قاعدة - في العرض و الحساب و اخذ الكتب و وضع الموازين . المراد بالعرض احضار الخلق بين يدي الولي ليقضي بينهم بالحق فيحضر الخلق عنده صلوات الله عليه كما يحضر الصور الخيالية عند المتخيل الا ان المتخيل الجزئي يتخيل صورة بعد صورة و الولي يستحضر الكل دفعة واحدة بوجود خارجي بلا تمانع لانه كلي و الكل ظهوره و نوره حاضر لديه و اليه ايابهم و عليه حسابهم و جميعهم في حال العرض علي صعيد واحد و ساهرة مستوية يشهد كل احد كل احد مع اعماله و ما له و ما عليه و عقائده و نياته كلها بارزة ظاهرة مبلية كما قال تعالي يوم تبلي السراير فيحشر كل احد متلبسا بصورة عمله و نيته و عقيدته مثلا يحشر المؤمن بصورة صلوة الجمعة في المسجد الجامع في الزاوية المعينة في يوم الجمعة غرة شهر جمادي الثانية سنة فلان علي صفة المثال المطروح في غيب الامكنة و الاوقات الذي [ص 135] تراه في حده كلما توجهت اليه بخيالك و ذلك المثال المحدود بنفسه مكتوب في لوح مكانه و هو دهري الا انه ليس علي ظاهره علي ما يفهمه المبتدي فان مثل اعراض زيد لايلحق زيدا و لايتلبس به و انما هي من الاعراض و الي الاعراض كما انه مشي فرس زيد لايلحق زيدا و زيد الراكب قد سار من المدينة الي مكة و سار فرسه من المدينة الي مكة و سير زيد غير سير فرسه و قد كتب زيد بقلمه و كتب قلمه و كتب زيد غير كتب قلمه و صلي زيد و صلي اعراضه و صلوة زيد غير صلوة اعراضه فافهم و لايتلبس زيد بمثال اعمال اعراضه و انما يتلبس بمثال صلوته الصادرة منه و هي علي صورة زيد فانها اثره و الاثر يشابه صفة مؤثره و لا فرق بينهما في الصورة الا ان زيدا اذا تكلم تكلم عن نفسه و هي اذا تكلمت روت عن زيد كما ان شبح وجهك مدع و مؤسس و الذي في المرآة حاك و مؤكد فالذي تراه بعين خيالك مثال اعراضه و هو يحشر في محشر الاعراض اذ هناك محشر الاعراض فما ذكرنا من امر المثال فانما هو مثال تقريب فلا يباعدك عن الحقيقة و ان قلت فكيف يحضر الامكنة و الاوقات قلت ان المحشور من الامكنة و الاوقات في يوم القيمة حقيقتهما و الامكنة و الاوقات المشهودتان للاعراض و لم‌يكن فيهما زيد حتي يحشر فيهما و انما يحشر اعراضه فيهما مثلا المسجد الجامع المشهود قد دخله جسمك النباتي و صلي فيه في يوم الجمعة و لم‌تدخله انت بذاتيتك و انما دخلت انت بذاتيتك في حقيقة هذا المسجد التي يمكن لذاتك دخولها و الايواء فيها و هي مسجد مطهر عن الاعراض الدنياوية و البرزخية كما ان السماء تبدل و الارض تبدل فالمسجد ايضا يبدل الم‌تسمع ان مسجد الكوفة ياتي علي صورة محرم و الحاير قطعة من اعلي روضات الجنة و كذلك يزين اربعة اعياد كالعروس فتاتي يوم القيمة و رمضان ياتي و يقف علي تل [ص 136] و علي هذه فقس ما سواها فمثال هذا المسجد علي ما تري و مثال الارض علي ما تري محشر بدنك النباتي و ساير النباتات و كذلك للحيوانات محشر مخصوص بها و كلاهما في الزمان و ان كان لزيد ايضا مسحة من الاعراض قد لحقت ذاته و هي ايضا غير تلك الاعراض بالجملة كل نفس ياتي متلبسا بمثل اعماله الصادرة منه و نياته و عقائده الخاصة به و جميعهم في ساهرة واحدة يشاهد كل احد كل احد و لو كانت تعرض هذه المثل لحجب بعضها بعضا كما هي في الدنيا فافهم ذلك فقد اوقفتك علي مر الحق المستور و المقصود من عرض الجميع مشاهدة كل كلاً و شهادة الاعضاء و الجوارح و الشهود علي الاعمال فيعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي و الاقدام نعوذ بالله .

و اما الحساب فهو لغة العد و المراد من الحساب يوم القيمة ضبط اعداد الصفات و الاعمال و كمها و كيفها و نهاياتها و صحتها و فسادها و رتبها ليعرف فذلكتها و مقادير جزائها بحيث لايبقي فيه خفاء لاحد و لايتعلل متعلل او يعتذر معتذر و يظهر العدل الحقيقي الحق و تجزي كل نفس بما تسعي و هذا الحساب بالنسبة الي الله سبحانه لحظة واحدة و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و هو اسرع الحاسبين و لكن بالنسبة الي الخلق و التفاتهم الي عمل عمل و شيء بعد شيء بايقاف الله سبحانه و الخروج من عهدة كل واحد و المرور علي كل واحد واحد يطول الي خمسين الف سنة من سني الدنيا كما كان عالم الذر خمسين الف سنة و كان فيه التكليف و يوم القيمة يوم جزاء ذلك التكليف فيكون بطوله واقعا من حيث الخلق و ان كان من حيث الرب طرفة عين و هو اسرع الحاسبين كما ان الامر من الله قول كن و هو واحدة و لكن مدد المخلوقات لا نهاية لها و طول الدنيا مائة الف سنة فكذلك [ص 137] طول يوم القيمة خمسون الف سنة لانه من الصبح الي الزوال كما كان عالم الذر من الزوال الي الليل فهما معا يوم ليل الدنيا و مثال ذلك الشجرة الموجودة عليها جميع اوراقها فان نظرت اليها جملة رأيت جميع اوراقها في آن واحد و اما ان نظرت الي ورق بعد ورق يطول عليك المدة فلا بد من طول وقت القيمة حتي ينظر المكلف الي عمل عمل و جميع ما له و ما عليه شيئا بعد شيء و يطول ذلك عليه خمسين الف سنة مما تعدون و ان كان عمره في الدنيا عشرين سنة مثلا لان بسط صفاته في الدهر اكثر من بسط اعماله في الدنيا الاتري ان الكافر قد عصي مثلا عشر سنين و من نيته ان لو عاش عمر الدنيا عصي فجميع اعماله في الدهر مبسوط بسط الدهر اليس انه يعذب بزنائه مخلدا و بكذبه مخلدا و باذيته المسلم مخلدا و بقوله الكفر مخلدا و هكذا فطول حسابه علي ما عمل في عشر سنين خمسون الف سنة لانه مركب من قبضات عشر و كل قبضة كان مكلفا بالتلبس بمراتب التوحيد الخمس علي حسبه فذلك خمسون مقاما يمر علي ما في كل مقام الف سنة فان كل مقام له نهار وجود و ليل ماهية و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون .

و اما اخذ الكتب فاعلم ان الكتب كما كررنا في هذا الكتاب عبارة عن صفحات الواح الامكنة و الاوقات الذاتية للاعمال التي هي اوراق اللوح المحفوظ و المكتوب فيها مثل الاعمال الحسنة و السيئة و مثل النيات و العقايد المرسومة في غيب الامكنة و الاوقات بالعرض كما مثلنا به مكررا مما تلتفت اليه بخيالك و تراه من مثال زيد علي ما رأيته علي عمل صالح او سيئة فمتي ما التفتت اليه بخيالك رأيته في مكانه و وقته علي ما رأيته ما دام ثابتا عليه فان اعرض عنه رأيت ذلك المثال في مكانه و وقته لكن منقطعا [ص 138] عنه غير متعلق به و تلك الصفحات الذاتية اما صفحات عليين او صفحات سجين فانها اما محال الاعمال الصادرة من جهة العقل و الوجود و اما محال الاعمال الصادرة من جهة النفس الامارة و الماهية فمحال الاعمال العقلية صفحات عليين و محال الاعمال النفسية صفحات سجين و مرادي بالامكنة الذاتية و العرضية ان مثال صلوة زيد في مثال المسجد مثلا كونه في مثال المسجد عرضي و لكن كونه في محل وجوده الذاتي الذي هو مشخصه الذاتي و من حدود ماهيته و انيته و به يمتاز عن غيره ذاتي كما ان زيدا له محل عرضي يقعد فيه فاذا قام عنه و خرج قعد غيره في مكانه و اما مكانه الذاتي فهو الذي لايخرج منه ما دام هو هو و لايسع غيره و كذلك المثال له مكان ذاتي من الامكان لايسع غيره و هو يقترن بهذه الامكنة العرضية كما يقترن بمثال آخر فالكتاب الذي يؤتي به يوم القيمة هو محل رسم مثل الاعمال و النيات و العقايد فان كانت من جانب العقل كانت الكتب عليينية و تاتي من جانب اليمين من امامه و ياخذها الانسان بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه اني ظننت اني ملاق حسابيه و ان كانت من جانب النفس الامارة تاتي من وراء ظهره و تخرق ظهره و تقع علي يساره نعوذ بالله فسوف يدعو ثبورا و يصلي سعيرا و الكتاب مرسوم لكل احد من مؤمن و مسلم و كافر و مشرك و منافق فان كل احد عامل بعمل اما من جانب وجوده و اما من جانب ماهيته و جميع الاعمال محفوظ عند العليم الخبير و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا .

و اما الموازين الموضوعة فاعلم ان الميزان آلة يستعلم بها الراجح من المرجوح و يشترط فيها ان تكون مناسبة للموزون و لما كان للشيء الواحد جهات عديدة يحتاج الي موازين عديدة مثلا ميزان لكمه و ميزان لكيفه و [ص 139] ميزان لجهته و ميزان لرتبته و ميزان لمكانه و ميزان لوقته و ميزان لوضعه و هكذا لكل نوع من انواع صفاته يحتاج الي ميزان و موازين الدنيا و الآخرة علي حد سواء و التفاوت في الشدة و الضعف و يشير الي ذلك قوله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قوله انظر كيف فضلنا بعضهم علي بعض و للآخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا فموازين الدنيا و الآخرة علي حد سواء كما ان اجسام الدنيا و الآخرة علي حد سواء و انما التفاوت في اللطافة و الكثافة و التجرد و الشوب و مثل ذلك يداك المعلومتان في الدنيا في توزينك شيئا و يداك بمعني قدرتك فانك تصنع ما تصنع بيدي قدرتك فافهم ان كنت تفهم و علي هذه فقس ما سواها .

و اما الموزون فهو نفس الاعمال و الصفات و النيات و العقائد لا صحائفها كما زعم بعضهم اذ ليس يتعلق التقويم الا بها و لايجازي الا هي و قد قدمنا ان صفة كتبها في الصحائف رسم مثلها في غيب الامكنة و الاوقات فيوزن كل عمل مع ما يقابله حتي يعرف الراجح من المرجوح و لعلك تتنبه من ذلك ان الوزن بهذا المعني لمن خلط عملا صالحا و آخر سيئا و اما من ليس لعمله مقابل كالمؤمنين الكاملين او الكافرين و المشركين فلاينصب لهم ميزان اذ لا مقابل لاعمالهم .

و اما صفة التوزين بالنسبة الي العالي فاعلم ان الشارع هو المتصف بصفة مشية الله المحبوبة علي نهج الكمال و له نور قد ظهر في عالم الاقوال بالامر و النهي فذلك النور هو الشرع و السبيل و السنة و الطريق الي المبدأ ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، قل هذه سبيلي ادعو الي الله علي بصيرة انا و من اتبعني فتلك الاوامر و النواهي هي الشريعة المقدسة و هي تعبير عن ذلك النور و المكلفون مأمورون بالاستنارة من ذلك النور و المشي [ص 140] في ذلك السبيل و الارتقاء في درجاته باقدام الامتثال فهم مختلفون في طور الامتثال انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا ، لنبلوهم ايهم احسن عملا و احسن اولئك عملا من امتثل ما امر به علي حسب ما امر و علي ما يوافق صفة المنير و رضاء الشارع و ذلك لا غاية له و لا نهاية يعني كلما يجيد المكلف العمل ليس يطابق صفة المنير علي ما هو عليه لان المكلف له انية صباغة روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و صفة المنير هي الميزان القسط يقاس عمل العامل المكلف به هل يطابقه ام يخالفه و ما مقدار المخالفة و جهة المخالفة و عمله هذا اوفق مع صفة المنير او عمله ذاك و عمل زيد اوفق او عمل عمرو ليعرف قيمته و جزاؤه و تقدير الجزاء للاصباغ فلو كان موافقا تاما و لن‌يوافق عمل عامل ما يليق بحق الله لكان جزاؤه غير مقدر بفضله جل و عز انما يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب فالاعمال لها مادة و صورة مادتها ذلك النور المستطير النوعي و صورتها امتثال العاملين و التفاوت في الصورة كما ان الخشب الواحد يصنع منه سرير بالف دينار و سرير بعشرة دنانير لاختلاف الصورة و اما المعاصي فمادتها ظل الداعي الي الباطل و هو ضد ذلك النور و يعبر عنه بخلاف النور و صورها من امتثال دعوة ذلك الداعي و يعبر عنه بمخالفة الشارع الحق و الميزان هو ذلك النور و له جهات عديدة و كل جهة ميزان لجهة من العمل فذلك النور من حيث الكلية هو الميزان و من حيث جهاته الموازين و لكل ميزان كفتان و الكفة ما يحيط بالموزون من الجهات الخمس و الخفيف الصاعد لايحتاج الي تحت و الثقيل الهابط لايحتاج الي فوق و ذلك النور من كل جهة كفة و تلك الظلمة التي هي مخالفة النور من كل جهة كفة مثلا ذلك النور من حيث الاخلاص كفة و تلك الظلمة من جهة الريا كفة فعمل المرائي يوضع في [ص 141] كفة الريا فيكون خفيفا لا تأصل له و عمل المخلص يوضع في كفة الاخلاص فيكون ثقيلا فيوضع حسنات الرجل في كفة الحسنات و السيئات في كفة السيئات فيعرف الراجح من المرجوح فالشارع هو الميزان القسط و لو قيل ان الميزان له كفتان كفة هي جهة امر الشارع فيوضع فيه الامر و هي جهة المادة و كفة يوضع فيه عمل المكلف و امتثاله و هي جهة الصورة فيوزن العمل بصنج الامر فيعرف به مقدار الموافقة و المخالفة فله وجه وجيه كما مر فكل عمل وافق الامر نوعا فهو مقبول و ثقيل و يقوم علي حسبه و يجازي بحسبه و كل عمل خالف الامر نوعا فهو مردود و خفيف فيجازي بحسبه و انما قلنا نوعا لان احدا لايقدر ان يمتثل امر الشارع كما امر و يؤدي حقه و في الحقيقة كل عمل خفيف دون امره و لايستحق العامل شيئا فكل احسانه تفضل و كل نعمه ابتداء و شاهد ذلك قول السجاد عليه السلام في السجود بعد الثماني من صلوة الليل الهي و عزتك و جلالك لو انني منذ بدعت فطرتي من اول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد الابد بحمد الخلايق و شكرهم اجمعين لكنت مقصرا في بلوغ اداء شكر خفي نعمة من نعمك علي و لو انني يا الهي كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السموات و الارض دما و صديدا لكان ذلك قليلا في كثير ما يجب من حقك علي و لو انك يا الهي بعد ذلك عذبتني بعذاب الخلايق اجمعين و عظمت للنار خلقي و جسمي و ملأت جهنم و طبقاتها مني حتي لايكون في النار معذب غيري و لا لجهنم حطب سواي لكان ذلك بعدلك قليلا في كثير ما استوجب من عقوبتك انتهي ، انظر الي موازنته اعماله صلي الله عليه مع رضاء ربه و امره و اظهار خفة اعماله دون ثقل رضاه فما ظنك بغيره و من وازن عمله في الدنيا [ص 142] يرجي ان لايناقش في الآخرة و يتقبل الله منه عمله و يجازيه باحسانه الابتدائي بالجملة هذا احد وجوه التوزين فكما انه يوزن الشعر بالعروض فيوضع العروض في كفة و الشعر في كفة ثم يقاس و يوضع النحو في كفة و الكلام في كفة ثم يوزن به و يقاس كذلك يوضع امر الشارع في كفة و العمل في كفة ثم يقاس به و يعرف الخفة و الثقل بالمقايسة النوعية كما اشرنا اليه و ان اريد موازنة الحسنات و السيئات فيوضع الحسنات في كفة الموافقة و السيئات في كفة المخالفة كما مر فالكفة محل العمل اي مكان وجوده كما اشرنا اليه آنفا فكفة الحسنات من امكنة عليين و كفة السيئات من امكنة سجين و لايحتاج الاعمال الي نقل و تحويل الي الميزان بل وضعت في كفتيها حين صدرت من عاملها و ابدا في كفتيها و هما معلقان بشاهين مشية الله المعلقة بيد الله و الحاكم هو علم الله و عين الله الناظرة بهما فيري الثقيل ثقيلا و الخفيف خفيفا و يحكم بما يري و ما اعجب ما روي خير الميزان ما كان له لسان .

قاعدة - في الجنة و النار . اعلم ان الناس اختلفوا في الجنة و النار هل هما اليوم موجودتان كما عليه عامة المسلمين ام لا و انما توجدان في الآخرة كما ذهب اليه شرذمة من المعتزلة ام هما موجودتان بلا تعينات النعيم و العذاب و ان الملئكة تصنع فيهما المنازل و الدرجات و الدركات فتوجدان في اوقات الدنيا بالتدريج و منشأ الاختلاف اختلاف ظواهر الآيات و الروايات و المعروف من المذهب انهما اليوم موجودتان و انما دخل الجنة رسول الله صلي الله عليه و آله ليلة المعراج و رأي النار و وجودهما في اخبارنا كالمتواتر المعنوي و روي اللعن علي من يقول انهما ليستا بموجودتين الآن و روي عن ابي‌جعفر [ص 143] عليه السلام والله ماخلت الجنة من ارواح المؤمنين منذ خلقها و لاخلت النار من ارواح الكفار العصاة منذ خلقها عز و جل انتهي ، و شرح صفة وجودهما انه قد تبين مما قدمنا ان اجسام الدنيا هي اجسام البرزخ و هي اجسام الآخرة يعني ان سماء الدنيا هي سماء البرزخ و هي سماء الآخرة و ارض الدنيا هي ارض البرزخ و هي ارض الآخرة و المواليد الدنياوية هي مواليد البرزخ و هي مواليد الآخرة و الاعراض الدنياوية هي اعراض البرزخ و هي اعراض الآخرة و لذات الدنيا هي لذات البرزخ و هي لذات الآخرة و آلام الدنيا هي آلام البرزخ و هي آلام الآخرة فاللذات هي جنة الدنيا و هي جنة البرزخ و هي جنة الآخرة و الآلام هي نار الدنيا و هي نار البرزخ و نار الآخرة الا انها في الدنيا مشوبة بالاعراض الغريبة و اضدادها و في البرزخ تطهر عن تلك الاعراض و يبقي عليها الاعراض البرزخية و في الآخرة تصفو فيصفو كل شيء و يصير صرفا خالصا فيما هو به هو فيكون اللذة لذة خالصة لا نغص فيها و الالم الماً خالصا لا راحة فيها نعوذ بالله فجنة الآخرة هي صرف جنة البرزخ و هي مطهرة جنة الدنيا و نار الآخرة هي صرف نار البرزخ و هي مطهرة نار الدنيا قال الله سبحانه فاولئك يدخلون الجنة و لايظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتيا لايسمعون فيها لغوا الا سلاما و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا و لا شك ان البكرة و العشي في جنة البرزخ و الدنيا و الجنة المورثة للاتقياء هي جنة الآخرة و قال تعالي و حاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا و عشيا و يوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب و عن القراء الاتفاق علي الوقف علي الساعة و عَرْض الغدو و العشي في البرزخ و عَرْض القيمة يوم يقوم الساعة و النار واحدة [ص 144] بالجملة كما ان جسم الآخرة هو جسم البرزخ و جسم الدنيا كذلك جنة الآخرة هي جنة البرزخ و جنة الدنيا و كذا نارها و ان ما في الدنيا يطهر سبعين مرة حتي يكون برزخيا و ما في البرزخ يطهر سبعين مرة حتي يكون اخرويا و لما كان معرفة ذلك من مشكلات الفن يحتاج الي بسط المقال و ان كان يتجاوز في الجملة مناسبة الحال اعلم ان كل شيء لايتم قابليته لكمال الاجابة الا في حلين و عقدين كما ثبت في الفلسفة فالحل الاول في الماء الاول عند اذابته لقبول الماهية التي تسمي بالصورة النوعية و الامتزاج و كون الاجزاء شيئا واحدا و تحصيصه حصصا مبهمة في العقل و التخلق و النمو في الروح و تمام العقد في النفس فهيهنا يتم الخلق النوعي للشيء و يكمل ثم يكسر للخلق الثاني و يحل في الطبايع و يمتزج في جوهر الهباء و يبدأ الانعقاد في المثال و يتم في الجسم و هذا هو الخلق الثاني الشخصي و تمام اكسير الاجابة لدعوة الداعي و الخلق الثاني تمام الخلق الاول و ظاهره و ما لم‌يكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم فبالخلق الشخصي كمال تجلي المتجلي و ظهور الظاهر و كمال الاجابة لدعوة الداعي عند التكليف الكوني كما ان الجسم النوعي لا ظهور له و لا تمثل و لا وجود الا في الاجسام الشخصية فاعتبر و للاكسير حل ثالث عند القائه علي المعدن الناقص القابل و ذوبانه معه و امتزاج و غوص و بداية انعقاد معه و حصول القطبين علي اكمل وجه و كذلك للانسان مثلا انحلال بالدفن في التراب و تفرق لاجزائه الاصلية بمجاورة الاعراض ثم امتزاج عند نزول المطر من بحر الصاد ثم بداية عقد عند اجتماعها في قبره ثم تمام تركيب عند النشر ليحصل له الحيوة الابدية و لسنا الآن بصدد بيان ذلك و الغرض ان الجسم الدنياوي الزماني هو الاثر الشخصي الصادر عن امر الله قد نزل من [ص 145] الخزائن العليا العندية و هو في تركيبه زماني و اما اذا لاحظت انه مركب من مثال و مادة هي حصة من الطبيعة فاجزاؤه دهرية و المثال من تلك الاجزاء برزخية بين الدهر و الزمان و المادة و الطبيعة متمحضتان في الدهرية فالمثال اعلاه دهري لانه هو نهايات المادة الدهرية و اسفله مرتبط بالاجسام الزمانية الدائرة علي المحور و منه ما تري في المرآة من الشبح فلاجل ذلك اسفله علي صفة عالم الزمان له افلاك و عناصر و فيه طلوع و غروب مثل ما في هذه الدنيا و هو عالم البرزخ المشار اليه في الكتاب و السنة قال الله تعالي و من ورائهم برزخ الي يوم يبعثون و عالم الاظلة المشار اليه في الاخبار بالجملة الجسم له مراتب اعلاه في عرصة الآخرة و اوسطه في عالم البرزخ و اسفله في الدنيا و وقته في المراتب الثلث الزمان و محله المكان و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي اولم‌يروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها قال عليه السلام يعني بموت العلماء ، و قد اجمع المسلمون علي ان المعاد جسماني و الفرق بين هذه المراتب ان الجسم في الآخرة خالص عن جميع الشوائب و الاعراض البرزخية و الدنياوية و في البرزخ خالص عن شوائب الدنيا الا انه مشوب بالاعراض البرزخية و المراد بها ما يحصل لكل شيء هناك من تعاكس الامثلة و اللطخ و الخلط المثالي الفلكي و في الدنيا مشوب بالاعراض الدنياوية و المراد بها ما يحصل من اختلاط الطبايع الدنياوية بعضها ببعض فالجمادات هي مولودات حصلت من اختلاط غلايظ هذه الاعراض الدنياوية و النباتات هي مولودات حصلت من صفايا الاغذية العرضية الدنياوية و منها هذه الافلاك الظاهرة لانها في هذا العالم بمنزلة الروح البخاري و الدخاني في الانسان ثم استوي الي السماء و هي دخان و قد روي انها حدثت من بخار الزبد الذي منه الارض و الحيوانات هي مولودات حدثت من الجسم الفلكي لا ظاهره فانه [ص 146] نباتي بل باطنه و غيبه و المراد بغيب الفلك ما خلص من جسمه عن النباتية لا امر روحاني كما ان صفايا الاغذية اي النفس النباتية هي من غيب الجماد فاذا صفي هذه الافلاك ورد ما في كل واحد عن كل واحد الي كل واحد و خلصت عن الاعراض التي منها النبات هي عناصر الحيوان و اصوله و منها النفس الحيوانية و هي ايضا جسم مركب من طبايع جوهرية و الانسان الظلي اي الحيوان الناطق فهو مولود حدث من غيب غيب الافلاك يعني اذا صفيت مرة اخري عن الاعراض الغيبية الحيوانية التي هي الطبايع الجوهرية كما ان الروح النفساني في الانسان يستخرج من الروح الحيواني و هو مركب من العناصر الجوهرية الظلية المثالية فاذا صفي مرة اخري استخرج منه النفس الناطقة القدسية الدهرية و هي الجسم الحقيقي له مادة و صورة و مدته الزمان الحقيقي و محله المكان الحقيقي و هو مركب من طبايع ركنية دهرية فجسم الانسان الحقيقي مخبوء في جسم الانسان الظلي و جسم الانسان الظلي مخبوء في جسم الانسان الحيواني و جسم الانسان الحيواني مخبوء في جسم الانسان النباتي و جسم الانسان النباتي مخبوء في جسم الانسان الجمادي و ما سوي الانسان الحقيقي عرضي قد تالف من اعراض صالحة لكل احد اي لان تكون اعراض زيد او عمرو او نبي او غير نبي او سعيد او شقي و هكذا الا ان الاعراض حاملة لذلك الجوهر الانساني اذ هو النطفة التي نزلت من بحر صاد الوجود الذي هو تحت عرش المشية و وقعت علي شجرة مزن النفوس و نزلت منها الي العرش و الكرسي و الافلاك و السحاب ثم علي الارض و النبات ثم صعدت و تصفت شيئا بعد شيء حتي عادت الي ما منه بدئت و صارت بالفعل بعد ما صارت بالقوة فجسم زيد في الدنيا هو جسمه في البرزخ و لكن يتصفي سبعين مرة و هو جسمه في الآخرة و لكن يتصفي [ص 147] اربعة آلاف و تسعمائة مرة و هو جسمه الحقيقي و في التصفي يعود كل ما ليس منه و لا اليه الا انه كان حاملا له الي جوهره و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و كما بدأكم تعودون و كلهم آتيه يوم القيمة فردا و كذلك هذا العالم بعينه يعني سماواته هي سماوات البرزخ و الآخرة و ارضوه ارضوا البرزخ و الآخرة الا انها تتصفي في البرزخ سبعين مرة و في الآخرة اربعة آلاف و تسعمائة مرة يوم تبدل الارض غير الارض و السموات و برزوا لله الواحد القهار و كذلك اللذات الدنيوية هي هي اللذات البرزخية و هي اللذات الاخروية الا انها في الدنيا مشوبة بالمكاره و تصفي في البرزخ سبعين مرة و في الآخرة اربعة آلاف و تسعمائة مرة كما سمعت يعني لذة زيد في الدنيا بما يناسبه و يشتد المناسبة بين المناسبات في البرزخ سبعين مرة لتخلص الاجسام فيشتد التذاذه بها و كذلك يتصفي البرزخي في الآخرة سبعين مرة فيشتد التذاذه به في الآخرة سبعين مرة فلايلتذ الانسان في الدنيا و الآخرة الا مما يناسبه و كلما يشتد المناسبة يشتد الالتذاذ و كذلك مكاره الدنيا بعينها هي مكاره البرزخ و هي بعينها مكاره الآخرة و كلما يشتد المنافرة يشتد التألم نعوذ بالله الاتري ان الحرارة التي لا برودة فيها اشد تنافرا عن البرودة التي لا حرارة فيها مما اذا كانتا مشوبتين اذ بقدر الشوب تتناسبان فتبين من ذلك ان جنة الآخرة هي جنة البرزخ و جنة البرزخ هي جنة الدنيا و نار الآخرة هي نار البرزخ و نار البرزخ هي نار الدنيا نعوذ بالله و كلتاهما جسمانيتان بحقيقة الجسمانية و وقتهما الزمان الحقيقي و محلهما المكان الحقيقي الا ان ذلك الجسم و وقته و مكانه كلها حضور في الدهر و الزمان و المكان لازمان للجسم فالحمد لله علي ما عرفنا حقيقة ما اتي به حججه سلام الله عليهم و بصرنا بحقيقة صدق اقوالهم و ان عرفت ما من الله به علينا و عليك عرفت ان الجنة و النار موجودتان اليوم كما ان الجسم الحقيقي [ص 148] موجود الآن و لولا الجسم الحقيقي لم‌يقم الجسم العرضي في محله و كذلك لولا الجنة الآن لم‌يقم لذة في الدنيا و لولا النار لم‌يقم الم في الدنيا و وجود الجنة في اللذات و النار في الآلام و الجسم في الاجسام العرضية ليس علي نحو القوة في الامكان فانها عدم و لا علي نحو الزبد في اللبن و ان كنا نمثل به احيانا للتقريب فانهما في صقع واحد و لا علي نحو الشجرة في النواة بل هي موجودة بالفعل في غيب هذا العالم و بوجودها قامت الدنيا و ما فيها و رتبة الجنة غيب الكرسي و سقفها عرش الرحمن و رتبة النار غيب الصخرة التي تحت الارضين السبع تحت قدمي الملك الحامل لها فقد روي ان الجنة تحت العرش في الآخرة و ان النار تحت الارض السابعة السفلي ، و لكل منهما مراتب بازاء كل مرتبة من مراتب من يدخلهما و في كل مرتبة نعيم او عذاب من جنس تلك المرتبة و لا تفاوت في ذلك بين المقربين و اصحاب اليمين فان لكل منهما مراتب و لكل منهما جسم محسوس و مراتب غيبية روحانية الا ان قوة النعيم لكل واحد يتفاوت و مراتب الجنان المحسوسة في غيب الافلاك لقوله تعالي لاتفتح لهم ابواب السماء و لايدخلون ففوق كل سماء في خلال الاعلي جنة الي ان الثامنة فوق الكرسي في خلال العرش و اما الجنان المعقولة ففي عالم الجبروت و اعاليها تنتهي الي عالم اللاهوت اي السرمد و للجنان المحسوسة في كل سماء ارض لقوله تعالي الحمد لله الذي صدقنا وعده و اورثنا الارض نتبوء منها حيث نشاء و روي ان الجنة ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحمن و المراد بهذا الخبر ان الجنة الثامنة التي هي قطب الجنان و مبدؤها في الكرسي او ان ارض الجنة الكرسي و ما يضاف اليه فان الافلاك تفاصيل الكرسي بالجملة و كذلك بعكس ذلك امر النار و للجنة و النار المحسوستين مظاهر في هذه الدنيا كما قد ظهر باصرة الروح في العين [ص 149] و سامعته في الاذن و هكذا و هي كل ارض طيبة و كل طيب و كل ملائم محبوب للجنة و عكسها للنار فانها اذا صفيت كانت جنة او نارا كما سمعت و كذا الجنان المعنوية و النار المعنوية لهما مظاهر كالاقبال الي الله و مناجاته و برد القلب و الالهام و المعرفة و المحبة و امثالها و كالهموم و الغموم و الكفر و وسوسة الشياطين و الانضجار و امثالها كلها اذا صفيت كانت جنة او نارا اخروية و ما روي من ان الانهار الاربعة اي الفرات و النيل و سيحان و جيحان يجرين من الجنة فمعناه ان الفرات مظهر الماء الذي في الجنة و النيل مظهر الخمر و جيحان مظهر العسل و سيحان مظهر اللبن و هي انهار اربعة في الجنة فالماء مظهر العقل و العسل مظهر الروح و اللبن مظهر النفس و الخمر مظهر الطبع و هي في الجنان المعنوية معنوية و في المحسوسة محسوسة يغترفها الملئكة و يلقيها علي العرش فتجري من اركانها الي الكرسي الي الافلاك الي السحاب الي المطر الي الارض فيسلكه الله ينابيع في الارض و يجري بها الاودية فاذا صفيت كانت انهارا في الجنة و كذلك برهوت انه واد من اودية جهنم في حضرموت من اليمن و فيه عين تسمي بلهوت و هي احر ماء علي وجه الارض و امثالها من عيون بقر و بئر النار في بادكوبه و جبال النيران و امثالها فانها كلها مظاهر النيران و جهنم علي حذو ما سمعت و اما ما روي ان الجنة في المغرب و النار في المشرق فليس المراد جهتهما فانهما فوق محدب العرش رتبة فيراد من المغرب مغرب شمس الطبايع و من المشرق موضع شروقها و الشمس حرها من جهنم و نورها من الكرسي فانه لا مشرق و لا مغرب حقيقيين في الدنيا مع كرية الارض و استدارة السماء .

[ص 150] قاعدة - اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق في اكوانهم الظاهرة من مادة و صورة كونية و ميز بينهم بتمييزات كونية و لم‌يكونوا مصورين بصورة طاعة و لا معصية و اكوانهم امكان الصور الشرعية و اكوانها كما تري من ان العين مثلا صالحة لان تنظر بها الي غير محرم و ان تنظر بها الي القرآن و اليد صالحة لان تلطم بها وجه اليتيم و ان تتصدق بها و هكذا و ليس في هذه العرصة شقي و سعيد و جنة و نار و عليون و سجين ثم وجه المشية التشريعية الي هذا الامكان ليختبرهم فاشرق منها نور علي صفة تلك المشية يحمله الامر و النهي و هما ظهوراه في عالم الالفاظ فوقعا علي ارض ذلك الامكان فاختلف اجزاؤها في القبول و سرعة الاجابة و تأخرها و عدمه و كيفيتهما و حدث هيهنا الكون الشرعي مركبا من مادة هي ذلك النور و صورة هي قبول المكلف و عدمه و تلك الصورة التي هي العمل اما توافق الامر و النهي فتكون علي حسب محبة الله و اما تخالف فتكون مبغوضة لله سبحانه و تلك المادة معراة عن الموافقة و المخالفة اذ هما صفتان للعمل لا النور الصادر من المشية ففي عرصة الاعمال يحصل الجنة المحبوبة و النار المبغوضة و عليون و سجين و السعادة و الشقاوة و الحسن و القبح و الطيب و الخبث و لذا روي الاعمال صور الثواب و العقاب فالجنة مادتها ذلك النور الصادر من المشية و صورتها اعمال العالمين و الي ذلك يأول قوله ان الجنة قاع صفصف فاكثروا فيها الغراس ، و النار مادتها ذلك النور اذ هي علي صفة محبة الله ايضا و صورتها اعمال العالمين فماتجزون الا ما كنتم تعملون ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري انما هي اعمالكم ترد اليكم ، فالاعمال الحسنة في الدنيا اعمال بدنية او عزيمات قلبية و اما في الآخرة فهي تظهر بصور القصور و الاشجار و الطيور و الانهار و الحور و الثمار علي حسب مقتضي ذلك العالم لا هذا العالم و كذا النار بعكس ذلك بالجملة الاكوان الشرعية قد ظهرت في الدنيا علي صورة الصفة [ص 151] للوجودات الكونية و استخرجت من امكانها و تأخرها عنها مع كونها العلة الغائية تدل علي تقدمها و هي كانت كحبة زرعت في الوجودات الكونية ثم اضمحلت فيها و صارت بالقوة ثم خرجت منها كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة و الله يضاعف لمن يشاء فالوجودات الشرعية هي مقدمة علي الوجودات الكونية و هي العلة الغائية من الايجاد و خلق الله تلك الوجودات الشرعية علي حسب علمه بها و علمه بها اولي بحقيقة التصديق فمن علمه الله سعيدا خلقه سعيدا فانزله في الوجودات الكونية ثم هيأ اسبابا استخرجه بها منها غضا طريا و من علمه شقيا خلقه شقيا ثم انزله في الوجودات الكونية ثم هيأ اسبابا استخرجه بها منها غضا طريا و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فانقطع الاعذار و قامت حجة الجبار و اما في الظاهر فخلق كونا صالحا للاجابة و الانكار و اقام الدعاة الي الجنة و النار فتفرق الاخيار من الاشرار و لا حجة لاحد عليه في الغيب و الشهادة و له الحجة علي الاشرار و المن علي الاخيار لا اله الا هو الملك القهار و ليس هيهنا مقام اكثر من هذا المقدار فلما كانت الوجودات الشرعية علي صورة الصفة للوجودات الكونية انقلبت تلك الوجودات في بطون تلك الصور و الصفات فمن كان عمله خيرا انقلبت مادته في بطنها نورا و من كان عمله شرا انقلبت مادته في بطنها ظلمة و ان اريد بالوجودات الكونية هذه الاعراض الدنياوية و البرزخية فانها عند التصفية تعود الي جواهرها و يبقي الانسان الشرعي مصورا بصورة عمله اما مخلوقا من طينة عليين و الجنة و اما من طينة سجين و النار له مادة من نور الشارع و صورة من عمله و لذلك يقال ليس وراء دنياكم هذه الا جنة او نار و ذلك الوجود الشرعي هو العلة الغائية و الصورة العلوية المشار اليها في شرح العالم العلوي صور عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد ، و انما [ص 152] هي معراة عن المواد العرضية و مددها لا عن مطلق المادة و ليس مرادي من بقاء الانسان الشرعي ان المحشور هو الانسان الشرعي و لا كوني له بل المحشور هو الانسان الكوني الذاتي المصور بالصورة الشرعية كما كانوا في عالم الذر اولا اكوانا ثم كلفوا و صوروا بصور اجاباتهم نعم بعد ما نزلوا الي هذه الدار حصل لهم اعراض كونية ايضا ليست منهم و لا اليهم و ذلك حين ماتوا في عالم الذر و دفنوا في ارض الطبايع و حصل لهم هنالك لطخ و خلط فافهم .

قاعدة - اعلم ان النار خلق عظيم اعاذنا الله منها بحق محمد و آل‌محمد عليهم السلام لانها من غضب الله جل جلاله و غضب الله جل جلاله هو مقتضي الاعمال التي تخالف امر الله و نهيه و النار لها مادة و صورة مادتها نور الشارع الذي حامله الامر و النهي كما اشرنا اليه و صورتها مخالفة المكلف الامر و النهي كما اشرنا اليه سابقا و بتلك الصورة يكون ذلك النور نارا و تختص بالمكلف و لها مراتب علي حسب المراتب و مخالفة المكلف فيها و ذلك ان للمكلف جسما عنصريا و حيوة و فكرا و خيالا و وهما و علما و نفسا و هذه المراتب صالحة لان يطيع بها الانسان اوامر الشارع و نواهيه و ان يعصيه فيها فهي اما ابواب الجنة بها يتوصل اليها و اما ابواب النار بها يصل اليها نعوذ بالله و للجنة باب ثامن و هو العقل و لايصلح هذا الباب للمعاصي فان العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان فلاجل ذلك يكون الجنان ثماني و النيران سبعا فالباب الاول باب الجسم هو الجحيم يقوم اهلها علي الصفاء منها يغلي ادمغتهم كغلي القدور بما فيها و باب الحيوة لظي نزاعة للشوي تدعو من ادبر و تولي و جمع فاوعي و باب الفكر سقر لاتبقي و لاتذر لواحة للبشر عليها تسعة‌عشر و باب الخيال الحطمة و منها [ص 153] يثور شرر كالقصر كانه جمالات صفر تدق من صار اليها مثل الكحل فلاتموت الروح كلما صاروا مثل الكحل عادوا و باب الوهم الهاوية فيها ملوك يدعون يا مالك اغثنا فاذا اغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيه صديد ما يسيل من جلودهم كانه مهل فاذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم من شدة حرها و هو قوله و ان يستغيثوا يغاثوا الآية ، و من هوي فيها هوي سبعين عاما في النار كلما احترق جلده بدل جلدا غيره و باب العلم السعير فيها ثلاثمائة سرادق من نار في كل سرادق ثلاثمائة قصر من نار في كل قصر ثلاثمائة بيت من نار في كل بيت ثلاثمائة لون من عذاب النار و فيها حيات و عقارب و جوامع و سلاسل و هو قوله انا اعتدنا للكافرين سلاسل و اغلالا و سعيرا و باب النفس جهنم فيها ثلاث طبقات الفلق و هو جب في جهنم اذا فتح سعر النار سعيرا و هو اشد النار عذابا و صعود و هو جبل من صفر من نار وسط جهنم و اثام واد من صفر مذاب يجري حول الجبل فهو اشد النار عذابا نعوذ بالله من جميعها فاذا عصي الله الانسان بتلك المراتب كانت ابوابا لهذه الدركات تؤدي صاحبها الي تلك الدركات و الدركات هي صورتها نفس تلك المعاصي و موادها ظل الشارع اذ هو رحمة الله علي الابرار بباطنه الذي هو الطاعات و نقمته علي الفجار بظاهره الذي هو المعاصي و الانسان المتصف بالعصيان اي الانسان الكوني المستحيل كينونته في العصيان ظلمة و شرا يحترق في تلك النار و يتألم دائما لثبات كينونته في الدهر في تلك الصفة الثابتة في الدهر المكتوبة في لوح محلها الاتري انك كلما التفت اليها تجدها فتلك الكينونة مخلدة في تلك الصفة التي هي صورة العقاب و شرح سر التنعم و التألم ان تلك الكينونة اثر مشية الله و علي حسب صفتها و هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها و كل مولود يولد علي الفطرة [ص 154] اذا عرض عليها الحق و الباطل عرفهما و تلك الكينونة مستمدة من الله سبحانه و يمدها الله بجنسها و بقاؤها بذلك المدد فاذا اطاع الانسان امده الله من جنس ذلك المدد فانه بلسان عمله يسأل ربه المدد من جنس الطاعة و الطاعة تكون طاعة لموافقتها امر الشارع و نهيه و مناسبتها للفطرة بالذات فان الفطرة علي حسب المشية و المشية علي حسب صفات الله و انما مكنت الفطرة من المعصية بالعرض لتمام تحقق الطاعة فاذا اطاع الانسان و جاءه المدد من جنسها ناسب الفطرة بالذات فتنعمت و سكنت بها و استقرت في جميع مراتبها و هي العقل و النفس و التعقل و العلم و الوهم و الوجود و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد لانها خلقت للطاعة بالذات فكتبت الواحدة عشرا في الالواح العشرة و اذا عصي امده الله من جنس ذلك العصيان فانه بلسان عمله يسأل ربه المدد من جنسه و المعصية تنافي تلك الفطرة بالذات و ان كانت صالحة للمعصية ايضا بالعرض فتتألم تلك الفطرة من ذلك المدد المنافي لها بالذات و يحصل للفطرة طبيعتان طبيعة اولية هي علي حسب هيئة المشية و طبيعة ثانية تطبعية فان امدت بمقتضي التطبع تألم الطبيعة الاولي و ان لم‌تمد تألمت ايضا فانها محتاجة الي المدد و لا مدد لها غيره قال الله تعالي ان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل و ان لم‌يغثوا استغاثوا لشدة عطشهم و احتياجهم الي المدد و كذلك ليس يسكن المهية بذلك المدد فانها قائمة بالوجود فاذا اضطرب الوجود اضطرب المهية بالتبع فاذا عصت تكتب واحدة لانها تمر بنفسه و علمه و وهمه و خياله و فكره و حيوته و جسمه و لاتستقر فيها لانها لم‌تخلق لها و لم‌تكن من طبعها و تحتاج الي تكلف و لذا قال الله تعالي لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و الاكتساب فيه تكلف ليس في الكسب فلاتستقر فيها حتي تصدر من الجسد ثم تنعكس منه عليها [ص 155] فان لم‌تدفعها بفطرتها الاصلية ثبتت علي الجسد فيؤجل العاصي سبع ساعات حتي يتم الانعكاس علي كل رتبة فان لم‌يتب و تمكنت فيه كتبت واحدة و هي ما صدر من الجسد و ما في البواقي عكوسها و ليس لها فيها تاصل و لذلك يكتب نية الخير و ان لم‌يعمل بجسده و لايكتب نية الشر حتي يعمل بجسده فانه اصل الماهية و مبدأها فتدبر ثم اعلم ان جهنم تشتمل علي انواع الآلام في اكمل مراتبها و اشد صرافاتها بمعني ان كل الم في الدنيا اذا بلغ حد القتل في لحظة اذا شدد اربعة آلاف و تسعمائة مرة تساوي آلام النار نعوذ بالله كما سمعت انه تصفي الاجساد كذلك و كذلك كل لذة في الدنيا للجنة ففي النار آلام محسوسة متضادة و آلام معنوية متنافرة علي حسب ما مر ثم اعلم انه قد حقق في محله ان الجان خلقوا من ظل الاناسي فالجنان الاصلية هي طاعات الاناسي و محلها افلاك الاناسي كما عرفت و هي درجات الاناسي و اما الجن فهم في حظاير تلك الجنان بين السماء و الارض و هي اشعة السماوات و انوارها التي بين السماء و الارض لان كينونتهم ظل كينونة الاناسي و طاعاتهم ظل طاعات الاناسي و كذلك حال مراتب النار فعصاة الجن يسكنون الضحضاح و هي ادخنة صاعدة من النيران الاصلية فوق الارض علي طبع كل درك نعوذ بالله و عصاة الاناسي يسكنون النيران الاصلية نستجير بالله و اما اولاد الزنا فالي سبعة ابطن فان عصوا فمع الاناسي و ان اطاعوا فمع الجن لقوة استعدادهم في العصيان و ضعفه في الطاعة و اما المجانين فيجدد لهم التكليف فان اطاعوا او عصوا فمع الجن اللهم الا ان يرفعهم شفاعة الشافعين و اعلم ان الطاعة الخالصة هي كلمة النجاة فان كانت تامة الحروف ترفع صاحبها الي الجنان فان كانت ناقصة [ص 156] او ضعيفة تقصر عن رفع صاحبها فان اشرق عليها نور شفيع اتم الكلمة او قويها فرفعت بصاحبها الي درجة تقتضيها و الا فيبقي في محله و ذلك هو سر نفع الاعمال لحي او ميت .

قاعدة - اعلم ان الله سبحانه خلق الانسان كلمة تامة انموذج العالم فجعل فيه من كل جزء من اجزاء العالم قبضة تدل علي بيدر العالم فجعل فيه من العرش قبضة فخلق منها قلبه و هو مظهر عقله و من الكرسي قبضة فخلق منها صدره و جعله مظهر نفسه و من السماء السابعة قبضة و جعلها تعقله و من السادسة قبضة و جعلها علمه و هما ظهوران من باطن العرش و الكرسي فالتعقل فعل العقل و تأييده و العلم فعل النفس الملكوتية و تأييدها و من الخامسة الوهم و هو مركب من اثر الفلكين فمعنويته من اثر التعقل و جزئيته من اثر العلم و من الرابعة وجوده الثاني و مادته و طبيعته و من الثالثة الخيال و هو ظاهر الوهم و من الثانية الفكر و هو ظاهر العلم و من الاولي قبضة خلق منها حيوته و من الارض اي ارض الطبايع حصة و قبضة خلق منها جسده و جعل فيه من النار عينه و من الهواء اذنه و من الماء شمه و من التراب ذوقه و من المجموع لمسه و كل واحدة من هذه القبضات مركبة من مادة و صورة بحسب رتبتها و لطافتها و كثافتها بعضها فوق بعض درجة و المراد بهذه القبضات القبضات الذاتية لا العرضية و هي كلها صالحة لان يطيع الله الانسان بها و لان يعصي علي ما تقدم الا انه اذا اطاع يطيع بمقتضي وجوداتها و اذا عصي يعصي بمقتضي ماهياتها و الطاعة هي امتثالها لامر الشارع و نهيه اللذين هما حاملا نوره و شعاعه المنبث علي القوابل و المعصية هي امتناعها عن الامتثال و مخالفتها فعليها من ذلك النور و الامتثال او المخالفة وجود [ص 157] شرعي هي به مؤمنة او كافرة و هذا الوجود الشرعي هو العلة الغائية للوجود الكوني مقدم عليه وجودا و مؤخر عنه ظهورا ذاتي متقدما عليه و وصفي متاخرا عنه نظيره كون الماهية موجودة فالوجود مقدم عليها و متذوت متقدما و ظاهر عليها علي الوصفية بالجملة ذلك الوجود الشرعي هو الجنة او النار و ذلك الوجود الكوني بطاعته في الجنة و بعصيانه في النار و للطاعة درجات بحسب تلك المراتب المذكورة فانه ان اطاع يطيع الله بعقله و نفسه و تعقله و علمه و وهمه و طبعه و خياله و فكره و حيوته و تلك الطاعات هي مراتب الجنان فكل جنة فوق سماء و في خلال الاعلي كما مر و قال الله سبحانه لاتفتح لهم ابواب السماء و لايدخلون الجنة و الجنة الثامنة فوق الكرسي في خلال العرش و هي جنة عدن و هي التي ارضها الكرسي و سقفها عرش الرحمن و جميع هذه الجنان مظاهر رحمة الرحمن و هي حقيقتها و اذا عصي نعوذ بالله بهذه المراتب فكل رتبة من وجوده الكوني يتصور بصورة عصيانه و هي الوجود الشرعي علي ما وصفت و ذلك الوجود الشرعي هو النار و لها مراتب اوليها في الارض الاولي ارض الموت و ثانيتها في الارض الثانية ارض العادات و ثالثتها في ارض الطبايع و رابعتها في ارض الشهوة و خامستها في ارض الغضب و سادستها في ارض الالحاد و سابعتها في ارض الشقاوة و ذلك ان النار بجميع طبقاتها في الارض و الظاهر ان الابواب السبعة لكل طبقة و قد يراد بها الحواس الخمس و الجسد و النفس و لو قيل الحواس الخمس و البطن و الفرج لم‌يكن بعيدا بل هو اولي و قيل الحواس الخمس و الخيال و الوهم و لااعرف خصوصيتهما الا انهما في الحيوانات اقوي من ساير المشاعر و قد يراد بها النفس و العلم و الوهم و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد فهذه [ص 158] ابواب يتوصل الانسان بها الي النار اي اهل كل طبقة يتوصل بها الي النار و الي الجنة اي اهل كل درجة يتوصل بها الي الجنة و قد يقال ان الابواب هي الطبقات و ذلك ان النفس بقول مطلق لها علم و وهم و خيال و فكر و روح و جسد فهذه الستة ستة صالحة للطاعة و المعصية فان اطاعت فصورتها الشرعية جنة و عليون و ان عصت فنار و سجين و اما السابعة فهي النفس و هي اعظم الابواب و اكبرها و اسفلها في النار و اعلاها في الجنة و للمطيع تعقل زايد علي السبع و هو يطيع و لايعصي فهو باب للجنة فالجنان ثمان و النار سبع و اما الوجود الثاني فمقامه مقام المادة ليس فيها طاعة و لا معصية فتدبر و ذلك العقل هو طريق الجنة و هو الصراط الممدود علي النار و هو ادق من الشعر و احد من السيف لايسلكه الا العقلاء جعلنا الله منهم و هم المطيعون لله فيما امر و نهي فالمتقون الذين ليس لهم ذلك العقل الدقيق ففيهم تجسم العقل و غليظه و هو الطاعات فلكل منهم مقام معلوم .

قاعدة - في الاشارة الي ملئكة الجنة و النار و عدد الزبانية و هم الذين قال الله فيهم عليها تسعة‌عشر و ماجعلنا اصحاب النار الا ملئكة و ماجعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا اعلم ان الحكماء في الملئكة علي اقوال ناشئة عن خرص و تخمين فمنهم من زعم ان الملئكة نفوس السعداء كما ان الشياطين نفوس الاشقياء و منهم من زعم ان الملئكة هم القوي و اما المتشرعة فهم يقولون بظواهر الكتاب و السنة انهم خلق مستقلون لهم نفوس و ابدان و اجنحة مثني و ثلث و رباع و يزيد الله في الخلق ما يشاء و الحق معهم الا انهم لايعرفون رتبتهم و مقامهم و معرفتهم حقيقة من المشكلات و هم اعلي اجناس و المقصود بيانه هنا الذي هو المشكل جنس الحفظة و الكتبة و المدبرة و المقدرة [ص 159] و امثالهم كجبرئيل و اعوانه و ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل و اسمعيل و اعوانهم اعلم ان هذا الجنس من الملئكة هم الوسائط بين الآمر و المأمور و احتيج اليها لنقصان المأمور عن التلقي عن الآمر و كون الآمر من عالم السرمد او الدهر و كون المأمور من عالم الدهر او الزمان و منزلتهم منزلة الباء في مررت بزيد فان اثر الفعل بسببها يتعلق بالفعل و ذلك كما انه قد يكون الجسد بسبب كثافته غير قابل للتأثير عن الاكسير اما لشدة كثافته و اما لشدة لطافة الاكسير فيوضع بينهما ما يلايم الاكسير و يتأثر به تأثرا فاضلا ثم يؤثر في الجسد بالملائمة فلاجل ذلك احتيج في الايجاد الي رابط و بهذا المعني ايضا يصح اطلاق الملئكة علي العالين لانهم وسائط بين الله و بين خلقه و علي الملئكة الكروبين لانهم وسائط بين العالين و ساير الخلق و علي الشيعة كما هو باطن قوله تعالي و ماجعلنا اصحاب النار الا ملئكة لانهم الوسائط بين الحجج و ساير الرعية و هكذا كل واسطة بين عال و دان و نمثل لك في خلق زيد الي رتبة الملئكة حتي تعتبر به في ساير الموارد اعلم ان لزيد خلقين خلقا اوليا و خلقا ثانويا اما الخلق الاولي فهو جهته الفعلية و اما خلقه الثانوي فهو جهته المفعولية و الملئكة من رتبة المفعول و واسطة بين الفعل و المفعول فاذا نظرنا الي مقام مفعوليته رأينا اول مراتبه مقام المادة و وجدناها مرتبطة بعالم الغيب و مقام الفعل باعلاها الذي هو الطبيعة و مرتبطة بعالم الشهادة الذي هو المثال و الجسم و الجسم هو تمام المثال فالمادة هي مقام الملئكة و هي شبيهة في تجردها بالاعلي و في غلظتها و اقترانها بالادني و هي تتلقي الامداد من الفعل و تؤدي الي المفعول و هي التي ترسم آثار الامر العالي في لوح المفعول و هي خلق مستقل بالنسبة الي المفعول الذي هو الجسم و ان كان من اجزاء عالم زيد كما ان الملئكة [ص 160] من اجزاء العالم الكبير و ان كان وجودهم مستقلا بالنسبة الي ما وكلت به فافهم و ليس شرط استقلاله خروجه عن عرصة ما وكل به فملك النار ناري و ملك الهواء هوائي و ملك الماء مائي و ملك التراب ترابي و ملئكة زيد زيديون كما ان ملئكة الجسم جسمانيون و الروح روحانيون و هكذا و في جميع المقامات الملك خلق مستقل غير ما وكل به و هذه النسبة التي ذكرنا يجري في كل مرتبة و كل شيء ففي كل مرتبة و كل شيء يكون الملك المادة التي في الخلق الثاني بالنسبة اليه و هي ملك له اجنحة بها يسير الي مبدئه و يستمد و تلك الاجنحة جهات طبايعه و هي علي الوان مختلفة بحسب تلك الجهات و بعدد تلك الجهات و هو غير ما وكل به و ان كان من اجزاء عالمه و هو ضعيف الاختيار جدا لانه وجود منفرد و ان كان له انية ضعيفة من المادية لايعبأ بها بالجملة هذا العالم مركب من جهات فعلية و جهات مفعولية اما جهات فعليته فالسموات و اما جهات مفعوليته فالعناصر و الطبايع فالملئكة السفلية الطبيعية هي المواد المأخوذة من الطبايع و هم طبيعيون و اما الملئكة العلوية فهم في السموات فان لها في رتبتها ايضا مقام مفعولية فالشمس هي مقام الطبيعة و المادة و الافلاك الستة مقام المثال و الجسم فاذا مقام الملئكة الفلك الرابع و فيه البيت المعمور له اركان اربعة و قد وكل بها الملئكة الاربعة ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل و جبرائيل فهؤلاء ملئكة الامداد لما دونهم و الاستمداد من العرش و الكرسي اللذين هما بالنسبة الي الافلاك الخلق الاول و مقام الفعل فهؤلاء الملئكة لايتجاوزون البيت المعمور و لايصلون الي سدرة المنتهي التي هي في الكرسي و تنتهي اليها اعمال الخلق اي وجوه الاعمال هي في الكرسي التي هي اللوح المحفوظ و كذلك اذا نظرت الي العرش و الكرسي في مقامهما فالعرش له مقام الفعلية [ص 161] و الكرسي له مقام المفعولية ففي الكرسي ملئكة سفلية بالنسبة استمدادية من العرش و امدادية لما دونه و في العرش ايضا ملئكة في مقام مفعوليته بنفسه في مقام مادته الثانية و له ايضا اربعة اركان و لكل ركن ملك فعلي امدادي لمن دونه و استمدادي من حيث نفسه اذ خلق بنفسه في حده و هم الملئكة العالون و حملة العرش و علي هذه فقس ما سواها في جميع العوالم ففي الكرسي بروج اثناعشر و الافلاك دونه سبعة و لكل ملك موكل بتدبيره و اجرائه مجراه و ادارته علي حسب ما شاء الله و هذه الملئكة التسعة‌عشر هي كليات مدبرات العالم و ما يجري في السفليات من مرادات الله و امداداته و هم الذين يهيئون اسباب الطاعة للمطيعين و اسباب المعصية للعاصين لان الله سبحانه علم الخلق علي ما هم عليه في سابق علمه و علمه اولي بحقيقة التصديق و هو غير متهم في علمه فخلق الخلق كما علم و اخرجهم من المواد السفلية العرضية و هيأ للمطيعين اسباب الطاعة و وفقهم للامتثال لما علم انهم اهل الطاعة و لولا ذلك لم‌يقدروا علي طاعة و هيأ للعاصين اسباب المعصية و خلي لهم السرب و مكنهم من المعصية اذ لولا ذلك لم‌يقدروا علي معصية فبنعمته قوي اهل الطاعة علي طاعتهم و بقوته قوي اهل المعصية علي معصيتهم و ذلك امر مبهم علي غير اهله و سر منمنم و ذلك تقدير العزيز العليم فالملئكة التسعة‌عشر لتهيئة الاسباب للعاصين هم زبانية جهنم و الزبانية جمع زِبني مأخوذ من الزبن بمعني الدفع قال في المعيار : الزبانية كعلانية عند العرب الشرط كغرف و سمي بذلك بعض الملئكة لدفعهم اهل النار اليها و هم تسعة‌عشر و هو قوله تعالي عليها تسعة‌عشر قال بعضهم واحدها زباني و قال آخر زبنية كسلسلة و العرب لاتكاد تعرف هذا و تجعله من الجمع الذي لا واحد له كابابيل و عباديد الي ان قال او [ص 162] واحدها زبني كجسم بياء النسبة انتهي ، و الشاهد علي ان هذه النجوم مدبرات ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به انتهي ، فروح القدس بنفسه موكل بالعرش فيلقي اليه الامر من الله سبحانه و هو يلقي الي اولئك الملئكة و هم يديرون النجوم علي حسب ما امر الله سبحانه بالجملة هذا في العالم الكبير و اما في العالم الصغير اي الانسان ففيه ايضا عمره سنة واحدة فيه استكمال نفسه من بدو ظهورها الي كمالها و له فصول اربعة كل فصل ثلثون سنة في الاكثر و قد يكون اقل علي حسب اختلاف البني و لكل فصل اول و اوسط و آخر و عندي علي الاصح سن الهرم شتاء و قيل خريف و سن الكهولة الشتاء و انما عبرنا بفصول الجسد عن فصول النفس لخفائها في النفس و المقصود فصول النفس لانها الكرسي في الانسان الذي هو العالم الصغير و له عقل و علم و وهم و وجود الحسي و خياله و فكره و حياته و علي كل من هذه التسعة‌عشر ملك موكل جزئي فاما يكون الشخص علي الفطرة فهذه الملئكة يدبرون امره و يسوقونه الي الجنة و اما يكون علي الفطرة المبدلة فهذه الملئكة يسوقونه و يزبنونه الي النار فلكل شخص زبانية تسعة‌عشر هم اعوان الملئكة الكلية التي في العالم الكبير كما سمعت و لو قال قائل انهم الموكلون بالعناصر الاربعة و القوي الخمسة النباتية و القوي الخمسة الحيوانية و القوي الخمسة المثالية لكان له وجها وجيها فان هذه الملئكة هم الذين يزبنون المغيرين للفطر الي النار و في العالم الكبير هم الموكلون باخراج ما في قوي العالم الي الفعلية و في العالم الصغير في كل نفس منهم اعوان فمن كان علي الفطرة و كان طيب [ص 163] الطينة يخرجون من كمونه الي شهوده فعليات هي صور الثواب و من كان مغيرا مبدلا و كان خبيث الطينة يخرجون من كمونه الي شهوده فعليات هي صور العقاب فهم زبانية جهنم لقوم و سدنة الجنان لآخرين و اعلم ان السدنة يسوقون المؤمنين الي الجنة في الدنيا و البرزخ و الآخرة و الزبانية يزبنون الكافرين الي النار في الدنيا و البرزخ و الآخرة و هم في الاجسام كالروح في الجسد و المعني في اللفظ و الناس ما داموا في الدنيا يشهدون الاجسام و لايشهدون ارواحها كمن يسمع اللفظ و لايعرفون المعني قال الله سبحانه مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع الا دعاء و نداء صم بكم عمي فهم لايعقلون فلاجل ذلك لايرون الملئكة و سوقهم و زبنهم و لما كان الجنة في الدنيا ايضا علي صورة الحسنات و النار علي صورة السيئات و الطبايع متغيرة علي حسب الاختلاف و الطاعات منافرة للطبيعة المتغيرة مولمة و ملايمة للطبيعة الاصلية و المعاصي منافرة للطبيعة الاصلية ملائمة للطبيعة المتغيرة و لربما يشاب الطاعة بمنافر للفطرة و يشاب المعصية بمنافر للطبيعة المغيرة فيشتبه الامر علي المطيعين و العاصين و لشوبهم مداركهم بالحق و الباطل و بالاعراض و الامراض لايحسون بالملايم و المنافر كما ينبغي فاذا تخلصوا عن هذه الاعراض و التغيرات او رقت و اضمحلت بالمجاهدات شاهدوا ما يلايم الفطرة فيلتذون منها و ما ينافر فيتألمون منها و شاهدوا اولئك الملئكة الذين مكنوهم من الطاعات و ساقوهم الي الجنان و اولئك الملئكة الذين مكنوهم من المعاصي و زبنوهم الي النيران فان الملئكة في عالم الشهادة غيب اذ هم كالارواح للاجسام و النفوس الناقصة لماتتجرد و لماتفارق الاجسام فهم منهمكون في الاجسام و لايشاهدون الارواح و اذا فارقت الاجسام قسرا او اختيارا شاهدت و يوم [ص 164] يرون الملئكة لا بشري يومئذ للمجرمين فانهم يدركونهم زابنين لهم الي جهنم باجراء الاعمال غير الملائمة للفطرة الالهية فيعذبون فيها بوصول غير الملايمات الصرفة نعوذ بالله .