الباب الثامن - اعلم ان لهذه البسايط مقامين مقام ذواتها و مقام افعالها الصادرة عنها اما ذواتها من حيث هي فهي دهرية ثابتة ليس فيها اختلاف حالات فالعرش مثلا عرش من اول الزمان الي آخره ثابت علي ما هو عليه و هو بما هو عليه لايقتضي تحولا عما هو عليه و ذلك شأن كل موجود فان امكان الشيء معدومة فيه الصورة و الصورة الخارجة منه قد خرجت بمؤثر خارج مكمل لها مخرج لها من القوة الي الفعلية و ذلك المؤثر لايكمل غيرها و باقي الصور المعدومة لاتخرج من غير مؤثر و الصورة الموجودة لاتقتضي غير ما هي عليه فوجب ان يكون الموجود ابدا علي ما هو عليه ما لميغيره غيره و المؤثر المغير في الشيء لا بد و ان يكون في صقعه حتي ينصدم منه و ينفعل و يطلع علي امره و نهيه و اما مقام افعالها الصادرة عنها فلا بد لها من مغير لذات الموجود حتي تقتضي غير ما كانت عليه فيصدر عنه غير ما كان صادراً اولاً الاتري ان السراج ما دام علي ما كان اول ليس يصدر عنه الا ما كان يقتضيه فاذا غيره مغير عما كان امكن صدور غير ما كان صادرا عنه فما كان السراج اصفر كان نوره الصادر عنه [ص 30] اصفر و لايكون اخضر ابدا الا اذا تغير اصل الشعلة و يخضر فاذا اخضر صدر عنه نور اخضر و كذلك ساير الذوات فما دامت علي حالها الاول ليس يصدر عنها غير ما يشاكلها فاذا تغيرت تغير الصادر عنه فالجسم مثلا لايجوز ان يصدر منه حركة ما لميحدث فيه باعث للحركة و لايحدث فيه الباعث الا بمؤثر خارجي فانه من ذات نفسه لايقتضي الا ما هو عليه فاذاً هذه الصفات و الافعال الحادثة في الاجسام شيئا بعد شيء لا بد لها من محدث غير ذات نفس الجسم كما ان الحركات الحادثة من جسمك لها محدث غير ذات نفس جسمك لولاه لميقتض جسمك ابدا بذاته غير ما هو عليه في ذاته و ذلك المحدث هو الروح الذي في بدنك و هو المتكلم القائم القاعد المحرك المسكن فهذا العالم ايضا لا بد له من محرك لافلاكه مسكن لارضه مغير لهيئاته و صفاته شيئا بعد شيء و ذلك الروح هو الروح الكلي الذي في هذا العالم و به حيوته و تقلباته و ذلك الروح ليس يسري فيه الا من قلب في صقعه معتدل جامع بين اجزائه مناسب للنفس الكلية الالهية الملكوتية و ليس واحد من اعضاء هذا العالم من سماواته و ارضه بقابل للاستحياء منها فان الاثر ليس يتحقق في قابل ما لميكن في صقع الفاعل و هذه الاجسام الجزئية لجمود مادتها و عدم صلوحها لخروج ما فيها من القوي باشراق النفس الكلية محجوبة عنها محرومة عن فيضها و لولا هذا الجمود لكان يصير جميع ما فيها من القوي بالفعل دفعة للاشراق الدفعي الكلي من النفس الكلية الدهرية بلا انتظار فلما لمتنفعل عن اشراقه و لميصر جميع قواها بالفعل علمنا انها ليست بقابلة للتكمل من تلك الكلية الدهرية و ليست تطلع علي مراداتها و ليست تتأثر منها و ليست تنصدم عنها البتة بل هي محتاجة الي مؤثر في صقعها تنصدم عنه و تتأثر عن فعله و اما حيوتها الذاتية فهي في محالها مخلوقة بنفسها ثابتة دهرا و نفسها [ص 31] التي خلقت بها هي ذلك القلب الذي هو جهة وحدتها و آية الاحد فيها التي عرف لها بها نفسه فذلك القلب ذاتيته المشية الكونية لها و صفته المشية الشرعية لها فخلق الله سبحانه اول ذوات الاجسام المتكثرة بذات ذلك القلب الجامع ضرورة لزوم مصاقعة الآمر و المأمور ثم اشرق من صفة ذلك القلب علي تلك الاعضاء فاحياها به ثانيا و بالعرض فسري منه نور الحيوة الوصفية العرضية في اقطار الاجسام و اول جسم حيي بذلك النور هو العرش الذي يناسب القلب في الرقة و اللطافة و الصفاء فكتب اسمه الذي هو نوره علي العرش فدار بقوة ذلك الاسم و حيي به و لما كان العرش من الاجسام التي يلزمها الزمان صار يشرق في كل آن و كل اشراق منه في كل آن صار منشأ اثر فاخرج من كمونه الي الشهود حركة بعد حركة فدام بذلك حركته و قد انصبغ نور ذلك القلب في بطن العرش الكري فظهر فيه علي صفته و اظهر منه الحركة المستديرة و لما كان اشراقه عليه اشراق امداد ظهر منه الحركة علي خلاف التوالي و هي الحركة الامدادية و الحركة من مشرق نور المبدء الي مغرب المنتهي و اجزاء العالم مرتبط بعضها ببعض واقعة علي نهج الحكمة و الصواب و لميتنبه علي امر ذلك القلب الا العرش ثم منه اي العرش اشرق علي ساير الافلاك علي حسب ترتيبها الا ان الذي حصل لها باشراق العرش و نوره الفائض منه هو الحركة من المشرق الي المغرب فان الاثر يشابه صفة مؤثره و لميؤثر فيها غير هذه الحركة و اما الحركات الخاصة لها فهي من نور تنزلات ذلك القلب الجامع و خصوصيات ذاتياتها اي ذاتيات البسايط التي ينصبغ فيها فعل الروح فيكون كما هي لا كما هو و اما حركة العرش لها فهي عرضية فكل فلك يحيي بنور الجامع بعد تنزله الي درجته و له تنزلات الي مرتبة الارض و في كل مرتبة يضعف نوره [ص 32] و حيوته بسبب البعد عن المبدء حتي يناسب تلك الرتبة كما ان الروح البخاري في اقصي غاية لطافته هو العرش الجزئي و القلب الجزئي في الانسان فاذا تنزل صار صدرا و حيي منه الصدر فاذا تنزل حيي منه العاقلة و اذا تنزل حيي منه العالمة و هكذا الي ان الروح الذي يحيي منه البدن اكثف من جميع مراتب الروح و اغلظ و لولا ذلك لماحيي الكثيف الادني بالروح اللطيف الاعلي فالقلب الجامع حال كونه محيي العرش ليس يستحيي منه الكرسي لعدم المناسبة فاذا تنزل في رتبة الكرسي حيي منه الكرسي دون ساير الافلاك و هكذا بالجملة لولا القلب لماحيي شيء من البسايط و لو لميحي لميصدر عنها حركة زمانية و لميخرج من قوتها الي الشهود اوصاف زمانية فلميتولد من بينهما ولد فلايجوز ان يكون القلب ولد البدن و من المواليد بين ذكر اعاليه و انثي اسافله و الواجب ان يكون مساوقا مع البدن مقدما عليه ذاتا مشرقا عليه محييا اياه فلميلد و لميولد و لميكن له من البسايط كفو فبعد ما عمرت الديار و ظهر الجبار و حدث الليل و النهار و دارت الافلاك علي الارضين حدث بينهما المولدات الزمانية و الاجساد الناسوتية فصار اعدل المواليد و اكملها مكانا و وقتا و جهة و رتبة و كما و كيفا بدن حاك لذلك القلب و طلع ذلك القلب من جيبه فنطق بلسانه و نظر من عينه و ذلك بتدبير و تدوير من نفس ذلك القلب فاذا شاء بناه و اذا شاء هدمه و لو شاء بني من جنسه الف الف و نطق من كلها و ان شاء هدمها بالكلية و خفي و ذلك قوله انا الذي اتقلب في الصور كيف اشاء من رآها فقد رآني ، و اما صورة ذلك القلب في مقامه فهو علي صورة الله كما روي خلق الله آدم علي صورته ، و هي صورة التوحيد و هيكل التفريد بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت سبحان الله رب العرش عما يصفون فليس يختص بزمان [ص 33] دون زمان و لا بمكان دون مكان و لا بجهة دون جهة و لا برتبة دون رتبة و لا بكم دون كم و لا بكيف دون كيف لانه لو كان في عرصة البسائط و صورها لكان ملكا من الملئكة و ان الملئكة لخدامه متصرفة عن امره لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فهو مقامه خارج عن حد البسايط نافذ في الكل و هو لهذا العالم بمنزلة الفؤاد الساري في جميع المراتب و الحقيقة القائمة بها كل ظهور و الذات القائمة بها كل صفة و المادة القائمة بها كل صورة فاذا هذا الجوهر هو الجسم الساري في جميع البسايط الظاهر بجميع صورها المستخلص من تركبها المستوي علي عرشها و نسبته الي الجسم المطلق نسبة المصدر الي الفعل و هو نور اشرق من صبح ازل الجسم المطلق فلاح علي هياكل البسايط آثاره فهو كما قال الشاعر :
شمالية غربية مشرقية جنوبية كل الجهات جهاتها
فهو ثابت مستمر استمرار عالم الاجسام و به تحققها كونا و شرعا فميته اذا مات لميمت و قتيله اذا قتل لميقتل ، كنت مع كل نبي سرا و مع نبيكم جهرا فهو مع القلم قبل القلم و مع اللوح قبل اللوح و مع الكور قبل الكور و مع الدور قبل الدور و لقد اريناه آياتنا كلها فكذب و ابي و يؤيد ذلك و يصرح و ينص اخبار متواترة معني يضيق الصدر بالتنبيه عليها فاذا شاء ان يظهر في عالم الاعراض اتخذ لنفسه اعراضا من البسايط العرضية من كل بسيط قبضة و ركبها علي ميزان الاعتدال و جعل له قلبا اتخذه لنفسه عرش استوائه و كرسي استقراره فاحياه بفضل نوره ثم نشر منه نور الحيوة الي فضول ذلك القلب فاحياها و اظهر من كل واحد ما يخصه فنظر بعينها و نطق بلسانها و غضب بصفرائها و حلم ببلغمها فافهم المثل فصار ناطقا بالحكمة و العلم لاينطق الا بوحي يأتيه به جبرئيل الآخذ عن ذلك القلب الجامع [ص 34] المشار اليه فان حيوة جبرئيل منه و حسه و حركته بفضل حيوته سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم بالجملة ذلك القلب الجامع ليس بمتولد من هذه الاعراض و لميك مخالطا معها يصطفي منها و يستخرج بتدبير المدبر عنها بل هو حي بالذات موجود مستقل قبل تكون هذه البسايط العرضية المركبة قائم بمبدئه و مشية ربه الاعلي ثابت في عالمه فلما حدث هذا البدن كما حدث صورة الاعرابي و الدحية و حدث فيها قلب معتدل صافٍ صار منفذا من هذا العالم و روشنا الي ذلك القلب الجامع البريء عن الاقطار الثابت في الادوار النافذ في افلاك هورقليا و ارضيه فخرج منه ضوؤه و نوره و لمينفذ غيره اليه و لميحك عنه احد ابدا و ليس ساير القلوب منفذا الي ذلك القلب ذاته بل الي جهة من جهات نوره ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و ايدهم بروح منه فما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر اشهد انك قد اقمت الصلوة و آتيت الزكوة و امرت بالمعروف و نهيت عن المنكر و اطعت الله و رسوله حتي اتاك اليقين من لميقدر ان يزورنا فليزر صالحي اخوانه يكتب له ثواب زيارتنا ، الي غير ذلك من البينات و الزبر فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
الباب التاسع - اعلم ان الله سبحانه كان اذ لا كان بلا كيف فخلق المشية لا بشيء غيرها و لا من شيء و لا علي شيء و لا لشيء غيرها بل خلقها بها منها عليها لها فكانت سرمدية راجحة الوجود ثم خلق بها ماءا هو اصل كل شيء به منه عليه له فكان في مكانه و وقته دهريا باعتبار و سرمديا باعتبار فخلق به ارضا بها منها عليها لها هي صلوح جميع الموجودات الجايزة و هي نفس ذلك [ص 35] الماء و انيته و هو حيث اثريتها للمشية و جهتها الي ربها فكان ذلك الماء هو المادة و تلك الارض هي الصورة و هما معا الامكان الجايز للموجودات الجايزة و الوجود الجايز و فعليتان للوجود المطلق الذي هو المشية فالجهتان في المشية علي نحو الاتحاد و في الوجود الجائز علي نحو الامتياز بالنسبة و ذلك الوجود الجايز هو اصل الاصول و حقيقة الحقايق و مادة المواد و نور الانوار و ذات الذوات للذات و نفس الكل و فؤاد الكل و نور الله و آية الله و عنوانه و الانموذج الفحواني و مادته التي هي ذلك الماء كونا مصورة بتلك الصورة التي هي صلوح الكل ثم اخرج الله سبحانه من ذلك الصلوح صورة معنوية كلية و البسها علي ذلك الصلوح فكان ذلك الصلوح لهذه الصورة بمنزلة المادة و هذه هي صورتها و لمتلبس هذه الصورة علي مادة ذلك النور التي هي ذلك الماء و انما البست علي تلك الارض كما ان الكسر يرد علي الجمود و الجمود علي الماء و لولا الجمود لمينكسر الماء و انما المنكسر هو الجامد و هذا المثل تقريبي فلما لبست الصورة المعنوية الكلية اخرج الله تعالي من صلوح هذه الصورة المعنوية صورة رقيقة و البسها اياها فلولا الصورة المعنوية لميصلح صورة ذلك النور للبس الصورة الرقيقة و هكذا اخرج الله عز و جل من صلوح الرقيقة الصورة المجردة و من صلوحها الصورة الطبيعية و هكذا الي ان اخرج من صلوح الصورة المثالية الصورة الجسمانية و البسها اياها فكل صورة عليا مادة للصورة الدنيا و ليس يبلغ الصورة الدنيا ابدا المادة العليا و لاتصل اليه بالتلطيف .
بقي شيء و هو ان الصورة في اي رتبة كانت ليس تتصف بها المادة لانهما لاتقترنان ابدا و هما في رتبتين عليا و دنيا و انما المصور بالصورة نفس الصورة من حيث انها عناية المادة و تأييدها لشهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و لما ثبت في [ص 36] علم الاشتقاق لزوم اتحاد صقع المشتقات فالموصوف في صقع الواو و الصاد و الفاء و هي الوصف و فوق عرصتها لا وصف فلا موصوف فالمفعول هو الفعل المصدري لا غير فالموصوف هو الوصف الا انه من حيث انه ظاهر المادة في مقام الوصف موصوف و من حيث هو هو وصف فمادة العقل ظاهر صورة الفؤاد لا عينها و مادة الروح ظاهر صورة العقل لا نفسها و هكذا و ذكرنا ما ذكرنا اول تمهيدا في طريق التعليم فاذا لايصير الجسم ابدا مثالا و لا المثال هباء و لا الهباء طبعا و هكذا و لكل منها مقام معلوم و لكل من هذه المراتب صورة مقومة بها قوامه في كونه هو هو لايفارقها ابدا و هي دهرية و صورة متممة و هي الوضع و الاجل و الكتاب و الاذن و النسبة و الاضافة و الحركة و السكون و الاتصال و الانفصال و امثال ذلك فالصورة المتممة اثر منفصل للصورة المقومة و لها مادة هي حيث اثريتها للصورة المقومة و حيث كونها شبحا منفصلا منها و صورة هي حيث هي هي و يمثل عن الثلثة بصورة وجهك و هي مقومة مادة وجهك و الشبح الذي في المرآة و المرآة و من تلك المراتب الجسم المطلق له مادة من ظهور المثال و صورة من الكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة المطلقة و هو لايظهر في الخارج الا بالصور المتممة و هي العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر فهي تمثل الجسم و وجوده الخارجي و هي الصور الزمانية و اعراض الجسم قال علي عليه السلام فالذي بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، فالصورة المتممة تتغير و تتبدل و المقومة باقية دهرية ثابتة و جميع المراتب العليا كامنة في الجسم و الجسم متمثل بهذه الصور الزمانية فالجميع كامن في هذه الاجسام الزمانية الا انها تحتجب عن تلك المراتب بصورها و اعراضها فانها كثرات تحجب سر الوحدة التي للمراتب العليا و هكذا نسبة كل مرتبة دنيا بالعليا فلاجل [ص 37] ذلك صار فعلية كل عليا بالقوة في الدنيا و هذا معني ادبار العقل فنزل كذلك الي التراب فكمن فيه جميع المراتب العليا حتي اذا وصل اليه نداء اقبل بواسطة تكميل المبادي و تغليب جهة الوحدة فيه و ازالة الكثرات عنه فصار يترقي شيئا بعد شيء و كلما ترقي درجة و توحد و تلطف خلع عنه الكثرة دونه و حكي رتبة من تلك المراتب العليا فاول ما تلطف ظهر عليه الطبايع الاربع ثم تلطف و صفي فظهر عليه سر النبات و نفسه التي هي صوافي الطبايع ثم تلطف مرة اخري حتي صار بلطافة فلك القمر و صار روحا بخاريا في القلب فظهر عليه سر الحيوة الفلكية ثم تلطف مرة اخري حتي صار بلطافة الافلاك الستة و صار روحا دخانيا دماغيا فظهر عليه النفس الناطقة الظلية الجنية ثم تلطف مرة اخري حتي صار بلطافة الكرسي فظهر عليه النفس الناطقة الانسانية ثم تلطف مرة اخري حتي صار بلطافة العرش فظهر عليه النفس النبوية و روح القدس و ايدناه بروح القدس ثم تلطف مرة اخري حتي القي عنه الصورة العرشية و بلغ مبلغ فؤاد الاجسام الزمانية الذي هو الماء النازل من سحاب مشية الجسم المطلق الذي هو للاجسام بمنزلة الوجود المطلق للعالم .
بقي شيء و هو ان الفؤاد آية الوجود المطلق و عنوانه و محله و هو امر برزخي بين المطلق و المقيدات يعني قد يضاف الي عرصة الاطلاق نظرا الي انه محله و تمثله الاول و متعلقه الذي به يكون المشية مشية فانه لاتكون المشية مشية الا بمشاء و هو المشاء الاول لها حتي انه يكون حيث صلوحه للتصور بصور المقيدات و لذلك يقال ان الماهية اذا اخذت من حيث هي هي فهي المطلق و ان اخذت من حيث صلوحها للكثرات و صدقها علي كثيرين فهي الكلي الطبيعي الحقيقي و قد يضاف الي عرصة المقيدات نظرا الي انه [ص 38] اول صادر من المطلق فلاجل ذلك صار برزخا بين المطلق و المقيد هذا و البرزخ هو فعل العالي في الداني و ليس هو الجوهر المشاكل للاعلي من حيث اعلاه و للاسفل من حيث الاسفل فانه لو كان جوهرا لكان مستقلا كالكرسي بين العرش و الافلاك فانه ليس ببرزخ بينهما و انما البرزخ في كل مقام فعل العالي المتعلق بالداني و لذلك يقال ان الوجود المطلق برزخ بين الوجود الحق و الوجود المقيد بالجملة الفؤاد امر برزخي بين الوجود المطلق و المقيد فلاجل ذلك لا وجود له في الخارج من غير صور متممة فلاجل ذلك ليس فوق العرش جسم و لا خلاء فوقه و لا ملاء و ينتهي الاجسام الزمانية الي محدب العرش و ليس فؤادها بكرة فوق العرش فهو في عدم وجوده في الخارج من غير صورة متممة كالجسم المطلق فلايحسب في الاجسام الزمانية و انما يضاف الي الدهر لاجل ذلك و اضافته الي الدهر اولي فهو مادة المواد و حقيقة الحقايق و الامر المفعولي بالجملة اذا بلغ الكاين الجسماني مبلغا ازال عن نفسه وجدانا صورة العرش صار في رتبة فؤاد عالم الاجسام و لايمكن القاء صورة العرش عنه وجودا في الخارج اذ لايبقي له تمثل بعد فلاجل ذلك قد يقال انه في مرتبة محدب العرش و العقل المرتفع و هو بلحاظ الكون الخارجي و قد يقال هو في مرتبة الفؤاد فاهل الفؤاد لايتجاوزون وجودا مرتبة العقل المرتفع و انما يتجاوزونه وجدانا و التفاتا و يصير المتجاوز حينئذ في مقام الغوث الاعظم و القطب الاكرم و القلب الافخم فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و اعلم ان الوصول الي هذا المقام ليس الا حظ واحد في كل عصر بل ليس الوصول الي هذا المقام وجودا الا حظ محمد و آلمحمد عليهم السلام و اما الانبياء فلايتجاوزون وجودا حد العقل المنخفض و المتوسط و لهم [ص 39] الوصول الي الفؤاد وجدانا و لكن هذا الوجدان غير الوجدان الاول فانهم لايصلون الي العقل المرتفع ايضا وجودا فيجدون ما يظهر من العقل المرتفع من الفؤاد و المؤمنون البالغون مقام الانسانية لايتجاوزون وجودا حد الكرسي و انما يجدون الفؤاد الظاهر من العقل المرتفع و المنخفض و هكذا اهل كل درجة و لكل منا مقام معلوم و لكل درجات مما عملوا .
بقي شيء و هو ان الغوث الاعظم لما بلغ مبلغ الفؤاد خرج عن عرصة الزمان و صار دهريا محيطا بجميع الزمان و الزمانيات واقفا علي الطتنجين ناظرا في المشرقين و المغربين عالما بما كان و ما يكون علم شهادة و عيان لا علم اخبار و اذعان فكان هو الناطق بكل لسان الناظر بكل عين و السامع من كل اذن و الفاعل بكل يد المحرك لكل متحرك و المسكن لكل ساكن سواء في سوالف الزمان او خوالف الاوان فهو الذي يتقلب في الصور كيف يشاء من رآها فقد رآه و هو القلب الذي يدور عليه رحي الاجسام في سوالف الايام و خوالف الاعوام و الممد للعرش و الكرسي و الافلاك و العناصر و المتصرف بها و فيها و منها و هو الذي كان و يكون بلا اول و لا آخر فهو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم و هو النذر الاولي و نذر كل زمان و اوان و هو القلب المشاكل الذي به يمد الله الكل و الامر المفعولي ،
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
و الصورة الشخصية الجزئية احد مظاهره فلو شاء في اي زمان ظهر بالف الف صورة مثلها و هو الذي ان غاب لميغب و ان مات لميمت و ان قتل لميقتل و هو صاحب المرئي و المسمع و حاضر كل ملأ و منتهي كل حاجة و باب الله الي خلقه و بابهم اليه و هو الذي هذا العالم الكبير احدي صوره و العالم الصغير الذي هو صورته الشخصية احدي صوره .
[ص 40] بقي لك شيء انبهك عليه و هو ان جميع مراتب الغيب كما بينا قد كمنت في هذا التراب و جمدت و خمدت فيه و في كل رتبة من مراتب هذا العالم الكلي مرتبة من مراتب الغيب بالفعل كما ان العقل الكلي في العرش بالفعل و النفس الكلية في الكرسي بالفعل و الطبيعة الكلية في الشمس بالفعل و المثال في الافلاك بالفعل فلما دارت الافلاك علي هذا التراب و مكنته و صفته ظهر فيه النفس النباتية التي هي من شعاع الافلاك ثم صفته مرة اخري و كملت ما فيه من الحيوة ثم صفته مرة اخري و كملت ما فيه من النفس الناطقة الظلية الفلكية ثم صفته مرة اخري و كملت ما فيه من النفس الناطقة الاصلية الكرسية ثم صفته مرة اخري و كملت ما فيه من العقل ثم صفته مرة اخري و كملت ما فيه من الفؤاد و كل مرتبة تكمل ما يجانسها مما فيه اي في ذلك التراب و سر صيرورة المراتب الغيبية في مراتب هذا العالم بالفعل و لا مكمل لها ان المشية هي فعلية جميع الكمالات بالذات و مقومتها هي الكمال المطلق الذي لها و متممتها المراتب الكلية المطلقة بالاضافة فتمثلت فيها ثم ظهرت كل مرتبة منها لكمالها بصور متممة اخري كما تري من ان الجسم المطلق ظهر بعرش و كرسي و افلاك و عناصر و كذلك كل مرتبة من تلك المراتب فصارت هذه المراتب اي المتممات الثانية مظاهر شؤن المطلق الاعلي الذي هو فعلية اضافية كما كانت المطلقات مظاهر شؤن المشية التي هي الفعلية المطلقة فهذه المتممات الثانية هي تمثل المطلقات التي هي تمثل المطلق و وجوده و ظهوره في الخارج فهي اي المتممات الثانية هي هي مشية الله جل و عز بعينها المخلوقة بنفسها في هذه الرتبة فلايمكن ان تكون غير حية و غير متحركة فظهرت علي نظم الحكمة و الصواب [ص 41] و الارتباط و الاتساق الدال علي وحدة الواحد جل شأنه فظهرت بعرش هو جهة المبدء الواحد جل شأنه في مقام الفعلية و بكرسي هو جهة نفسها المتكثرة في ذلك المقام و بافلاك هي رؤس جهتي الفعل و وجوه تعلقه و آلات تمكينه و اقلام تقديره و دواعي تقريبه و اعداده و تهيئته و طبايع هي جهات نفس الامكان و حيث الاثرية و المفعولية كما ان السموات نوعا هي جهة الفعلية فدارت عليها و طرحت شعلاتها عليها حتي حركتها ثم خلطتها ثم صفتها ثم صعدتها ثم عدلتها ثم استخلصتها ثم استخرجت جوهرها فجعلتها في الكائنات بمنزلة العرش و لما كان التدبير علي نهج الترتيب الطبيعي و القوابل ايضا متدرجة في الاجابة حدث في الكائنات جمادات و معادن و نباتات و حيوانات و عطارد و زهرة و مريخ و مشتر و زحل و شمس و كرسي و عرش يصدر منهم ما يصدر منها فهم فواعلهم فواعل و مفاعيلهم مفاعيل و يحكون ما يحكي تلك المطلقات و يسكن فيهم ما يسكن فيها من الملئكة او الشياطين فهم عالم الاكوان كما ان المطلقات عالم الامكان فالعرش الكوني له مقعر و محدب علي ما اشرنا اليه و محدبه الغوث الاعظم و القطب الافخم و عليه يدور رحي العالم باعتبار المحكي لا ما يحكي فليس وجود الحاكي شرطا في قوام السموات و الارض كيف و هو بها و اما ما يحكي فلولاه لاهيلت السموات و ساخت الارض و تدكدك الجبال فانه هو حيوة الكل السارية في السموات و الارض و ما بينهما فافهم .
الباب العاشر - اعلم ان كل من سوي ظهور ذلك القلب الجامع فهو منحط عن درجة الجامعية و فيه بعض القبضات بذاته بالقوة و ان كان فيه بظله موجودا بالفعل فالقلب الجامع يتخذ له في مظهره حصة فعلية من كل سماء و كل ارض و يركب [ص 42] و يستخرج لطايفه فيكون قلبا جامعا و يحيي بنور العالي و اما غير الجامع فيفقد بعضها البتة المتسمع ان الجامع لما صعد بجسمه الي السماء وقف جبرئيل عند سدرة المنتهي و قال هذه سدرة المنتهي كان ينتهي الانبياء قبلك اليها ثم لايتجاوزونها و انت تجوزها ان شاء الله و لما صار عند العرش قال انقطع عني اصوات الملئكة و دويهم و ذهبت المخاوف و الروعات و ظننت ان جميع الخلايق قد ماتوا و لمار غيري احدا من خلقه و اما ساير الكلمات فكل نوع منها يفقد حصة و قبضة بذاتها و ان كان يجدها بظلها و كلها مواليد من الحروف الكونية قد تولدت بفعل ذلك الجامع الظاهر في الافلاك فادارها علي امكان العناصر و ركب منها ما شاء و كملها بادارة الافلاك عليها و اخرج بكل فلك من امكانها ما كان كامنا فيه من جنسه و جعله بالفعل حتي احدث منها مولودا بين تلك القبضات فاشتعل بشعاع ذلك الجامع كما يشتعل الزيت بالنار و الروح البخاري بحيوة الام و ذلك ان ذلك الجامع امر سار في جميع السماوات و الارضين و يكون في غيب العناصر ايضا فاذا تركب منها مولود و خرج من كمونها الصور الفلكية فوقف المولود برزخا بينها عمل ظل ذلك الجامع و نوره فيها و استخلصها و وحدها و جردها حتي اشتعل ظله فيها فصار حيا له ظاهر و هو الامر البرزخي بين الحروف و البسايط و باطن و هو مثال ذلك الجامع الذي القي في هويته فظهر منها افعاله علي حسب صبغه و شكله فاول مولود تولد بين البسايط بعد ظاهر الجامع الكروبيون الذين اقامهم الله خلف العرش في رتبة الكرسي و ركبهم من حصص الكرسي و الافلاك و العناصر حتي حصل بينها حقيقة خارجة فلما اعتدل مزاجها و صفي اشتعل فيها نور الجامع الباطني و ذلك النور هو تنزل النور الذي اشتعل في ظاهر الجامع اذ اصل ذلك النور الطف من ان يتأثر [ص 43] منه هذه الحقيقة اللهم الا من تنزله كما اشرنا اليه سابقا و كذلك المواليد الثالثة او الثانية و هم الحجبة فانهم ركبوا من حصص من الشمس و الافلاك الستة و العناصر فلما تركبوا منها و حصل بينها لهم برزخ و حقيقة خارجة فاعتدلت و صفت اشتعل فيها نور الجامع بعد تنزله بدرجتين و نور الدرجة السابقة الطف من ان يشتعل فيها و تتنبه به و هكذا الي آخر المراتب و آخر الكلمات الكونية لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون و لاجل ذلك يمكن البرزخ بين الدرجتين كما تري من المرجان البرزخ بين الجماد و النبات و البورايخ البرزخ بين النبات و الحيوان و المسوخات البرزخ بين الحيوان و الانسان و النقباء الكليين البرزخ بين الاناسي و الانبياء فلما عرفنا ان هذه المواليد من هذه البسايط و هذه البسايط يحتمل بينها البرزخ عيانا عرفنا انه يمكن وقوع المولود البرزخي بين المواليد فاذا تحقق المركب البرزخي تحقق لها ارواح برزخية لا محالة فاذا تحقق الارواح البرزخية بينها ليس بين هذه المواليد ترتب طولي و المادة مشتركة و هي البسايط و الصورة مشككة فالروح المشتعل في بدن الانبياء تنزل الروح المشتعل في الجامعين و الروح المشتعل في بدن الاناسي تنزل الروح المشتعل في الانبياء و الروح المشتعل في بدن الحيوانات تنزل الروح المشتعل في الاناسي و هكذا نعم كل نوع اثر للمطلق الساري فيه المعطي اياه اسمه و حده و الشيء الواحد لايكون اثر شيئين فالجمادات اذا كانت اثر الجماد المطلق كيف تكون اثر النبات و كذا النباتات اذا كانت اثر النبات المطلق كيف تكون اثر الحيوان نعم هذه المطلقات التي هي مؤثرات الانواع التي تحتها ترتبها علي نحو التنزل و التشكيك اذ هي مراتب الموجود المطلق و الموجود المطلق مؤثر الكل فهو مؤثر العقول بالعقل المطلق و مؤثر الارواح بالروح [ص 44] المطلق الذي هو تنزل عقله المطلق و العقل المطلق حقيقة العقول فصح ان الارواح اثر حقيقة العقول اي اثر تنزل حقيقة العقول و ليست باثر افرادها و كذلك النفوس اثر حقيقة الارواح بعد التنزل و الطبايع اثر حقيقة النفوس بعد التنزل و هكذا فافهم ذلك و لاتغلط فصح لك ان تقول ان الانبياء آثار الحقيقة المحمدية بعد تنزلها مرة و الاناسي آثار حقيقة الانبياء بعد تنزلها و الحيوانات آثار حقيقة الاناسي بعد تنزلها و هكذا و ليست افراد الرتبة الدنيا آثار افراد الرتبة العلياء و المؤثر ليس يخفي عليه حقيقة الآثار و الشيء لايكون اثر شيئين فهذه المواليد الجسمانية و ان كانت قلوبها مشتعلة بنور القلب الجامع بواسطة و وسائط الا انها ليست من آثاره كما عرفت نعم القلب الجامع مؤثر شرعي لافعال و صفات تخرج من كمونها الي الشهود كما ان القلب ليس بمؤثر للعين و انما هو مؤثر للابصار الحادث من العين فان حيوة القلب تعمل في العين و تخرج من كمونها الابصار و كما ان النار ليست بمؤثرة للتراب فاذا عملت في التراب و اخرج من امكانه النار الكامنة فيه كان احراق هذه النار و حرارتها اثر تلك النار و هي قائمة بها كما ان نور الحائط من اثر الشعلة لا الحائط و هو قائم بها موجود بوجودها معدوم بعدمها فزيد ليس وجوده من اثر بدن الانبياء و انما الروح الايمان الخارج من كمونه و امكانه اثر الانبياء و كذلك اشخاص الانبياء ليست باثر شخص الخاتم و انما روح نبوتهم اثر الخاتم قائم به قيام النور بالشعلة و هكذا فالسلاسل النورية و الظلمانية سلاسل شرعية و يمكن ان يخرج واحد من هذه السلسلة و يدخل في هذه بالجملة ماكنا بصدد بيان هذا الامر هنا و انما جري ذكره استطرادا فالعرش مثلا ليس اثر القلب الجامع و انما اثره حيوة العرش المستخرجة من كمونه الي البروز بكم تحركت المتحركات و سكنت [ص 45] السواكن و اما ذات العرش و الكرسي و ساير الاجسام فانما هي آثار الجسم المطلق لا القلب الجامع اللهم الا ان يراد بالاثر الاثر المتصل فهو واقع كما قدمنا فان الاجسام مخلوقة بنفسها عند المطلق و نفسها التي خلقت بها هي ذلك القلب فان القلب جهة وحدة البسايط و جهة ربها المعبر عنها بالفؤاد و هو في الاجسام مكشوف جميع سبحات حدود البسايط كملا و هو ماء الجسم الجائز النازل من سحاب الجسم المطلق الذي هو المشية في خلق هذه البسايط فهو مادة المواد و حقيقة الحقايق و يعرف ذلك اذ قطعت النظر عن جميع حدود العرش فما دونه فهو آية الاحد في البسايط و نسبته الي الجسم المطلق نسبة المصدر الي الفعل فهو جهة وحدة البسايط و البسايط جهة كثرتها و انيتها و المجموع خلق بنفسه فالبسايط اثر متصل لذلك القلب فافهم و اتقنه .
الباب الحاديعشر - اعلم ان من المواليد من فيه جميع ذوات القبضات بالفعل فيصدر منه جميع آثارها و منها من فيه بعض القبضات بذاته بالفعل و البواقي بظلها فهو و ان لميكن مستكمل جميع المراتب بذاتها و لكنه مستكمل المراتب بالظل في بعض و بالذات في بعض فيصدر عنه آثار جميع القبضات و ان كان آثار قبضاته الظلية ضعيفة بالنسبة الي ما جميع قبضاته ذاتية فهو علي حذو قول الشاعر :
فعينك عيناها و جيدك جيدها سوي ان عظم الساق منك دقيق
فهو في مقامه خليفة الماضين و ثمال الباقين و القائم مقام العالين و آية غوث العالمين و بابه للسائلين به يتوسلون اليه و منه يدخلون عليه و به يتوجهون اليه و منه يستمدون منه و لايدرك بوارع ثاقبات فكرهم عن العالي الا اياه [ص 46] و لايعرفون سواه فلو كان لهم مشعر من جنس ذات القبضة الاولي لكانوا في رتبتها و يصلون اليها فلما وجدناهم ليس لهم مشعر من جنسها عرفنا انهم عاجزون عن درك ذاته اي ذات العالي و ما يؤل اليها و لا محيص لهم عن هذا المولود الذي ما علا عليه فيه بالظل فعلاً و منها من يفقد بعض الحصص بالكلية فليس له بالذات و لا بالظل فاولئك منحطون عن درك ذات العالي و ظله كليهما و معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده و لنا هنا كلام آخر و هو ان لتلك القبضات مقامين مقاما كونيا و مقاما اسميا وصفيا و ذلك ان الكون يطلق علي الشيء من حيث هو هو و له مادة و صورة و هذا هو الماهية بالمعني الثاني فان المعني الاول لها هو صورة المادة و نهاياتها و بعد ما تركب الوجود الاول الذي هو المادة مع الماهية الاولي يكون للمجموع المركب حيثان حيث هو هو مركبا من مادة و صورة و حيث كونه ظهور المبدء العالي و تجليه فلا تحقق له حينئذ الا اذا رؤي فيه العالي و هذا المقام هو المشار اليه بقول الحسين عليه السلام في دعاء عرفة ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا ، و المشار اليه بقول علي عليه السلام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله و في الدعاء لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك ، فالاشياء في هذا اللحاظ كلها اسماؤ الله و صفاته و انواره و كمالاته و قد اشار اليه الله سبحانه اولميكف بربك انه علي كل شيء شهيد الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شيء محيط و قل اي شيء اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم و قد قالت الحكماء في هذا الباب ليس الا الله و صفاته و اسماؤه فهي في هذا المقام صفة تعريفه سبحانه و تعرفه [ص 47] لخلقه و هذا مقام نفس كل شيء و حقيقته و مقام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله اي النور الذي خلق و مقام من عرف نفسه فقد عرف ربه و مقام اطعني اجعلك مثلي تقول للشيء كن فيكون و هذا المقام اذا تحقق في شخص صار فعالا حاكما بالله سبحانه متصرفا في الامور فانه مقام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و مقام كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها ان دعاني اجبته و ان سكت عني ابتدأته و مقام انا نترك ما نريد لما يريد فاذا اردنا شيئا يريد فاذا وصل الانسان الي هذا المقام يحكم بالله و يفعل بالله و ينظر بالله و ينطق بالله بخلاف من اذا لميتحقق فيه هذا المقام و تحقق فيه القبضات كونا فانه و ان شاهد الكون و عرفه الا انه ليس له القدرة علي التصريف و الحكم و الفعل و غاية سير هذا الشخص محدب العقول و يقال له العقل المرتفع و لايتجاوز الجبروت و الشخص الاول مقامه الفؤاد و يلحق بعالم السرمد و يكون محل المشية فمايشاء الا ان يشاء الله لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فاذا عرفت هذه المقدمة اقول ان هيهنا مقدمة اخري لا بد لك ان تعرفها و هي ان بسايط هذا العالم منها لها مقام الفعلية و التأثير و منها لها مقام المفعولية و التأثر فالبسايط الفعلية هي الافلاك المتحركة المؤثرة و البسايط المفعولية المتأثرة هي العناصر و المولود بينهما من نطفة الام التي هي العناصر و نطفة الاب هي المكملة المخرجة من كمون نطفة الام ما يشاكلها فمن النطف ما يغلب عليه جهة الاب فيصير ذكرا و منها ما يغلب فيه جهة الام و يصير انثي فالذكور منها ما غلب فيهم الحصص السماوية و قهرت الحصص العنصرية فصاروا بذلك فعالين كابيهم و الاناث منها ما غلب فيها [ص 48] جهة العناصر فصارت بذلك مفعولة مدبرة تابعة و فيها جهة الفاعلية ضعيفة جدا فالذكور من المواليد مختلفة المراتب متكثرة الاصناف فان الافلاك التي يؤخذ منها لهم الحصص متعددة الا ان كليات مراتبهم تقسم علي اربع فمنهم من فيه جميع الحصص السماوية بالفعل ففيهم حصة من العرش و حصة من الكرسي و حصة من الشمس و حصة من الافلاك و منهم من يفقد حصة العرش و فيهم الثلث حصص بالفعل و منهم من يفقد حصة الكرسي ايضا و فيهم الحصتان بالفعل و منهم من يفقد حصة الشمس ايضا و فيهم حصة الافلاك بالفعل فبذلك صاروا علي اربعة اصناف و اما الاناث من المواليد ففيها حصص السماوات بذاتها مفقودة و لكن هي علي قسمين فمنها من تجد اظلال حصص السماوات و ذوات حصص العناصر و منها ما تفقد الاظلال ايضا و تجد ذوات حصص العناصر فالتي تجد الاظلال فهي علي حد الخناثي و جهة الاناث فيها اغلب ففيها حيث فاعلية ما و حيث متبوعية و لها علم بخصال الذكور و تظهر من صفاتها آيات الذكور فهي ايضا علي اصناف اربعة علي حسب اصول الاظلال و اما الفاقد للاظلال فهي تابعة صرفة ليس فيها هيمنة و آية من الذكور فاذا عرفت هذه المقدمة ايضا فاعلم ان ذكور المواليد منهم كما عرفت فيه الحصص الاربع بالفعل فهو فعال مطلق في ما دونه اذ له حصة من العرش و حصة من عرشية الكرسي و حصة من عرشية الشمس و حصة من عرشية الافلاك اذ قد دبرت هذه الافلاك نطفة امه بعرشياتها و بذلك صارت حصة العرش بالفعل فهو عرشي علي الاطلاق و له عرش جميع المراتب و الوساطة الكبري في كل مرتبة من مراتبه فما فيه من الكرسي الطف مراتب الكرسي بحيث انه ليس في احد حصة الكرسي بلطافة الحصة التي فيه و كذلك ما فيه من الشمس الطف مراتب الشمس [ص 49] و ما فيه من الافلاك الطف مراتب الافلاك بحيث انه ليس في احد مثلها و اما من يفقد حصة العرش ففيه حصة من الكرسي و حصة من كرسية الشمس و حصة من كرسية الافلاك فهو كرسي في جميع المراتب و جميع حصصه ادون من حصص المولود العرشي و اما من فيه حصة من الشمس و حصة من الافلاك بالفعل و يفقد الحصتين الاوليين ففيه من الافلاك حصة شمسية و هو بجميع حصصه ادون من المولود الكرسي و اما المولود الفاقد للثلث الواجد لحصة الافلاك فهو واجد فلكية الافلاك لا غير و آية ذلك واضحة من ان نار النبات ادون من نار الحيوان و كذا هواؤه و ماؤه و ترابه و ما في النبات فضول ما في الحيوان البتة و ما في الحيوان صوافي ما في النبات و بذلك صلح لتعلق الحيوة بكله و كذلك عناصر الانسان الطف من عناصر الحيوان البتة و عناصر الحيوان فضول عناصر الانسان و لذلك يتعلق بالانسان الناطقة و لاتتعلق بالحيوان البتة فليس الانسان يشارك الحيوان و النبات في العناصر ابدا الا نوعا و كذلك المولود العرشي جميع حصصه الفلكية الطف من المولود الكرسي و كذلك المولود الكرسي الطف من المولود الشمسي و المولود الشمسي الطف من المولود الفلكي و لاتتشارك هؤلاء الا في النوع و لايبلغ احدهم مرتبة الآخر و لايمكن تعلق روح العالي بالداني كما عرفت من دليل الحكمة الذي لاينتفع منه الا الحكماء فاذا عرفت ذلك فاعلم ان كل مولود ادني فيه ظل الاعلي كما عرفت لا ذاته فمقامه مقام العلم بالاعلي و لايكشف عنه فالمولود الكرسي لايكشف له العرش نعم يحصل العلم به و المولود الشمسي له علم بالعرشي و الكرسي و لايكشف عنه و المولود الفلكي لايكشف عن العرش و الكرسي نعم له علم بالثلثة المقدمة لان لكل دان ليس من العالي الا الظل و يكشف له عن الافلاك [ص 50] فبذلك اختلف مراتبهم و لايجمع جميع اسرار الكون الا المولود الفؤادي فهو الجامع و الغوث الاعظم و القطب الاكرم ينحدر عنه السيل و لايرقي اليه الطير و هو عمود خيمة الوجود و اما العرشيون فهم الاركان و الاوتاد لها و اما الكرسيون فهم ظواهر العرشيين و اما الفلكيون فهم ظواهر الكرسيين و لذلك شبهوا بهم و جميع هؤلاء حجب المطلق العالي و هو المحتجب بها و كل عال واسطة بين المطلق العالي و الداني و كل عال له هيمنة علي الداني مفيض عليه ممد له و كل دان مستفيض مستمد من العالي فالفؤاد قطب العالم و فوق الكل و العرش قطب ما دونه و هو وسط الكل و الكرسي قطب ما دونه وسع كرسيه السموات و الارض ثم الشمس قطب السموات و الارض و استمداد الكل منها و هي الموصلة الي السموات و الارض اسرار العرش و الكرسي و الافلاك هي نوعا لها قطبية للعناصر الا انها لتعددها ليس واحد منها جامعا لاسرار العرش و الكرسي و الشمس اللهم الا من كان فيه جميع الافلاك بالفعل فهو له جامعية فله مقام قطبية مقام الشمس و اما من لميستجمعها فليس له مقام قطبية و جامعية فاذا عرفت ذلك فاعلم ان كل من استجمع المراتب اصلا او ظلا هو كلمة تامة بالغ مقام الاسمية لله سبحانه فان المولود ما لميستكمل المراتب لميتعلق به الروح الكلية و الرحمانية العامة فلايصير الاسم الاعظم الاصلي او الظلي فاذا صار كلمة تامة استعد لظهور المطلق فيه بجميع شؤنه و اطواره و ان لميصر كلمة تامة فليس يحكي المطلق فهو و ان صدر منه فعل فليس منه و انما فعل به الكلمة العليا التامة كما ان عضوا من اعضائك ليس يصلح لتعلق الروح الفعال به بكله فان ظهر فيه فعل جزئي فانما هو بفضل الروح القلبي فالمبصر هو الروح به ان كان عينا و السميع هو الروح به ان كان [ص 51] اذنا كما ان صاحب المعجز هو موسي و ان صار العصا تلقف ما يأفكون فافهم المثل و ذلك انه لا فاعل الا الروح و هو في القلب و انما يشرق علي الاعضاء علي حسب خصوصيتها و استعدادها و الفاعل اشراق الروح بالعضو فالكلمة التامة بمنزلة القلب و هو محل عناية المطلق الاعلي الذي هو الفاعل علي الاطلاق يفعل بالقلب ما يشاء فاسمه الاعظم هو القلب فالمولود الفؤادي كلمة تامة ليس كلمة اتم منه و قد تجلي فيه المطلق فهو محل مشيته المطلقة و وكر ارادته العامة ثم العرشي ايضا واحد كلي فهو و ان لميكن فيه الفؤاد الا انه فيه ظل الفؤاد بكله لوحدته و المولود الكرسي مستجمع للجميع ظلا و اصلا و كلمة تامة في مقامه فهو بمنزلة وعاء العرش و حجابه يتجلي فيه العرش و الزجاجة كانها كوكب دري بواسطة وحدته و حجابيته للعرش من كل جهة و اما الشمس فهي ايضا واحدة تجمع صفات العرش و الكرسي و نورهما فهي بوحدتها ايضا كلمة تامة ظاهرة و وكر لنور العرش و الكرسي و تجمع اصول ما دونها ايضا فالمولود الشمسي ايضا كلمة تامة قد تجلي فيها المطلق و ان كان بواسطة العرش و الكرسي و بعدهما فهو اي هذا المولود ايضا فعال حاكم فيما دونه و اما المولود الفلكي فان كان مستجمع الافلاك فهو ايضا كلمة تامة و وعاء و حجاب للشمس يحكي جميع اسرارها و هو ظاهرها و نفسها و جهة تفصيلها و يد ايصالها و اظهارها به يعطي الشمس كل ذي حق حقه و تسوق الي كل مخلوق رزقه فهو ايضا كلمة تامة قد تجلي فيه المطلق في مقامه بالايصال و اما اذا لميكن مستجمعا لجميع الافلاك بل كان فيه بعضها فهو كلمة ناقصة لان زحل فيه سر باطن العرش و المشتري فيه سر باطن الكرسي و المريخ فيه سر باطنهما و الزهرة فيها سر ظاهرهما و عطارد فيه سر ظاهر الكرسي و القمر فيه سر ظاهر العرش و كل واحد منها [ص 52] ناقص منحط عن درجة الجامعية و فيه جهة بالفعل و باقي الجهات بالقوة بخلاف الشمس ففيها ظل جميع بواطن العرش و الكرسي و ظواهرهما بالفعل و بخلاف الكرسي فان فيه ظل جميع ظاهر العرش و باطنه بالفعل فافهم الامثلة فالكلمة التي فيها بعض الافلاك دون بعض ليس بجامع لجميع اسرار المبدء اي العرش و المنتهي اي الكرسي فلاتدل علي المطلق العالي الا علي شأن من شؤنه فليس باسمه المطلق و ان كان اسم شأن من شؤنه و له هيمنة ما علي ما دونه و هيمنة علي مواقع اشعته خاصة فزحل يربي الحكماء و المشتري يربي العلماء و علي هذه فقس ما سويها و لو كتب الله لك ما اجري علي قلمي لفزت فوزا عظيما .
بقي شيء و هو ان العرش و ان كان واحدا نوعا الا ان له محدبا و اوساطا و مقعرا و ان شئت اقسمه ايضا بعرش و كرسي و افلاك و ارض فالمواليد العرشية منهم من فيه عرش العرش و منهم من فيه كرسي العرش و منهم من فيه افلاك العرش و منهم من فيه ارض العرش و كلهم من الكروبيين و كذلك للكرسي مراتب و الكرسيون مختلفون و كلهم حكام الله و ابوابه و كذلك للشمس مراتب و الشمسيون كلهم حجب و كذلك للافلاك مراتب و الافلاكيون كلهم استار و جميع هؤلاء مستعلون علي العناصر الا ان الجامعية للفؤاديين و العرشيين و الكرسيين و الشمسيين و المستجمعين للافلاك و اما الفاقدين لبعض الافلاك فليس لهم جامعية فافهم هذا الباب فانه نتيجة الابواب السابقة و لب اللباب و خلاصة الكتاب و ان فيه لعبرة لاولي الالباب .
و قد فرغ من تسويده مصنفه كريم بن ابرهيم في ليلة الخميس لاثنتين و عشرين خلت من شهر جمادي الاولي من شهور سنة اثنتين و سبعين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا . تمت .