوالم الالف الالف كلها موجودات و هي تمثلات الوجود الحق الآئي و ظهوراته و هو الذي اشتبه علي القوم و زعموه الاله القديم و من ثم قالوا بوحدة الوجود و زعموا الخلق تنزلات الحق و ظهوراته و زعموا انه كما يكون السماء و الارض جسما يكون جميع الخلق هكذا الٰهاً و هو غلط باطل و مجتث زايل و كفر بضرورة الاسلام و الله عز و جل كنهه تفريق بينه و بين خلقه و كل ما يجوز في الخلق يمتنع فيه و هذا امر ممكن محسوس في الخلق فيمتنع في الخالق فمثل ذلك محال في الخالق جل و علا و اما الوجود الحق الآئي فلا ريب في كونه كذلك كما انه ليس في هذا العالم شئ غير الجسم فيناسبه في هذا المقام
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات [ص 45]
بالجملة فالحقيقة المحمدية الجامعة الكلية في هذا اللحاظ و بهذا النظر تعلم جميع الاشياء علما وحدانيا ليس فيه تفصيل و لكن لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا يعلمها و لايغيب عنه غايبة في السموات و الارض الا شهدها و علمها علم احاطة و عيان و اما من حيث الاطلاق و في رتبة الاطلاق فيعلم صلوح الاشياء و امكانها لا اكوانها و اعيانها و هو العلم المراد بقوله علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها ، و هو العلم الصلوحي و المراد بهذا الصلوح هو صلوح التجلي لا صلوح الانفعال و قد حققنا هذه المراتب في مواقعها من ساير كتبنا و منها انهم صلوات الله عليهم عقل الكل و روح الكل و نفس الكل في مقام الكلية و بهم يتحرك المتحركات و يسكن السواكن و بهم يدبر الله جميع عوالمه و بهم يقوم العوالم كما يقوم الجسد بالروح و جميع حركة الملك و شعوره و ارادته و حيوته و خياله و فكره و وهمه و علمه و تعقله بهم صلوات الله عليهم فهم الناظرون من كل عين و هم اولي بالخلق من انفسهم و هم السامعون من كل اذن و الناطقون من كل لسان و الباطشون من كل يد و المدركون من كل ادراك و المحركون كل متحرك و المسكنون كل ساكن كالحيوة في بدنك و نفسك و روحك و عقلك فيك بلا تفاوت فلايخفي عنهم خافية في السموات و الارض قال عليه السلام ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و في العوالم عن ابيالحسن عليه السلام انما منزلة الامام في الارض بمنزلة القمر في السماء و في موضعه هو مطلع علي جميع الاشياء كلها و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله احكم و اكرم و اجل و اعظم و اعدل من ان يحتج بحجة ثم يغيب عنه شيئا من امورهم و في البحار عن رميلة عن علي عليه السلام انه قال يا رميلة ليس من مؤمن يمرض الا مرضنا بمرضه و لايحزن الا حزنا بحزنه و لايدعو الا امّنّا لدعائه و لايسكت الا دعونا له فقلت يا اميرالمؤمنين جعلني الله فداك هذا لمن معك في القصر ارأيت من كان في اطراف الارض قال يا رميلة ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الارض و لا غربها و قد تواتر عنهم انه اذا تولد الامام يرفع له عمود من نور يري به ما بين المشرق و المغرب و قال المفضل [ص 46] لابيعبدالله عليه السلام جعلت فداك يفرض الله طاعة عبد علي العباد ثم يحجب عنه خبر السماء قال الله اكرم و ارأف بعباده من ان يفرض عليهم طاعة عبد يحجب عنه خبر السماء صباحاً او مساءاً وَ عَنِ الثمالي قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول لا والله لايكون عالم جاهلا ابدا عالم بشئ جاهل بشئ ثم قال الله اجل و اعز و اعظم و اكرم من ان يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه و ارضه ثم قال لايحجب ذلك عنه ، الي غير ذلك من الاخبار المتواترة و ان شئت حقيقة شهادتهم فاصغ لما اقول اعلم ان الله عز و جل لا اقتضاء في ذاته لشئ ابدا فانه احد حق يمتنع فيه ذكر ما سواه امتناعا حقيقيا و لميمض عليه مدة في تفرده ثم خلق فيحدث فيه حال بعد حال بل هو في تفرده ازلا ابدا لميقارنه شئ بعد تفرده و لميوجد معه شئ بعد توحده و خلق ما خلق لا بعد مدة انقضت اذ لا فصل بينه و بين خلقه و لا وصل بل لميأت وقت لميكن الخلق خلقا فكان الخلق في مكانه و رتبته ابدا خلقيا خلقا ماكان خلوا من ملكه قبل انشائه و لايكون خلوا منه بعد ذهابه و خلق كل شئ اياه اياه اذ يمتنع ان يكون الشئ غير ذلك فخلق السبب سببا و المسبب مسببا و العلة علة و المعلول معلولا و الفعل فعلا و المفعول مفعولا و الكلي كليا و الجزئي جزئيا و المنير منيرا و النور نورا و الغيب غيبا و الشهادة شهادة و السماء سماءا و الارض ارضا اذ لا اقتضاء من نفسه عز و جل لشئ و لايقتضي شئ ان يكون غير ذلك الشئ كما لايقتضي التسعة ان تكون عشرة و لو كانت عشرة لكانت عشرة ابتداءا لا تسعة اقتضت ان تكون عشرة و كان ذلك الاقتضاء مع الخلق حين الخلق وجودا و قبله علما اذ كان ذلك في علمه الوحداني غير المتناهي فخلق المشية مشية اولا بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و لما كان يجب ان يكون كل شئ علي ما هو و مما يكون المشية عليه ان لايسبقها سابق و لايفوقها فائق و ان تكون منتهي كل شئ و لاتنتهي الي غيرها بل الي نفسها و ان تكون مخلوقة بنفسها و ان لايكون لها مبدء و لا مختم و ان تكون اوحد ما يمكن في الامكان و ابسطه فتكون مركبة من البسيطين فلايكون لها زوال و لا انتقال حال و ان لايجري [ص 47] عليها ما هي اجرته و لايعود فيها ما هي ابدته و ان تكون منفردة في رتبتها و مقامها ليس معها غيرها لميخلق مما خلقت منه غيرها و لميشاركها في مادتها و لا صورتها احد سواها فكان جميع ما سواها نورها و شعاعها و تمثلها اذ كان من مادة دون مادتها و علي صورة دون صورتها فنسبة جميع ما سواها اليها نسبة ما يصنع من الحديد الي الحديد المطلق و ما يصنع من الطين الي الطين المطلق و ما يصنع من المداد الي المداد المطلق الدهري لا المداد الذي في الدواة و لا الامواج الي البحر فان المداد الذي في الدواة حرف و البحر المتموج موجٌ و في ذلك ضل الجهلة و هم سلام الله عليهم حقيقتهم ذلك الوجود المطلق الذي انتهي اليه الكل و اليه مردّ الكل و اياب الكل باجماع الامة حيث انهم اجمعوا علي انهم اول ما خلق الله و الاول ما لايسبقه سابق و لايفوقه فائق و تضافرت الاخبار بانهم امر الله و حكم الله و مشية الله و ان كانوا في مقام محل مشية الله و في مقام المخلوق بمشية الله و في مقام بشر مثلنا فان لهم مقامات فاذا كان نسبة الخلق اليهم نسبة الحروف الي المداد المطلق الدهري فلايخفي عليهم خافية في السموات و الارض اذ
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
فلميك شئ يخفي عليهم و يطلق عليه الموجود اذ هو شعاعهم و نورهم ليس له لحاظ وجود الا برؤيتهم فان لمترهم فلا وجود له و ذلك كالنور فانه نور ان رأيت فيه الشمس و ان لمتر فيه الشمس فهو ظلمة فنورية النور من كونه مرأي الشمس و جمالها و ظهورها و تمثلها فان لمتر الشمس و لمتظهر منها فلا نور و كذلك كل ما يطلق عليه الموجود هو موجود ان رُؤي منه و فيه الوجود فان لمتر فيه الوجود فلا موجود و الوجود المطلق هو تلك المشية و الواحد الذي ينتهي اليه كل كثرة فلا شئ سوي ذلك الوجود و نهاياته و حدوده و اُرَفه و تلك النهايات لاتخفي علي العالم بالمتناهي و المحدود الاتري انك لو علمت المداد لميخف عليك نهايات الالف لاسيما ان تلك النهايات كلها مما يصلح في ذات المداد التجلي بها و فيها بقي شئ انهم سلام الله عليهم يختلف [ص 48] مقامات شهاداتهم بالاجمال و التفصيل ففي هذا المقام الذي اشرنا اليه هم يشهدون كل ما دخل عرصة الوجود و اطلق عليه اسم الوجود شهادة ليس فوقها شهادة و هي اكبر الشهادات الا انها شهادة وحدانية قد طوي جميع الموجودات طي المؤثر للآثار و المنير للانوار و هي و ان كانت اعمها نظرا و اوسعها الا انها ليست شهادة تفصيلية برانية من خارج النهايات و الارف و الحدود و انما هي شهادة جوانية علي انهم اوجد في مكان كل شئ من نفس ذلك الشئ فلايخفي عليهم شئ و لهم مشاهدة اخري في مقام القطبية و القلبية اذ نزلوا الي عالم الكثرات و دائرتها فيشاهدون كل شئ و في هذا المقام مناظر فبالعقل يشاهدون الكل حيث انهم عقل الكل و العقل وسط الكل و قلب الكل كما قال الله عز من قائل ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب فهم في هذا المقام يعلمون الاشياء و يشاهدونها علي نحو الكلية بنفس ذلك العقل و بالانفس علي نحو الصورية في مراتبها العشرين حتي انهم الناظرون من كل عين السامعون من كل اذن و الذائقون من كل ذوق و اللامسون من كل لمس و هكذا بل المتحركون من كل متحرك و الساكنون من كل ساكن و هكذا كما ان عقلك هو المتعقل بذاته و العالم بنفسه و المتخيل بخياله و المتفكر بفكره و الناظر بعينه و المعاين لكل ما عاينت و المشاهد لكل ما شاهدت كذلك عقل الكل في جسم الكل حرفا بحرف فيشاهدون كل شئ بنفس ذلك و يعلمونه بعلمه بنفسه فهو اولي بالكل من نفسه فيشاهدون دبيب النمل في الليلة الظلماء علي الصخرة الصماء تحت الثري بحسه و شعوره و كذلك يشاهدون ما دونهم حيث انهم روح الكل و نفس الكل و طبع الكل و مثال الكل و جسم الكل بكل رتبة يشاهدون ما دونها بنفس تلك الاداني كما ذكرنا في العقل حتي انهم في مقام انهم جسم الكل مطلعون علي كل جسم بنفس ذلك الجسم فكل جسم آلة ادراك خاصة لهم كما ان عينك آلة ادراك خاصة لك و لهم في هذا المقام نحو ادراك آخر و هو انهم في مقام الكلية مثلا في مقام العقل مؤثرون لجميع العقول الجزئية و هي انوارهم و آثارهم فهم محيطون بها عالمون بها علم احاطة و [ص 49] يشاهدونها مشاهدة استيلاء و امداد وجودي و كذلك روحهم في الارواح و نفسهم في النفوس و طبعهم في الطبايع و مثالهم في الامثلة و جسمهم في الاجسام ففي كل مقام هم يشاهدون جميع انوارهم و آثارهم مشاهدة احاطة كما كانوا يشاهدون في المقام الاول جميع ما دخل عرصة الوجود و اعلم ان مشاهدة المؤثر اثره و علمه به علم احاطة و المراد بعلم الاحاطة ان يكون العالم المشاهد اولي بمعلومه من نفسه و اوجد منه في مكانه و اقرب اليه منه و ذلك يكون حيث لا وجود للداني الا عند مشاهدة العالي و رؤيته فيه و طيّه له طي الاحدية الحقيقية و ان لمتكن حقية فعند ذلك يعلم العالم معلومه علم احاطة لا علم اكتساب او اخبار و اما علم كل مرتبة بجميع ما دونه يكون ايضا كذلك مع توسط تنزل يعني ان العقل الكلي يدرك العقول الجزئية بالاحاطة و يدرك النفوس الجزئية بالاحاطة بتوسط تنزله اوّلاً الي النفس الكلية ثم بالنفس الكلية يحيط بساير النفوس الجزئية ثم يتنزل الي الطبع الكلي ثم بالطبع الكلي يحيط بجميع الطبايع الجزئية و هكذا الي انه بالجسم الكلي يحيط بجميع الاجسام فبقول مطلق يمكن ان يقال انهم بعقلهم يحيطون بجميع ما سواهم فان تنزل الشئ صورته و جموده و تنزله و هذا هو المشار اليه بقوله عليه السلام في العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب انتهي ، فقال انه محيط بالاشياء جميعا و هذا وجه احاطتهم بالاشياء و بذلك يرون الاشياء من الاعلي فلايحجب عنهم شئ شيئا ففي البحار باسناده عن المفضل قال دخلت علي الصادق عليه السلام ذات يوم فقال لي يا مفضل هل عرفت محمدا و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام كنه معرفتهم قلت يا سيدي و ما كنه معرفتهم قال يا مفضل من عرفهم كنه معرفتهم كان مؤمنا في السنام الاعلي قال قلت عرفني ذلك يا سيدي قال يا مفضل تعلم انهم علموا ما خلق الله عز و جل و ذرأه و برأه و انهم كلمة التقوي و خزان السموات و الارضين و الجبال و الرمال و البحار و علموا كم في السماء من نجم و ملك و وزن الجبال و كيل ماء البحار و انهارها و عيونها [ص 50] و ماتسقط من ورقة الا علموها و لا حبة في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و هو في علمهم و قد علموا ذلك فقلت يا سيدي قد علمت ذلك و اقررت به و آمنت قال نعم يا مفضل نعم يا مكرم نعم يا محبور نعم يا طيب طبت و طابت لك الجنة و لكل مؤمن بها و عن ابيجعفر عليه السلام قال سئل علي عليه السلام عن علم النبي صلي الله عليه و آله فقال علم النبي صلي الله عليه و آله علم جميع النبيين و علم ما كان و علم ما هو كائن الي قيام الساعة ثم قال و الذي نفسي بيده اني لاعلم علم النبي و علم ما كان و علم ما هو كائن فيما بيني و بين قيام الساعة و قال ابوعبدالله عليه السلام اتقوا الكلام فانا نؤتي به ، و الاخبار في ذلك متواترة يتحير الانسان ايها يذكر و الكتب منها ملأي .