[ص 1]

لب اللباب في كيفية خلقة المواليد

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المحتجب بذاته عن درك الابصار الظاهر بانواره للانظار الذي اقام الانبياء مقامه في ساير عوالمه في الاداء و جعل الاولياء تراجمة اسراره في الارض و السماء و الصلوة علي اول صفاته و مبدء كمالاته الفاتح لما لحق و الخاتم لما سبق الجامع لشؤن كماله و الظاهر بفنون جماله محمد سيد الكائنات و اشرف البريات و علي آله القائمين مقامه الرافعين اعلامه حملة الاسرار و مجالي الانوار لاسيما خليفة الخلفاء و بقية الاصفياء صاحب الامر و العصر و الزمان و وجه الله الاحد الطاوي للاعيان و الاكوان في جميع اصقاع الامكان المؤدي عن الله المؤتمن محمد بن الحسن و السلام علي اعلام هدايته العامة و متممات الكلمة التامة و لعنة الله علي اعدائهم الاقشاب ما طلع نجم و غاب .

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم هلموا يا معشر الاخوان المسلّمين و الخلان المؤمنين الي مائدة عرشية نازلة من السماء من لدن خير الرازقين تكون لنا عيدا لاولنا و آخرنا فضلا من اكرم الاكرمين و تلقوها بقلوب نقية و افئدة زكية لتكونوا من المؤمنين و من يكفر بعد منكم فان الله يعذبه عذابا لايعذبه احدا من العالمين فبشراكم بشراكم انها حسناء لم‌تكشف [ص 3] الي الآن لثامها و رحيق لم‌يفض الي هذا الزمان ختامها فاعرفوا قدرها و اغلوا مهرها و استروا عن الاغيار محاسنها و انوارها و اكتموا عن الاجانب و الاشرار اسرارها ،

فاياك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم

و اني تحصنت بذي الملك و الملكوت و اعتصمت بذي العزة و الجبروت و امتنعت بذي القوة و اللاهوت مما اخاف عليها منه و احذر ، ما شاء الله كان و ما لم‌يشأ لم‌يكن و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و سميتها بلب اللباب و قسمتها بمقدمة و ابواب :

المقدمة - في بيان ما يجب تقديمه قبل الشروع في المقصود و الاستعانة من الله الودود .

اعلم ان الله سبحانه ذات احدية قد تعالت عن الصفات و تقدست عن الحدود و النهايات و تنزهت عن الزيادة و النقصان و جلت عن القوة و الامكان لاتنتظر لنفسها حدوث كمال و لاتترقب في نفسها حصول جمال بل هي فعلية محضة محضة و كينونة صرفة صرفة فليس لها تحول و انتقال و لايمكن فيها تغير من حال الي حال لاتمتاز عن شيء فتكون غيره و لاتتحد بشيء فتكون عينه كل ممتاز عن غيره محدود مثني و كل متحد مع غيره عينه ممكن مجزي هذا و هو سبحانه احد و يمتنع معه ما سواه و محال معه ذكر ما عداه كل ممكن معه غيره ممكن موصوف مثله و كل مذكور فيه غيره حادث شكله فليس اذ لم‌يكن غير غيره عين غيره اذ كون الشيء عين غيره يوجب التركيب كما يوجبه كونه غير غيره و كيف يذكر شيء بالعينية و الغيرية حيث يمتنع فهو اذ ذاك هو وحده وحده وحده يمتنع معه ذكر غيره عينا و كونا و امكانا اثباتا [ص 4] و نفيا فلاينتسب الي شيء و لاينسب اليه شيء و لايقترن بشيء و لايقترن به شيء و لايصدر عن شيء و لايصدر عنه شيء و لايخرج من شيء و لايخرج منه شيء فهو الله الاحد الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفؤا احد فليس له تحت و لا فوق و لا فاء و لا ثم لايقترن به حرف و لاينتسب اليه فعل و لايعبر عنه باسم لايحدث فيه اقتضاۤء و لايبدو في ذاته قضاء فهو تعالي و تقدس كان كذلك و يكون متفردا متوحدا لايزول و لايحول هذا اذا وجدته و نظرت اليه بعينه و اذا نظرت نظرة اخري و رجعت البصر كرة بعد اولي تري موجودات منطوية تحت احدية الاحد من حيث الاعلي متكثرة من حيث نفسها دائرة علي نفسها منتهية الي شكلها ثابتة في محلها ممتنعة الانتساب الي غيرها اذ ليس الله سبحانه كما عرفت غيرها و غيوره تحديد لما سواه فهي قائمة بنفسها غير زائلة عن حدها جامعة العلة و المعلول واجدة السبب و المسبب حائزة الشرط و المشروط غنية عن ما سواها ممتنعة ما عداها اذ لايوصف الذات بسواها و لا عداها فهي لها مبدؤ و منتهي و موصوف و صفة و فاعل و مفعول و علة و معلول ،

قد طاشت النقطة في الدائرة و لم‌تزل في نفسها حائرة

محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة

و ان قلت ان كان الامر كذلك فهي قديمة مستغنية عن الله سبحانه فبم صارت خلقا له حادثة قلت هيهات هيهات علمت شيئا و غابت عنك اشياء ذلك لحن مضروب دونه الاستار حجبته عن الاغيار و اياك و المبادرة الي الانكار اذ لاينكر حدوث الخلق الا الكفار و منزه عنه ساحة اولي الايدي و الابصار فاحمله علي معني يطابق كلام الجبار و مرادات الحجج الاخيار الاتسمعني اجزيها و اثنيها و اسمها و اعينها فان كنت من اهل ديارنا فتفهم اسرارنا و لاتذهب مذهب اغيارنا [ص 5] و اعلم ان الاسم صفة لموصوف و المسمي موصوف بصفة و هما مقترنان مثني و المثني غير الاحد و غيوره تحديد المثني و لايزيد زايد عن اضافة الي مسمي و ما لك لاتدرك المعمي فاني و اني و اين الاحد عن المثني و ذلك غير منكور و هو عن الاغيار مستور فللموجودات مراتب و ان كان يجهلها الاجانب فاولها هو الذات السارية في الذوات التي هي مرجع الصفات اذ لايعقل عرضيتها للذات و لا لما دونها من الصفات فهو جوهر الجواهر المقدس عن النظاير عند اولي البصاير فهو غاية الغايات و نهاية النهايات و اول المسميات و منتهي الاضافات لايتجاوزها العبارات و صاحبة جميع الصفات فهي ذات الله الظاهر لها بها المتسمي فيها بها بلا كيف و لا اقتران و لا نسبة و عرفنا ذلك بانطوائها تحت الاحد و اضمحلالها و تلاشيها عنده و استقلالها و تذوتها به فيها بها و عدم كونها لها بل للاحد الظاهر لها بها فيها فان الي ربك المنتهي فحق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، فالخلق خلق للحق جل شأنه راجع الي حكمه صادر عن امره فامره علة العلل و سبب الاسباب و هو الخالق الرازق المحيي المميت وحده وحده وحده لا شريك له و لا وكيل له يعاونه و لا وزير له يوازره فكذلك كان الله متفردا في ازليته فخلق مشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و هو القديم لم‌يزل و جميع ما سواه حادث له اول فالمشية هي اول صادر عن الذات التي لايسبقها سابق و لايلحقها لاحق كل اليها راجع و لايطمع في ادراكها طامع فهي اي الذات هي الوجود الحق الممتنع الذي لايدرك و لايقع عليها اسم و لا شبه مقدسة عن السمات منزهة عن الصفات و هي الموجودة الازلية الكائنة الغير المكونة قبل مواقع صفات تمكين التكوين البريئة عن الاوقات العالية عن الامكنة و الرتب و الجهات فتجلت بالوجود المطلق عن القيود في الغيب و الشهود بنفسه و ذلك الوجود حقيقة سرمدية مستعلية علي [ص 6] جميع ما سواها مبراة عن حدود جميع ما عداها اذ كل بها كان من الاكوان و الاعيان و لايجري عليها ما هي اجرته و لايعود فيها ما هي ابدته فجميع ما سواها معدومة فيها بالعين و الكون مذكورة فيها بالامكان و بصلوح التجلي و الظهور فليست تتجزي بالاعيان و لاتتقسم بالاكوان فانها تعطي الكل اسمها و حدها فذلك الوجود هو المسمي بالامكان المطلق و الراجح من حيث صلوح تجليه بالكل و بالوجود المطلق و الراجح من حيث فهو وجود فعلي لنفسه ابهامي لغيره فهو غير متناه بالنسبة الي ما دونه لابهامه فيه و عدمه لديه و متناه عند ربه علي معني تعين عدم التناهي و كون الذات العالية غير موصوفة و لو بعدم التناهي فتعين ذلك الوجود و تناهيه الاتصاف بعدم التناهي و كون عدم التناهي صفة ذاتية له و كونه موصوفا به اذ الغير المتناهي هو عدم المتناهي و النفي شيء فهو تعين لذاته الموصوفة به و الذات المستعلية عليه لاتدرك باتصافها بنفي المتناهي لانها آية الاحد جل شأنه و ليست هذه الذات من حيث هي و من حيث عدم ملاحظة الاحد فيها كذلك و هو الفرق بينها و بين الاحد فامتناع ما سواها فيها وجدانية و في الاحد القديم جل شأنه وجودية لا فرق بينها و بينه الا انها عبده و خلقه فتقها و رتقها بيده التي هي هي بدؤها منه ظاهرا فيها و عودها اليه متجليا بها بالجملة هذا الوجود المطلق ايضا غير متناه علي الاطلاق خارج عن الاوقات و الآفاق كلي في معناه عام في حقيقته فهو علة العلل محيط بالاشياء من جميع جهاتها عالم بها قبل كونها فهو اول ما خلق الله لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و هو السر المبهم و الرمز المنمنم الذي ماكشفنا الي الآن لثامه و قد اشرت هيهنا اليه عسي ان يظفر به اهله ان شاء الله و اول ما خلق بهذه المشية هو الكلية الالهية اللاهوتية التي بدؤها من الله لقوله تعالي و نفخنا فيه من روحنا و عودها [ص 7] اليه لقوله تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية و المراد كون بدئها من امر الله و عودها اليه لا الي الذات نعوذ بالله فهي قوة لاهوتية و جوهرة بسيطة حية بالذات اذ هي الروح بنفسها من امر الله و ليست حية بحيوة عارضة مستفادة و هي ذات الله الموصوفة بالعليا و هي غير الذات القدوسة السارية في العليا و الدنيا فافهم بالجملة هذه الذات هي التي من عرفها عرف ربه من عرفها لم‌يشق و من جهلها ضل و غوي فهي من حيث الآئية وصف الله نفسه لخلقه و اما من حيث هي فهي شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي و اللوح المحفوظ المكتوب فيه وجوه ما كان و ما يكون بقلم امر الله سبحانه و هو المشار اليه بقوله سبحانه ن و القلم و ما يسطرون ، و عندنا كتاب حفيظ ، و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون ، ما عندكم ينفد و ما عند الله باق ، كل شيء هالك الا وجهه له الحكم و اليه ترجعون ، تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسك فهي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن ، الي غير ذلك من الاشارات فهذه النفس هي اول ما صدر عن امر الله سبحانه و جوهر الجواهر المقيدة و اولها و حقيقتها قد تعالت علي جميع الاوقات و خرجت عن جميع الجهات يستوي لديها ما مضي و ما هو آت و هي باء بسم الله الرحمن الرحيم التي خلق منها الموجودات فظهرت حين تفصلت بالارضين و السموات فصار كل واحدة منها يحكي لها صفة من الصفات فالعرش يحكي سر ما فيها من امر خالق البريات و الكرسي يحكي نفسها من حيث مبدئيتها للتفصيلات و الافلاك تحكي شؤن تجلياتها و تعلقاتها بانيتها و العناصر تحكي طبايعها و حيث مفعوليتها اذ هي مخلوقة بنفسها لدي الوجود المطلق تدور نفسها عليها علي خلاف التوالي و تدور هي علي نفسها علي [ص 8] التوالي فافهم هذه الدقايق و تنبه بما اشرنا اليه من الحقايق و عسي ان يأتيك زيادة بيان في تلو الابواب فترقب ما نذكره في كل باب .

الباب الاول - في الاشارة الي خلق الارضين و السماوات .

اعلم ان بسايط هذا العالم هي الافلاك التسعة و العناصر الاربعة قبل اختلاط بعضها ببعض فان هذه العناصر المشهودة قد اختلط بعضها ببعض بكرور الافلاك عليها و طرح شعلاتها فيها و تحريكها بفضل حركتها و خلط بعضها ببعض فهي علي حد الجمادات و هي المعبر عنها بالعناصر الدنياوية و اما هي قبل اختلاطها فبسيطة عن هذا التركيب صرفة في كينونتها و ان كانت مركبة من عناصر دهرية جوهرية و هذه الافلاك ايضا مركبة باختلاط اشعتها و طرح شعلات بعضها علي بعض فلا شك ان نور زحل يبرد و يجفف فلك المشتري و نور المشتري يسخن و يرطب فلك زحل و هكذا البواقي فحدث من عمل بعض في البعض افلاك ثانية تسمي بالدنياوية كالعناصر المركبة و تلك الافلاك البسيطة هي ارواح حية الم‌تسمع ما روي ان الروح جسم لطيف البس قالبا كثيفا ، و اشعة تلك الافلاك الملقاة علي الارض هي ايضا مثل منفصلة عن تلك الارواح علي حذو المثل الملقاة في المرايا و هيئات الاجسام العنصرية تحدث منها علي حسب قابليتها اذ تلك المثل هي المكملة للعناصر المخرجة من قوتها ما يشاكلها من الهيئات و الحافظة لها ما دامت قائمة عليها فتلك هي مكملة العناصر علي ما يشاء الله باشعتها و هي ايدي التقدير في التدبير و اصول التأثير و مخرجة ما في كيانها الي العيان و جميع الصور السفلية مستخرجة بها من امكان العناصر قائمة بها قيام الاثر بالمؤثر فالسماوات [ص 9] آية المشية و رؤسها و العناصر آية الامكان و قوابله و تلك الاشعة هي آية الوجود المقيد الحادث بالمشية و الماء النازل علي الارض الجرز المحيي للبلد الميت و ان هي الا غيبها و مباديها فتلك الافلاك هي الدائرة علي الارض بالامداد و الارض هي الدائرة علي السموات بالاستمداد و هما بسايط هذا العالم و اما الكرات المشهودة فهي بسايط المواليد و هي بنفسها مركبة كما ان الاخلاط هي بسايط البدن و ان كانت بنفسها مركبة فافهمها .

الباب الثاني - اعلم ان هذه الكرات الثلث‌عشرة المعبر عنها بالبسايط هي كلها مشتركة في الجسمانية اذ كلها جسم مختلفة في الصور و ذلك الجسم الذي هو الحد المشترك هو امكان الكل و هو فيها آية الامكان الراجح المطلق و هو المعطي كل واحدة منها اسمه و حده فهو المتجلي بكلها بلا تبعض و تجز و تحصص فهي كلها ظهوراتها و اشعتها و انوارها و المتحصص هي المادة الهبائية فالمادة الهبائية هي امكانها المقيد و وجودها المقيد و اما الجسم المطلق فهو بمنزلة الطبيعة النوعية لها الغير المتحصصة فيها و الوجود المقيد هو فؤادها و حقيقتها و آية الاحد جل شأنه فيها و القطب الذي يدور عليه رحاها و القلب الذي هو مظهر النفس الكلية المشرق علي جميع ما دونه المحيي لجميعها فهي اي تلك الصور هي فعليات خرجت من كمون قوة المادة الهبائية فصلوح المادة هو الصلوح الانفعالي و صلوح الجسم المطلق هو صلوح الظهور و التجلي فكل حصة من المادة صالحة من حيث هي لجميع صور الكرات الا انه ظهر منها صورة خاصة فتلك الصورة الخاصة فيها بالفعل و باقي الصور فيها بالقوة و يمكن استخراجها منها الي عرصة الفعلية و ادخال ما بالفعل فيها الي عرصة القوة فهي اي المادة الهبائية بمنزلة الطين يمكن [ص 10] ان تخرج من قوته صورة فخار ثم تكسره و تدخلها الي القوة و تخرج من قوته صورة اللبنة فالعرش عرش بالفعل و كرسي و افلاك و عناصر بالقوة و الكرسي كرسي بالفعل و عرش و افلاك و عناصر بالقوة و هكذا البواقي فكل كرة صورته الخاصة فيه بالفعل و صور باقي الكرات فيه بالقوة و يمكن استخراجها منه بالمعالجة فاذا ليس واحدة منها جامعة لجميع الكمالات بالفعل و ليس يصدر عنها آثار ما فيها بالقوة الا ما هو فيها بالفعل فالنار تسخن و تجفف لا غير و الماء يبرد و يرطب لا غير و كذا الشمس تسخن و تجفف لا غير و القمر يبرد و يرطب لا غير و كذا البواقي فعلي هذه فقس ما سواها فهي اي البسايط وجودات ملكية و صور خاصة فعلية لكل واحدة شأن خاص لايصدر عنها فعل غيرها و لاتعرفه و لاتشتهيه كما ان النار لاتشتهي فعل الماء و الماء لايشتهي فعل النار فان الشهوة الفعلية علي حسب الصورة الخاصة الفعلية و ان كان يمكن فيها كل صورة فهي لاجل ذلك ملكية الاختيار و ضعيفته علي حد اختيار الملئكة فلاجل ذلك كل واحدة منها دائبة فيما خلقت لاجله و اختارته في بدو كينونتها لها عصمة ملكية يسبحون الليل و النهار لايفترون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فافهم و تدبر فافلاكها حيوانات ملكية مضطرة في جهة ما خلقت عليه و عناصرها طبايع مضطرة فيما خلقت عليه و ان كانت مختارة في اصل كينونتها باختيار ضعيف ملكي و ذلك انه اذا اختار المختار الاخير اشتبه في آثاره بعد بالمضطر فلاتقدر بعد علي التحول عما اختارت و انعقدت عليه بعد الانحلال الصالح لكل صورة فهذا ايضا اصل لما نحن بصدد بيانه في هذا الكتاب فاحفظه .

[ص 11] الباب الثالث - و لما ذكرنا ضعف اختيار الملكيات لحري ان نذكر في هذا الباب كليمات في معني الاختيار ثم نفضي فيما كنا بصدد بيانه .

اعلم ان المختار لايكون مختارا الا ان يكون ذاته خارجة عن جهتي الاختيار صالحة للتجلي بهما و هذا هو الاختيار الفعلي او صالحة للتصور بهما و هو الاختيار الانفعالي و لايفرق بينهما الا قليل فالمختار الفعلي له قوة التجلي فهو امكان التجلي باحد شقي الاختيار و الامكان الفعلي و اما شقا الاختيار فهما فعليان خاليان عن القوة و الاستعداد الشخصي في عرصتهما و ان كان لهما الاستعداد النوعي و اما المختار الانفعالي فله قوة التصور بكلا وجهي الاختيار فهي الامكان الانفعالي المقيد و امكان الانخلاق و التصور فايهما اورد عليه ليس بالذي لم‌يكن صالحا له و لم‌يرض به و لم‌يتصور و لم‌يقبل و لم‌يمل و ليس بالذي اجبر علي ما ليس فيه و ما لم‌يكن صالحا له و هذا هو معني اختيار الاشياء في ذواتها لا انهم كانوا ثم ترددوا بين الامرين فاختاروا احدهما فانهم لم‌يكونوا و بهذا الاختيار يوجدون فاختيار الكائن احد الامرين هو الاختيار الفعلي كاختيار زيد القيام علي القعود فالله الاحد المستوي نسبته الي كل شيء و لا نسبة مختار باختيار ذاتي و اختياره عين ذاته الاحدية ثم تجلي بالوجود المطلق و الامكان الراجح المستوي نسبته الي كل شيء بحيث ليس شيء اولي به من شيء فجعله اختياره الفعلي لما يشاء و قدرته الفعلية علي ما يشاء ثم خلق به الوجود الجايز و الامكان الجايز المستوي نسبته الي جميع الصور الصالح لقبول كل صورة ثم اكمن مشيته و اختياره الفعلي فيه و القي مثالها في هويته فاجتمع فيه القوة الفعلية و القوة المفعولية و قد انصبغ القوة الفعلية بصبغه فيه كما ينصبغ المثال [ص 12] في المرآة فتقوي كل صورة كامنة فيه بذلك المثال الواقع فيها المصبوغ بصبغها الذي هو فيها كالروح في الجسد و خرجت من القوة الي الفعلية و تقوي تلك القوي مع عدم تعينها في بادي نظرك بذلك المثال الملقي في هويتها فلاجل ان كمال الكامل يقتضي ان يكون ما في الامكان في الكون و ما في الكون في الامكان و لايعقل ان يكون الاحد الموجود الغير المتناهي بلا كمال و لايعقل ترقبه لكمال و زيادة كماله و نقيصته و الذي ليس له بعض الكمالات ناقص قابل للزيادة و النقصان حادث و الذي ليس له كمال انقص و الله سبحانه كامل لا نقص فيه و لا نهاية فتلك الفعليات في محالها ثابتة ابدا ليس انه خلق قوة بلا تعين فمكثت ثم اخرجت منها بل ذلك تعبير عن ترتب الايجاد و مراتب الذوات فتلك الفعليات فعليات في محالها ابدا قوي في امكانها ابدا و تلك الفعليات ابدان ارواحها المثل الملقاة في هوياتها المنصبغة في مرآتها و ليست تلك المثل الا هي من حيث الاعلي و قد خلقت بها فهي مخلوقة بنفسها في محالها و اي اختيار اعظم من هذا و اكمل حيث جعل الله نفس المفعول يدا له في احداث نفسه فلاجل ذلك صارت البسايط بعد قبولها صورها مضطرة فيما اختارته و لا مقوي لساير القوي الكامنة فيها فلاتخرج من العدم الي الوجود و صارت ملكية لاجل ذلك فافهم ذلك .

الباب الرابع - ان كل مركب من شيئين خاصين اذا تقارنا فاختلطا فتمازجا فتفاعلا فتشاكلا فاتحدا يحصل فيه امر بين الامرين ذو صورة ثالثة غير الصورتين الاوليين و تلك الصورة قوة ثالثة خرجت من امكان اهبيتها الي الفعلية لها حقيقة ثالثة و آثار ثالثة غير آثار الاوليين البتة و هي المعبر عنها بالطبيعة الخارجة و لايعقل صدور آثارهما عن نفسها اللهم الا ان يتخذ صفوتهما فتتركبا بالاتحاد [ص 13] و يبقي فضلتاهما في رتبتهما علي صرافتهما عرشا لذلك الواحد المولود من الصفوتين و هو سر الواحدية و آية الرحمن المستوي علي عرشهما فتحيي الفضلتان بفضل حيوة ذلك الواحد فينصبغ ذلك الفضل فيهما بصبغهما فيصدر عنهما آثاراهما مشاكلتين بهما صادرتين عنهما راجعتين اليهما كما ترجع الاشعة الي السراج المنصبغ فيه فعل النار المعراة عن الالوان و الاشكال و كذلك كلما يتكثر اجزاء المركب علي ما وصفنا يزداد خروج المولود عن الحدود و يزداد توحدا و تفردا و يتسع عرشه فينبسط نوره اكثر و يظهر عنه افعال مختلفة اكثر و سأمثل لك مثالا في المركب من العناصر فاعلم ان النار جسم رقيق صاعد حار يابس و الهواء جسم اغلظ منها صاعد في الجملة حار رطب و الماء جسم اغلظ منها هابط بارد رطب و التراب جسم غليظ هابط بارد يابس و لكل منها خواص و آثار و كل منها كامل فيما له بالفعل فاذا اخذ من كل واحد حصة و اختلطت الحصص و امتزجت عمل كل واحدة بكمالها في الاخري و اخرجت ما فيها من جنسها بالقوة علي حسب قوتهما في الفعل و القبول فلاجل ذلك تتشاكل الكل و تصير كانها من نوع واحد كماء و ماء فالمركب منها امر برزخي بين الكل ليس بحار يابس كالنار و لا بحار رطب كالهواء و لا ببارد رطب كالماء و لا ببارد يابس كالتراب بل صورته بين الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة فما فيه بالفعل امر برزخي و هو كامل فيه فلايصدر عنه فعل الحرارة و لا البرودة و لا الرطوبة و لا اليبوسة فان هذه الصور فيه بالقوة و معدومة و لاتصير منشأ آثار البتة و يختص اثره بامر برزخي هو صفته بالفعل كما ان الماء الفاتر ليس يسخن و لايبرد البتة اللهم الا ان يسخن ما هو ابرد منه و يبرد ما هو اسخن منه حتي يوقفه موقف الاعتدال و لايتجاوزه البتة و اما [ص 14] اذا اخذت هذه الحصص و اخذت صفوتها فتركبت و ترك فضولها تحت الصفوة فكانت فضلة النار حارة يابسة و فضلة الهواء حارة رطبة و فضلة الماء باردة رطبة و فضلة التراب باردة يابسة و بين هذه الفضول و الصفوة ارتباط يشرق نور الصفوة به عليها و تحييها بفضل حيوتها و تلقي في هوية كل فضلة شعاعها و مثالها فينصبغ فيها يصدر من وراء كل فضلة نور مشاكل له في الصبغ و فعل مشاكل له في الصفة فحينئذ تعمل تلك الصفوة عملا برزخيا اذا عملت بنفسها و تسخن و تجفف من فضلة النار و تسخن و ترطب من فضلة الهواء و تبرد و ترطب من فضلة الماء و تبرد و تجفف من فضلة التراب فيصدر عنها افعال الاربع باسبابها التي هي نفس تلك الفضول الاربعة فالعمل البرزخي عمل ذاتي لها و الاعمال الخاصة اعمال عرضية لها الاتري ان الروح البخاري هو صفوة الاخلاط و الاعضاء فليس بنفسه بصيرا متعينا و لا سميعا و لا ذائقا و لا شاما و لا لامسا بنفسه و انما يبصر بالعين و يسمع بالاذن و يذوق باللسان و يشم بالانف و يلمس بالاعضاء و اليد و الذي منه فعل كلي هو الحد المشترك بين الكل و هو الادراك البسيط و كذلك ليس فيه تعين غضب الصفراء و لا شهوة الدم و لا حياء البلغم و لا جبن السوداء و انما الذي منه بذاته الحركة الارادية المبهمة و انما يفعل تلك الافعال من الاخلاط فافهم ذلك و اتقنه فانه اصل عظيم لاتسمعه الا من مثلي ثم اعلم ان صفوة النار نارية مثلها و صفوة الماء مائية و كل واحدة منهما متعينة بتعين اصلها محدودة بحدوده الا انها اصفي من اصلها و هما اشد تشاكلا من الفضلتين فاذا تركبتا صار الحاصل مركبا منهما برزخا بينهما و لايكون برزخا بين النار و الماء و الهواء البتة و لايصدر عنه فعل برزخي بين الثلثة و لايشرق علي الهواء و اما الحاصل من بين الثلثة فبرزخ بين الثلثة [ص 15] و وسعة هذا الحاصل اكثر من سعة البرزخ الاول و نهاياته ابعد فتعينه اقل و يقدر علي الاشراق علي الثلثة فاذا تركب المركب من الاربعة صار البرزخ الحاصل اقل تعينا من البرزخ الثاني و ابعد نهاية و اوسع حدا و يقدر علي الاشراق علي الاربعة جميعا و هكذا كلما يزداد اجزاء المركب يصير الولد الحاصل اقل تعينا و تخصصا و اشد توحدا ثم اذا صفي تلك الصفوة مرة اخري و ميز عنها فضولها صارت تلك الصفوة اشد توحدا و اشد اظهارا لآثار المبدء الواحد و اشبه به و هكذا كلما يصفي الصفوة و يميز عنها الفضول تصير اوحد و اشبه بالمبدء و يصدر عنها من حيث نفسها اثر اوحد و من كل واحدة من تلك الفضول باشراقها فيها اثر يشاكل تلك الفضلة فيتكثر افعالها و آثارها بعدد تلك الفضول و جهاتها و آية ذلك الروح الطبيعي المصفي عن الطبايع حيث يصدر عنه من حيث نفسه اثر وحداني بالنسبة و من كل طبع لها اثر خاص ثم اذا صفي مرة اخري صار روحا حيوانيا متحركا دراكا و يصدر عنه افعال اخر من العين و الاذن و ساير الحواس و الجوارح ثم اذا صفي مرة اخري حصل الروح النفساني و يصدر عنه من حيث نفسه فعل كلي و هو درك الدهريات علي النهج الكلي و يصدر عنه افعال اخر من الخيال و الفكر و الوهم و العلم و التعقل و هكذا كلما يزداد تصفيا يزداد توحدا و يتوحد اثره الخاص به و يتكثر الافعال الصادرة من فضوله الي ان يبلغ في التصفي و التوحد مبلغا يخرج به عن الحدود و الرسوم الجسمانية فيصير في مقامه آية الواحد الحقيقي جل شأنه فيتنزه عن نسبة اثر اليه و يكون جميع آثاره ما يظهر عن الفضول و يتوحد و يتشاكل الفضول ايضا في كل مرة حتي تبلغ مبلغا يصدر عنها اثر واحد فتكون ظهور ذلك الواحد الاعلي فافهم و اتقنه ، ثم المركب تختلف احواله بحسب الاعتدال بين [ص 16] الاجزاء و الانحراف و البراءة التامة في المعتدل و اما المنحرف فيغلب عليه تعين الجزء الغالب فالمركز الحقيقي ليس بشرقي و لا غربي و لا جنوبي و لا شمالي و اما خارج المركز فاما شرقي و اما غربي و اما جنوبي و اما شمالي و ساير الجهات و ان لم‌يكن فيه بالفعل الا انها في قوة قريبة فافهم هذه الاصول العجيبة الغريبة .

الباب الخامس - اعلم ان اجزاء المركب بمنزلة الحروف و المركب بمنزلة الكلمة و رب كلمة هي حرف من كلمة اتم فالكلمة التامة علي الاطلاق هي كلمة واحدة و جميع ما دونها من الكلمات و ما هو جزؤها حروف بالنسبة اليها فالحروف كلها سواء كانت حقيقية او اضافية ملكية و لها تعين خاص و خدمة خاصة لاتتجاوزها و هي دائبة في تلك الخدمة مضطرة فيها لان ما فيها بالفعل تعينها الخاص بها و ساير التعينات فيها بالقوة و معدوم و المعدوم لايصير منشأ اثر فكل حرف مضطر في تعينه الذي اختاره اول مرة فالحرف المطلق مضطر في تعينه المطلق لايتجاوزه بوجه و الحرف الاضافي اي الذي هو حرف بالنسبة الي كلمة اتم و كلمة بالنسبة الي حروف دونه هو مضطر فيما له لذاته من برزخيته بين حروفه و مختار في اصدار الافعال الظلية التي يفعلها بحروفه فهو قادر علي فعل كل حرف من حروفه مهيمن عليها كما عرفت من مثال الروح و الاعضاء فالروح كلمة و الاعضاء حروفها و الروح مضطر في الادراك المطلق للصور لايقدر علي ادراك المعاني و لكنه مختار في الابصار و السمع و الذوق و الشم و اللمس فافهم ذلك و اتقنه فكل كلمة اضافية له حالة ملكية اضطرارية و حالة اختيارية كلمية و ان كان اختياره هذا مترددا ايضا بين حروفه التي ظهر بها لايتجاوزها فكلمة ابجد اختيارها متردد بين [ص 17] الالف و الباء و الجيم و الدال لايصدر عنها فعل الهاء و الواو فهو اختيار خاص من جهة و اضطرار من جهة الي ان ينتهي الامر الي الكلمة التامة المطلقة برزخ جميع الكلمات الكونية فهي ايضا مضطرة في ذاتها في ابهامها و اجمالها الكلي مختارة في جميع الافعال الكونية من حيث هيمنتها علي جميع حروف العالم و الذي لايضطر هو الاحد الذي لايوصف و لايحد فهو المختار المطلق جل شأنه فالكلمة التامة المطلقة من حيث ذاتها ملك عال علي الملئكة ام كنت من العالين و هم الكلمات التامات التي لايجاوزهن بر و لا فاجر بها يتقبل الله من كل بر و يمكن ان يتوب علي كل فاجر و الكلمات التي دونها ملئكة كروبيون متقربون الي الكلمات التامات العالية و الكلمات التي دونها ملئكة حجبة حملة للعلوم و الاسرار و الحكوم و الانوار و ماجعلنا اصحاب النار الا ملئكة ، تنزل الملئكة و الروح فيها باذن ربهم و هكذا تتدرج الكلمات الي ان تنتهي الي الحروف المطلقة المحضة و كل كلمة من هذه الكلمات التي هي من حيث ذاتها ملكية مالكة لِاَزِمَّةِ ما دونها و حروفها التي تركبت منها فمالك الملوك و سلطان السلاطين هو الكلمة التامة العليا المطلقة يصدر جميع الملئكة عن امرها و نهيها و هي التي بها تتحرك المتحركات و تسكن السواكن و بها حيوة كل ملك و حركته لايسبقونها بالقول و هم بامرها يعملون تعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم لايشفعون الا لمن ارتضت و هم من خشيتها مشفقون و لايعصونها ما امرتهم و يفعلون ما يؤمرون و هذا الملك العالي الوالي المالك لازمّة الملك هو الذي يخدمه روح القدس و هو في جنان الصاقورة ذاق من حدائقه الباكورة و يصدر عن امره و نهيه و يحكم علي ما دونه من الملئكة فافهم ذلك و اتقنه .

[ص 18] الباب السادس - اعلم ان جميع هذه البسايط كما عرفت حروف ملكية ناقصة غير مستكملة بانفسها و هي علي قسمين عوامل و معمولات و فواعل و مفعولات و علل و معلولات فالعلل منها هي الافلاك التسعة فانها للطافتها و رقتها و توحدها صارت اوكار ارادة الله سبحانه و مكامن مشيته بل هي هي بعينها مشية الله و ارادته الجسمانية فان المشية و المشاء لا بد و ان يكونا متشاكلين متناسبين و لايطاوع الشيء ما لايدركه فالمشية للمشاءات الجسمانية لا بد و ان تكون جسمانية و المشية في كل مقام جوهر له عرض كسائر الاشياء حرفا بحرف و ليست بامر عرضي كحركة يدك او كميل قلبك كما يظن بل هي جوهر الجواهر و مجهر الجواهر بل هي خلق له فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم و هذه الافلاك المرئية هي جسمها كونية و جميع هذه الاجسام شيئا علي شيء جسمها امكانية و معلوم لك ان الجسم حامل للمراتب كما ان جسمك حامل لمراتبك و انت تعمل في الاجسام بجسمك و في كل مرتبة بما لك فيها فكذلك هذه الافلاك هي شخص مشية الله الكونية لها مراتب الي الفؤاد و ان سميناه وكر المشية فعلي ان الجسم وكر الروح فلا اختلاف فهذه الافلاك هي المشية و لها مراتب فالعرش هو دوحتها و اصلها و جهة معنويتها و اجمالها و حقيقتها و آية جبروتيتها و الكرسي هو مبدؤ تفصيلها و ميلها الي المفاعيل و مبدؤ تعلقها و آية دهريتها و الافلاك هي كليات اغصانها و تعلقاتها بالمنتهيات و رؤسها و اما القرانات و الاوضاع التي تقع منها بلا نهاية فهي اوراقها و وجوهها الخاصة الي المفاعيل فهي كلها موجودات ملكية لكل واحدة اقتضاء واحد و شأن واحد تجري بامر الله و لهذه الملكيات الخاصة التي هي بمنزلة الاعضاء قلب جامع هو محل عناية [ص 19] العالي و عرش استوائه و كرسي استقراره يتعلق عناية العالي به ثم منه تنتشر في ساير الاعضاء و تحيي به و تجري بامره و لولا ذلك القلب لمااستفادت الاعضاء الحيوة الشرعية المحركة لها المجرية اياها مجاريها الزمانية و لماصدر عنها افاعيلها الزمانية فالمحرك لها هو الحيوة السارية فيها من ذلك القلب و لولاها لكانت علي ما كانت دهرية لايوجد فيها اقتضاء للحركة الزمانية الحادثة شيئا بعد شيء بلا باعث فهي اي الافلاك هي المشية الجسمانية المتعلقة بالامكان الجسماني المخرجة منها الاكوان الزمانية بقوة حيوة قلبها فالفعل كله لذلك القلب يظهره بها كيف ما يشاء ففي الزيارة مجاهدتك في الله ذات مشية الله الزيارة ، و منها تعرف ان المشية بنفسها لاتنزل الي حد المفاعيل و بنفسها لاتصير مشاءات كما هو قول ضرار و اصحابه و لاتتجاوز حدها و سرمدها و انما تتعلق بالمفاعيل اشعتها و انوارها فتقع من تلك الرؤس و الوجوه انوار و اشعة علي ارض القوابل و ارض جرز القوة و البلد الميت فتغوص فيها و تخالط اجزاءها فاذا دامت و تلك البلدة صالحة لما زرع فيها تتقوي شيئا بعد شيء و تظهر من كمونها ما يشاكل الخميرة الواقعة فتختمر علي حسبها و يظهر من قوتها الي الفعلية ما يشاكل ذلك النور الواقع فان كان مبردا فالبرودة او مسخِنا فالسخونة او مجففا فالجفاف او مرطبا فالرطوبة او مثلِثا فالتثلث او مربعا فالتربع او محمرا فالحمرة و هكذا فان الارض مثارة صالحة و البزر حيّ و السقي دائم فتنبت علي ما زرع فيها و اعلم ان الامكان في كل مقام من حيث نفسه قابل لكل صورة و الصور فيها معدومة و لا رجحان لواحدة منها علي الاخري و ليس احداها اقرب الي الفعلية و احداها ابعد لعدم التمايز فاذا جاء المرجح الخارجي و هو فعل الفاعل [ص 20] و نوره شكّلها علي حسب ارادته و يكون ذلك الشكل عليه ما كان اثر فعل ذلك التشكيل واقفا عليه و لم‌يتعلق به فعل مشكل له علي شكل آخر فاذا جاء فعل آخر ابطله و اخرج شكلا آخر من كمونه و ليس يمكن ان يبقي شكل علي الامكان من غير فعل قائم عليه و ليس يمكن ان يصير ذلك الشكل قائما بنفسه مستقلا بعد ما كان قائما بغيره و خارجا بغيره عن عرصة العدم فالقائم بنفسه هو قائم بنفسه من اصل الكينونة و ليس القائم بغيره يمكن ان يستحيل قائما بنفسه فان القائم بنفسه من اصله راجح الوجود و القائم بغيره من اصله جايز الوجود و شتان بينهما و الذي يري من تكمل المتكمل حتي يستقل بنفسه كالسراج الذي اشتعل بآخر ثم استقل فهو من جهة ان هذا السراج له اسباب اخر هو محفوظ بها قائم بها و انما السراج الاول احد الاسباب و كان اثره الاشعال الاول و قد مر ثم هو محفوظ بمؤثره كما تري من هذه الكتابة ان عمل اليد تحريك المداد من مكان الي مكان و حركته باقية ما دامت اليد تحركه فاذا سكنت سكن و يبقي علي حاله لانه جامد غير سايل و لا حركة له من حيث نفسه و هو علي جموده و جماديته قائم بمؤثره اولا و آخرا و انما كانت اليد مؤثرة حركته و ذهبت حين رفعت الاتري انه لو سخن الهواء بشدة احترق المداد و صار رمادا او رطب الهواء كثيرا سال و هكذا فهو باق علي حاله لقيام المؤثرات التي هو علي ما به قائم بها فالمتكمل حقيقة لايبقي بعد فناء المكمل الا المكمل الظاهري و انما الفرق بينه و بين المؤثر ان المؤثر في اصطلاحنا يوجد ما لم‌يكن و المكمل يظهر ما قد كمن فالارض باقية علي حالها بحفظ الاسباب السماوية اي ارادة الرب جل شأنه فاذا تغيرت تغيرت و اذا عرفت الامر فلاتغير لغة التعظيم و العبودية فانها اكمل اللغات فقل ان الارض محفوظة بحفظ الله قائمة بامر [ص 21] الله بالجملة اذا وقع بزر نور مشية الله علي الارض و كان ذلك البزر علي حسب ارادة الله و قدره كمل ذلك النور ما وقع عليه من الارض و اخرج من كمونها ما يشاكله فيكون الكائن علي حسب ارادة الله لا غير و يكون دائما قائما بارادة الله القائمة عليه و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره بالجملة و قد يختلف الكاين علي حسب اختلاف القابل فان اجزاء ارض القابلية مختلفة فمنها ما يطاوع ارادة الرب كما اراد و منها ما لايطاوع و اصل ارادة الله لايكون الا علي هيئة محبته و لايريد الا ما يطابق صفته و رضاه فلو طاوعت الارض حق المطاوعة لماولدت الا ما يطابق رضاه و لكنها مختلفة الاجزاء ينصبغ نور المشية فيها فتلد بالمشية المنصبغة بصبغها و هي المشية المكروهة الخذلانية فهيهنا شاء و لم‌يرض و اما اذا طاوعت حق المطاوعة و لم‌تصبغها و لم‌تهيئها و لم‌تستدع مطابقتها لها تكون المشية حينئذ محبوبة و هنالك يقال شاء و رضي و احب و آيته ان الموجود في المرآة بتجليك علي اي حال و تحب الغير المغير و تكره المغير فتنبه فكم من آية في السماوات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون ، فالله سبحانه بمتقن مشيته و محكم ارادته اذا اراد خلق جماد يأخذ باشعة الافلاك النازلة منها المتحركة بالحيوة السارية فيها من القلب الجامع الذي هو محل عناية العالي من العناصر ما يشاء و يركبها كيف يشاء و يكون تركيبها تركيبا غير معتدل و غير مصفي و الصوافي في قوة الفضول من غير تعين كحجر الزجاج الذي يمكن ان يصفي و هو غير صاف و لعله يركبه من عنصرين او ثلثة او اربعة من غير تنقية لها و تمييز بين صوافيها و فضولها و اذا اراد خلق نبات يأخذ كما مر مواد اعدل و الطف في الجملة و يصفيها تصفية و يركب صوافيها و يمزج بينها و لكنه لا يفرق بينها و بين الفضول فتكون الصوافي في [ص 22] الفضول كالزبد في اللبن و الملح في التراب فليس علي حد القوة و العدم و ليس علي حد المفارقة فيصدر عنه افعال ممتزجة بافعال الفضول و آثار مختلطة بآثارها و ذلك الصافي منصبغ بصبغ الفضول مشيب بها في جميع الجهات كما عرفت و اذا اراد خلق حيوان يأخذ المواد و يصفيها مرة تصفية النبات و مرة اخري للحيوانية و هذه التصفية للنبات هذا اعظم من تصفية النبات المحض فيبين الصوافي هنا من غير انفصال و كذلك التصفية الثانية للحيوان فهي ايضا تصفية و لكن متصلة اتصال الثمر بالشجر فان الثمر صافي الشجر و قد ابين و لكن لم‌يفرق بينهما و لو فرق بينهما فسد الثمر لعدم استقلاله و حاجته في الاستمداد الي الصوافي الآتية من باطن الشجر اليه فهو منكوس ظهره الي المبدء و وجهه الي المنتهي يستمد من الاسفل و يموت بانقطاعه عنه و انما ذلك لان الحيوان و ان انفصل عن الجماد و الارض في الجملة و استقل الا انه لم‌ينفصل من النبات و اكله منه و مدده لا بد و ان يكون منه فان نسبة الحيوان الي النبات كنسبة النبات الي الجماد فكما ان النبات لم‌ينقطع عن الارض و عروقه و اصوله فيها و شربه منها كذلك الحيوان لم‌ينقطع عن النبات و الصوافي النباتية مخالطة معه غير مميزة عنه و هو لم‌يخرج من قوتها كمال الخروج و لم‌ينفطم عنها فاذا قطع المدد عن مخالطه و امكانه و هو الصوافي مات لعدم استقلاله و بطل و اضمحل و اذا اراد خلق انسان كوني اخذ كما مر مواد اصفي و اعدل و يصفيها مرة تصفية للنبات اكمل من تصفية نبات الحيوان و مرة اخري للحيوان اكمل من تصفية حيوانية الحيوان و مرة اخري للانسان و نسبة صافي الانسانية الي الحيوانية كالحيوانية الي النباتية و النباتية الي الجمادية ففي بدو الامر يكون الحيوانية مخالطة للانسانية و الانسانية صافية الحيوانية كما ان الحيوانية صافية النباتية [ص 23] و النباتية صافية الجمادية فالانسان في بدو تكونه مشيب بالفضول الحيوانية و يتصفي اجزاؤه شيئا بعد شيء و يتشاكل فيتحد فينقطع عن عوارضه و يستقل بنفسه من غير فاقة الي الحيوانية و النباتية و مثل شوبه اولا و تصفيه و انقطاعه اخيرا ان اللبن جوهره مركب من اركان ثلثة ماء و سمن و جبنية و هذه الثلثة متحدة شخصا في الخارج و كل جزء من السمن في كل جزء من الماء و الجبن ظاهرا فاذا عولج شيئا بعد شيء يمتاز اهبية السمن من اهبية ذينك الركنين فتصير كالدقيق الممزوج بالتراب ثم يعالج ثانيا فتتصل اهبية السمن بالمشاكلة و تباين الماء و لاتخالطه ثم يعالج ثالثا و رابعا و مرة بعد مرة الي ان تجتمع جميع اجزاء السمن و تتشاكل فتتحد فتنقطع عن الماء و الجبن و يرمي بالماء و الجبن خارج العالم فافهم المثل فان جميع مراتب الغيب كامنة في ارض هذا العالم و جميع تلك المراتب متحدة في المادة مع هذه الارض مختلفة في الصورة و جميعها كامنة في هذه الارض ففي الجماد يركب العناصر من غير علاج او علاج لايبلغ اخراج الصوافي عن الاكدار و اما في النبات فتخرج الصوافي الغليظة العنصرية عن تلك الاكدار و الاعراض من غير مفارقة بل بامتياز اهبية و تلك الاهبية مخالطة مع اهبية الاعراض كما تري في الخشب انه لا امتياز بين نفسه و اعراضه بل مخالط بعضهما ببعض و تلك الصوافي تستدعي النما و الاكدار تستدعي البقاء و الامر بينهما فالخشب اهبية صافية و اهبية كدرة ممتزجة و اما في الحيوان فالصوافي النباتية فيه تجتمع في الجملة و هي متصلة بالاكدار مستمدة منها و لم‌تنقطع مستقلة و الحيوانية فيه ايضا منفصلة عن النباتية و لكن غير منقطعة بل مرتبطة بالنباتية من حيث الاسفل و لذلك تموت و تبدد بتبدد النباتية و اما في الانسان فالنباتية فيه اجمع كثيرا و لكنها مزروعة في ارض الجماد مسقية منها بمائها و لا بد لها من هذا [ص 24] السقي و الحيوانية فيها اجمع بكثير الا انها مرعية في كلأ النباتية فانها لاتنفصل عنها بالتمام و الانقطاع و ليس من شأنها و لذا يحتاجون الي الاكل حتي الاولياء و الانبياء و ليس الطعام الا المدد السفلي و ذلك ان الروح الحيوانية برزخية بين الانسان و النبات و هي كسمن اجتمع اجزاؤه و هي بعد مخالطة بالماء و الجبن و اما روحه الانسانية فانها كالسمن المجتمع المنقطع عن الحيوانية و النباتية الا انها راكبة علي حيوان مرعي في كلأ نابت ناشب بعروقه في الارض فهي مجتمعة الاجزاء متحدة يمسك بعضها بعضا و هي قائمة بالعلل العالية كما خلقت اول مرة و مقامها الدهر و رتبتها فوق الاجسام فهي جوهرة مستخلصة من الاعراض الحيوانية و النباتية و الجمادية لها عشر قبضات تسع من جواهر السماوات و واحدة من جوهر الارض و تلك الجواهر مشاكلة متحدة بالوحدة الواحدية مركبة بتركيب الخلود باقية بعد خراب البدن و هي النفس الناطقة الانسانية سعيدة كانت ام شقية عليينية كانت ام سجينية و تخليص تلك النفس بذلك القلب الجامع فان كل قوة يخرج من الامكان بكامل مشاكل و الافلاك ملكية غير تامة و كل واحد منها يكمل ما يشاكله و ذلك ان الملكيات اذا تواردت علي المادة فان تعادلت توقفها وسطا و ان تفاضلت تميلها الي جهة الفاضل فاذا وقفت حيث وقفت عمل فيها القلب الجامع و اشتعل نوره فيها فحييت كما ان طبايع الام اذا عملت في النطفة و اوقفتها حيث اوقفت اشتعلت فيها حيوة الام فاشتعلت حية فتحركت و صارت حيوانا و حيوة الام هي الحقيقة السارية في الطبايع و علامة الانقطاع الخالص العلم و الحلم و الذكر و الفكر و النباهة و النزاهة و الحكمة الكونية فمن لم‌يصدر عنه هذه الآثار فهو غير تام التخلص فيبقي بعد خراب بدنه في قبر طبايعه الي ان يقوم القيمة الكبري [ص 25] فيدبر و يعالج من بعد موته الي ذلك اليوم حتي يتخلص جوهره سعيدا كان ام شقيا و التدبير هو بنار فلق دعوة العلل و المبادي و قد عرفت ان ذلك الجوهر متحد المادة مع هذه الاكدار مختلفة في الصورة اي صورة التخلص و الشوب فتلك النفس المتخلصة الانسانية سابقة علي الحيوانية و النباتية و الجمادية وجودا متأخرة عنها ظهورا و ليس معني التقدم الوجودي انها كانت متعينة في سابق الزمان و خولطت مع تلك الاكدار بل سبقها سبق دهري و كانت مبهمة حين ابهام بسايط المولود و تعينت بعد تعينه و تصورت و تشخصت علي حسب ما كسبه المولود في الدنيا من صورة خير او شر فاذا فارقت و فطمت من امها صارت دهرية و استوت نسبتها الي جميع الحدود الزمانية و صار قربها و بعدها من اول الزمان و من آخره علي حد سواء ثم تختلف النفوس في الانقطاع و الانفطام فان انقطعت علي حد الكمال استوت علي عرش الزمان و صارت بحيث انها لا شيء اقرب اليها من شيء آخر و تستولي علي حال عدم ظهورها كاستيلائها علي حال ظهورها و تشاهد الكل علي نهج سواء و تتصرف في الكل علي نهج سواء فتبصر من كل عين و تسمع من كل اذن و تتحرك من كل متحرك و تسكن من كل ساكن و كلما ينقص من انقطاعها تتخصص و تقل استيلاؤها و تضيق دائرتها الي ان تبلغ النفوس الناقصة المخصصة بالمظاهر الخاصة و الحدود الخاصة فافهم ما ذكرت لك فانه من مكنون العلم ثم اعلم ان صورة تلك النفس صورة علمية و عملية و تشخصها عن غيرها بهما و لاجل ذلك كان مقرها العلوم و الاعمال الكونية و بهما تخلصت عن الاكدار لا بادوار ظواهر السماوات و الاكوار فان كانت العلوم و الاعمال حقة كانت النفس مصورة بصورة السعادة و الا فبصورة الشقاوة و في الحقيقة جميع الصور في جميع المراتب [ص 26] علوم و اعمال الا انهما غليظة في المواد الغليظة و لطيفة في المواد اللطيفة جمادية في الجماد نباتية في النبات حيوانية في الحيوان انسانية في الانسان الاتري ان صورة الحجر مثلا قد حصلت له من صورة فعل الفاعل المكمل له الموجدة له المخرجة صورته بالتكميل من قوة امكان مادته فصورته هي علمه الحاصل له من شبح فعل مؤثره كما ان علمك بزيد هو صورة حاصلة لديك منطبعة في مشاعرك من الشبح المتصل ببدن زيد فالصورة الحاصلة لديك منه التي تصور بها مشاعرك هي علمك بزيد و ليس منه عندك الا هي فافهم المثل و اشكر الله و اعرف قدره فجميع الصور علوم و اعمال الا انها في كل شيء بحسبه و صورة نفس زيد هي علوم اكتسبها و كمالات و ملكات حاصلة لنفسه فتصورت بها و امتازت بها عن عمرو و هي فيها رقيقة لطيفة تشعر بها لانها شاعرة بخلاف الحجر و النبات و اما الحيوان فله شعور حيواني و حواس ظاهرة و لايشعر بشعور انساني فاعرف ما تلونا عليك في هذا الباب و اعرف قدره و اشكر الله .

الباب السابع - اعلم ان كل واحد من بسايط هذا العالم ليس بصالح لان يتعلق بها نفس واحدة كاملة بالفعل كنفس الانسان بل هي اجزاء ملكية حرفية كما عرفت و هي لولا القطب لا نفس لها كلية و لا جزئية اذ ليس لها مستقر في هذه الاجزاء المحدودة الغليظة و هذا سر ماوسعني ارضي و لا سمائي و انما وسعني قلب عبدي المؤمن ، فالعرش الذي هو مستوي الرحمن الكلي هو قلب الجامع لا غير و هذا هو سر قلب المؤمن عرش الرحمن ، و ليس لواحد من هذه الاجزاء صلاحية حكاية الرحمن و لا لكلها شيئا علي شيء لتعين كل جزء بكثافة شخصية حاجبة له غير مطاوعة له و لايمكن تعلق رحمة الرحمن بواحد منها [ص 27] لجامعية الرحمن و تفرد الاجزاء و كون كل واحد منها ذا جهة و انما مستوي الرحمن هو قلب الجامع حسب فبعد ما استوي عليه يشرق ذلك علي كل جزء جزء و يحيي كل واحد واحد بالحيوة النافذة منه فيه بواسطة او بغير واسطة و به يتحرك متحركها و يسكن ساكنها يلقي في هوية كل واحد مثاله فيظهر عنه افعاله علي حسب صبغ ذلك الجزء كما ان النفس الانسانية لاتستوي علي واحد من الاعضاء و لا علي كلها و ليس لها خبر منها لاتقدر ان تتحرك بتحريكها و تسكن بتسكينها و لاتستمع نداءها لجامعية النفس الباعثة لتوحدها و خروجها عن حد الكثرات و غيبيتها و تكثر الاعضاء و احتجابها بخصوصياتها و كثرات حدودها نعم لها حيوة ذاتية دهرية غير متغيرة و لا متبدلة فهي لولا الحيوة الجارية فيها من القلب لم‌تكن تتغير عما هي عليه ابدا و لم‌تصدر عنها حركات و سكنات و اوضاع زمانية حادثة شيئا بعد شيء مختلفة مترتبة بعضها علي بعض فتستوي النفس علي القلب و هو عرش استوائها و كرسي استقرارها فلما اشتعل القلب بنارها اضاء في عرصات الاعضاء بضوء كلي كثيف يناسب كثافة الاعضاء نوعا فوقع نور القلب علي اعضاء حوله فينطبع فيها ثم تضيء تلك الاعضاء لاعضاء دونها في الكثافة ثم الالطف فالالطف الي ان يشرق جميع الاعضاء و ينصبغ النور في كل عضو علي حسبه فيظهر من كل واحد نور حركة و فعل و اثر علي حسبه فتري العين و تسمع الاذن و يشم الانف و يذوق اللسان و تتحرك الايدي و الارجل و ساير الاعضاء علي حسبها و حيوة الكل بفضل حيوة القلب لا الروح الغيبية الجامعة و اني لها بالتمتع من رؤية محياها و الاستحياء بها و هي محجوبة بكثافتها المخصصة المشخصة لها و انما تنصدم الاشياء من اشباهها و تنفعل من اشكالها و تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها فالروح الغيبية [ص 28] حيوة القلب خاصا و حيوة الاعضاء من فيض القلب كما ان الجدران ليست مشرقة بالنار الغيبية و ليست حيوتها و انما هي حيوة الشعلة خاصة و حيوة الجدران بفضل حيوة السراج فالبسايط لتخصصها و تشخصها ليس يتعلق بها النفس الكلية الالهية و ليست تحيي بها ابدا و لاتطلع عليها سرمدا و انما الحي بها قلب الجامع الكلي الذي هو فؤاد هذا العالم و قطبه و مركز دائرته و النافذ في جميع اجزائه البريء عن جميع اقطاره المنزه عن جميع حدوده المشاكل للنفس الكلية الالهية في القدس و النزاهة فاذا حيي اشرق علي البسايط فيحيي باشراقه العرش اول شيء ثم الكرسي بفضل اشراق العرش فان نوره من نور العرش ثم الشمس باشراق الكرسي فان نورها من نور الكرسي ثم باشراقها الافلاك ثم باشراقها العناصر الاتري انها لاتتحرك الا بفضل انوار الافلاك و اثارتها اياها فافهم هذه الحكم الالهية النبوية العلوية فنفس العرش المحركة له المدبرة امره هي اشراق قلب الجامع و مثاله الملقي فيه و هو الرحمن الجزئي المستوي عليه و الاسم المكتوب عليه و نفس الكرسي هي اشراق العرش و مثاله الملقي فيه و هو الاسم المكتوب عليه و هكذا و تلك الاسماء عظام بالنسبة اليها صغار بالنسبة الي الاعلي و هي المدبرة امورها لا غير و تلك الاسماء و المثل اسماء و مثل بالنسبة الي الاعلي و هي الملئكة الموكلة عليها المدبرة لها امرها المديرة المحركة لها بالنسبة اليها الا ان الذكر الاعلي الاعلي الاعلي هو المكتوب علي العرش و هو بالنسبة اليه روح القدس و ذلك الاسم مكتوب في جبهته و الاسم الاعظم الاعظم الاعظم هو المكتوب علي الكرسي و هو بالنسبة اليه الملك الذي هو علي ملئكة الحجب و الروح من امر الله و ذلك الاسم مكتوب علي جبهته ثم كل ملك علي حسب مقامه و عنده اسم مكتوب علي جبهته يتحرك بقوته [ص 29] و يجري في خدمته بسلطانه فروح القدس في جنان صاقورة العرش هو الذائق للباكورة من حدايق الجامع و حدايقه البسايط المذكورة و هذه الروح و الملئكة تجري باذن ربها في خدماتها التي وكلت بها و هي ماكانت تعلم تسبيحا و تحميدا و تهليلا و تكبيرا و تمجيدا الا بتعليم الجامع و تعليم الجوامع بالاضافة فان الملئكة خدام الجامعين و ايا كانوا حروف و الحروف ادني درجة من الكلمات تامات او غير تامات و هذا الذي ذكرنا هو سر حيوة العالم و حركات اجزائه و آثارها و جريها مجاريها فلم‌يكن شيء من ذلك و لايكون الا بالجامع .